← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الدرس الثاني والثمانون بعد المائتين [سورة المنافقون] مدنية، وهي إحدى عشر آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ

стр. 2207

اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) ﴾ . * * *

стр. 2208

قوله : ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) ﴾ . قال البغوي: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ، يعني: عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه، ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ، لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا و ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ، سترة ﴿فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، منعوا الناس عن الجهاد والإِيمان بمحمد ﷺ ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أقرّوا باللسان، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذا خلوا إلى المشركين، ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ، بالكفر، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ الإِيمان ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ ، يعني: أن لهم أجسامًا ومناظر، ﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ فتحسب أنه صدق. قال عبد الله بن عباس: كان عبد الله بن أبيّ جسيمًا فصيحًا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبيّ ﷺ قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يسمعون صوتًا في العسكر بأن نادى مناد، أو انفلتت دابّة، أو أنشدت ضالّة إلا ظنّوا من جبنهم وسوء ظنهم أنهم يرادون بذلك، وظنوا أنهم قد أُتوا لما في قلوبهم من الرعب، ثم

стр. 2209

قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ هذا ابتداء وخبره ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ ولا تأمنهم ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ لعنهم الله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يصدفون عن الحقّ. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن للمنافقين علامات يُعرفون بها: تحيّتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل صخب بالنهار» . رواه أحمد. قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) ﴾ . قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله ﷺ بالمدينة -، يعني: مرجعه من أحد - وكان عبد الله بن أبيّ ابن سلول له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شرفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزّكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس؛ حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع -، يعني: مرجعه بثلث الجيش - ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدوّ الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطّى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بحرًا

стр. 2210

أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب عليّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنّفونني، لكأنما قلت بحرًا أن قمت أشدد أمره قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ ، قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي. وقال قتادة: (أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيّ، وذلك أن غلامًا من قرابته انطلق إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله ﷺ ، فإذا هو يحلف ويتبرّأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعبد الله: لو أتيت رسول الله ﷺ ، فجعل يلوي رأسه، أي: لست فاعلاً) . وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى بن حبان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله ﷺ مقيم هناك، اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاريّ - وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب - وسنان بن يزيد، قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد ابن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبيّ، فلما سمعها قال: قد شاورونا في بلادنا، والله ما مَثَلُنا وجلابيب قريب هذه إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحوّلوا عنكم من بلادكم إلى غيرها؛ فسمعها زيد بن أرقم ﵁، فذهب بها إلى رسول الله ﷺ وهو غُلَيْمٌ، وعنده عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره الخبر فقال: عمر يا رسول الله مر عبّاد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 2211

«فكيف إذا تحدّث الناس يا عمر أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن نادِ يا عمر بالرحيل» . فلما بلغ عبد الله بن أبيّ أن ذلك قد بلغ رسول الله ﷺ أتاه فاعتذر إليه وحلف بالله ما قال ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل؛ وراح رسول الله ﷺ مهجّرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير ﵁ فسلّم عليه بتحيّة النبوّة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها! فقال رسول الله ﷺ : «أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبيّ؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعزّ منها الأذلّ» ، قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل؛ ثم قال: أرفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك وإننا لننظم له الخرز لنتوّجه فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا. فسار رسول الله ﷺ بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتدّ الضحى، ثم نزل بالناس يشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مسّ الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين. وفي روايته عند الإِمام أحمد قال: فأتيت النبيّ ﷺ فأخبرته، فحلف عبد الله بن أبيّ أنه لم يكن شيء من ذلك، فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا. فانطلقت فنمت كئيبًا حزينًا، فأرسل إليّ نبيّ الله ﷺ فقال: «إن الله قد أنزل عذرك وصدقك» ، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ حتى بلغ: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ . وذكر عكرمة وغيره أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله على باب المدينة واستلّ سيفه، فجعل الناس يمرّون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبيّ قال له ابنه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟ ! فقال: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله ﷺ .

