Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا
هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) ﴾ .
* * *
стр. 2312
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ﴾ .
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: «بينا أنا أمشى، سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي، فإذا أنا بالملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجئشت منه فَرَقًا، وجئت فقلت: زملوني زملوني. فدثروني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ - قال: - ثم تتابع الوحي» .
وعن قتادة: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ، أي: أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم وشدّة نقمته. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظّم بعبادته والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، قال قتادة: يقول: طهّرها من المعاصي. وعن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، قال: من الإِثم ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. وعن مجاهد في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، قال: عملك فأصلح. وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهّرون، فأمره أن يتطهّر ويطهّر ثيابه. وعن مجاهد: قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ، قال: الأوثان. ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، قال ابن عباس: لا تعط عطيّة تلتمس بها أفضل منها. قال الضحاك: هما ربوان: حلال
وحرام. فأما الحلال: فالهدايا، وأما الحرام: فالربا. وقال: هي
стр. 2313
للنبيّ ﷺ خاصّة. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ، قال ابن زيد: حُمِّلَ أمرًا عظيمًا محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في الله.
وعن مجاهد: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ ، قال: إذا نفخ في الصور: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: شديد. قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر ينفخ فيه» ؟ فقال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نقول؟ فقال: «تقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكّلنا» . وعن قتادة: قال الله تعالى ذكره: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فبيّن الله على من يقع على الكافرين غير يسير.
قوله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) ﴾ .
عن مجاهد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، قال: نزلت في الوليد ابن المغيرة. قال قتادة: أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا لا مال له ولا ولد
فرزقه المال والولد والثروة والنساء، ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ ، قال مجاهد: كان بنوه عشرة لا يغيبون، ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ ، من المال والولد. قال سفيان: بسط له. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا﴾ .
стр. 2314
قال البغوي: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ﴾ يرجو ﴿أَنْ أَزِيدَ﴾ ، أي: أزيده مالاً وولدًا وتمهيدًا، ﴿كَلَّا﴾ لا أفعل ولا أزيده؛ وقالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. وعن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، قال: جَحودًا. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، قال مجاهد: مشقّة من العذاب. وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «الصَعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفًا، ثم يهوي كذلك منه أبدًا» . رواه ابن جرير.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، قال البغوي: (وذلك أن الله تعالى لما أنزل على النبي ﷺ : ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ قام النبي ﷺ في المسجد، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي ﷺ لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلهم - وكان يقال للوليد: ريحانة قريش - فقال لهم أبو جهل: أنا
أكفيكموه؛ فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينًا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينًا يابن أخي؟ قال: وما يمنعني أن لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك تدخل على
стр. 2315
ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم؟ فغضب الوليد فقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالاً وولدًا؟ وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام، فيكون لهم فضل؟
ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟ قالوا: لا - وكان رسول الله ﷺ يسمى الأمين قبل النبوة من صدقه - قالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه ثم نظر ثم عبس فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر. فذلك قوله : ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ في محمد والقرآن ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في محمد والقرآن: ﴿فَقُتِلَ﴾ لعن. وقال الزهري: عذب، ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ على طريق التعجب والإنكار والتوبيخ، ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ كرره للتأكيد، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ في طلب ما يدفع من القرآن ويرده، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ كلح وقطب وجهه فنظر بكراهية شديدة كالمتهم المتفكر في شيء.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عن الإيمان ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تكبر حين دعي إليه ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ ما هذا الذي يقرأه محمد ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ يروى ويحكى عن السحرة، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ، يعني: يسارًا وجبرًا، فهو يأثره عنهما. قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ سأدخله ﴿سَقَرَ﴾ وسقر: اسم من أسماء جهنم، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ ، قال السدي: ﴿لَا تُبْقِي﴾ لهم لحمًا: ﴿وَلَا تَذَرُ﴾ لهم عظمًا. وقال مجاهد:
стр. 2316
كلما احترقوا جددوا، ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ ، قال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان. وقال ابن زيد: النار تغير ألوانهم، ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ، قال ابن زيد: خزنتها تسعة عشر.
قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِّلْبَشَرِ (٣٦) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ .
قال ابن عباس وغيره: لما نزلت: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أماتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي: الشجعان - أفيعجز كل عشرة منكم
أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم؟ قال أبو الأشد الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشرة، فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ . قال ابن عباس: وإنها في التوراة والإنجيل: تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا.
﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، قال ابن جرير: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ ، ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ نفاق ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ بالله من مشركي قريش: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ ؟ قال ابن زيد: يقولون: حين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر.
стр. 2317
﴿كَذَلِكَ﴾ ، قال البغوي: أي: كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدي من صدق ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ، قال مقاتل: هذا جواب أبي جهل حين قال: أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟ قال عطاء: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ، يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله؛ والمعنى: أن تسعة عشر هم خزنة النار، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمهم إلا الله .
ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: ﴿وَمَا هِيَ﴾ ، يعني: النار، ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ إلا تذكرة وموعظة للناس، ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ هذا قسم
يقول: حقًا. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ ، قال مجاهد: يعني جهنم: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾ ، قال الحسن: والله ما أنذر الناس بشيء أدهى منها. ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ، قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها.
قوله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) ﴾ .
عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ، يقول: مأخوذة بعملها. ﴿إِلَّا
стр. 2318
أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ ، قال قتادة: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. وقال ابن زيد: لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم. ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال قتادة يقول: كلما غوى غاوٍ غوينا معه ﴿وَكُنَّا
نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ ، قال البغوي: هو: الموت، قال الله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ روى ابن جرير عن ابن مسعود في قصة ذكرها من الشفاعة قال: (ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق من النار، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين؛ - ثم قرأ عبد الله يا أيها الكفار -: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وعقد بيده أربعًا ثم قال: هل ترون في هؤلاء من خير؟ إلا ما يترك فيها أحد فيه خير) .
وعن قتادة: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ، أي: في هذا القرآن؟ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ، قال ابن عباس: هي: الرماة. قال قتادة: وهم: الرماة القناص. وقال أبو هريرة: هو: الأسد، قال ابن كثير، أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حمر من حمر الوحش، إذا فرت ممن يريد صيدها. وعن مجاهد: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، قال: إلى فلان من رب العالمين. وقال قتادة: قال ذلك قائلون من الناس: يا محمد إن سرك أن نتبعك فائتنا بكتاب خاصة إلى فلان نؤمر فيه بإتباعك. قال البغوي: فقال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ لا يؤتون الصحف، ﴿بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ ، قال قتادة: إنما
стр. 2319
أفسدهم أنهم كانوا لا يصدقون
بالآخرة، ولا يخافونها. قال البغوي: والمعنى: أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة ﴿كَلَّا﴾ حقًَا. ﴿إِنَّهُ﴾ ، يعني: القرآن. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ موعظة. ﴿فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾ أتعظ به. ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ، أي: أهل أن تتقي محارمه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه. ثم ساق بسنده عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ، قال: «قال ربكم : أنا أهل أن أتقى ولا يشرك بي غيري وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له» .
* * *
стр. 2320
الدرس الرابع والتسعون بعد المائتين
[سورة القيامة]
مكية، وهي أربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ
الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) ﴾ .
* * *
стр. 2321
قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ... (١٥) ﴾ .
قال أبو هشام الرفاعي: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ توكيد للقسم، كقوله: لا والله. وعن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: ممن أنت؟ فقلت: من أهل العراق، فقال: أيهم؟ فقلت: من بني أسد، فقال: من حريبهم أو ممن أنعم الله عليهم؟ فقلت: لا بل ممن أنعم الله عليهم، فقال لي: سل، فقلت: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فقال: يقسم ربك بما شاء من خلقه. وعن قتادة: قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ، قال: أقسم بهما جميعًا. وعن سعيد بن حبير في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ ، قال: تلوم على الخير والشر. وقال مجاهد: تندم على ما فات من الخير وتلوم عليه. وقال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة. قال مقاتل: هي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله في الدنيا.
