← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

رطبًا ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ ، أي: بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعًا، ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ ، قال ابن عباس وغيره: ﴿أَلْفَافاً﴾ مجتمعة، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . قوله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (١٧) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (٢١) لِلْطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (٢٣) لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (٢٤) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزَاء وِفَاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (٣٠) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ وهو يوم عظمه الله يفصل الله فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم، ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ ، قال مجاهد: زمرًا زمرًا، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ ، قال ابن كثير: أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ ، أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ ، قال: ألا إن على الباب الرصد، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجيء بجواز احتبس. وقال قتادة: يعلمنا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى يقطع النار. ﴿لِلْطَّاغِينَ مَآباً﴾ ، أي: نزلاً ومأوى، ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ وهو مالا انقطاع له، كلما مضى

стр. 2347

حقب جاء حقب بعده، وذكر لنا أن الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة. وعن الربيع: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ فاستثنى من الشراب: الحميم، ومن البرد: الغساق. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «لو أن دلوًا من غساق يهراق إلى الدنيا لأنتن أهل الدنيا» . رواه ابن جرير. وعن ابن عباس: قوله: ﴿جَزَاء وِفَاقاً﴾ يقول: وافق أعمالهم. قال قتادة وافق الجزاء أعمال القوم أعمال السوء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ قال ابن زيد: لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب. وقال قتادة: لا يخافون حسابًا ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾ قال البغوي: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: بما جاء به الأنبياء ﴿كِذَّاباً﴾ يعني: تكذيبًا. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ أي: وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ. وقال ابن كثير: أي: وقد علمنا أعمال العباد وكتبناها عليهم وسنجزيهم على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وعن قتادة: ... ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ ذكر لنا أن عبد الله بن عمرو كان يقول: ما نزلت على أهل النار آية أشد منها: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ فهم في مزيد من عذاب الله أبدًا. قوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (٣٣) وَكَأْساً دِهَاقاً (٣٤) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (٣٥) جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً (٣٦) رَبِّ

стр. 2348

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً (٤٠) ﴾ . عن قتادة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ ، أي: والله مفازًا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ يعني: بذلك النساء أترابًا لسن واحدة. وقال ابن جريج: الكواعب: النواهد. وقال ابن زيد: هي التي قد نهدت وكعب ثديها ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ ، قال: الدهاق المملوءة. وقال ابن عباس: الملأى المتتابعة. وعن قتادة ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً﴾ قال: باطلاً وإثمًا ﴿جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً﴾ أي: عطاء كثيرًا، فجزاهم بالعمل اليسير الخير الجسيم الذي لا انقطاع له. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً﴾ أي: كلامًا. قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ ، أي: جبريل ﵇، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ ، قال ابن عباس يقول: إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهي الصواب. وعن مجاهد: ﴿وَقَالَ صَوَاباً﴾ ، قال: حقًا في الدنيا وعمل به. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً﴾ ، قال البغوي: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الكائن الواقع، يعني: يوم القيامة، ﴿فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً﴾ مرجعًا وسبيلاً بطاعته، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾ ، يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾

стр. 2349

أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتًا في صحيفته، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ ، قال عبد الله بن عمرو: (إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وحشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قيل لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ ) .

стр. 2350

الدرس الثامن والتسعون بعد المائتين [سورة النازعات] مكية، وهي ست وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (٢٦) أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ

стр. 2351

الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَن طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) ﴾ . * * *

стр. 2352

قوله : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (١٤) ﴾ . عن ابن مسعود: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ ، قال: الملائكة، قال ابن عباس: تنزع الأنفس. قال البغوي: يعني: الملائكة تنزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدى. وقال سعيد بن جبير: نزعت أرواحهم ثم غرقت ثم قذف بها في النار. وعن ابن عباس: ... ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ ، قال: الملائكة حين تنشط نفسه. قال البغوي: هي الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي: تحل حلاً رفيقًا فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير، وقال ابن القيّم: النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد، والنزع: اجتذاب النفس بقوة؛ والناشطات التي تنشطها، أي: تخرجها بسرعة وخفّة؛ والنزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق يختصّ بالكافر. وعن مجاهد: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً﴾ ، قال: الملائكة ينزلون من السماء مسرعين. وعن مجاهد: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً﴾ ، قال: الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ، قال ابن عباس: هم الملائكة وكّلوا بأمور عرّفهم الله العمل بها. قال البغوي: وجواب هذه الأقسام محذوف على تقدير: لتبعثن ولتحاسبنّ. وعن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ، يقول:

стр. 2353

النفخة الأولى، وقوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ، يقول: النفخة الثانية. قال الحسن: أما الأولى: فتميت الأحياء، وأما الثانية: فتحي الموتى، ثم تلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ . وعن قتادة: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ ، يقول: خائفة، وجفت مما عاينت يومئذٍ، ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ ، يقول: ذليلة. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ ، قال البغوي: يقولون - يعني: المنكرين للبعث، إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت -؟ : ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ؟ قال ابن عباس يقول: ائنا لنحيا بعد موتتنا، ونبعث من مكاننا هذا؟ وقال قتادة: أي: مردودون خلقاً جديداً؟ وقال البغوي: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ، أي: إلى أول الحال وابتداء الأمر، فنصير أحياء بعد الموت كما كنا؟ تقول العرب: راجع فلان في حافرته، أي: رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء وأول الشيء. وعن ابن عباس: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ فالنخرة: الفانية البالية. وعن قتادة: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً﴾ تكذيباً بالبعث ناخرة بالية ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ، أي: راجعة خاسرة. قال ابن زيد: وأي كرّة أخسر منها؟ أُحْيُوا ثم صاروا إلى النار فكانت كرّة سوء. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: الزجرة: النفخة في الصور ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ قال: ظهر الأرض فوق بطنها. قال قتادة: لما تباعد البعث في أعين القوم قال الله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول: فإذا هم على الأرض بعد ما كانوا في جوفها. قال البغوي: والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض: ساهرة، قال بعض أهل اللغة: تراهم سمّوها ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهرها.

стр. 2354

قوله : ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (٢٦) ﴾ . قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ، أي: هل سمعت بخبره، ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ ، أي: كلّمه نداء، ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ ، أي: المطهّر، ﴿طُوًى﴾ وهو اسم الوادي. قال قتادة: كنا نحدّث أنه قدّس مرتين، ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ ، قال ابن زيد: إلى أن تسلم؛ قال: والتزكّي في القرآن كلّه الإسلام. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ، قال البغوي: أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده، فتخشى عقابه، ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ، قال مجاهد: عصاه ويده ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ ، قال مجاهد: يعمل بالفساد ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ قال ابن زيد: صرخ وحشر قومه فنادى فيهم، فلما اجتموا قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ، قال قتادة: عقوبة الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ . قال ابن كثير: أي: لمن يتّعظ وينزجر. قوله : ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) ﴾ .

стр. 2355

قال ابن كثير: يقول تعالى محتجًّا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه ﴿أَأَنتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء﴾ ؟ يعني: بل السماء أشد خلقاً منكم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ . قال البغوي: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء﴾ ، يعني: أخلقكم بعد الموت أشدّ عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله واحد. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿بَنَاهَا﴾ فسّره بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ قال مجاهد: رفع بناءها بغير عمد ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ قال ابن عباس: أظلم ليلها، ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ، قال مجاهد: نورها. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ، قال ابن عباس: وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبع سموات، ثم دحى الأرض بعد ذلك، ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ . قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ، أي: دحى الأرض، فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأخرج أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبّت جبالها لتستقرّ بأهلها ويقرّ قرارها، كلّ ذلك متاعاً لخلقه، ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدّة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل. قوله : ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَن طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ

стр. 2356

الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) ﴾ . عن ابن عباس: قوله: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذّره عباده. قال البغوي: والطامّة عند العرب الداهية التي لا تستطاع، ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ ما عمل في الدنيا من خير وشرّ، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ ، قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق، ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى﴾ ، قال مجاهد: عصى وآثر الحياة الدنيا، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ، قال مقاتل: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ . ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ، قال البغوي: متى ظهورها وثبوتها ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ لست في شيء من علمها وذكرها: أي: لا تعلمها ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ أي: منتهى علمها عند الله ... ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها ... ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ، قال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة. * * *

стр. 2357

الدرس التاسع والتسعين بعد المائتين [سورة عبس] مكية، وهي اثنتان وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (٢٦) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (٣١) مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ .

стр. 2358

قوله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) ﴾ . عن ابن عباس: قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى﴾ ، قال: بينما رسول الله ﷺ يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هاشم، والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيرًا رجاء أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرىء النبي ﷺ آية من القرآن وقال: يا رسول الله علمني مما علّمك الله فأعرض عنه رسول الله ﷺ وعبس في وجهه وتولّى، وكره كلامه وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله ﷺ وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ . فلما نزل فيه أكرمه رسول الله ﷺ وكلّمه وقال له: «ما حاجتك؟ هل تريد من شيء» ؟ وإذا ذهب من عنده قال له: « هل لك حاجة في شيء» ؟ وذلك لما أنزل الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ .

стр. 2359

قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله ﷺ كتم من الوحي شيئًا كتم هذا عن نفسه؛ قال: وكان يتصدّق كهذا الشريف في جاهليّته رجاء أن يسلم، وكان عن هذا يتلهّى. قال البغوي: ﴿عَبَسَ﴾ كلح ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض بوجهه، ﴿أَن جَاءهُ الْأَعْمَى﴾ وهو ابن أم مكتوم، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يتطهّر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلّمه منك، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ يتّعظ ... ﴿فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ ، قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما لَهُ من المال، ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ تتعرض له وتقبل وتصغي إلى كلامه، ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أن لا يؤمن ويهتدي، إن عليك إلاَّ البلاغ. ﴿وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى﴾ يمشي، يعني: ابن أمّ مكتوم ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ الله ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ تتشاغل وتعرض عنه. ﴿كَلَّا﴾ زجر: أي: لا تفعل بعدها مثلها ﴿إِنَّهَا﴾ ، يعني: هذه الموعظة؛ وقال مقاتل: آيات القرآن، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ موعظة وتذكير للخلق ﴿فَمَن شَاء﴾ من عباد الله ﴿ذَكَرَهُ﴾ أي: اتّعظ به. ثم أخبر عن جلالته عنده فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ ﴿مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ لا يمسّها إلاَّ المطهرون ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ، قال ابن عباس: هم الملائكة ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال البغوي: أي: كرام على الله بررة مطيعين. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاقّ له أجران» . رواه الجماعة. قوله : ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ

стр. 2360

شَقّاً (٢٦) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (٣١) مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) ﴾ . قال مجاهد: ما كان في القرآن: قتل الإنسان أو فعل بالإنسان، فإنما عني به الكافر. قال البغوي: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده، على طريق التعجّب. قال الزجاج معناه: اعجبوا أنتم من كفره. وقال الكلبيّ ومقاتل: هو (ما) الاستفهام، يعني: أيّ شيء حمله على الكفر؟ ثم بين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خلقه فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ . وقال ابن كثير: ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ، قال البغوي: أطوارًا: من نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسره له. وقال مجاهد: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ . ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، قال البغوي: جعل له قبرًا يوارى فيه ﴿ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ أحياه بعد موته، ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ، قال البغوي ﴿كَلَّا﴾ رد عليه، أي: ليس كما يقول ويظن هذا الكافر. وقال الحسن: حقًا، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ، أي: لم يفعل ما أمره الله به ربه، ولما يؤد ما فرض عليه. ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ كيف قدره ربه ودبره له وجعله سببًا لحياته. وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه. ثم بين فقال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً﴾ ، يعني: المطر، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً﴾ بالنبات ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً﴾ ، أي: الحبوب التي يتغذى بها

стр. 2361

﴿وَعِنَباً وَقَضْباً﴾ وهو القت الرطب، سمى بذلك لأنه يقضب في كل أيام: أي: يقطع. ﴿وَزَيْتُوناً﴾ وهو ما يعصر منه الزيت، ﴿وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ﴾ بساتين ﴿غُلْباً﴾ غلاظ الأشجار. وقال مجاهد: الغلب: الشجر الملتف بعضه في بعض. ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يريد: ألوان الفاكهة. ﴿وَأَبّاً﴾ ، يعني: الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه الناس. قال قتادة: الفاكهة لكم، والأب لأنعامكم. وعن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ فقال: (أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟) وعن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ ، قال: (قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب، إن هذا لهو التكلف) ؛ قال ابن كثير: وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ . وقوله تعالى: ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ، أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. قوله : ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ .

стр. 2362

عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ﴾ ، قال: (هذا من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده) . قال البغوي: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ﴾ ، يعني: صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع: أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه. وقال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول: يا هذه أيّ بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا، أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني: أيّ والد كنت لك؟ فيثني بخير فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ . وعن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً» فقالت: يا رسول الله فكيف بالعوارت؟ فقال: « ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ » . رواه النسائي. وقال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ، قال: شأن قد شغله عن صاحبه. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ ، قال: هؤلاء أهل الجنة: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ ، قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقترة من الغبرة وهما واحد، فأما في الدنيا فإن القترة ما ارتفع فحلق بالسماء رفعته الريح، تسميه

стр. 2363

العرب: القترة؛ وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «يلجم الكافر العرق، ثم تقع الغبرة على وجوههم» - قال: - فهو قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ . وقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ ، أي: يغشاها سواد الوجوه. وقال البغوي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ مشرقة مضيئة. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ بالسرور، ﴿مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ فرحة بما نالت من كرامة الله . ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ سواد وكآبة مما يشاهدون من الغم والهم، ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف، ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الذين يصنع بهم هذا: ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ . * * *

стр. 2364

الدرس الثلاثمائة [سورة التكوير] مكية، وهي تسع وعشرون آية ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين، فليقرأ إذا الشمس كوّرت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقّت» . رواه أحمد وغيره. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)

стр. 2365

وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) ﴾ .

стр. 2366

قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (١٤) ﴾ . وعن أبي العالية: قال: قال أبيّ بن كعب: (ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واحترقت، وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماجوا بعضهم في بعض. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: اختلطت ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قال: أهملها أهلها ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ ، قال: قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجج قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم) . وعن ابن عباس. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ، يقول: أظلمت. قال قتادة: ذهب ضوءها فلا ضوء لها. وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ قال البغوي: أي: تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض ﴿وَإِذَا

стр. 2367

الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ ، قال ابن جرير: سيرها الله فكانت سرابًا وهباء منبثًا، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ ، قال الحسن: سيبها أهلها فلم تصر ولم تحلب، ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ، قال ابن عباس: حشر البهائم موتها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ ، قال ابن عباس: كور الله الشمس والقمر والنجوم في البحر، فبعث عليها ريحًا دبورًا فنفخه حتى يصير نارًا، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ . ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ، قال عمر بن الخطاب: هما الرجلان يعملان العمل يدخلان به الجنة أو النار وقرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ، قال: ضرباءهم. وقال مجاهد: الأمثال من الناس جمع بينهم. وقال قتادة: لحق كل إنسان بشيعته. وقال الشعبي: زوجت الأرواح الأجساد. وعن أبي العالية في قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ، قال: سيأتي أولها والناس ينظرون وسيأتي آخرها إذا النفوس زُوِّجت. وعن قتادة: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ هي في بعض القراءة: سألت، ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ لا بذنب؛ كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم. قال البغوي: ومعناه تسأل الموؤدة فيقال لها: بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها، لأنها تقول: قتلت بغير ذنب. ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ ، قال قتادة: صحفك يا ابن آدم تملي ما فيها ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة. ﴿وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ﴾ ، قال السدي: كشفت. وقال الفراء: نزعت فطويت. وعن قتادة: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ سعرها غضب الله وخطايا بني آدم. ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ، قال ابن جرير: قربت وأدنيت. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ ، قال قتادة: من عمل. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا

стр. 2368

الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ، قال عمر لما بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ : لهذا جرى الحديث. قال البغوي: وهذا جواب قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بعدها. قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ، قال: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار. وقال: الخنس هي: النجوم تخنس بالنهار، و ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ سيرهن إذا غبن. وقال ابن زيد: الخنس إنها تخنس: تتأخر عن مطلعها، هي تتأخر كل عام، لها في كل عام تأخر عن تعجيل ذلك الطلوع تخنس عنه والكنس: تكنس بالنهار فلا ترى. قال: والجواري تجري بعد؛ فهذا: الخُنَّس الجوارِ الكُنَّس. وقال ابن القيم: (أقسم سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة: من طلوعها وجريانها وغروبها) . وعن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ ، يقول: إذا أدبر. وقال الحسن يقول: أقبل بظلامه، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ورجحه ابن كثير. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ، قال قتادة: إذا أضاء وأقبل، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ، يعني: جبريل. قال ابن كثير: يعني أن هذا القرآن لتبليغ ﴿رَسُولٍ

стр. 2369

كَرِيمٍ﴾ ، أي: ملك شريف، ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ﴾ ، أي: شديد الخلق شديد البطش والفعل، ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ، أي: له مكانة عند الله ومنزلة رفيعة، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ ، أي: له وجاهة وهو مسموع القول في الملأ الأعلى، ﴿أَمِينٍ﴾ ، قال البغوي: على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه. ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ ، يقول لأهل مكة: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم﴾ ، يعني: محمدًا ﷺ ، ﴿بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ﴾ ، يعني: رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ على صورته ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق؛ قاله مجاهد، وقتادة. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ، أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين: أي: بمتهم؛ ومنهم من قرأ ذلك بالضاد: أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد. وقال قتادة: كان القرآن غيبًا فأنزله الله على محمد، فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ، يقول: فأين تعدلون عن كتابي وطاعتي، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ ، قال مجاهد: يتبع الحق، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال البغوي: أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدًا لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله، ولا ضرًا إلا بخذلانه. * * *

