← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ ، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلّقتهنّ؟ قال: «لا» . فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلّق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وعند البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبيّ ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية. وعند أبي حاتم قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبيّ ﷺ ، فاستقريتهنّ أقول: لتكفّنّ عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنّه الله أزواجًا خيرًا منكنّ، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين -، يعني: أم سلمة - فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهنّ؟ فأمسكت، فأنزل الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ . وقال ابن زيد في قول الله: ﴿قَانِتَاتٍ﴾ ، قال: مطيعات. وعن ابن عباس في قوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قال: صائمات. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ أي: منهن ثيّبات وأبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفس، فإن التنوّع يبسط النفس، ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ ومنهن ﴿وَأَبْكَاراً﴾ . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)

стр. 2242

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) ﴾ . عن عليّ بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، قال: علّموهم وأدّبوهم. وقال ابن عباس: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجّيكم الله من النار. وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله. وعن قتادة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ ، قال: هي الصادقة الناصحة. وقال عمر بن الخطاب: هو العبد يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أبدًا. وقال مجاهد: يستغفرون ثم لا يعودون. وعن أبيّ بن كعب قال: (قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة منها: نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرّم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرّم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا) . قال زرّ فقلت لأبيّ بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «هو الندم على الذنب حين يفرط منك، فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر، ثم لا تعود إليه أبدًا» . رواه ابن أبي حاتم. قال العلماء: التوبة النصوح: أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل؛ ثم إن كان الحقّ لآدمي ردّه إليه بطريقة. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ

стр. 2243

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قال البغوي: أي: لا يعذّبهم الله بدخول النار، ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ على الصراط ﴿يَقُولُونَ﴾ إذا طفئ نور المنافقين ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ... (١٢) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ، قال: أمر الله نبيّه ﵇ أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين بالحدود ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ، قال ابن جرير: يقول: واشدد عليهم في ذات الله ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . وعن ابن عباس: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ ، قال: كان خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سرّ نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، فكان ذلك من أمرها؛ وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ

стр. 2244

شَيْئاً﴾ . وقال عكرمة: كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ، قال قتادة: لم يغن صلاح هذين عن هاتين شيئًا، وامرأة فرعون لم يضرّها كفر فرعون. قال في جامع البيان: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ﴾ أي: جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلاً لهم، أو مثّل لهم مثلاً مثل امرأة نوح في أن قرابة أحد وإن كان نبيًّا لا ينفع مع الكفر؛ قيل: هذا تخويف لعائشة وحفصة. انتهى وقال بعضهم: وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقّهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين. وقال البغوي: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لم يدفعا عنهما مع نبوّتهما عذاب الله، ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ قطع الله بهذه الآية طمع كلّ من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره؛ ثم أخبر أن معصية غيره لا تضرّه إذا كان مطيعًا فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ ، وهي: آسية بنت مزاحم. قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون، فلما تبيّن لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. قال سلمان: (كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلّتها الملائكة ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته) . وفي القصة: أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها، فلما أتوها بالصخرة ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ فأبصرت بيتها في الجنّة من درّة وانتزع روحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألمًا. قال ابن كثير: فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ ، قال العلماء:

стр. 2245

اختارت الجار قبل الدار ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ أي: خلّصني منه فإني أبرأ إليك من عمله ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ ، قال قتادة: يقول: آمنت بعيسى وهو كلمة الله ﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني: التوراة والإِنجيل ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ من المطيعين. وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . وعن ابن عباس قال: خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط وقال: «أتدرون ما هذا» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» . رواه أحمد. وروى ابن عساكر عن ابن عمر قال: (جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فمرّت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشّرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نَصَبَ فيه ولا صَخَبَ، من لؤلؤة جوفاء، بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم) . والله أعلم. * * *

стр. 2246

الدرس السادس والثمانون بعد المائتين [سورة الملك] مكية، وهي ثلاثون آية روى أحمد وأهل السنن عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ » . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ