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، قال البغوي: نزلت في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة ختن الأخنس بن شويق الثقفي، وكان النبي ﷺ يقول: «اللهم اكفني جاري السوء» ، يعني: عديًا، والأخنس، وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد حدثني عن القيامة، متى تكون وكيف حالها وأمرها؟ فأخبره النبي ﷺ فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ﴾ ، يعني: الكافر ﴿أَلَّن نَجْمَعَ
стр. 2322
عِظَامَهُ﴾ بعد التفرق والبلى فنحييه، ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ، قال الزجاج وابن قتيبة: معناه ظن الكافر أن لا نقدر على جمع عظامه، بلى نقدر على أن نعيد السلاميات على صغرها فنؤلف بينها حتى نسوي البنان، فمن قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر. وعن ابن عباس: قوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ، قال: نجعله خفًا أو حافرًا. وقال الضحاك: البنان: الأصابع. وعن عكرمة: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: قدمًا لا ينزع عن فجور. وقال ابن عباس يقول: الكافر يكذب بالحساب يسأل أيان يوم القيامة. وقال قتادة يقول: متى يوم القيامة؟ ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ ، قال مجاهد: عند الموت. وقال قتادة: شخص البصر: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ، قال: ذهب ضوءه فلا ضوء له ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قال مجاهد: كورًا يوم القيامة: ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ أي: المهرب. وعن ابن عباس قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ يعني: لا حصن ولا ملجأ ﴿إِلَى
رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ قال قتادة: أي: المنتهي. وقال ابن زيد: استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ، قال مجاهد: بأول عمله وآخره. وعن ابن عباس قوله: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ، يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه. وقال قتادة: شاهد عليها بعملها. وعن سعيد بن جبير: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ، قال: شاهد على نفسه ولو اعتذر.
قوله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) ﴾ .
عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه القرآن تعجل، يريد حفظه، فقال الله تعالى ذكره: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، وقال ابن عباس: هكذا، وحرك شفتيه. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ ، قال: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ، قال: تقرؤه بعد. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أنزلناه إليك. ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ، قال:
стр. 2323
فاستمع قرآنه. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، قال: تبيانه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله .
قوله : ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ اختار أكثر الناس العاجلة إلا من رحم الله وعصم. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ ، قال ابن زيد: الناضرة: الناعمة. وقال الحسن: حسنة. وقال مجاهد: مسرورة. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، قال الحسن: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. وقال عطية العوفي: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم؛ فذلك قوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ . وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، ولا قبل غروبها فافعلوا» . وفي الصحيحين أيضًا عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» . وروى مسلم عن جابر في حديثه: «إن الله يتجلى للمؤمنين، يضحك - يعني: في عرصات يوم القيامة -» . قال ابن كثير: ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم في العرصات، وفي روضات الجنات.
стр. 2324
عن مجاهد: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، قال: كاشرة. وقال قتادة: كالحة. وقال ابن زيد: عابسة. ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ ، قال مجاهد: واهية. وقال قتادة: شر. وقال ابن زيد: تظن أنها ستدخل
النار، قال: تلك الفاقرة. وقال البغوي: الفاقرة الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر.
قوله : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) ﴾ .
قال البغوي: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ﴾ ، يعني: النفس، كناية عن غير مذكور، ﴿التَّرَاقِيَ﴾ تحشرج بها عند الموت ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به؟ وطلبوا له الأطباء والمداوين، فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل شيئًا. وعن قتادة: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ ، أي: استيقن. وقال ابن زيد: ليس أحد من خلق الله يدفع الموت ولا ينكره، ولكن لا يدري يموت من ذلك المرض أو من غيره، فالظن كما ها هنا هذا. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ ، قال الحسن: لفهما أمر الله. وقال أبو مالك: هما ساقاه إذا ضمت إحدهما بالأخرى. وقال قتادة: ماتت رجلاه فلا يحملانه إلى شيء، فقد كان عليهما جوالاً. وعن ابن عباس قوله:
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ يقول: آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وقال مجاهد: هو أمر الدنيا والآخرة عند الموت.
