Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2451–2483 · переход к 2456.
стр. 2451
الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب ... ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم سدّت بأوتاد من حديد من نار، حتى يرجع عليهم غمّها وحرّها، فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم روح. والممدّدة: من صفة العمد، أي: مطوّلة فتكون أرسخ من القصيرة؛ عياذًا بالله من ذلك.
* * *
стр. 2452
الدرس العاشر بعد الثلاثمائة
[سورة الفيل]
مكية، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (٥) ﴾ .
* * *
عن ابن مسعود في قوله: ﴿طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ قال: فرق. وقال ابن عباس: هي التي يتبع بعضها بعضًا. وقال قتادة: الأبابيل: الكثيرة.
قال ابن عباس: وكانت طيرًا لها خراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عبد بن عمير: هي طير سود بحرية، في أظافرها ومناقرها الحجارة.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبرهة بنى القُلَّيْس بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشيّ: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمُنتهٍ حتى أصرف إليها حجّ العرب،
стр. 2453
فلما تحدّثت العرب بذلك غضب رجل من النسأة الذين كانوا ينسأون الشهور على العرب في الجاهلية، فخرج حتى أتى القُليس، فقعد فيها -، يعني: أحدث - ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة، قال: من صنع هذا؟ فيقل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكّة، لما سمع قولك: أصرف إليها حاج العرب؛ فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه.
ثم أمر الحبشة فتهيّأت وتجهّزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفُظِعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْر، دعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده، فأجابه إلى ذلك من أجابه ثم عرض
له، فقاتله، فهزم ذو نَفْر وأصحابه وأخذ فأتي به أسيرًا، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك من قتلي، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلاً حليمًا.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نفيل بن حبيب في قبيلتي خثعم شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ نفيل أسيرًا، فأتي به فلما همّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم وناهس بالسمع والطاعة ; فخلَّى سبيله وخرج به معه يدلّه، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيننا هذا بالبيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم، فبعثوا معهم أبا رغال يدلّه على الطريق إلى مكة؛ فخرج معه حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب.
стр. 2454
فلما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلاً من الحبشة على خيل له حتى انتهى إلى مكّة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم - وهو يومئذٍ كبير قريش وسيّدها - فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا
أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حناطة الحميريّ إلى مكّة وقال له: سل عن سيّد أهل هذا البلد وشريفها ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم ترضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكّة، سأل عن سيّد قريش وشريفها فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم ﵇ فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال حناطة: فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك.
فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر - وكان له صديقًا - حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندنا غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيسًا سائس الفيل صديق لي، وسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقّك، وأساله أن يستأذن لك على الملك، فتكلّمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. فقال: حسبي، فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيّد قريش وصاحب عير مكّة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال،
وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت. فقال: أفعل.
فكلّم أنيس أبرهة فأذن له، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم
стр. 2455
وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك. قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلَّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا ربّ الإِبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان لمتنع منّي، قال: أنت وذاك. فردّ أبرهة على عبد المطّلب الإِبل التي أصاب له.
