Полный текст (2 483 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قوله : ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) ﴾ .
قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ، أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد. وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامع الرجل امرأته في دبرها في قبلها كان الولد أحول. فنزلت: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ .
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أناس من الأنصار، أتوا النبي ﷺ فسألوه فقال النبي ﷺ : «ائتها على كل حال، إذا كان في الفرج» ، وفي حديث آخر: «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة» ، وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعون من أتى امرأته في دبرها» .
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ﴾ ، قال السدي: يعني: الخير والعمل الصالح. وقال مجاهد: يعني: إذا أتى أهله فليدْعُ، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا» .
стр. 247
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ ، أي: خافوا الله فلا ترتكبوا ما نهاكم عنه. ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ ، فيجازيكم بأعمالكم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، المطيعين بجزيل ثواب الله لهم.
قوله : ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) ﴾ .
قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ : لا تجعلن الله عرضة ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير، وفي الصحيحين عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» .
وقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، عن عائشة مرفوعًا: «اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله» . رواه أبو داود، وعنها قالت: (هم القوم يتدارءون في الأمر فيقول هذا لا والله، وبلى والله، وكلا والله يتدارءون في الأمر، لا تعقد عليه قلوبهم) ، وقالت أيضًا: (إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله) . وعن الحسن بن أبي الحسن: (مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون، يعني: يرمون، ومع رسول الله ﷺ رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي ﷺ للنبي ﷺ : حنث
стр. 248
الرجل يا رسول الله، قال: «كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» . رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن. عن الحسن وعن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفّر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك» .
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، أي: عزمتم عليه، وقصدتم به اليمين كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، أي: غفور لذلات عباده حليم عليهم.
قوله : ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) ﴾ .
الإيلاء هو: أن يحلف من جميع نسائه أو بعضهن لا يقربهن، فإن وقّت بدون أربعة أشهر اعتزل حتى ينقضي ما وقّت به، وإن وقّت بأكثر منها خيّر بعد مضيها بين أن يفيء أو يطلق.
وقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ ، أي: يحلفون على ترك جماعهن.
وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ، أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، فإن أبي طلق عليه الحاكم.
стр. 249
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، استدل بذلك على أنه لا كفارة عليه إذا فاء بعد الأربعة الأشهر، والجمهور أن عليه التكفير.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قال سعيد بن المسيب: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، فإن جاوز فقد عصى الله. والله أعلم.
* * *
стр. 250
الدرس السادس والعشرون
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (٢٢٨) الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٢٣٢) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ
стр. 251
بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) ﴾ .
* * *
стр. 252
قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (٢٢٨) ﴾ .
القرء: يطلق في اللغة على الحيض والطهر، وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ . فذهب جماعة إلى أنها الأطهار، وهو قول: الفقهاء السبعة، ومالك والشافعي، وذهب جماعة إلى أنها الحيض، وهو قول: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، ومجاهد، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، وأكثر أئمة الحديث وهو الراجح.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، أي: لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل، لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد، أو استعجالاً لانقضاء عدتها، أو رغبة في تطويلها، بل تخبر بالحق من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً﴾ أي: أزواجهن أحق برجعتهن في حال العدة، ﴿إِنْ أَرَادُواْ﴾ بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار بالمرأة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى
الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما قال رسول الله ﷺ ، في خطبته في حجة الوداع: «فاتقوا الله في
стр. 253
النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . رواه مسلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ كما قال تعالى: ... ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، وقال النبي ﷺ : «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ ، أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم فيما شرع وقدر.
قوله : ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) ﴾ .
روى ابن أبي حاتم وغيره عن عروة بن الزبير: (أن رجلاً قال لامرأته لا أطلقك أبدًا، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت له، فأنزل الله : ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ . قال ابن عباس: إذا
стр. 254
طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في
ذلك، أي: في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ ، أي: لا يحل لكم أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن إلا في حال الشقاق، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ . وعن ابن عباس: (أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «أتردين عليه حديقته» ؟ قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . وفي رواية: (قالت: لا أطيقه، يعني: بغضًا) . رواه البخاري. وعند الإمام أحمد: (فأمره النبي ﷺ أن يأخذ ما ساق ولا يزداد) وعند ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (فردت عليه حديقته. قال: ففرق بينهما رسول الله ﷺ ) .