стр. 2247

كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ (٣٠) ﴾ . * * *

стр. 2248

قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) ﴾ . قال ابن كثير: يمجّد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه بيده الملك، أي: هو المتصرّف في جميع المخلوقات بما يشاء، لا معقب لحكمه ولا يُسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وعن قتادة في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ، قال: أذلّ الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، قال الفضيل بن عياض: ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أخلصه وأصوبه، وقال: العمل لا يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنّة. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ قال قتادة: من اختلاف ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ يقول: هل ترى من خلل يا ابن آدم؟ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً﴾ قال: صاغرًا ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ، يقول: معيّ لم ير خللاً ولا تفاوتًا، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ قال: إن الله جلّ ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال:

стр. 2249

خلقها زينة للسماء الدنيا ورجومًا للشيطاطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن ينال منها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظّه، وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم به. قوله : ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) ﴾ . عن مجاهد: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ يقول: تغلي كما يغلي القدر ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ، قال ابن عباس: تكاد يفارق بعضها بعضًا وتتفطر. وقال ابن زيد: ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ على أهل معاصي الله غضبًا لله وانتقامًا له. وعن ابن عباس: قوله: ﴿فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ، يقول: بعدًا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره إن الذين يخافون ربهم بالغيب يقول وهم لم يروه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم عفو من الله عن ذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ، يقول وثواب من الله لهم على خشيتهم إياه بالغيب جزيل. وقال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه، إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى، بأنه له ﴿مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ، أي: تكفّر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلّهم الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلّه» . فذكر منهم: «رجلاً دعته امرأة

стр. 2250

ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلاً تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» . قوله : ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٢٢) ﴾ . قال البغوي: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ، قال ابن عباس: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله ﷺ فيخبره جبريل ﵇ بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم كي لا يسمع إله محمد، فقال الله جلّ ذكره: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ألا يعلم ما في الصدور مَنْ خَلَقَها؟ ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾ سهلاً لا يمتنع المشي فيها، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ، قال مجاهد: في طرقها وفجاجها، ﴿وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ، أي: وإليه تبعثون من قبوركم. ثم خوّف الكفار فقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ ، قال ابن عباس: أي: عذاب من في السماء إن عصيتموه ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ

стр. 2251

تَمُورُ﴾ قال الحسن: تتحرّك بأهلها ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ريحًا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة وعند الموت ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ، أي: إنذاري إذا عانيتم العذاب ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ، أي: إنكاري عليهم بالعذاب، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ تصفّ أجنحتها في الهواء ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أجنحتهنّ بعد البسط ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في حال القبض والبسط ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ . ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ ؟ استفهام إنكار ﴿يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ يمنعكم من عذابه، ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ، أي: في غرور من الشيطان. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من الذي يرزقكم المطر إن أمسك الله عنكم؟ ﴿بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ﴾ تماد في الضلال ﴿وَنُفُورٍ﴾ تباعد من الحقّ. ثم ضرب مثلاً فقال: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ﴾ راكبًا رأسه في الضلالة والجهالة، أعمى العين والقلب لا يبصر يمينًا ولا شمالاً وهو الكافر؛ قال قتادة: راكبًا على المعاصي في الدنيا، فحشره الله على وجهه يوم القيامة ﴿أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً﴾ معتدلاً يبصر الطريق وهو ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو المؤمن؛ قال قتادة: يمشي يوم القيامة سويًّا. انتهى ملخصًا. قوله : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ (٣٠) ﴾ .

стр. 2252

قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: العقول والإِدراك ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ، أي: بثّكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحلاكم وأشكالكم وصوركم، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ، أي: تجمعون بعد هذا التفرّق والشتات، يجمعكم كما فرّقكم ويعيدكم كما بدأكم. ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ، لكنه أمرني أن أخبركم أنّ هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ، أي: وإنما عليّ البلاغ، وقد أدّيته إليكم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، أي: لما قامت القيامة وشاهدها الكفار ورأوا أن الأمر كان قريبًا، لأن كل ما هو آتٍ آتٍ وإن طال زمنه فلما وقع ما كذّبوا به ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر، أي: فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيّئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: تستعجلون. ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؟ أي: خلّصوا أنفسكم فإنه لا منقذ لكم من الله إلا بالتوبة والإِنابة والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم

стр. 2253

وقوع ما تتمنّون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذّبنا الله أو رحمنا فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: آمنّا بربّ العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكّلنا في جميع أمورنا، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ، أي: منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً﴾ ، أي: ذاهبًا في الأرض إلى أسفل فلا ينال بالفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد، والغائر عكس النابع، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ﴾ ؟ ، أي: نبع سائح جار على وجه الأرض، أي: لا يقدر على ذلك إلا الله ، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلّة والكثرة، فللَّه الحمد والمنّة. * * *