فلما انصرف عبد المطلب إلى قريش أخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرزّ في شعف الجبال والشعاب، تخوّفًا عليهم من معرّة الجيش، ثم قام عبد المطّلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهمّ إن العبد يمنع ... رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدًا محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا ... فأمر ما بدالك
ثم أرسل عبد المطّلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها ; فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكّة وهيّأ فيله وعبّأ جيشه - وكان اسم الفيل محمودًا -، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجّهوا الفيل إلى مكّة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود وارجع راشدًا فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه
стр. 2456
راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك؛ فأرسل الله تعالى عليهم طيرًا من البحر، أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كلّ طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص، والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلّهم أصابت؛ وخرجوا هاربين يتبدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:
أين المفرّ والإِله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
وقال أيضًا:
ألا حُيّيت عنا يا رُدَيْنَا ... نَعِمْناكُمْ مع الإِصباح عَيْنا
أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لَدينا
رُدَيْنَةُ لو رأيت ولا تريه ... لدى جَنْب المحصّب ما رأينا
إذًا لعذرتِني وحمدتِ أمري ... ولم تأسَيْ على ما فات بينا
حمدتُ الله إذا أبصرت طيرًا ... وخفت حجارة تلقى علينا
وكلِّ القوم يسأل عن نفيل ... كأنّ عليّ للحبشان دَيْنا
فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق ويهلكون بكل مهلك على كلّ منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنامله أنملة أنملة، كلّما سقطت أنملة أتبعتها منه مدّة تمثّ قيحًا ودمَا، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. فلما بعث الله تعالى محمدًا ﷺ ، كان مما يعدّ الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما ردّ عنهم من أمر الحبشة، فقال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ . وقال: ﴿لِإِيلَافِ
стр. 2457
قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي: لئلا يغيّر شيئًا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه، فلما ردّ الله الحبشة عن مكة وأصابهم بما أصابهم من النقمة،
أعظمت العرب قريشًا وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوّهم، فقالوا: في ذلك أشعارًا، فقال عبد الله بن الزبعريّ:
تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديمًا لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ... ولسوف يُنْبي الجاهلين عليمُها
ستون ألفًا لم يؤوبوا أرضهم ... ولم يعش بعد الإِياب سقيمُها
كانت بها عادٌ وجُرْهُمُ قبلهم ... والله من فوق العباد يُقيمها
وقال أبو قيس بن الأسلت:
فقوموا فصلّوا ربّكم وتمسّحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء مصدّقٌ ... غداة أبا يكسوم هادي الكتائب
كتيبة بالسهل تمشي ورجله ... على القاذفات في رؤوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردّهم ... جنودُ المليك بين سافٍ وحاصِب
فولّوا سراعًا هاربين ولم يؤب ... إلى أهله ملحبش غير عاصب
[انتهى ملخصًا]
* * *
стр. 2458
[سورة قريش]
مكية، وهي أربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ... (٤) ﴾ .
* * *
قال الزجاج: المعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي: أهلك أصحاب الفيل لتبقى قريش وما ألفوا من رحلة الشتاء والصيف.
وعن مجاهد: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ﴾ قال: إيلافهم ذلك فلا يشقّ عليهم. وعن ابن عباس في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ﴾ يقول: لزومهم. وعن أبي صالح: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ﴾ ، قال: كانوا تجّارًا، فعلم الله حبّهم للشام. وعن قتادة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ قال: عادة قريش، عادتهم رحلة الشتاء والصيف. قال ابن زيد: كانت لهم رحلتان: الصيف إلى الشام، والشتاء إلى اليمن.
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ، قال قتادة: كانوا يقولون: نحن من حرمة الله، فلا يعرض لهم أحد. قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ، أي: فليوحّدوه بالعبادة وحده لا شريك
стр. 2459
له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا؛ ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه؛ كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ . انتهى ملخصًا.
* * *
стр. 2460
الدرس الحادي عشر بعد الثلاثمائة
[سورة الماعون]
مكية، وهي سبع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ... (٧) ﴾ .
* * *
قال في جامع البيان: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الاستفهام للتعجّب، ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ بالجزاء والبعث. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ ، قال قتادة: يقهره ويظلمه، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ، قال ابن كثير: يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته.
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، قال ابن عباس: الذين يؤخّرونها عن وقتها. وقال ابن أبزى: الذين يؤخّرون الصلاة المكتوبة حتى تخرج من الوقت. وعن مجاهد: ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، قال: لاهون. وقال الضحاك في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ ، يعني: المنافقين، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ، قال ابن عباس: العارية. وقال ابن عباس: ﴿الْمَاعُونَ﴾ ما يتعاطى الناس بينهم من الفأس، والقِدرْ، والدلو، وأشباه ذلك.
* * *
стр. 2461
[سورة الكوثر]
مكية، وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) ﴾ .
* * *
قال ابن عمر: (الكوثر نهر في الجنّة حافتاه ذهب وفضّة، يجري على الدرّ والياقوت ماؤه، أشدّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل) . وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «دخلت الجنّة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله » . متفق عليه واللفظ لأحمد.
