Полный текст (2 483 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
دَسَّاهَا﴾ قال: آثمها وأفجرها. وقال الحسن: أهلكها وأضلها وحملها على المعصية.
قال ابن القيم: (وهذا يستلزم القول الأول، فإن العبد إذا زكى نفسه ودساها، فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية) . انتهى ملخصًا.
قوله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ... (١٥) ﴾ .
قال ابن زيد في قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ قال: بطغيانهم وبمعصيتهم. ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ قدار بن سالف. قال النبي ﷺ : ... «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة» . رواه ابن جرير وغيره. وعن قتادة في قوله: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ ، يعنى: أحيمر ثمود. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ قسم الله الذي قسم لها من هذا الماء، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال الحسن: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم وعن أبي الطفيل قال: (قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت
من الصادقين، فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هضبة من الأرض، فخرجوا فإذا هي تمتخض كما
стр. 2417
تمتخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ فلما ملوها عقروها؛ فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ .
وعن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني: الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلاً واحدًا كان في حرم الله» فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» . رواه أحمد. وعن قتادة: (أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام؛ قال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرة، ثم تصبح اليوم الثاني محمرة، ثم تصبح اليوم الثالث مسودة، فأصبحت كذلك) .
قال ابن كثير: وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من
стр. 2418
أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم
مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا، وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه - عياذًا بالله من ذلك - لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة، فأصبحوا في دارهم جاثمين.
* * *
стр. 2419
[سورة الليل]
مكية، وهي إحدى وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ﴾ .
* * *
قوله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ، قال: آيتان عظيمان يكورهما الله على الخلائق، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ ، قال في بعض الحروف: (والذكر والأنثى) . وعن الحسن أنه كان يقرؤها: (وما خلق الذكر والأنثى) ، يقول:
стр. 2420
والذي خلق الذكر والأنثى. قال أبو عمرو: وأهل مكة يقولون للرب: سبحان ما سبحت له.
وعن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ، يقول: لمختلف؛ قال وقع القسم ها هنا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ حق الله واتقى محارم الله التي نهى عنها ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالمجازاة على ذلك. وقال ابن عباس: ﴿وَصَدَّقَ﴾ بالخلف من الله. وقال مجاهد: بالجنة. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ قال ابن عباس: يعني: للخير. قال ابن القيم: (فسرت الحسنى: بلا إله إلا الله، وبالجنة، وبالخلف، وهي ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء، فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه) . انتهى ملخصًا.
﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ أي: بخل بماله، واستغنى عن ربه ، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: لطريق الشر ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ قال قتادة: إذا تردى في النار. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من واحد وما من نفس منفوسة، إلا كتب مكانها من الجنة والنار - أو - إلا قد كتبت شقية أو سعيدة» . فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء. فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء - ثم قرأ -: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ » . رواه الجماعة. وفي
стр. 2421
رواية: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» .
قوله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ ، يقول: على الله البيان: بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ ، قال مجاهد: توهج، ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ، قال ابن كثير: أي: لا يدخلها دخولاً يحيط به من جميع جوانبه ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ ، أي: بقلبه، ﴿وَتَوَلَّى﴾ ، أي: عن العمل بجوارحه وأركانه؛ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ، قال البغوي: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا لا رياء ولا سمعة.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾ يد يكافئه عليها، ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ بما يعطيه الله في الآخرة من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل. قال ابن إسحاق: (كان بلال لبعض بني جمح، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. قال: فمر به أبو بكر يومًا وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية: ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما
стр. 2422
ترى. قال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك أعطيكه. قال: قد فعلت: فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر ست
رقاب، بلال سابعهم، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر لبلال إلا ليدٍ كانت لبلال عنده، فأنزل الله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
* * *
стр. 2423
الدرس السادس بعد الثلاثمائة
[سورة الضحى]
مكية وهي إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ﴾ .
* * *
عن قتادة: ﴿وَالضُّحَى﴾ ، ساعة من ساعات النهار، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ، سكن بالخلق، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ، قال ابن عباس: يقول: ما تركك ربك وما أبغضك. قال قتادة: (أبطأ عليه جبريل فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ) . قال ابن
стр. 2424
كثير: وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحًا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته. وعن قتادة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله .
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى﴾ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . وعن قتادة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ أي: لا تظلم ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ قال: ردّ السائل برحمة ولين ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال مجاهد: بالنبوّة. وعن أبي نضرة قال: (كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدّث بها) .
* * *
стр. 2425
[سورة الشرح]
مكية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ .
* * *
قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يعني: أما شرحنا لك صدرك؟ أي: نوّرناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا؟ كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ . وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله ما أوّل ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا وقال: «لقد سألت يا أبا هريرة، إنّي في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قطّ، وأرواح لم أجدها من خلق قطّ، وثياب لم أرها على أحد قطّ، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كلّ واحد مِنهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسًّا فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا هصر ولا قصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغلّ والحسد، فأخرج شيئًا كهيئة العلقة،
стр. 2426
ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبه الغضّة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، فقال: أُعْدُ وأسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير» . رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد.
وعن قتادة: قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ كان للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته فغفرها الله له. وقال ابن زيد شرح له صدره، وغفر له ذنبه الذي كان قبل أن ينبّأ، فوضعه. وعن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذكر إلا ذُكِرْتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وعن قتادة في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال النبيّ ﷺ : «ابدءوا بالعبودية وثَنُّوا بالرسالة» ؛ قال معمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. وعن الحسن قال: خرج النبيّ ﷺ يومًا مسرورًا فرحًا وهو يضحك، وهو يقول: «لن يَغلب عسر يسرين، لن يَغلب عسر يسرين» . ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ . قال مجاهد: يتبع اليسر العسر.
وعن ابن عباس: قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ ، يقول: فإذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة فسل الله وارغب إليه وانصب له. وعن مجاهد: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ ، قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصلّ، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ، قال: اجعل رغبتك ونيّتك إلى ربك. وفي الحديث: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» .
* * *
стр. 2427
[سورة التين]
مكية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) ﴾ .
* * *
عن البراء بن عازب قال: (سمعت النبيّ ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين: بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحس صوتًا أو قراءة منه) . متفق عليه. وعن الحسن في قول الله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ، قال: تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم هذا الذي يعصر. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ، قال: جبل موسى. ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ ، قال: البلد الحرام. قال مجاهد: مكّة. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، قال قتادة: وقع القسم ها هنا؛ قال ابن عباس: في أعدل خلق؛ وقال قتادة: في أحسن صورة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ، قال ابن عباس: إلى أرذل العمر. وعن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، ثم قرأ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ . وعن مجاهد: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ، قال: إلى النار
стр. 2428
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا من آمن. وقال الحسن: هو كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
قال ابن القيّم: (والصحيح أن أسفل سافلين: النار) . وعن الكلبي: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ؟ إنما يعني: الإِنسان، يقول: خلقتك في أحسن تقويم، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ أيها الإِنسان، ﴿بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ ؟ قال عكرمة: الحساب.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ؟ قال البغوي: والمعنى: ألا تتفكّر في صورتك وشبابك وهرمك فتعتبر وتقول: أن الذي فعل ذلك قادر
على أن يبعثني ويحاسبني، فما الذي يكذّبك بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ أقضى القاضين؟ وروينا أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» .
* * *
стр. 2429
الدرس السابع بعد الثلاثمائة
[سورة العلق]
مكية، وهي تسع عشر آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْداً إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ﴾
* * *
قوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) ﴾ .
عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من
стр. 2430
الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنّث فيه - وهو التعبّد - الليالي ذوات العدد، ويتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها حتى فجأه الوحي وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال: ﴿اقْرَأْ﴾ . قال رسول الله ﷺ : فقلت: «ما أنا بقارئ» . - قال -: «فأخذني فغطّني حتى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ﴾ . فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ﴾ . قلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثالثة حتى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ » ، قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زمّلوني زمّلوني» . فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع؛ فقال: «يا خديجة ما لي» ؟ وأخبرها الخبر وقال: «قد خشيت على نفسي» . فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ.
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان امرءًا قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربيّ، وكتب بالعربية من الإِنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : «أومُخْرِجِيّ هم» ؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا؛ ثم لم ينشب ورقة أن توفي. وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلَما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن بذلك جأشه وتقرّ نفسه، فيرجع فإذا طالت
стр. 2431
عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك) . متفق عليه واللفظ لأحمد.