стр. 2254

الدرس السابع والثمانون بعد المائتين [سورة نون] مكية، وهي اثنتان وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ

стр. 2255

بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٥٢) ﴾ . * * *

стр. 2256

قوله : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) ﴾ . عن ابن عباس: قال: (أول ما خلق الله من شيء القلم، فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السماوات، ثم خلق النون فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحرّكت الأرض فمادت، فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض، وقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ) . وعن مجاهد قال: كان يقال: النون الحوت الذي تحت الأرض السابعة. وقال ابن زيد في قول الله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال: هذا قسم أقسم الله به ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يكتبون.

стр. 2257

قال ابن القيم: (أقسم بالكتاب وآلته وهو القلم، والأقلام متفاوتة في الرتب، فأعلاها وأجلّها قدرًا: قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق. الثاني: قلم الوحي هو: الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه. الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله، وهو: قلم الفقهاء والمفتين. الرابع: قلم طبّ الأبدان. الخامس: قلم التوقيع عن الملوك أو نوّابهم. السادس: قلم الحساب. السابع: قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق. الثامن: قلم الشهادة. التاسع: قلم التعبير. العاشر: قلم تواريخ العالم. الحادي عشر: قلم اللغة. الثاني عشر: القلم الجامع، وهو قلم الردّ على المبطلين ورفع سنّة المحقّين) . انتهى ملخصًا. ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ، قال البغوي: هذا جواب لقولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ، قال ابن جرير: غير منقوص ولا مقطوع؛ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: إنك على دين عظيم وهو الإسلام. وقالت عائشة: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال: أدب القرآن. قال ابن كثير: ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجيّة له، وخلقًا تطبّعه وترك طبعه الجبليّ، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكلّ خلق جميل. وفي الصحيحين عن أنس قال: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما

стр. 2258

قال لي: أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَه) . وعن الضحاك في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ يقول: ترى ويرون ﴿بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ يقول: إنكم أولى بالشيطان ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال مجاهد: ودّوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحقّ فيما يسألونك. وعن ابن عباس: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ ، والمهين: الكذّاب، ﴿هَمَّازٍ﴾ ، يعني: الاغتياب؛ وقال قتادة: يأكل لحوم المسلمين، ﴿مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض، ﴿مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: بخيل بالمال ضنين به عن الحقوق ﴿مُعْتَدٍ﴾ ، قال قتادة: معتد في عمله، ﴿أَثِيمٍ﴾ بربّه ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ، قال الحسن: فاحش الخلق لئيم الضريبة. وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «تبكي السماء من عبد أصحّ الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه من الدنيا معصمًا، فكان للناس ظلومًا، فذلك العتلّ الزنيم» . قال ابن جرير: ومعنى (بعد) في هذا الموضوع معنى (مع) ، أي: مع العتلّ زنيم. وقال سعيد بن جبير: الزنيم: الذي يُعرف بالشّر كما تُعرف الشاة بزنمتها الملصق. وقال سعيد بن المسيّب: هو الملصق على القوم ليس منهم. وقال الكلبيّ: هو الأخنس بن شريق، وأصله من ثقيف وعداده في بني زهرة. وقال أبو رزين: الزنيم الفاجر. وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعّف؛ ألا أنبئكم بأهل النار؟ كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر» . قال أهل اللغة: الجوّاظ الجموع المنوع.

стр. 2259

وقوله تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، قال ابن كثير: يقول تعالى: هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين، كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كذب. وعن قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ ، قال: سنسمه على أنفه. وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد يكتب مؤمنًا أحقابًا ثم أحقابًا ثم يموت والله عليه ساخط، وإن العبد يكتب كافرًا أحقابًا ثم أحقابًا ثم يموت والله عليه راض، ومن مات همّازًا لمّازًا ملقّبًا للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشفتين» . رواه ابن أبي حاتم. قوله : ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) ﴾ . قال البغوي: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ ، يعني: اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع، ﴿كَمَا بَلَوْنَا﴾ ، ابتلينا، ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ . وقال قتادة: كانت الجنة لشيخ وكان