وعن مجاهد: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، قال: الصلاة المكتوبة ونحر البدن. و ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: عدوّك. وعن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: (دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله هذه السورة) .
* * *
стр. 2462
[سورة الكافرون]
مكية، وهي ست آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (٤) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ .
* * *
روى مسلم عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ... ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ) . وروى أحمد وغيره أن أبيّ بن كعب قال: (كان رسول الله ﷺ يوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
قال البغوي: نزلت في رهط من قريش قالوا: يا محمد هلمّ فاتبع ديننا ونتّبع دينك ونشركك في أمرنا كلّه، تعبد آلهتنا ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرًا كنا قد شركناك فيه أخذنا حظّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظّك منه؛ فقال: «معاذ الله أن أشرك به غيره» . قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إلهك، فقال: «حتى أنظر ما يأتي من عند
стр. 2463
ربّي» . فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة؛ فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه.
ومعنى الآية: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الحال ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الحال ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ في الاستقبال ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الاستقبال؛ وهذا الخطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون. ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الشرك ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإِسلام.
* * *
стр. 2464
[سورة النصر]
مدنية، وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (٣) ﴾ .
* * *
عن مجاهد: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، فتح مكّة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ ، قال: زمرًا زمرًا، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ، قال: اعلم أنك ستموت عند ذلك. وعن قتادة: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، قرأها كلّها، قال ابن عباس: (هذه السورة عَلَمٌ وحَدٌ حَدُّه الله لنبيّه ﷺ ونعى له نفسه، أي: أنك لن تعيش بعدها إلا قليلاً) ، قال قتادة: (والله ما عاش بعد ذلك إلا قليلاً، سنتين ثم توفّي ﷺ ) . وقال مجاهد: لما نزلت: [ ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ] ونعيت إلى النبيّ ﷺ نفسه، [كان] لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى يقول: «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» . وروى الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، حتى ختم
стр. 2465
السورة قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين نزلت؛ قال: فأخذ بأشدّ ما كان قطّ اجتهادًا في أمر الآخرة. وقال رسول الله ﷺ : «بعد ذلك جاء الفتح ونصر الله وجاء أهل اليمن» . فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم ليّنة طباعهم الإِيمان يَمان والفقه ... يَمان» ؛ وفي رواية: «والحكمة يمانيّة» .
* * *
стр. 2466
[سورة المسد]
مكية، وهي خمس آيات
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (٥) ﴾ .
* * *
عن قتادة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي: خسرت ﴿وَتَبَّ﴾ قال ابن كثير: الأول: دعاء عليه، والثاني: خبر عنه. وقال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ على الصفا ثم نادى: «يا صباحاه» . فاجتمع الناس إليه، فبين رجل يجيء وبين آخر يبعث رسوله، فقال: «يا بني هاشم، يا بني عبد المطّلب، يا بني فهر، يا بني، يا بني، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد تغير عليكم صدّقتموني» ؟ قالوا: نعم. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا دعوتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ . وعن ربيعة بن عباد الديلي قال: رأيت النبيّ ﷺ في
стр. 2467
الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفحلوا» ، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمّه أبو لهب.
وعن مجاهد: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ، قال: ما كسب ولده، وعن ابن عباس أنه رأى يومًا ولد أبي لهب يقتتلون فجعل يحجز بينهم ويقول: هؤلاء مما كسب. ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ، قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبيّ ﷺ ، ﴿فِي جِيدِهَا﴾ ، أي: عنقها ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ، قال ابن زيد: من شجر ينبت باليمن يقال له: مسد. قال الضحاك وغيره: في الدنيا من ليف، وفي الآخرة من نار.
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: (لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهد وهي تقول: مذمّمًا أبينا ودينه قلبنا وأمره عصينا. ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال رسول الله ﷺ : «إنها لن تراني» . وقرأ قرآنًا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ ، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال: لا وربّ هذا البيت ما هجاك؛ فولّت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيّدها) . رواه ابن أبي حاتم. والله أعلم.