стр. 2325
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ قال البغوي: أي: مرجع العباد إلى الله يساقون إليه. وعن قتادة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ لا صدق لكتاب الله، ولا صلى لله. ﴿وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ ، أي: يتبختر، وهو أبو جهل بن هشام كانت مشيته. قال ابن جرير: ومنه الخبر عن رسول الله ﷺ : «إذا مشت أمتي المطيطاء» ، وذلك أن يلقي الرجل بيديه ويتكفأ. وقال سعيد عن قتادة: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وعيد على وعيد كما تسمعون، زعم أن هذا أنزل في عدو الله أبي جهل، ذكر لنا: أن نبي الله ﷺ أخذ بمجامع ثيابه فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فقال عدو الله أبو جهل: أيوعدني محمد؟ والله ما تستطيع لي أنت ولا ربك شيئًا، والله لأنا أعز من مشى بين جبليها. قال: فلما كان يوم بدر أشرف عليهم فقال: لا يصد الله بعد هذا اليوم؛ وضرب الله عنقه وقتله شر قتلة.
وعن ابن عباس: قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ؟ قال: هملاً. وقال مجاهد: لا يؤمر ولا ينهى؟ ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ ، قال البغوي: فجعل فيه الروح وسوى خلقه، ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾
الذي فعل هذا ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ وعن ابن عباس: أنه مر بهذه الآية: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟ قال: سبحانك فبلى.
* * *
стр. 2326
الدرس الخامس والتسعون بعد المائتين
[سورة الإنسان]
مدنية، وهي إحدى وثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً
وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ
стр. 2327
وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٣١) ﴾ .
* * *
стр. 2328
قوله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) ﴾ .
عن قتادة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ آدم أتى عليه. ﴿حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ ؟ قال: كان آدم ﷺ آخر ما خلق من الخلق. ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ ، قال مجاهد: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة. وقال الربيع: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة فهو أمشاج. وقال ابن جرير: وقوله: ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ نختبره. ... ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ قال ابن كثير: أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وكقوله جل وعلا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ منصوب على الحال من الهاء في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ تقديره: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «كل
стр. 2329
الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» .
قوله : ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا
عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً (٢٢) ﴾ .
قال ابن كثير: يخبر تعالى عما أرصده للكافرين - من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللهب والحريق - في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير، قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف
стр. 2330
إلى ذلك من
اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا بلا مزج.
وعن قتادة: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ ، قال: مستقيد ماؤها لهم، يفجرونها حيث شاءوا.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم، فسماهم الله بذلك: ﴿الْأَبْرَارَ﴾ ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض. وفي الحديث الصحيح: ... «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . وعن مجاهد: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ، قال: وهم يشتهونه: ﴿مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ ، قال قتادة: كان أسراهم يومئذٍ المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه. وقال مجاهد: الأسير هو: المحبوس. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾ ، قال: أما أنهم ما تكلموا به، ولكن الله علمه من قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ ، قال ابن عباس: طويلاً. وقال قتادة: عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية ذلك اليوم. ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾
نضرة في وجهوهم وسرورًا في قلوبهم. ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ ، يقول: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله وصبروا عن معصيته ومحارمه. ﴿جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ كنا نحدث أنها الحجال فيها الأسرة. قال الله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً﴾ يعلم الله أن شدة الحر تؤذي، وشدة القر تؤذي، فوقاهم الله أذاهما. ﴿قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ ، قال: هي من فضة وصفاؤها صفاء القوارير وبياض الفضة، ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ قال: لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
стр. 2331
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ ، أي: صفاء القوارير في بياض الفضة. ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ قدرت على ري القوم. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾ ، قال ابن كثير، أي: يسقون - يعني: الأبرار أيضًا - في هذه الأكواب، ﴿كَأْساً﴾ ، أي: خمرًا. ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة، ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفًا. وعن قتادة: قوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ رفيعة، يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة، وعن مجاهد: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ قال: سلسة الجرية. وعن قتادة: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: لا يموتون.
﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ ، قال: من كثرتهم وحسنهم. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ ، قال البغوي، أي: إذا رأيت ببصرك ونظرت به: ﴿ثَمَّ﴾ ، يعني: في الجنة: ﴿رَأَيْتَ نَعِيماً﴾ لا يوصف ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ ، قال ابن كثير: وثبت في الصحيح: أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا، وآخر أهل الجنة دخولاً إليها: (إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها) . ﴿عَالِيَهُمْ﴾ ، أي: فوقهم ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ، قال ابن كثير، أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس وهو رفيع الحرير، كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق
стр. 2332
ولمعان، وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ .
ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ، أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى، وسائر الأخلاق الرديئة؛ كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين، فكأنما ألهموا ذلك، فشربوا من إحداهما فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم) ؛ فأخبر بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن. وعن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ غفر لهم الذنب وشكر لهم السعي؛ وقال: لقد شكر الله سعيًا قليلاً.
قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٣١) ﴾ .
قال البغوي: قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً﴾ قال ابن
стр. 2333
عباس: متفرقًا آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ ، قال ابن كثير: فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ إلى أول النهار وآخره: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ ، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ .
﴿إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ ، يعني: يوم القيامة، ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ ، قال ابن عباس: خلقهم. وقال الحسن: يعني: أوصالهم، شددنا بعضهما إلى بعض بالعروق والعصب ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ كقوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً﴾ .
وعن قتادة في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ قال: إن هذه السورة تذكرة، ﴿فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ قال البغوي: وسيلة للطاعة. ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لستم تشاءون إلا بمشيئة الله ، لأن الأمر إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ، قال ابن كثير، أي: عليم بمن يستحق الهداية فيسرها له ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .
* * *
стр. 2334
الدرس السادس والتسعون بعد المائتين
[سورة الْمُرْسَلَاتِ]
مكية، وهي خمسون آية
... عن أم الفضل: (أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب: بالمرسلات عرفًا) . متفق عليه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (٢٥) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً (٢٧) وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ
стр. 2335
شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)
هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) ﴾ .
* * *
стр. 2336
قوله : ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (١٥) ﴾ .
عن ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى، إذ نزلت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ : «اقتلوها» فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ : «وقيت شركم كما وقيتم شرها» . متفق عليه.
وعن ابن عباس: قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً﴾ ، يعني: الريح. وعن صالح بن بريدة في قوله: ﴿عُرْفاً﴾ ، قال: يتبع بعضها بعضًا. وقال البغوي: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً﴾ ، يعني: الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. وعن قتادة: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾ ، قال: الرياح. وعن مجاهد: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾ ، قال: الريح. وقال الحسن: هي الرياح التي يرسلها الله بشرًا بين يدي رحمته.
وعن ابن عباس: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾ ، قال: الملائكة. قال البغوي: تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً﴾ ، قال قتادة: هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتبلغه، ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾
، قال: ﴿عُذْراً﴾ من الله، ﴿أَوْ نُذْراً﴾ منه إلى
стр. 2337
خلقه. وقال في جامع البيان: أي: لإعذار المحقين، وإنذار المبطلين، ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ ، قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، إن هذا كله ﴿لَوَاقِعٌ﴾ ، أي: لكائن لا محالة.
قال البغوي: ثم ذكر متى يقع فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ محي نورها، ﴿وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ﴾ شقت ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ قلعت من أماكنها ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ جمعت لميقات يوم معلوم. وقال في جامع البيان: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ جمعت وعين لها وقت ينحصرون فيه للشهادة على أممهم، ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ ، قال البغوي: أخرت، وضرب الأجل لجمعهم؛ تعجب العباد من ذلك اليوم؛ ثم بين فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ ، قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق. وقال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ الرسل وأرجئ أمرها حتى تقوم الساعة، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وهو يوم الفصل، كما قال تعالى: ﴿ليَوْمُ الْفَصْلِ﴾ انظر في الآية. ثم قال تعالى معظمًا لشأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا.
قوله : ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي
стр. 2338
قَرَارٍ مَّكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (٢٥) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً (٢٧) وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) ﴾ .
قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ ، يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاؤوهم به، ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ ، أي: ممن أشبههم، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ .
قال ابن جرير: ثم قال تعالى ممتنًا على خلقه ومحتجًا على الإعادة بالبداءة، ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾ قال البغوي: يعني: النطفة. ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ يعني: الرحم، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ وهو وقت الولادة ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ أي: المقدرون ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً﴾ قال ابن عباس: كنا أحياء وأمواتًا. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ ، يعني: الجبال، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً﴾ عذبًا ﴿وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ، قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث الذي تكذبون به.
قوله : ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) ﴾ .
стр. 2339
قال البغوي: ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ ، يعني: دخان جهنم إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق، ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ يظلّ من الحرّ ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ . قال الكلبي: لا يردّ جهنّم عنكم، والمعنى: أنهم إذا استظلوا بذلك الظّل لم يدفع عنهم حرّ اللهب، ﴿إِنَّهَا﴾ يعني: جهنّم ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ . قال ابن عباس يقول: كالقصر العظيم، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ ، قال البغوي: جمع الأصفر، يعني: لون النار، وقيل: الصفر معناها: السود لأنه جاء في الحديث: «أن شرر نار جهنم أسود كالقير» ، والعرب تسمي سود الإبل صفرًا لأنه يشرب سوادها شيء من صفرة.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ أي: في القيامة لأن فيها مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ، قال ابن كثير:
وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحالة تارة ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذٍ ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده، يقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ ، يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.
وقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ تهديد وشديد ووعيد أكيد: أي: إن قدرتم على أن تخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون
стр. 2340
على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ . وقال عبد الله بن عمرو: إنا نحدث يومئذٍ: (أنها تخرج عنق من النار فتنطلق، حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة، أنا أعرف منهم من الأب بولده: الذي جعل مع الله إلهًا آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد؛ فتطوى عليهم فتقذف بهم في النار) .
قوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) ﴾ .
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات وترك المحرمات، أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظلل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن، وقوله: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: من سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم. ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ﴾ ، أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ .
قوله : ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) ﴾ .
стр. 2341
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ خطاب للمكذبين بيوم الدين؛ وأمرهم أمر تهديد ووعيد، فقال تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً﴾ أي: مدة قليلة قريبة قصيرة ﴿إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ ، كما قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؟ انتهى. آمنا بالله وآياته.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى، وإنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ فانتهى إلى: ... ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقل: بلى. ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنا بالله» . رواه البغوي وغيره. والله أعلم.
* * *
стр. 2342
الدرس السابع والتسعون بعد المائتين
[سورة النبأ]
مكية، وهي أربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (١٧) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (٢١) لِلْطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (٢٣) لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (٢٤) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزَاء وِفَاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (٣٣) وَكَأْساً دِهَاقاً (٣٤) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (٣٥) جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء
حِسَاباً (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (٣٧)
стр. 2343
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً (٤٠) ﴾ .
* * *
стр. 2344
قوله : ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (١٦) ﴾ .
قال الحسن: (لما بعث النبي ﷺ جعلوا يتساءلون بينهم، فأنزل الله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: الخبر العظيم) . قال قتادة: وهو البعث بعد الموت. وقال ابن زيد في قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ ، قال: يوم القيامة؛ قال قالوا: هذا اليوم الذي تزعمون أنا نحيا فيه وآباؤنا؟ قال: فهم فيه مختلفون لا يؤمنون به، فقال الله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يوم القيامة لا يؤمنون به. قال قتادة: فصار الناس فيه فريقين: مصدق، ومكذب، فأما الموت فقد أقروا به لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت.
﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ، قال البغوي: ﴿كَلَّا﴾ نفي، يقول: هم سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين تكشف الأمور، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد على أثر وعيد. وقال في جامع البيان: ﴿كَلَّا﴾
ردع عن هذا التساؤل والاختلاف، ﴿سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تكرير للمبالغة و ﴿ثُمَّ﴾ للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد.