стр. 2260

يتصدّق، فكان بنوه ينهونه عن الصدقة، وكان يمسك قوت سنة وينفق ويتصدّق بالفضل، فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا: ﴿لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾ . وقال سعيد بن جبير: هي أرض باليمن يقال لها: خضروان من صنعاء على ستة أميال. وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ، قال: الصريم: الليل؛ وفي رواية كالرماد الأسود. وعن قتادة: قوله: ﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ ، يقول: يسرّون، ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ ، قال مجاهد: على جدّ قادرين في أنفسهم. وقال سفيان: على حنق. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ ، قال قتادة: أي: أضللنا الطريق، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ، بل جوزينا فحُرمنا. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ، قال ابن عباس: أَعْدَلُهُمْ، ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ ، قال مجاهد: يقول: تستثنون، فكان التسبيح فيهم الاستنثاء. قال ابن جرير: هو قول القائل: إن شاء الله. قال ابن كثير: وقيل معناه، أي: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم؟ ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ، أتوا بالطاعة حيث لا تنفع. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ، قال ابن كثير: قيل: رغبوا في بدلها لهم في الدنيا. وقيل: احتبسوا ثوابها في الدار الآخرة. وقال البغوي: قال عبد الله بن مسعود: بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق، فأبدلهم بها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودًا واحدًا. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: كفعلنا

стр. 2261

بهم نفعل بمن تعدّى حدودنا وخالف أمرنا ... ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . قال ابن كثير: أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشقّ. وقال ابن جرير: وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ، يقول: لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن عقوبة الله لأهل الشرك به أكبر من عقوبته لهم في الدنيا لارتدعوا وتابوا وأنابوا، ولكنهم بذلك جهّال لا يعلمون. قوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) ﴾ . قال البغوي: ثم أخبر بما أعدّه للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ، فقال المشركون: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون، فقال الله تكذيبًا لهم، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ نزل من عند الله ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ﴾ في ذلك الكتاب ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ تختارون وتشتهون ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ عهود ومواثيق ﴿عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ مؤكّدة عاهدناكم عليها فاستوثقتم بها منا فلا تنقطع إلى يوم القيامة ﴿إِنَّ ... لَكُمْ﴾ كَسَرَ (إنّ) لدخول اللام في الخير في ذلك العهد ﴿لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ لأنفسكم من الخير والكرامة.

стр. 2262

﴿سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ قال ابن كثير: أي: قل لهم: من هو المتضمنّ المتكفّل بهذا؟ قال ابن عباس: يقول: أيّهم بذلك كفيل؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء﴾ أي: من الأصنام والأنداد، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ . ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ، قال ابن عباس: (عن أمر عظيم، يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه وهي أشدّ ساعة في يوم القيامة) . وعن عبد الله بن مسعود قال: (ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً من ربكم أن خلقكم ثم صوّركم ثم رزقكم ثم تولّيتم غيره أن يولي كلّ عبد منكم ما تولّى؟ فيقولون: بلى. قال: فيمثل لكلّ قوم آلهتهم التي كانوا يعبدونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل الدعوة فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ ذهب الناس، فيقولون: ننتظر أن ينادي بنا، فيجيء إليهم في صورة، قال: فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، قال: فيخرّون سجّدًا إلا المنافقين، فإنه يصير فقار أصلابهم عظمًا واحدًا مثل صياصي البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم) ؛ ثم ذكر قصة فيها طول. رواه ابن جرير. وفي رواية قال: (يتمثّل الله للخلق يوم القيامة حتى يمرّ المسلمون، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئًا فينتهرهم مرّتين أو ثلاثًا، فيقول: هل تعرفون ربّكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف إلينا عرفناه، قال: فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خرّ لله ساجدًا، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا، فيقول: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون) .