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، أي: هذه أوامر الله ونواهيه، فلا تتجاوزوها. واستدل بهذه الآية على أن جمع الثلاث التطليقات بكلمة واحدة حرام. وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانًا فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» ؟ الحديث.
قوله : ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن
стр. 255
طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ ، يعني: الطلقة الثالثة، ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ ، أي: من بعد الطلقة الثالثة، ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ، أي: غير المطلق فيجامعها، ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ ، أي الزوج الثاني بعد الجماع، ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ أي: المرأة والزوج الأول، ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ ، أي: يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة. وعن ابن عمر قال: (سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: «حتى تذوق العسيلة» . رواه أحمد وغيره. وروى البخاري ومسلم عن عائشة: (أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؟ فقال: «لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول» . وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال: (لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا وموكله) .
قوله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ
اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) ﴾ .
стр. 256
قال ابن عباس وغيره: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً﴾ ، روى ابن جرير عن أبي موسى: (أن رسول الله غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله غضبت على الأشعريين؟ فقال: «يقول أحدكم: قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبُل عدتها» . وقال الحسن وغيره: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً﴾ فألزم الله بذلك. وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» .
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: في إرساله الرسول إليكم ﴿وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ، أي: السنة ﴿يَعِظُكُم بِهِ﴾ يأمركم وينهاكم، ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ فيما تأتون وما تذرون، ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم وسيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
قوله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن
стр. 257
يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٢٣٢) ﴾ .
روى أبو داود وغيره عن الحسن: (أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، أي: بعقد حلال ومهر جائز، ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ، أي: ردهن إلى أزواجهن. ﴿أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ، أي: ردهن إلى أزواجهن خير لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم، فاتبعوا أمر الله واتركوا الحمية، فإنه تعالى أعلم بمصالح خلقه من أنفسهم.
قوله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) ﴾ .
قال البغوي: (قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ أي: المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن، ﴿يُرْضِعْنَ﴾ ، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد، لقوله
стр. 258
تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها) . انتهى. وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» . رواه الترمذي. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين» . رواه الدارقطني وغيره. قيل: إن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد، إما في بدنه أو عقله.
وقوله تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا﴾ ، أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن، بما جرت به عادة أمثالهن بحسب قدرته، كما قال تعالى ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ . قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقوله تعالى: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ . قال مجاهد: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على
أبيه (ولا يضار) الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها. وقال ابن زيد: لا ينتزعه منها وهي تحب أن ترضعه فيضارها، ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من يرضعه ولا يجد ما يسترضعه به.
стр. 259
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ ، أي: وارث الصبي. قال الحسن: إذا توفي الرجل وامرأته حامل فنفقتها من نصيبها، ونفقة ولدها من نصيبه من ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن نفقة الحامل من مال الحمل.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ . قال مجاهد: التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى، فإن لم يجتمعا فليس لها أن تفطمه دون الحولين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ . قال مجاهد: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ﴾ خيفة الضيعة على الصبي، ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، قال: حساب ما أرضع به الصبي، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، أي: واتقوا الله في جميع أحوالكم وأقوالكم، ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فلا يخفى عليه شيء. والله أعلم.
* * *
стр. 260
الدرس السابع والعشرون
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلا أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً
عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) ﴾ .
* * *
стр. 261
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) ﴾ .
قال ابن عباس: هذه عدة المتوفي عنها زوجها إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها. وفي الصحيحين عن أم سلمة: (أن امرأة توفي عنها زوجها واشتكت عينها، فأتت النبي ﷺ تستفتيه في الكحل فقال: «لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شر أحلاسها، فتمكث في بيتها حولاً إذا توفي عنها زوجها، فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة، أفلا أربعة أشهر وعشرًا» ؟ . وقال الربيع عن أبي العالية في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ . قال: قلت: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . قال مجاهد: هو النكاح الحلال الطيب. وقال ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، أي: فلا تعضلوهن ممن أردن نكاحه بالمعروف، فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قوله : ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لا
تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلا
стр. 262
أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) ﴾ .