* * *
стр. 2468
الدرس الثاني عشر بعد الثلاثمائة
[سورة الإخلاص]
مكيّة، وهي أربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) ﴾ .
* * *
عن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبيّ ﷺ : يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . رواه أحمد وغيره. زاد ابن جرير: قال: ( ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث. ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، ولم يكن له شبيه ولا عديل وليس كمثله شيء) .
стр. 2469
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلّ شيء نسبة، ونسبة الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ، والصمد: ليس بأجوف» . رواه الطبراني.
وعن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ بعث رجلاً على سريّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ ﷺ فقال: «سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك» ؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن ، وأنا أحبّ أن أقرأ بها، فقال النبيّ ﷺ : «أخبروه أن الله تعالى يحبّه» . متفق عليه.
وعن أبي سعيد أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردّدها، فلما أصبح جاء إلى النبيّ ﷺ فذكر ذلك له - وكأن الرجل يتقالّها - فقال النبيّ ﷺ : «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن» . رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: أقبلت مع النبيّ ﷺ فسمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ : «وجبت» . قلت: وما جبت؟ قال: «الجنّة» . رواه مالك، والترمذي، والنسائي.
وعن عبد الله بن خبيب قال: أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله ﷺ -
стр. 2470
يصلّي بنا فخرج فأخذ بيدي فقال: «قل» . فسكتّ قال: ... «قل» . قلت: ما أقول؟ قال: « ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفيك كلّ يوم مرتين» . رواه عبد الله بن الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
وعن معاذ بن أنس الجهنيّ عن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنّة» . فقال عمر: إذًا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكثر وأطيب» .
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد فإذا رجل يصلّي يدعو يقول: اللهمّ إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: «والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب» . رواه أهل السنن.
وعن عائشة: (أن النبيّ ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة، جمع كفّيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من
جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرّات) . رواه البخاري وغيره.
قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، قال ابن جرير: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء
стр. 2471
السائلين عن نسب ربك وصفته، ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ الذي له عبادة كلّ شيء، لا تنبغي العبادة إلا له ولا تصلح لشيء سواه. وقال ابن كثير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل؛ ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإِثبات إلا على الله ، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.
قوله : ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال ابن عباس: (الصمد: الذي ليس بأجوف) . وقال الشعبي: (الصمد: الذي لا يطعَم الطعام) . وقال أبو العالية: (الصمد: الذي لم يلد ولم يولد) . وعن ابن عباس في قوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ ، يقول: (السيّد: الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغنيّ الذي قد كمل في غناه، والجبّار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له) . وقال قتادة: (الصمد الدائم) .
قال ابن كثير: وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنّة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال: وكلّ هذه صحيحة، وهي صفات ربّنا ، هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد: الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه.
قوله : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي: ليس له ولد ولا والد؛ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً *
стр. 2472
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ . وفي صحيح البخاري عن النبيّ ﷺ قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم» .
قوله : ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ قال ابن عباس: ليس كمثله شيء فسبحان الله الواحد القهّار. وعن مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، قال: صاحبة؛ وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قال الله : كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته؛ وأما شتمه إيّاي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد» .
قال أبو العباس بن سريج في تفسير قوله ﷺ في سورة قل هو الله أحد إنها تعدل ثلث القرآن: (إن الله أنزل القرآن على ثلاثة أقسام: ثلث منه أحكام، وثلث
стр. 2473
منه وعد ووعيد، وثلث منه الأسماء والصفات؛ وهذه السورة جمعت القسم الثالث) . قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وهذا القول هو الصواب.
قلت: ويحسن إعادة ذكر الأسماء الحسنى ها هنا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنّة، وهو وتر يحبّ الوتر» .
زاد الترمذي بعد قوله: وهو قوله: «وهو وتر يحبّ الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو: الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العليّ، الكبير،
الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القويّ، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحيّ، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البَرّ، التوّاب، المنتقم، العفوّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغنيّ، المغني، المعطي، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» .
* * *
стр. 2474
الدرس الثالث عشر بعد الثلاثمائة
[سورة الفلق]
مكية، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥) ﴾ .
* * *
[سورة الناس]
مكية، وهي ست آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) ﴾ .
* * *
стр. 2475
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهنّ قطّ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ » . رواه مسلم وغيره. وفي رواية لأحمد: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب، إذ قال لي: «يا عقبة ألا تركب» ؟ قال: فأشفقت أن تكون معصية، فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيّة ثم قال: «يا عقبة، ألا أعلّمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس» ؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ؛ ثم أقيمت الصلاة فتقدّم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مرّ بي فقال: «كيف رأيت يا عقبة؟ اقرأ بهما كلّما نمت وكلّما قمت» .
وفي رواية: (أمرني رسول الله ﷺ : أن أقرأ بالمعوّذات في دبر كلّ صلاة) .
وللنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لم يتعوّذوا بمثل هذين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ » .
وروى الترمذي وغيره عن أبي سعيد: (أن رسول الله ﷺ كان يتعوّذ من أعين الجانّ، وأعين الإِنسان، فلما نزلت المعوّذتان أخذ بهما وترك ما سواهما) .
قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِن شَرِّ
стр. 2476
غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥) ﴾ .
عن الحسن في هذه الآية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، قال: الفلق الصبح. ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، قال ابن كثير: أي: من شرّ جميع المخلوقات. ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، قال الحسن: أول الليل إذا أظلم. ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ، قال: السواحر، والسحرة. ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، قال قتادة: من شرّ عينه ونفسه. وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن - قال سفيان: وهذا أشدّ ما يكون من السحر إذا كان كذا - فقال: «يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته؟ أتاني رجلان فقعدا أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليّ، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبَّه؟ قال: لَبيد بن الأعصم - رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا - وقال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال: في جفّ طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان» . قالت: فأتى البئر حتى استخرجه، فقال: «هذه البئر التي أُريتُنها» . وكأن ماءها نقاعة الحناء، كأن نخلها رؤوس الشياطين. قال: فاستخرج. فقالت: أفلا تنشّرت؟ وفي رواية لمسلم: أفلا أحرقته؟ - قال القرطبي: يعني لبيد - فقال: «أمَّا اللهُ فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا» . رواه البخاري.
وروى البغوي عن زيد بن أرقم قال: (سحر النبيّ ﷺ رجل من اليهود فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك وعقد لك عقدًا، فأرسل رسول الله ﷺ عليًّا فاستخرجها فجاء
بها، فجعل كلّما حلّ عقدة وجد لذلك خفّة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال؛ فما ذكر لليهوديّ ولا
стр. 2477
رآه في وجهه قطّ) . قال مقاتل والكلبيّ: كان في وتد عقد عليه إحدى عشرة عقدة؛ وقيل: كانت العقد مقرونة بالإِبر، فأنزل الله هاتين السورتين، وهي إحدى عشرة آية، كلّما قرأ آية انحلّت عقدة، حتى انحلّت العقد كلّها، فقام النبيّ ﷺ كأنما نشط من عقال.
وساق بسنده عن أبي سعيد أن جبريل ﵇ أتى النبيّ ﷺ فقال: (يا محمد اشتكيت؟ قال: «نعم» . قال: بسم الله أرقيك، من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك) .
قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) ﴾ .
قال ابن كثير: هذه ثلاث صفات من صفات الربّ : الربوبية، والملك، والإِلهية، فهو ربّ كلّ شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوّذ بالمتّصف بهذه الصفات من شرّ الوسواس الخنّاس وهو: الشيطان الموكل بالإِنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزيّن له الفواحش ولا يألوه جهدًا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ ، قال: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس) . وقال قتادة: يعني: الشيطان يوسوس في صدر ابن آدم ويخنس إذا ذكر الله.