стр. 2212

وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبيّ ابنه، فقال ابنه: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ . وعن عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالده منّي، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ : «بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» . وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنّفونه ويتوعّدونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلتُه يوم أمرتني بقتله، لأرعدت له آنفٌ لو أمرتُها اليوم بقتله لَقَتَلْتَهُ» ؟ ، فقال عمر: قد والله علمت لأمْرُ رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. رواه ابن جرير. قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) ﴾ . عن الضحاك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الصلوات الخمس. وعن ابن عباس: قال: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال يجب عليه فيه الزكاة أن يزكّي؟ وإذا أطاق الحجّ أن يحجّ من قبل أن يأتيه الموت

стр. 2213

فيسأل ربه الكرّة فلا يُعطاها؟ فقال رجل: أما تتّقي الله؟ يسأل المؤمن الكرّة؟ قال: نعم، أقرأ عليكم قرآنًا؟ فقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ ، قال: أؤدّي زكاة مالي. ﴿وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، قال: أحجّ، فقال الرجل: فما الذي يوجب عليّ الحجّ؟ قال: راحلة تحمله، ونفقة تبلغه. وقال الضحاك في قوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن، نزل به الموت وله مال كثير لم يزكّه ولم يحجّ منه ولم يعط منه حقّ الله يسأل الرجعة عند الموت ليتصدّق من ماله ويزكّي، قال الله: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، قال ابن جرير: يقول: والله ذو خبرة وعلم بأعمال عبيده هو يجمعها، محيط لا يخفى عليه شيء، وهو مجازيهم بها، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. * * *

стр. 2214

الدرس الثالث والثمانون بعد المائتين [سورة التغابن] مدنية، وهي ثمان عشرة آية وقال عطاء: مكية إلا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ إلى آخر السورة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ

стр. 2215

صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) ﴾ . * * *

стр. 2216

قوله : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) ﴾ . قال ابن عباس: إن الله خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنًا وكافرًا، والمعنى: أن الله تعالى علم ما هم عاملون، فخلقهم على ذلك وأمرهم بالإيمان، وهو البصير بمن يستحقّ الهداية ممن يستحقّ الضلال، وهو الشهيد على أعمالهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل والحكمة ... ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: أحسن أشكالكم ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ، قال ابن جرير: يقول جلّ ثناؤه: والله ذو علم بضمائر صدور عباده وما تنطوي عليه نفوسهم الذي هو أخفى من السر، لا يعزب عنه شيء من ذلك. قوله : ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ

стр. 2217

ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ﴾ . قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن الكفار والمشركين والملحدين، أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ أي: لتخبرنّ بجميع أعمالكم، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: بعثكم ومجازاتكم، وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربّه على وقوع المعاد ووجوده. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ وهو القرآن ... ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ قال قتادة: هو يوم القيامة، وهو يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار. وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء الجنة ويذهب بأولئك إلى النار. قال ابن كثير: وقد فسّر بذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . قوله : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ

стр. 2218

فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) ﴾ . عن ابن عباس: قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أنما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيسلّم لذلك ويرضى. وفي الحديث المتفق عليه: «عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا، وإن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» . قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ، أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفِعْلِ ما به أمر، وتَرْكِ ما عنه نهى وزجر. ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، أي: إن نكلتم عن العمل، فإنما عليه ما حُمّل من البلاغ، وعليكم ما حُمّلتم من السمع والطاعة، قال الزهريّ: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. ثم قال تعالى مخبرًا أنه: الأحد الصمد الذي لا إله غيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فالأول خبر عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحّدوا الإِلهية له وأخلصوها لديه، وتوكّلوا عليه، كما قال تعالى: ... ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ

стр. 2219

وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) ﴾ . عن عكرمة قال: سأل رجل ابن عباس عن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ، قال: هؤلاء رجال أسلموا فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا رسول الله ﷺ ، فلما أتوا رسول الله ﷺ فرأوا الناس قد فقهوا في الدين همّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. وقال عطاء: (نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ نزلت في عوف بن مالك الأشجعيّ، كان ذا أهل وولد فكان إذا أراد أن يغزو، بكوا إليه ورقّقوه، وقالوا: إلى ما تدعنا؟ فيرقّ ويقيم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية كلها بالمدينة في عوف بن مالك، وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة) . وعن قتادة: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية، قال: منهم من لا يأمر بطاعة الله ولا ينهى عن

стр. 2220

معصيته، وكانوا يبطّئون عن الهجرة إلى رسول الله ﷺ وعن الجهاد. وقال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ﴾ ، قال يقول: عدوًّا لكم في دينكم فاحذروهم على دينكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، أي: اختبار وابتلاء، ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ . وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب، فجاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله ﷺ فأخذهما فرفعهما فوضعهما في حجره ثم قال: «صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ من خطبته» . رواه ابن جرير وغيره. وعن قتادة: قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ هذه رخصة من الله والله رحيم بعباده. وكان الله جل ثناؤه أنزل قبل ذلك: ﴿اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وحقّ تقاته أن يطاع فلا يعصى، ثم خفّف الله تعالى ذكره عن عباده فأنزل الرخصة بعد ذلك فقال: ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ، فيما استطعت يا ابن آدم عليها بايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فيما استطعتم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ﴾ ، قال ابن كثير: أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات وأحسنوا إلى خلق

стр. 2221

الله كما أحسن الله إليكم يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرًّا لكم في الدنيا والآخرة. قال البغوي: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ حتى يعطي حقّ الله من ماله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وعن ابن مسعود: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ، قال: أن يعمد إلى مال غيره فيأكله. وقوله تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ، يكفّر عنكم سيّئاتكم ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ ، أي: يجزي على القليل بالكثير ﴿حَلِيمٌ﴾ يستر ويصفح ويغفر ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما يغيب عن أبصار الناس وما يشاهدونه ... ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. * * *

стр. 2222

الدرس الرابع والثمانون بعد المائتين [سورة الطلاق] مدنية، وهي اثنتا عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ

стр. 2223

أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) ﴾ . * * *

стр. 2224

قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) ﴾ . قال ابن كثير: خوطب النبيّ ﷺ أوّلاً تشريفًا وتكريمًا، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ . وقال ابن مسعود: الطلاق للعدّة طاهرًا من غير جماع. وعن مجاهد: أن رجلاً سأل ابن عباس فقال له أنه طلّق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، ولم تتّق الله فيجعل لك مخرجًا وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ من قبل عدّتهنّ. وعن الحسن في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، قال: طاهرًا من غير حيض، أو حاملاً قد استبان حملها. وعن مجاهد في قول الله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، قال: لطهرهنّ. وعن الضحاك في قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: العدّة القرء، والقرء: الحيض، والطاهر: الطاهر من