قال ابن عباس وغيره التعريض: أن يقول إن أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها، يعرض لها بالقول المعروف، وقال مجاهد: يعرض للمرأة في عدتها فيقول: والله إنك لجميلة، وإن النساء لمن حاجتي، وإنك إلى خير إن شاء الله.
وقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ ، أي: أضمرتم نكاحهن بعد العدة. ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ، أي: في أنفسكم وبألسنتكم ﴿وَلَكِن لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ . قال ابن عباس: يقول: لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني ألا تتزوجي غيري. وقال مجاهد: لا يأخذ ميثاقها في عدتها أن لا تتزوج غيره.
وقوله تعالى: ﴿إِلا أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ، أي: التعريض بالخطبة.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ . قال مجاهد: حتى تنقضي العدة.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ، قال مجاهد: حتى تنقضي العدة.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ، أي: فخافوا الله ولا تضمروا إلا الخير ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، لا يعجل بالعقوبة.
قوله : ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) ﴾ .
قال ابن عباس: المس: الجماع، ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء، والفريضة الصداق.
стр. 263
وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ . قال ابن عباس: فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقًا، ثم يطلقها من قبل أن ينكحها، فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عسره ويسره، فإن كان موسرًا متّعها بخادم أو شبه ذلك، وإن كان معسرًا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك.
قوله : ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) ﴾ .
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ، فهذا الرجل يتزوج المرأة وقد سمى لها صداقًا ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فلها نصف صداقها ليس لها
أكثر من ذلك. وقال عكرمة: إذا طلقها قبل أن يمسها وقد فرض لها، فنصف الفريضة لها عليه، إلا أن تعفو عنه فتتركه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن عباس: هو أبو الجارية البكر جعل الله سبحانه العفو إليه، ليس لها معه أمر، إذا طلقت ما كانت في حجره. وفي رواية: هو الزوج. وكذا قال مجاهد.
قوله : ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ، قال ابن عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفوا: وقال الشعبي: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ ... لِلتَّقْوَى﴾ ، وأن يعفوا هو أقرب للتقوى.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . قال مجاهد: ولا تنسوا الفضل بينكم في هذا وفي غيره. وعن سعيد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه ابنة له فتزوجها،
стр. 264
فلما خرج طلقها، وبعث إليها بالصداق، قال: قيل: له: فلم تزوجتها؟ قال: عرضها عليّ فكرهت ردها، قال: فلم تبعث بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ وعن مجاهد: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قال: إتمام الزوج الصداق، أو ترك المرأة الشطر.
قوله : ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (٢٣٩) ﴾ .
قال بعض العلماء: ذكر المحافظة على الصلوات هنا لئلا يشتغلوا بالنساء فيغفلوا عنها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ
أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . وقال مسروق: المحافظة على الصلوات المحافظة على وقتها وعدم السهو عنها.
وقوله تعالى: ﴿والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ . قال علي بن أبي طالب وغيره: هي صلاة العصر. وفي الصحيحين: إن النبي ﷺ قال يوم الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» .
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ . قال الشعبي وغيره: مطيعين. وعن زيد بن أرقم قال: (إنا كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزل: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) . متفق عليه.
стр. 265
وقال مجاهد: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ ، فمن القنوت طول الركوع، وغض البصر، وخفض الجناح، والخشوع من رهبة الله. كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو أن يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيًا.
وقوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ، قال إبراهيم: عند المطاردة يصلي حيث كان وجهه راكبًا أو راجلاً، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويصلي ركعتين يومئ إيماء. وقال قتادة أحل الله لك إذا كنت خائفًا عند القتال، أن تصلي وأنت راكب، وأن تسعى تومئ برأسك من حيث كان وجهك، إن قدرت على ركعتين وإلا فواحدة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ ، وقال ابن زيد في قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ﴾ ، قال: فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم، إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة.
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) ﴾ .