стр. 2478
قال البغوي: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ بالكلام الخفيّ الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ، يعني: يدخل في الجنّيّ كما يدخل في الإنسيّ، ويوسوس الجنّيّ كما يوسوس الإنسيّ. قال الكلبي وقوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ أراد بالنّاس ما ذكر من بعد، وهو: الجِنّة والنّاس، فسمّى الجن ناسًا رجالاً فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ . وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث: جاء قوم من الجنّ فوقعوا فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من الجنّ. وهذا معنى قول الفرّاء. قال بعضهم: ثبت أن الوسواس للإِنسان من الإِنسان كالوسوسة للشيطان من الشيطان؛ فجعل الوسواس من فعل الجنّة والناس جميعًا، كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ ؛ كأنه أمر أن يستعيذ من شرّ الجنّ والإِنس جميعًا. انتهى. وقال بعضهم: فكما أن شيطان الجنّ يوسوس تارة ويخنس أخرى، فكذلك شيطان الإِنس يرى نفسه كالناصح المشفق.
وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحدّث نفسي بالشيء لأن أخِرّ من السماء أحبّ إليّ
من أتكلم به، فقال النبيّ ﷺ : «الله أكبر الله أكبر، والحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة» . رواه أحمد وغيره. والله أعلم.
стр. 2479
(مناسبة لطيفة)
وقع في حديث أبي ذرّ الطويل المشهور: أن عدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ وفي رواية: خمسة عشر؛ وفي رواية: بضعة عشر. وقد رواه أحمد وغيره مختصرًا ومطوّلاً.
قال محمد بن الحسين الآجريّ: حدّثنا أبو بكر بن محمد الفريابيّ إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، حدّثنا إبراهيم بن هشام ابن يحيى الغساني، حدّثنا أبي عن جدّه عن أبي إدريس الخولانيّ عن أبي ذرّ ﵁ قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده فجلست إليه فقلت: يا رسول الله إنّك أمرتني بالصلاة. قال: «الصلاة خيرٌ موضوع، فاستكثر أو استقلّ» . قال قلت: يا رسول الله فأيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله» . فقلت: يا رسول الله فأيّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقًا» . قلت: يا: رسول الله فأيّ المسلمين أسلم؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ... ويده» فقلت: يا رسول الله فأي الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر السيّئات» . قلت: يا رسول الله أيّ الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» . قلت: يا رسول الله أي الصيام أفضل؟ قال: «فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة» ، قلت: يا رسول الله فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» . قلت: يا رسول الله فأيّ الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها» . قلت: يا رسول الله فأيّ الصدقة أفضل؟ قال:
стр. 2480
«جهد من مقلّ أو سر فقير» .
قلت: يا رسول الله فأيّ آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي - ثم قال: - يا أبا ذرّ، وما السماوات السبع مع الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على الحلقة» . قال قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا» . قال قلت: يا رسول الله كم المرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، جمّ غفير كثير طيّب» . قلت: فمن كان أوّلهم؟ قال: «آدم» . قلت: أنبيّ مرسل؟ قال: «نعم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وسوّاه قبيلاً - ثم قال: - يا أبا ذرّ، أربعة سريانيّون: آدم، وشيث، وخنوخ - وهو إدريس وهو أوّل من خطّ بقلم - ونوح؛ وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح، ونبيّك يا أبا ذرّ؛ وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأوّل الرسل آدم، وأخرهم محمّد» . قال قلت: يا رسول الله كم كتاب أنزل الله؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإِنجيل، والزبور، والفرقان» . قال: قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت: يا أيها الملك المسلّط المبتلي المغرور، إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكنّي بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإنّي لا أردّها ولو كانت من كافر. وكان فيها أمثال. وعلى العاقل أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها
نفسه، وساعة يفكّر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ضاغنًا إلا لثلاث: تزوّد لمعاد، ومرمرة لمعاش، ولذّة في غير محرم. وعلى العاقل: أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه» . قال: قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال: «كانت عبرًا كلّها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالمقدّرثم هو ينصَب،
стр. 2481
وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلّبها بأهلها ثم يطمئنّ إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل» . قال: قلت يا رسول الله فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم، وموسى مما أنزل الله عليك؟ قال: «نعم، اقرأ يا أبا ذرّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ » . قال: قلت يا رسول الله فأوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس أمرك» . قال قلت: يا رسول الله زدني، قال: «عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض» . قال قلت: يا رسول الله زدني، قال: «إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه» . قلت: يا رسول الله زدني، قال: «عليك بالجهاد، فإنه رهبانيّة أمّتي» . قلت: زدني، قال: «عليك بالصمت إلا من خير، فإنّه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك» . قلت: زدني، قال: «انظر إلى من هو تحتك، ولا
تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك» . قلت: زدني، قال: «أحب المساكين وجالسهم فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك» . قلت: زذني. قال: «صل قرابتك وإن قطعوك» . قلت: زدني، قال: «قل الحقّ وإن كان مرًّا» . قلت: زدني، قال: «لا تخف في الله لومة لائم» . قلت: زدني، قال: «يردّك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا تجدْ عليهم فيما تحبّ، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب - ثم ضرب بيده صدري فقال: - يا أبا ذرّ، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق» . انتهى. والله أعلم.