стр. 2263

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا» . وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يأخذ الله للمظلوم من الظالم، حتى إذا لم يبق تبعه لأحد عند أحد، جعل الله ملكًا من الملائكة على صورة عزير، فتتبعه اليهود، وجعل الله ملكًا من الملائكة على صورة عيسى فتتبعه النصارى، ثم نادى مناد أَسْمَعَ الخلائق كلّهم، فقال: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد كان يعبد من دون الله شيئًا، إلا مثّل له آلهته بن يديه، ثم قادتهم إلى النار، حتى إذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، قال الله جلّ ثناؤه: أيها الناس ذهب الناس، ذهب الناس، الحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: والله مالنا إله إلا الله، وما كنا نعبد إلهًا غيره، وهو الله ثبّتهم، ثم يقول لهم الثانية مثل ذلك: الحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون: مثل ذلك، فيقال: هل بينكم وبين ربّكم من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيتجلّى لهم من عظمته ما يعرفونه أنه ربّهم فيخرّون له سجّدًا على وجوههم، ويقع كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر» . وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ، قال: كانوا يسمعون: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، فلا يجيبوك. قوله : ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ

стр. 2264

عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٥٢) ﴾ . قال البغوي: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ ، أي: فدعني والمكذّبين بالقرآن وخلّ بيني وبينهم. قال الزجاج: معناه لا تشغل قلبك وَكِلْهُ إليّ فإني أكفيك أمره ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ سنأخذهم بالعذاب من حيث لا يشعرون. وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ : كِلْ يا محمد أمر هؤلاء المكذّبين بالقرآن إليّ، وهذا كقول القائل لآخر غيره يتوعّد رجلاً: دعني وإياه، وخلّني وإياه، بمعنى أنه من وراء مساءته. ... ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ، قال ابن جرير: قويّ شديد. وفي الصحيحين عن النبيّ ﷺ قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ . قال في جامع البيان: سمّى الاستدراج كيدًا لأنه في صورة الكيد. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ ، يا محمد، ﴿أَجْراً﴾ ، على الهداية، ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ ، غرامة مثقلون بحملها فلذا يعرضون عنك؛ و (أم) منفصلة والهمز للإنكار ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ علم الغيب ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ، فلا يحتاجون إليك وإلى علمك. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ، بإمهالهم، ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ ، يونس ﵇ في العجلة والضجر، ﴿إِذْ نَادَى﴾ في بطن الحوت، ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن

стр. 2265

رَّبِّهِ﴾ بقبول توبته ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاء﴾ ، لطرح بالقضاء من بطن الحوت ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ، حال كونه مجرمًا ملومًا، يعني: لمّا تداركه برحمته نبذه على حال غير حال الذم واللوم ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الأنبياء. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ ، يقول: ينفذونك بأبصارهم من شدّة النظر، وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ: (وإن يكاد الذين كفروا ليزهقونك) . وقال الكلبيّ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ ليصرعونك. وعن الضحاك: ينفذونك بأبصارهم من العداوة والبغضاء. وقال ابن كثير: أي: يعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم؛ وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حقّ بأمر الله . وعن ابن عباس عن النبيّ ﷺ قال: «العين حقّ ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا» . رواه مسلم وغيره. وقوله تعالى: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي: أن هذا النظر كان يشتدّ منهم في حال قراءة النبيّ ﷺ القرآن حسدًا على ما أوتي من النبوّة ... ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ، تنفيرًا عنه مع علمهم بأنه أعقلهم؛ ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ﴾ ، أي: القرآن، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ، الجنّ والإنس، فكيف يمكن نسبة من جاء بمثله إلى الجنون؟ والله المستعان. * * *

стр. 2266

الدرس الثامن والثمانون بعد المائتين [سورة الحاقة] مكية، وهي اثنتان وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ

стр. 2267

الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ (٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ . * * *

стр. 2268

قوله : ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) ﴾ . قال ابن عباس: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ، من أسماء يوم القيامة عظّمه الله وحذّره عباده. وقال قتادة: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني: الساعة أحقّت لكل عامل عمله. وقال البغوي: سميت حاقّة لأنها حُقّت فلا كاذبة لها ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ، قال سفيان: ما في القرآن ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يخبره، وما كان ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أخبره. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ قال قتادة: أي: بالساعة ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تفتر؛ وقال: ما أرسل الله من ريح قطّ إلا بمكيال، ولا أنزل قطرة قطّ إلا بمثقال، إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ ،

стр. 2269

يقول: تباعًا، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ . وفي الصحيحين: «نُصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدبور» . ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ ؟ قال ابن كثير: أي: هلّ تحسّ منهم من أحد من بقاياهم أو من ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفًا. وعن قتادة: قوله: ﴿وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قرية قوم لوط ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال مجاهد: الخطايا ... ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن كثير: أي: كلّ كذّب رسولّ الله إليهم، ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ قال ابن عباس: يعني: أخذة شديدة. وعن قتادة: قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ذاكم زمن نوح طغى الماء على كلّ شيء خمس عشرة ذراعًا بقدر كلّ شيء. قال ابن زيد: والجارية سفينة نوح التي حملهم فيها ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ قال قتادة: فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمادًا ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ إن غفلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. وقال ابن كثير: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وهي السفينة الجارية على وجه الماء ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه، أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيّار الماء في البحار، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ .

стр. 2270

قوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) ﴾ . قال البغوي: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وهي: النفخة الأولى ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ رفعت عن أماكنها ﴿فَدُكَّتَا﴾ كسرتا ﴿دَكَّةً﴾ كسرة ﴿وَاحِدَةً﴾ فصارتا هباء منثورًا ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قال ابن عباس: يعني ضعيفة ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول: والملك على حافات السماء حين تشقّق. وعن سعيد بن جبير: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. ... ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ، قال ابن إسحاق: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «هم اليوم أربعة - يعني: حملة العرش - وإذا كان يوم القيامة أيّدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ » ؛ قال ميسرة: أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور. وعن جابر ابن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدّث عن مَلِكٍ من ملائكة الله تعالى من حملة العرش: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» . رواه أبو داود وغيره. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ، قال ابن كثير: أي:

стр. 2271

تعرضون على عالم السرّ والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . وقال عمر بن الخطاب ﵁: حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإنه أخفّ عليكم في الحساب غدًا أن تحاسِبوا أنفسكم اليوم وتَزينوا للعرض الأكبر، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . وروى الإمام أحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان: فجدال ومعاذير، وأما الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذٌ بيمنه وآخذٌ بشماله» . قوله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ (٣٧) ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فأما من أَعطى كتاب أعماله بيمينه

стр. 2272

فيقول: تعالوا اقرؤوا كتابيه. وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدّة فرحه يقول لكلّ من لقيه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ ، أي: خذوا اقرؤوا كتابي، لأنه يعلم أن الذي فيه خير؛ قال: ومعنى: ﴿هَاؤُمُ﴾ هاكم. وعن قتادة: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ﴾ ظنّ ظنًّا يقينًا فنفعه الله بظنّه، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ . قال قتادة: دنت فلا يردّ أيديهم عنها بُعْدٌ ولا شوك. وروى الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنّة عالية قطوفها دانية» . وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ، قال قتادة: إن أيامكم هذه أيام خالية تؤدّي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقدّموا فيها خيرًا إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله» . وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ أنه قال: «اعملوا وسدّدوا وقاربوا، واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عمله الجنّة» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ! قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل» . ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ ، قال ابن السائب: تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ ، قال البغوي: يقول: يا ليت الموتة التي متّها في الدنيا ﴿كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ الفارغة من كلّ ما بعدها، والقاطعة للحياة، فلم أَحْيَ بعدها. قال قتادة: يتمنّى الموت، ولم يكن شيء في الدنيا عنده أكره من الموت. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ قال ابن زيد: سلطان الدنيا. وعن مجاهد قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي

стр. 2273

سُلْطَانِيهْ﴾ قال: حجّتي. وقال قتادة: أما والله ما كلّ من دخل النار كان أمير قرية يجيبها، ولكن الله خلقهم وسلّطهم على أقرانهم وأمرهم بطاعة الله، ونهاهم عن معصية الله. وقال الفضيل بن عياض: إذا قال الربّ : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ، ابتدره سبعون ألف ملك أيّهم يجعل الغلّ في عنقه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ قال ابن عباس: تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه. ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ ، قال ابن جرير: يعني: في الدار الآخرة، قريب يدفع عنه ويعنه مما هو فيه من البلاء. قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ . وعن قتادة: قوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ ، شرّ الطعام وأخبثه وأبشعه. وعن ابن عباس: قوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ ، صديد أهل النار، ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ﴾ ، قال البغوي: أي: الكافرون. قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ .

стр. 2274

قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ ، أقسم بالأشياء حتى أقسم يما تبصرون وما لا تبصرون. قال ابن القيّم: (وهذا أعمّ قسم وقع في القرآن، فإنه يعمّ العلويّات والسفليّات، والدنيا والآخرة) . ﴿إِنَّهُ﴾ ، قال البغوي: يعني: القرآن. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ، أي: تلاوة ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: محمد ﷺ . قال ابن كثير: أضافه إليه على معنى التبليغ، لأن الرسول من شأنه أن يبلّغ عن المرسِل، ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكيّ. وعن قتادة: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ طهّره الله من ذلك وعصمه. ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ طهّره من الكهانة وعصمه، ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ، قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ ، أي: محمد ﷺ ؛ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة. وقال ابن جرير: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ محمد بعض الأقاويل الباطلة، وتكذّب علينا ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ يقول: أخذنا منه بالقوّة منا والقدرة ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ﴾ ، نياط القلب. وعن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يقول: عرق القلب. وقال مجاهد: حبل القلب الذي في الظهر ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ . وعن قتادة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال قتادة: ذاكم يوم القيامة.

стр. 2275

﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ ، قال ابن كثير: أي: الخبر الصدق الحقّ، الذي لا مرية فيه ولا شكّ ولا ريب، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ . وروى الإِمام أحمد عن عمر بن الخطاب قال: (خرجت أتعرّض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقّة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن. فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ، فقلت: كاهن. فقرأ: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إلى آخر السورة، فوقع الإِسلام في قلبي كلّ موقع) . * * *

стр. 2276

الدرس التاسع والثمانون بعد المائتين [سورة المعارج] مكية، وهي أربع وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَرَاهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (١٣) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُم

стр. 2277

بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (٣٥) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) ﴾ * * *

стр. 2278

قوله : ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَرَاهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (١٣) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) ﴾ . عن ابن عباس: قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ، قال: ذاك سؤال الكفار عن عذاب الله، وهو واقع. وعن قتادة: قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ، قال: سأل عذاب الله أقوام فبين الله على من يقع فقال: ﴿لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ، قال مجاهد: معارج السماء، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ، قال: منتهى أمره من أسفل الأرض ومن الأرض إلى منتهى أمره من فوق السموات مقدار خمسين ألف سنة، ويوم كان مقداره يعني بذلك: نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن ابن عباس قال: (غلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، فذلك سبعة آلاف عام؛ وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام؛ وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ

стр. 2279

خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ) . قلت: ويشهد لهذا القول ما رواه الإمام أحمد وغيره عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس» . وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن» . وقال البغوي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ ، يعني: جبريل ﵇ ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ من سني الدنيا، لو صعد غير الملك من بني آدم من منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر الله تعالى من فوق السماء السابعة لما صعد في أقل من خمسين ألف سنة، والملك يقطع ذلك كله في ساعة واحدة. وقال ابن زيد في قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ قال: هذا حين كان يأمره بالعفو عنهم لا يكافئهم، فلما أمر بالجهاد والغلظة عليهم أمر بالشدة والقتل حتى يتركوا، ونسخ هذا. وقال ابن جرير: وهذا الذي قاله ابن زيد أنه كان أمر بالعفو بهذه الآية ثم نسخ ذلك قول لا وجه له، لأنه لا دلالة على صحة ما قال من بعض الأوجه التي تصح منها الدعاوى، وليس في أمر الله نبيه ﷺ بالصبر الجميل على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمرًا منه له به في بعض الأحوال، بل كان ذلك أمرًا من الله له به في

стр. 2280

كل الأحوال، لأنه لم يزل ﷺ من لدن بعثه الله إلى أن اخترمه في أذى منهم، وهو في كل ذلك صابر على ما يلقى منهم من أذى، قبل أن يأذن الله له بحربهم وبعد إذنه له بذلك. وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ ، أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ أي: وقوع العذاب وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع، بمعنى: مستحيل الوقوع، ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ ، قال البغوي: لأن ما هو آت قريب، وهو يوم القيامة. ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ﴾ قال مجاهد: كعكر الزيت، وقال قتادة: تتحول يومئذٍ لونًا آخر إلى الحمرة ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ ، قال: كالصوف، ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ يشغل كل إنسان بنفسه عن الناس. وعن ابن عباس قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ قال: يعرف بعضهم بعضًا، ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: لا يسأل القريب قريبه عن حاله وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ قال ابن زيد: فصيلته عشيرته ﴿وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ ذلك الفداء من عذاب الله. قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته لشدائد ذلك اليوم.
следующие страницы →