стр. 2225

غير جماع، ثم تستقبل ثلاث حيضات. وعن قتادة: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ والعدّة أن يطلّقها طاهرًا من غير جماع. وقال طاووس: إذا أردت الطلاق فطلّقها حين تطهر قبل أن تمسّها تطليقة واحدة، لا ينبغي لك أن تزيد عليها، حتى تخلو ثلاثة قروء فإن واحدة تبينها. وقال ابن زيد في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، قال: إذا طلّقها للعدّة كان ملكها بيدك، من طلّق للعدّة جعل الله له في ذلك فسحة، وجعل له ملكًا إن أراد أن يرجع قبل أن تنقضي العدّة ارتجع. وعن السدي في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، قال: طاهرًا في غير جماع، فإن كانت لا تحيض، فعند غرّة كلّ هلال. وعن ابن عمر قال: طلَّقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر رسول الله ﷺ يخبره بذلك فقال: «مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلّقها قبل أن يجامعها، وإن شاء أمسكها، فإنها العّدة التي قال الله » . رواه ابن جرير وغيره. وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يقول: لا يطلّقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلّقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدّتها ثلاث حيضات، وإن كانت لا تحيض فعدّتها ثلاث أشهر، وإن كانت حاملاً فعدّتها أن تضع حملها. وعن السدي: قوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ، قال: احفظوا العدّة، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ حتى تنقضي عدّتهن. وقال ابن جريج: قال عطاء إن أذن لها أن تعتدّ في غير بيته فتعتدّ في بيت أهلها فقد شاركها إذًا في الإثم، ثم تلا: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ، قلت: هذه الآية في هذه؟ قال: نعم. وقال الضحاك: ليس لها أن تخرج إلا بإذنه، وليس للزوج أن يخرجها ما كانت في العدّة، فإن خرجت فلا سكنى لها ولا نفقة. وعن قتادة: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ وذلك إن طلّقها واحدة أو اثنتين،

стр. 2226

لها العدّة والنفقة والسكنى، ما لم يطلقها ثلاثًا. وعن ابن عباس قال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ، قال: الفاحشة المبيّنة أن تبذوا على أهلها. وفي رواية: الفاحشة هي: المعصية. قال ابن جرير: فالزنا من ذلك، والسرق والبذاء على الأحماء، وخروجها متحوّلة عن منزلها الذي يلزمها أن تعتدّ فيه منه، فأيّ ذلك فعلت وهي في عدّتها فلزوجها إخراجها من بيتها، ذلك لإِتيانها بالفاحشة التي ركبتها. وعن الضحاك في قول الله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ، يقول: تلك طاعة الله فلا تعتدوها يقول: من كان على غير هذه فقد ظلم نفسه. عن الزهريّ: (أن فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي حفص المخزومي، وكان النبي ﷺ أمّر عليًّا على بعض اليمن، فخرج معه فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وأمر عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ والحارث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا: لا والله ما لها علينا نفقة إلا أن نتكون حاملاً، فأتت النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فلم يجعل لها نفقة إلا أن تكون حاملاً واستأذنته في الانتقال فقالت: أين أنتقل يا رسول الله؟ قال: «عند ابن أمّ مكتوم» . وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هناك حتى أنكحها النبيّ ﷺ أسامة بن زيد حين مضت عدّتها، فأرسل إليها مروان بن الحكم يسألها عن هذا الحديث فأخبرته، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة وسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة: بيني وبينكم الكتاب قال الله جلّ ثناؤه: ... ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى بلغ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ ، قالت: فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ وإنما هو في مراجعة الرجل امرأته) . رواه ابن جرير. وعن قتادة: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ أي: مراجعة. وقال ابن زيد: لعلّ الله يحدث في قلبك تراجع زوجتك.

стр. 2227

وعن الضحاك: قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ، يقول: إذا انقضت عدّتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أو ثلاثة أشهر إن لم تكن تحيض يقول: فراجع إن كنت تريد المراجعة قبل أن تنقضي العدّة بإمساك بمعروف، والمعروف: أن تحسن صحبتها، أو تسريح بإحسان، والتسريح بإحسان: أن تدعها حتى تمضي عدّتها ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلّقها، فذلك التسريح بإحسان، والمتعة على قدر الميسرة. وقال ابن عباس: إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدّتها أشهد رجلين كما قال الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ عند الطلاق وعند المراجعة، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدّتها فقد بانت منه بواحدة، وهي أملك بنفسها، ثم تتزوّج من شاءت، هو أو غيره. وعن السدي في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ قال: اشهدوا على الحقّ، ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ ، قال عكرمة: من طلّق كما أمره الله يجعل له مخرجًا. وعن ابن عباس: قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يقول سبحانه: من كلّ كرب في الدنيا والآخرة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ، قال مسروق: من حيث لا يدري. وعن الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ، قال: يعني بالمخرج واليسر إذا طلّق واحدة ثم سكت عنها، فإن شاء راجعها بشهادة رجلين عدلين، فذلك اليسر الذي قال الله، وإن مضت عدّتها ولم يراجعها، كان خاطبًا من الخطّاب، وهذا الذي أمر الله به وهكذا طلاق السنَّة؛ فأما من طلّق عند كلّ حيضة فقد أخطأ السنّة، وعصى الربّ وأخذ العسر. وعن سالم بن أبي الجعد في قوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ ، قال: نزلت في رجل من أشجع أصابه الجهد فأتى النبيّ ﷺ فقال له: «اتّق الله وأصبر» . فرجع فوجد ابنًا له كان أسيرًا قد فقد من أيديهم وأصاب أعنزًا، فجاء فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هل تطيب لي يا رسول الله؟ قال:

стр. 2228

«نعم» . وعن الربيع بن خيثم: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ ، قال: من كل شيء ضاق على الناس. وعن قتادة: ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ ، قال من شبهات الأمور، والكرب عند الموت ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ من حيث لا يأمل ولا يرجو، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، قال البغوي: يتّق الله فيما نابه كفاه ما أهمّه. وروينا أن النبيّ ﷺ قال: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خِماصًا وتروح بِطانًا» . ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ ، أي: منفّذ أمره مُمْضٍ في خلقه قضاءه. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ، أي: جعل الله لكلّ شيء من الشدّة والرخاء أجلاً ينتهي إليه. وفي حديث ابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك» . الحديث. قوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ

стр. 2229

أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) ﴾ . عن الزهري: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ ، قال: في كِبَرِها أن يكون ذلك من الكِبَر، فإنها تعتدّ حين ترتاب ثلاثة أشهر، فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهي شابّة، فإنه يتأنّى بها حتى ينظر حامل هي أم غير حامل، فإن استبان حملها فأجلها أن تضع حملها، فإن لم يستبن حملها فحتى يستبين بها وأقصى ذلك سنة. وعن أبيّ بن كعب أنه قال: يا رسول الله إن عددًا من عدد النساء لم تُذكر في الكتاب: الصغار، والكبار، وأولات الأحمال، فأنزل الله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ؛ وفي رواية: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قلت: يا رسول الله المتوفّى عنها زوجها، والمطلّقة؟ قال: «نعم» . رواه ابن جرير. وعن عكرمة قال: إن من الريبة المرأة المستحاضة والتي لا يستقيم لها الحيض، تحيض في الشهر مرارًا وفي الأشهر مرة، فعدّتها ثلاثة أشهر. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ، قال البغوي: يسهّل عليه أمر الدنيا والآخرة، ﴿ذَلِكَ﴾ ، يعني: ما ذكر من الأحكام، ﴿أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ . وعن السدي في قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ ، قال: المرأة يطلّقها، فعليه أن يسكنها، وينفق عليها. وعن