قال قتادة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولاً في مال زوجها ما لم تخرج، ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء فجعل لها فريضة معلومة الثمن إن كان له ولد، والربع إن لم يكن له ولد، وعدتها أربعة أشهر وعشر. فقال تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها في أمر الحول.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ، يا أولياء الميت ... ﴿فِي مَا فَعَلْنَ
стр. 266
فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ ، يعني: التزين للنكاح، خيّرها الله تعالى بين أن تقيم حولاً ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج، فلا نفقة ولا سكنى، إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، أي: عزيز في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء، حكيم في أقضيته وقدره.
قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) ﴾ .
قال عطاء في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال: المرأة الثيب يمتعها زوجها إذا جامعها بالمعروف. وقال سعيد بن جبير: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقًا على المتقين.
وقال البغوي: إنما أعاد ذكر المتعة ها هنا لزيادة معنى، وذلك أن في غيرها بيان حكم الممسوسة، وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ ، أي: مثل أحكام الطلاق والعدة وغير ذلك ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ ، في إحلاله وتحريمه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون وتدّبرون. والله أعلم.
* * *
стр. 267
الدرس الثامن والعشرون
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ
стр. 268
مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) ﴾ .
* * *
стр. 269
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٢٤٣) ﴾ .
قال البغوي: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ، أي: ألم تعلم بإعلامي إياك، وهو من رؤية القلب، وقال أهل المعالي: هو تعجيب. يقول: هل رأيتم مثلهم؟ كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان؟ وكل ما في القرآن ألم تر، ولم يعاينه النبي ﷺ ، فهذا وجهه.
قال أكثر أهل التفسير: كانت قرية يقال لها داوردان من قِبَل واسط بها وقع الطاعون، فخرجت طائفة منها، وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها. فوقع الطاعون من قابل، فهرب عامة أهلها وخرجوا حتى نزلوا واديًا أفْيَح، فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: أن موتوا. فماتوا جميعًا.
وساق بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام، فلما جاء
стр. 270
سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه فرجع عمر من سرغ» . والحديث في الصحيحين.
قال البغوي: وأولى الأقاويل قول من قال: كانوا زيادة على عشرة آلاف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ ، قالوا: فمر عليهم نبي يقال له: حزقيل فجعل يتفكر فيهم متعجبًا، فأوحى الله تعالى إليه: تريد أن أريك آية؟ قال: نعم فأحياهم الله، ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
قوله : ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) ﴾ .
يقول تعالى: وقاتلوا في سبيل الله عدوي وعدوكم من المشركين، ولا تقعدوا عن الجهاد خوف القتل، فإنه لا مفر عن الموت ولا يغني حذر عن قدر، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ .
قوله : ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) ﴾ .
قال البغوي: القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما أعد لهم من الثواب قرضًا؛ لأنهم يعملون
стр. 271
لطلب ثوابه. قال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء. وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: (لما نزلت: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ . قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» . قال: أرني يدك يا رسول الله. قال:
فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي. قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي فقد أقرضته ربي .
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، روى ابن جرير وغيره عن أنس بن مالك قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله غلا السعر، فسعِّر لنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الله الباسط القابض الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال» .
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) ﴾ .
قال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم
стр. 272
على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلَّط الله عليهم أعداءهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا منهم خلقًا عظيمًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة، واستلبوا منهم التابوت الذي كان موروثًا لخلفهم عن سلفهم.
إلى أن قال: فأوحى الله إلى شمويل وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكًا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا أن لا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه؟ قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا، أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ، أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم.
قوله : ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) ﴾ .
قال قتادة: بعث الله طالوت ملكًا، وكان من سبط بنيامين سبط لم يكن فيهم مملكة ولا نبوة، وكان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة، وسبط مملكة، وكان سبط النبوة سبط لاوى إليه موسى، وسبط المملكة يهوذا إليه داود وسليمان، فلما بعث من غير النبوة والمملكة أنكروا ذلك، وعجبوا منه، وقالوا: أنى يكون له الملك علينا! ؟ وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة؟ فقال: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
قوله : ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ
стр. 273
التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٤٨) ﴾ .