стр. 2345
قال ابن كثير: ثم شرع ﵎ يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾ ، أي: ممهدة للخلائق ذلولاً لهم قارة ساكنة ثابتة، ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ ، أي: جعلها لها أوتادًا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ ، يعني: ذكرًا وأنثى يتمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ أي: قطعًا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ أي: جعلناه مشرقًا نيرًا مضيئًا، ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب.
وقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ يعني: السموات السبع في اتساعها وارتفاعها، وإحكامها وإتقانها، وتزينها بالكواكب الثوابت والسيارات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم، التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي: السحاب، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ . وقوله جل وعلا: ﴿مَاء ثَجَّاجاً﴾ قال مجاهد: منصبًّا.
وقوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ ، أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك حبًا يدخر للأناسي والأنعام ﴿وَنَبَاتاً﴾ ، أي: خضرًا يؤكل
стр. 2346
رطبًا ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ ، أي: بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعًا، ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ ، قال ابن عباس وغيره: ﴿أَلْفَافاً﴾ مجتمعة، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
قوله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (١٧) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (٢١) لِلْطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (٢٣) لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (٢٤) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزَاء وِفَاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (٣٠) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ وهو يوم عظمه الله يفصل الله فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم، ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ ، قال مجاهد: زمرًا زمرًا، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ ، قال ابن كثير: أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ ، أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ ، قال: ألا إن على الباب الرصد، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز احتبس. وقال قتادة: يعلمنا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى يقطع النار. ﴿لِلْطَّاغِينَ مَآباً﴾ ، أي: نزلاً ومأوى، ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ وهو مالا انقطاع له، كلما مضى
стр. 2347
حقب جاء حقب بعده، وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة. وعن الربيع: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ فاستثنى من الشراب: الحميم، ومن البرد: الغساق. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «لو أن دلوًا من غساق يهراق إلى الدنيا لأنتن أهل الدنيا» . رواه ابن جرير.
وعن ابن عباس: قوله: ﴿جَزَاء وِفَاقاً﴾ يقول: وافق أعمالهم. قال قتادة وافق الجزاء أعمال القوم أعمال السوء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ قال ابن زيد: لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب. وقال قتادة: لا يخافون حسابًا ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾ قال البغوي: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: بما جاء به الأنبياء ﴿كِذَّاباً﴾ يعني: تكذيبًا. ﴿وَكُلَّ
شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ أي: وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ. وقال ابن كثير: أي: وقد علمنا أعمال العباد وكتبناها عليهم وسنجزيهم على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وعن قتادة: ... ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ ذكر لنا أن عبد الله بن عمرو كان يقول: ما نزلت على أهل النار آية أشد منها: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ فهم في مزيد من عذاب الله أبدًا.
قوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (٣٣) وَكَأْساً دِهَاقاً (٣٤) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (٣٥) جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً (٣٦) رَبِّ
стр. 2348
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً (٤٠) ﴾ .
عن قتادة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ ، أي: والله مفازًا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ يعني: بذلك النساء أترابًا لسن واحدة. وقال ابن جريج: الكواعب: النواهد. وقال ابن زيد: هي التي قد نهدت وكعب ثديها ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ ، قال: الدهاق المملوءة. وقال ابن عباس: الملأى المتتابعة. وعن قتادة ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً﴾ قال: باطلاً وإثمًا
﴿جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً﴾ أي: عطاء كثيرًا، فجزاهم بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾ أي: كلامًا. قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ ، أي: جبريل ﵇، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ ، قال ابن عباس يقول: إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهي الصواب. وعن مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾ ، قال: حقًا في الدنيا وعمل به.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً﴾ ، قال البغوي: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الكائن الواقع، يعني: يوم القيامة، ﴿فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً﴾ مرجعًا وسبيلاً بطاعته، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾ ، يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾
стр. 2349
أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتًا في صحيفته، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ ، قال عبد الله بن عمرو: (إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قيل لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ ) .
стр. 2350
الدرس الثامن والتسعون بعد المائتين
[سورة النازعات]
مكية، وهي ست وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (٢٦) أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ
следующие страницы →