стр. 2370

[سورة الانفطار] مكية، وهي تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَاماً كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) ﴾ . * * *

стр. 2371

قوله : ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَاماً كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) ﴾ . قال البغوي: ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ تساقطت. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ فجر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح فصارت بحرًا واحدًا. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ، قال ابن عباس: بحثت. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ قال القرظي ﴿مَّا قَدَّمَتْ﴾ ما علمت، وأما ما أَخَّرَتْ: فالسنة يسنها الرجل يعمل بها من بعده، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ، قال قتادة: شيء ما غر ابن آدم، هذا العدو الشيطان. سمع عمر رجلاً يقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال عمر: الجهل. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يومًا في كفه، فوضع عليها أصبعه ثم قال: «قال الله : يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى

стр. 2372

إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق؛ وأنى أوان الصدقة» ؟ وعن مجاهد في قول الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ ، قال: في أيّ شبه أب، أو أم، أو عم، أو خال. ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ، قال: بالحساب. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو بجرم حائط، أو ببعيره» . رواه البزار. وفي رواية ابن أبي حاتم: «أو ليستره أخوه» . قوله : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) ﴾ . قال البغوي: قوله : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ الأبرار: الذين بروا وصدقوا في إيمانهم، بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه. ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ روي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم: ليت شعري، ما لنا عند الله؟ قال: أعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم مالك عند الله. قال: فأين أجده في كتاب الله؟ فقال: عنده قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي

стр. 2373

جَحِيمٍ﴾ ، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين. قوله : ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم القيامة ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ ؛ ثم عظم ذلك اليوم فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ؛ ثم كرر تفخيمًا لشأنه فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ، قال قتادة: والأمر والله اليوم لله، لكنه يومئذٍ لا ينازعه أحد؛ ليس ثم أحد يومئذٍ يقضي شيئًا ولا يصنع إلا رب العالمين؛ قال ابن كثير: ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ، كقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . * * *

стр. 2374

الدرس الواحد بعد الثلاثمائة [سورة المطففين] مكية، وهي ست وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا

стр. 2375

الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ﴾ . * * *

стр. 2376

قوله : ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) ﴾ . عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلاً أهل مكة وأهل المدينة؛ قال: حق لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ . وعن ابن عباس: (قال لما قدم النبي ﷺ المدنية كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك) . وعن ابن عمر قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ حتى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ وعن عكرمة قال: أشهد أن كل كيال ووزان في النار، فقيل له في ذلك فقال: إنه ليس منهم أحد يزن كما يتزن، ولا يكيل كما يكتال، وقد قال الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ . قال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل. ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ؛ قال البغوي: أي: كالوا لهم ووزنزا لهم ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ، أي: ينقصون، ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «يقوم الناس لرب

стр. 2377

العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» . متفق عليه. وعن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، فمنهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق» . رواه أحمد. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبشير الغفاري: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا، لا يأتيهم خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر» ؟ قال بشير: المستعان الله يا رسول الله. قال: «إذا أنت أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة، وسوء الحساب» . رواه ابن جرير. قوله : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ ذكر أن عبد الله ابن عمر كان يقول: هي الأرض السفلى، فيها أوراح الكفار، وأعمالهم أعمال السوء. وقال ابن

стр. 2378

كثير: يقول تعالى: حقًا إن كتاب الكفار ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ، أي: أن مصيرهم ومأواهم لفي سجين، مأخوذ من السجن وهو الضيق ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم، وعذاب أليم. انتهى ملخصًا. وقال الزجاج في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ، أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ ، قال البغوي: ليس هذا تفسير السجين، بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ﴾ ، قال قتادة: رقم لهم بشرّ. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، قال ابن كثير: أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه، وتنزيله على رسوله ﷺ وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل منها، فإن عاد عادت حتى تعظم في قلبه فذلك الران الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . رواه ابن جرير. وعن قتادة: قوله: ... ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أعمال السوء: أي والله ذنب على ذنب وذنب على ذنب حتى مات قلبه واسود. وقال ابن