قال قتادة: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ، أي: وقار. وقال عطاء: ما تعرفون من آيات الله فتسكنون إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ . قال ابن عباس: عصا موسى ورضاض الألواح. قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون.
قوله : ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) ﴾ .
روى البخاري عن البراء بن عازب قال: (كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا معه يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن) . قال ابن عباس: فلما فصل طالوت بالجنود غازيًا إلى جالوت، قال
طالوت لبني إسرائيل: إن الله مبتليكم بنهر، قال: هو نهر بين الأردن وفلسطين، نهر عذب الماء طيبه.
وقال قتادة: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ . قال: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون
стр. 274
يغترفون غرفة فتجزيهم ذلك. وقال ابن عباس: لما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شربوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. وقال السدي: عبر مع طالوت النهر من بني إسرائيل أربعة آلاف، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضًا، وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. فرجع عنه أيضًا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون. وخلص في ثلاثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر.
وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ﴾ ، هم العلماء من القليل: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
قوله : ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ
وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ﴾ ، يعني: طالوت ومن معه من المؤمنين للعدو ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم﴾ ، كسروهم، ﴿بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ ... جَالُوتَ﴾ وكان طالوت وعده أن يزوجه ابنته إن قتل جالوت، ويشركه في أمره، فيما قال وهب. فآل الملك إلى داود، ﴿وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ ، الذي كان بيد طالوت، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ ، أي: النبوة بعد شمويل، ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ ، من صنعة الدروع وغير ذلك، ... ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ
стр. 275
اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .
وعن مجاهد: ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر، وببقية أخلاق الناس بعضهم عن بعض؛ لهلك أهلها. وقال علي ﵁: لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة بيت من جيرانه البلاء» ، ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ .
وأكثر كلام المفسرين على أن الآية في الجهاد، ولديّ أنها عامة فيه وفي غيره، وأسند للشيخ عبد الرحمن أنها عامة، وهذا نص كلامه،
قال: (ومن ذلك ما ذكرت في آية البقرة: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ ، وأن كلام المفسرين يدور على الجهاد فقط، وظنكم أنها عامة، فهو كما ظننتم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، وعموم المعنى لا بخصوص السبب، والجهاد جزء من أمور كثيرة يحصل فيها دفع الناس بعضهم ببعض. وإذا نزلتها على الواقع السابق واللاحق، ورأيت الأسباب المتعددة التي حصل بها عن العباد مدافعات كثيرة ووقيات من شرور بصدد أن تقع لولا تلك الأسباب، لا تضح لك أنها عامة، وأنها من أكبر نعم الله على عباده وتمام وقياته. وفي الحديث الصحيح: «إن الله ليؤيد هذا الرجل بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم» . عام في الجهاد وغيره،
стр. 276
ونرجو الله تعالى أن يلطف بالمسلمين وأن يقيهم شر الشرور التي يترقبها الخلق كل ساعة، ويقدر من ألطافه ما يدفع به عن عباده المؤمنين، إنه جواد كريم) . انتهى.
فالظاهر أن المراد بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ ، أنه عام في جميع الناس مسلمهم وكافرهم، وأن دفع الله شر بعضهم ببعض من نعمه السابقة على خلقه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ، أي: بدفع بعضهم عن بعض.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، يقول: تلك آيات الله التي اقتص فيها قصص من مضى، نتلوها عليك بالحق اليقين، وإنك يا محمد لمن المرسلين. وبالله التوفيق.
* * *
стр. 277
الدرس التاسع والعشرون
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴾ .
* * *
стр. 278
قوله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) ﴾ .
قال مجاهد: في قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قال: يقول: منهم من كلم الله ورفع بعضهم على بعض درجات. يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافّة.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ... الْقُدُسِ﴾ ، أي: وآتينا عيسى بن مريم الحجج، والأدلة على نبوته من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، وما أشبه ذلك مع الإنجيل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ، يعني: وقويناه بروح الله، وهو: جبريل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ، قال قتادة: من بعد موسى وعيسى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ، أي: يوفق من يشاء بفضله ورحمته، ويخذل من يشاء بعدله وحكمته، وله الحجة البالغة والحكمة التامة، وهذه الآية كقوله تعالى:
стр. 279
﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ
أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) ﴾ .