* * *
стр. 2482
خاتمة
... الحمد لله ربّ العالمين، حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، كما يحبّه ربنا ويرضى؛ والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحقّ.
وقد وقع الفراغ من تأليف هذا الكتاب المبارك، في اليوم المبارك، من الشهر المبارك، في يوم الجمعة لستّ وعشرين خلت من رمضان سنة ألف وثلاثمائة وخمس وستين. وابتداؤه في جمادى سنة أربع وستين، فكانت مدّة تأليفه ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا.
نسألك اللهمّ يا واسع الفضل والإِحسان، منزّل التوراة والإِنجيل والقرآن، أن لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرّجته، ولا غمًّا إلا كشفته، ولا غيظًا إلا أذهبته، ولا غلاً إلا نزعته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته وعافيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضى ولنا صلاح إلا قضيتها يا ربّ العالمين. اللهمّ إنا نسألك من الخير كلّه عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشرّ كلّه عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من شرّ ما استعاذ منه عبدك ورسولك محمد ﷺ وعبادك الصالحون، ونسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل، ونسألك أن تجعل كلّ قضاء تقضيه لنا خيرًا. سبحان
ربك ربّ العزّة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 2483
يا منزل الآيات والفرقان ... بيني وبينك حرمة القرآن
اشرح به صدري لمعرفة الهدى ... واعصم به قلبي من الشيطان
يسّر به أمري واقضِ مآربي ... وأَجِرْ به جسدي من النيران
واحطط به وزري وأخلص نيّتي ... واشدد به أزري وأصلح شاني
واكشف به ضرّي وحقّق توبتي ... وأربِح به بيعي بلا خسراني
طهّر به قلبي وصفّ سريرتي ... أجمِل به ذكري وأَعْلِ مكاني
واقطع به طمعي وشرّف همّتي ... كثّر به ورعي وأَحْيِ جَناني
أسهر به ليلي وأضم جوارحي ... أسبل بفيض دموعها أجفاني
أُمْزُجُهُ ربّي بلحمي مع دمي ... واغسل به قلبي من الأضغاني
أنت الذي صوّرتني وخلقتني ... وهديتني لشرائع الإِيمان
أنت الذي علّمتني ورحمتني ... وجعلت صدري واعيَ القرآن
أنت الذي أطعمتني وسقيتني ... من غير كسب يد ولا دكان
وجبرتني وسترتني ونصرتني ... وغمرتني بالفضل والإِحسان
أنت الذي آويتني وحبوتني ... وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودّة ... والعطف منك برحمة وحنان
وزرعت لي في العالمين محاسنًا ... وسترت عن أبصارهم عصياني
وجعلت ذكري في البريّة شائعًا ... حتى جعلت جميعهم إخواني
لكن سترت معايبي ومثالي ... وحلمتَ عن سقطي وعن طغياني
ولقد مننت عليّ ربِّ بأنعمٍ ... مالي بشكر أَقَلِّهِنّ يدان
فلك المحامد والمدائح كلّها ... بخواطري وجوارحي ولساني
ــ
انتهى الجزء الرابع بحمد الله،
وهو آخر الكتاب
ــ