стр. 2379

زيد: غلب على قلوبهم ذنوبهم فلا يخلص إليها معها خير. وعن قتادة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ هو لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ... ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته، وقال الإمام مالك: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. قال البغوي: ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا﴾ ، أي: هذا العذاب ﴿الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . قوله : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ قال: عليون فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى، وقال ابن عباس: أعمالهم في كتاب عند الله في السماء. وقال كعب الأحبار: إن الروح المؤمنة إذا قبضت صعد بها، ففتحت لها أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم عرجوا معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرج لها من عند العرش رَقّ فيرقم ثم يختم بمعرفتها النجاة بحساب يوم القيامة، وتشهد الملائكة المقربون.

стр. 2380

قال البغوي: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعمة ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ، قال الحسن: النضرة في الوجه، والسرور في القلب. ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ ، قال ابن عباس: يعني بالرحيق: الخمر، طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها تختم بمسك. وعن قتادة: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ، قال: عاقبته مسك يمزج لهم بالكافور، ويختم بالمسك. ... ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ، قال عطاء: فليستبق المستبقون. وعن ابن عباس: قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ صرفًا، ويمزج فيها لمن دونهم. وعن الحسن في قوله: ... ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ، قال: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة. وقال ابن عباس: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ﴾ . عن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ في الدين، يقولون: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء. استهزاء بهم، ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ ، قال ابن جرير: يقول: كان بعضهم يغمز بعضًا بالمؤمن استهزاء به وسخرية، ﴿وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾ ، قال ابن عباس: معجبين، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ﴾ ، قال ابن كثير: أي: لكونهم على غير دينهم، قال

стр. 2381

الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وما بعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ﴾ حافظين عليهم بأعمالهم، يقول: إنما كلفوا الإيمان بالله والعمل بطاعته، ولم يُجعلوا رقباء على غيرهم يحفظون عليهم أعمالهم وينتقدونها. وعن ابن عباس: قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ ، قال: يعني: السرر المرفوعة عليها الحجال. وكان ابن عباس يقول: (إن السور الذي بين الجنة والنار يفتح لهم فيه أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار والمؤمنون على السور ينظرون كيف يعذبون فيضحكون منهم) ، فيكون ذلك مما أقر به أعينهم كيف ينتقم الله منهم. وعن مجاهد: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ ، قال: جزي. وعن سفيان: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، حين كانوا يسخرون؟ قال البغوي: ومعنى الاستفهام ها هنا: التقرير. وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. * * *

стр. 2382

[سورة الانشقاق] مكية، وهي خمس وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ... ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (١١) وَيَصْلَى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ﴾ . * * *

стр. 2383

قوله : ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (١١) وَيَصْلَى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) ﴾ . عن أبي رافع قال: (صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ فسجد فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه) . متفق عليه. قال البغوي: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ انشقاقها من علامات القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من الإذن: وهو الاستماع ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحق لها أن تطيع ربها ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ مد الأديم وزيد في سعتها، ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ قال مجاهد: أخرجت ما فيها من الموتى؛ وقال قتادة: أخرجت أثقالها وما فيها، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ ، وقال قتادة: إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله. وقال ابن زيد: ﴿كَدْحاً﴾ : العمل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ

стр. 2384

حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» ، فقلت: يا رسول الله أفليس قال الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ قال: «ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» . متفق عليه. وعن قتادة: ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ، قال: إلى أهل أعد الله لهم في الجنة. وعن مجاهد: قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ ، قال: يجعل يده من وراء ظهره، ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ ، قال ابن جرير: وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ يقول: فسوف ينادي بالهلاك وهو أن يقول: واثبوراه واويلاه ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ قال قتادة: أي: في الدنيا، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ أن لن ينقلب، يقول: أن لن يبعث. قال البغوي: ثم قال: ﴿بَلَى﴾ ، أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويبعث، ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ من يوم خلقه إلى أن بعثه. قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) ﴾ . عن ابن عباس: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قال: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ وما جمع ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ يقول: إذا استوى. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ﴾ يقول: حالاً بعد حال. قال ابن زيد: الآخرة بعد

стр. 2385

الأولى ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: بهذا الحديث وبهذا الأمر. ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ ، قال مجاهد: يكتمون، ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال ابن كثير: أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله قد أعد لهم عذابًا أليماً. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ هذا استثناء منقطع، يعني: لكن ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: بقلوبهم ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال البغوي: غير مقطوع ولا منقوص. * * *
следующие страницы →