قال ابن جريج: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ قال: من الزكاة والتطوع، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ قال قتادة: قد علم الله أن ناسًا يتحابون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، أي: لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، قال عطاء: بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل والظالمون هم الكافرون.
قوله : ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) ﴾ .
عن أبي بن كعب: (أن النبي ﷺ سأله: «أي آية في كتاب الله أعظم» ؟ قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارًا ثم قال: أبيّ: آية
الكرسي. قال: «ليهنك العلم أبا
стр. 280
المنذر» . رواه مسلم وغيره. وفي حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الشيطان الذي سرق من الصدقة قال: (فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: وما هي؟ قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليّت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله? ﷺ ??? «ما فعل أسيرك البارحة» ؟ قلت: يا رسول الله إنه زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: «ما هي» ؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ : «أما إنه صدقك وهو كذوب» . وروى أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ : «إن فيها اسم الله الأعظم» .
قال ابن كثير: وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.
وقوله تعالى: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .
قال ابن جرير يقول: الله الذي له عبادة الخلق، الحي القيوم، لا إله سواه: لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئًا سواه، ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ
﴾ الذي
стр. 281
لا تأخذ سنة ولا نوم. قال قتادة: الحيّ حي لا يموت. وقال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء. وقال الربيع: القوم قيم كل شيء يكلؤه ويرزقه ويحفظه. وقال الضحاك: الحي القيوم: القائم الدائم.
وقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ، قال ابن عباس: السِّنَة: النعاس. والنوم هو: النوم.
وقوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء﴾ ، قال مجاهد: يعلم من بين أيديهم ما مضى من الدنيا، وما خلفهم من الآخرة. وقال الكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ، يعني: الآخرة، لأنهم يقدمون عليها. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ، من الدنيا، لأنهم يخلفونها. وقال السدي: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ ، يقول: لا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء هو أن يعلمهم.
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ، اختلفوا في الكرسي، فقال الحسن: هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة ﵁: الكرسي موضوع أمام العرش. وفي بعض الأخبار: أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. ويُروى عن ابن عباس ﵄: أن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس. وقوله
تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ قال ابن عباس: لا يثقل عليه. وقال قتادة: لا يجهده حفظهما.
стр. 282
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
قال البغوي: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ : الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشباه والأنداد. وقيل: العلي بالملك والسلطنة، العظيم الكبير: الذي لا شيء أعظم منه. وقال ابن كثير: فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
قوله : ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) ﴾ .
قال ابن عباس: كانت المرأة تكون مقلاة، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهودّه. فلما أجليت بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ . وقال قتادة في قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين لم يقبل منهم إلا القتل، أو الإسلام. وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية، ولم يقتلوا. وقال الضحاك: (أمر رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا: لا إله إلا الله، أو السيف. ثم أمر
فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية. فقال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
стр. 283
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قال مجاهد وغيره: الطاغوت: الشيطان. وقال أبو العالية: الطاغوت: الساحر. وقال أبو الزبير: سئل جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون ... إليها، فقال: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان.
قال ابن جرير: والصواب أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما لطاعة ممن عبده إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء.
وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ قال: لا إله إلا الله. وقال السدي: ﴿لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ لا انقطاع لها. وقال مجاهد: لا غير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
قوله : ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴾ .
قال قتادة: قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ ، يقول: من الضلالة إلى الهدى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ ، الشيطان، ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
﴾ ، يقول: من الهدى إلى الضلالة. قال الضحاك: والظلمات: الكفر. والنور: الإيمان. والله أعلم.
* * *
стр. 284
الدرس الثلاثون
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) ﴾ .
* * *
стр. 285
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) ﴾ .
قال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ . قال: هو نمرود بن كنعان. قال قتادة: وهو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، وذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما، واستحيا الآخر. فقال: أنا أحيي هذا، أنا أستحيي من شئت، وأقتل من شئت. قال إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
قال البغوي: ( ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ، أي: تحير ودهش وانقطعت حجته وقال ابن إسحاق: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلال) . انتهى. وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ .
следующие страницы →