стр. 2230

مجاهد في قوله: ﴿مِّن وُجْدِكُمْ﴾ قال: من سعتكم. وعن سعيد قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فإن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه. وعن مجاهد: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ، قال: في المسكن. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فهذه المرأة يطلّقها زوجها، فيبتّ طلاقها وهي حامل، فيأمره الله أن يسكنها، وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت حتى تفطم، وإن أبان طلاقها وليس بها حمل، فلها السكنى حتى تنقضي عدّتها ولا نفقة. وكذلك المرأة يموت عنها زوجها فإن كانت حاملاً أنفق عليها من نصيب ذي بطنها إذا كان ميراث، وإن لم يكن ميراث أنفق عليها الوارث حتى تضع وتفطم ولدها، كما قال الله : ... ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ فإن لم تكن حاملاً فإن نفقتها كانت من مالها. وعن قتادة: قوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هي أحقّ بولدها أن تأخذه بما كنت مسترضعًا به غيرها. وعن الضحاك أنه قال في الرضاع: إذا قام على شيء فأمّ الصبيّ أحقّ به، فإن شاءت أرضعته وإن شاءت تركته، إلا أن لا يقبل من غيرها، فإذا كان كذلك أجبرت على رضاعه. وعن السدي في قوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ ، قال: اصنعوا المعروف فيما بينكم ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ قال: إن أبت الأم أن ترضع ولدها إذا طلّقها أبوه، التمس له مرضعة أخرى؛ الأم أحقّ إذا رضيت من أجر الرضاع بما يرضى به غيرها، فلا ينبغي لها أن يُنتزع منها. وقال سفيان: إن هي أبت أن ترضعه ولم تُوَاتِكَ فيما بينها وبينك، عاسرتك في الأجر فاسترضع له أخرى. وقال ابن زيد في قول الله: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ قال: فرض لها من قدر ما يجد، فقالت: لا أرضى هذا، قال: وهذا بعد الفراق، فأما وهي زوجته فإنها ترضع له طائعة ومكرهة إن شاءت وإن أبت، فقال لها: ليس

стр. 2231

لي زيادة على هذا إن أحببت أن ترضعي بهذا فأرضعي، وإن كرهت استرضعت ولدي، فهذا قوله: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ . وعن السدي: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ ، قال: من سعة موجده، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ ، قال: من قتر عليه رزقه ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ قال ابن زيد: فرض لها من قدر ما يجد. وعن مجاهد: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ قال: على المطلّقة إذا أرضعت له. وعن السدي في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ قال يقول: لا يكلّف الفقير مثل ما يكلف الغنيّ. وعن سفيان: ... ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ بعد الشدّة الرخاء. وعن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل له: (إنه يلبس الغليظ من الثياب ويأكل أخشن الطعام. فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع إذا هو أخذها؛ فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام فجاء الرسول فأخبره فقال: ﵀ تأوّل هذه الآية: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ . قوله : ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) ﴾ . عن السدي في قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ قال: غيّرت وعصت. وعن ابن عباس: قوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ يقول: لم

стр. 2232

نرحم، ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ قال السدي: عقوبة أمرها. وقال ابن زيد: ذاقت عاقبة ما عملت من الشرّ ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ قال مجاهد: جزاء أمرها ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾ قال السدي: ذوي العقول ﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾ قال ابن كثير: يعني: القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ ، قال بعضهم: ﴿رَّسُولاً﴾ منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة، لأن الرسول هو الذي بلّغ الذكر؛ وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر، يعني: تفسيرًا له، ولهذا قال تعالى: ﴿رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ ، أي: في حالة كونها بيّنة واضحة جليّة، ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم، ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ ، قال البغويّ: يعني: الجنة التي لا ينقطع نعيمها؛ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى: ذلك الله الذي خلق سبع سماوات لا ما تعبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تقدر على خلق شيء. وعن ابن مسعود قال: (خلق الله سبع سماوات غلظ، كلّ واحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين

стр. 2233

كلّ واحدة منهنّ خمسمائة عام، وفوق السبع السماوات الماء والله جلّ ثناؤه فوق الماء، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، والأرض سبع وبين كلّ أرض خمسمائة عام) ، وغلظ كلّ أرض خمسمائة عام. وعن مجاهد قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ، قال: بين الأرض السابعة إلى السماء السابعة. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: سبعًا أيضًا، كما ثبت في الصحيحين: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين» . وفي صحيح البخاري: «خسف به إلى سبع أرضين» . ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع وخالف القرآن والحديث. قال البغوي: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في العدد، ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى. قال أهل المعاني: هو ما يدبّر فيهنّ من عجيب تدبيره، فينزل المطر، ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاتها وينقلها من حال إلى حال. وقال قتادة: في كلّ أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يخفى عليه شيء. * * *

стр. 2234

الدرس الخامس والثمانون بعد المائتين [سورة التحريم] مدنية، وهي اثنتا عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 2235

يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) ﴾ . * * *

стр. 2236

قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً (٥) ﴾ . عن زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، قال: فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حرامًا، فقالت: يا رسول الله كيف تحرّم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ قال زيد: فقوله: «أنت عليّ حرام» لغو. رواه ابن جرير. وعن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحرّم، فعوتب في التحريم وأُمر بالكفّارة في اليمين. وعن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أمر الله النبيّ ﷺ والمؤمنين إذا حرّموا شيئًا مما أحلّ الله لهم، أن يكفّروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وليس يدخل ذلك في طلاق. وعن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول: في الحرام يمين يكفّرها، وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ

стр. 2237

فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . وعن قتادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ الآية قال: (كان حرّم فتاته القبطيّة - أم ولده إبراهيم يقال لها مارية - في يوم حفصة، وأسرّ ذلك إليها، فاطّلعت عليه عائشة، وكانتا تظاهران على نساء النبيّ ﷺ ، فأحلّ الله له ما حرّم على نفسه، فأمر أن يكفّر عن يمينه، عوقب في ذلك فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . قال قتادة: وكان الحسن يقول: حرّمها عليه فجعل الله فيها كفارة يمين) . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا، قال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ أغلظ الكفّارات عتق رقبة) . رواه النسائي. وعن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ قال حرّم رسول الله ﷺ سرّيته. قال ابن كثير: ومن ها هنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفّارة على من حرّم جاريته أو زوجته، أو طعامًا أو شرابًا، أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإِمام أحمد وطائفة؛ وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفّارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حرّم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما، في قول؛ فأما إذا نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما. انتهى. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جَحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواطأت أنا وحفصة: أنّ أَيَّتَنَا دخل عليها رسول الله ﷺ فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له

стр. 2238

فقال: «لا، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا» . وفي رواية: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة. ... ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ لقوله: «بل شربت ... عسلاً» . رواه البخاري. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ قوله لها: «لا تذكريه» . ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ وكان كريمًا ﷺ ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ ؟ ولم تشكّ أن صاحبتها أخبرت عنها، ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . وعن ابن عباس قوله: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ يقول: زاغت قلوبكما، يقول: قد أثمت قلوبكما وعن قتادة: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي: مالت قلوبكما. قال في جامع البيان: أي: إن تتوبا فقد حقّ لكما ذلك، فإنه قد عدلت عن الحقّ قلوبكما وصدر منكما ما يوجب التوبة. ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ بما يسوءه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ . وعن ابن عباس ﵄ قال: (ولم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبيّ ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى يحجّ عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإِداوة، فتبرّز ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضّأ، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس - قال الزهريّ كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، قال: - هي عائشة وحفصة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث، قال: كنا معشر قرش قومًا تغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار

стр. 2239

أمية بن زيد بالعوالي، قال: فغضبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكنّ اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئًا وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله منك - يريد عائشة - قال: وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا ثم أتى عِشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: وما ذاك؟ جاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلّق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظنّ هذا كائنًا؛ حتى إذا صلّيت الصبح شددت عليّ ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلّقكنّ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمّه، فدخل الغلام ثم خرج إليّ فقال: ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده قليلاً ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فولّيت مدبرًا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فسلّمت على رسول الله ﷺ فإذ هو متّكئ على رمل حصير - وفي رواية رمال حصير - قد أثّر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه

стр. 2240

إليّ وقال: «لا» . فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبيّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسرت، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسّم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: «نعم» . فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة مقامه فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمتك، فقد وسّع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسًا وقال: «أفي شكّ أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» . فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرًا من شدّة موجدته عليهنّ، حتى عاتبه الله . متفق عليه. واللفظ لأحمد. وفي رواية لمسلم: (لما اعتزل نبيّ الله ﷺ نساءه دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمّن ذلك اليوم. فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما، إلى أن قال فقالت: يا رسول الله ما يشقّ عليك من أمر النساء؟ فإن كنت طلّقتهنّ فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكاييل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلّما تكلّمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدّق قولي، فنزلت هذه الآية: آية التخيير ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ

стр. 2241

أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ ، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلّقتهنّ؟ قال: «لا» . فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلّق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وعند البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبيّ ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية. وعند أبي حاتم قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبيّ ﷺ ، فاستقريتهنّ أقول: لتكفّنّ عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنّه الله أزواجًا خيرًا منكنّ، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين -، يعني: أم سلمة - فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهنّ؟ فأمسكت، فأنزل الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ . وقال ابن زيد في قول الله: ﴿قَانِتَاتٍ﴾ ، قال: مطيعات. وعن ابن عباس في قوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قال: صائمات. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ أي: منهن ثيّبات وأبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفس، فإن التنوّع يبسط النفس، ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ ومنهن ﴿وَأَبْكَاراً﴾ . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)

стр. 2242

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) ﴾ . عن عليّ بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، قال: علّموهم وأدّبوهم. وقال ابن عباس: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجّيكم الله من النار. وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله. وعن قتادة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ ، قال: هي الصادقة الناصحة. وقال عمر بن الخطاب: هو العبد يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أبدًا. وقال مجاهد: يستغفرون ثم لا يعودون. وعن أبيّ بن كعب قال: (قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة منها: نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرّم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرّم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا) . قال زرّ فقلت لأبيّ بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «هو الندم على الذنب حين يفرط منك، فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر، ثم لا تعود إليه أبدًا» . رواه ابن أبي حاتم. قال العلماء: التوبة النصوح: أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل؛ ثم إن كان الحقّ لآدمي ردّه إليه بطريقة. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ

стр. 2243

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قال البغوي: أي: لا يعذّبهم الله بدخول النار، ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ على الصراط ﴿يَقُولُونَ﴾ إذا طفئ نور المنافقين ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ... (١٢) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ، قال: أمر الله نبيّه ﵇ أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين بالحدود ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ، قال ابن جرير: يقول: واشدد عليهم في ذات الله ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . وعن ابن عباس: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ ، قال: كان خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سرّ نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، فكان ذلك من أمرها؛ وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ

стр. 2244

شَيْئاً﴾ . وقال عكرمة: كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ، قال قتادة: لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون. قال في جامع البيان: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ﴾ أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلاً لهم، أو مثّل لهم مثلاً مثل امرأة نوح في أن قرابة أحد وإن كان نبيًّا لا ينفع مع الكفر؛ قيل: هذا تخويف لعائشة وحفصة. انتهى وقال بعضهم: وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقّهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين. وقال البغوي: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لم يدفعا عنهما مع نبوّتهما عذاب الله، ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ قطع الله بهذه الآية طمع كلّ من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره؛ ثم أخبر أن معصية غيره لا تضرّه إذا كان مطيعًا فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ ، وهي: آسية بنت مزاحم. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون، فلما تبيّن لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. قال سلمان: (كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلّتها الملائكة ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته) . وفي القصة: أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها، فلما أتوها بالصخرة ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ فأبصرت بيتها في الجنّة من درّة وانتزع روحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألمًا. قال ابن كثير: فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ ، قال العلماء:

стр. 2245

اختارت الجار قبل الدار ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ أي: خلّصني منه فإني أبرأ إليك من عمله ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ ، قال قتادة: يقول: آمنت بعيسى وهو كلمة الله ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني: التوراة والإِنجيل ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ من المطيعين. وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . وعن ابن عباس قال: خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط وقال: «أتدرون ما هذا» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» . رواه أحمد. وروى ابن عساكر عن ابن عمر قال: (جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فمرّت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشّرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نَصَبَ فيه ولا صَخَبَ، من لؤلؤة جوفاء، بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم) . والله أعلم. * * *
следующие страницы →