وعن قتادة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قرأ حتى بلغ: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ، قال: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا ذلك لم يقم ولم يصلح عيش. وقال ابن زيد في قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ قال: علّم الإِنسان خطًّا بالقلم. قال ابن كثير: والقلم تارة يكون في الأذهان، وتارة في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان.
قوله : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْداً إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ﴾ .
قال البغوي: ﴿كَلَّا﴾ ، حقًّا، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ ، ليتجاوز حدّه وليستكبر على ربه، ﴿أَن﴾ ، لأن ﴿رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ أن رأى نفسه غنيًا، ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ، أي: المرجع في الآخرة. وعن قتادة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ ، نزلت في عدوّ الله أبي جهل، وذلك لأنه قال: لئن رأيت محمدًا يصلّي لأطأنّ على عنقه، فأنزل الله ما تسمعون. وكان يقال: لكلّ أمّة فرعون، وفرعون هذه الأمّة: أبو جهل.
﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ ، قال: محمد كان على الهدى وأمر بالتقوى. ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ، يعني: أبا جهل. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى *
стр. 2432
كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ، قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يصلّي عند المقام فمرّ به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعّده، فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد بأيّ شيء تهدّدني؟ أما والله إنّي لأكثر هذا الوادي ناديًا، فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ
نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ قال ابن عباس: لو دعا ناديه أخذته زبانية العذاب من ساعته.
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ، قال البغوي: ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمر ما عليه أبو جهل، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ في ترك الصلاة، ﴿وَاسْجُدْ﴾ وصلّ لله، ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ من الله. وساق الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» . قال: ومعنى: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ها هنا: تعجيبًا للمخاطب، وكرّر هذه اللفظة للتأكيد؛ قال: وتقدير نظم الآية: أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلّى وهو على الهدى أمر بالتقوى، والناهي مكذّب متولّ عن الإِيمان؟ أي: فما أعجب من هذا! ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ ، يعني: أبا جهل، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ذلك فيجازيه؟ ﴿كَلَّا﴾ لا يعلم ذلك، ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ عن إيذاء محمد ﷺ وتكذيبه ﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾ لنأخذنّ بناصيته فلنجرّنّه إلى النار كما قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ يقال: سفعت بالشيء إذا أخذته وجذبته جذبًا شديدًا. والنصاية: شعر مقدّم الرأس. ثم قال على البدل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: صاحبها كاذب خاطئ. قال ابن عباس: (لما نهى أبو جهل رسول الله ﷺ عن الصلاة، انتهره رسول الله ﷺ ، فقال أبو جهل: أتنتهرني؟ فوالله لأملأنّ عليك هذا الوادي إن شئت
стр. 2433
خيلاً جردًا ورجالاً مردًا) ؛ قال الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾ أي: قومه وعشيرته، أي: فلينتصر بهم.
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ، قال ابن عباس: يريد زبانية جهنّم، سمّوا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها. وروى ابن جرير وغيره عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. فقال: واللات والعزّى لئن رأيته يصلّي كذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفّرنّ وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلّي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إنّ بيني وبينه خندقًا من نار، وهولاً وأجنحة؛ فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا» .
* * *
стр. 2434
[سورة القدر]
مكية، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) ﴾ .
* * *
عن ابن عباس: قال: (نزل القرآن كلّه جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئًا، أنزله منه حتى جمعه، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة) .
وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ، وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ . قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصّلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ .
ثم قال تعالى معظّمًا لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها
стр. 2435
فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ . وعن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ليلة الحكم. قال الحسن: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ، فيها يقضي الله كلّ أجل وعمل ورزق إلى مثلها. وعن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر. قال قتادة: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ، ليس فيها ليلة القدر. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال قتادة: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ ، قال: خير كلّها ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ، إلى مطلع الفجر. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر» .
وقال ﷺ : «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه» .
وقد اختلف العلماء في تعيينها، والجمهور أنها ليلة سبع وعشرين، وما استنبطه بعضهم من عدد كلمات السورة وقد وافق قوله فيها: ... ﴿هِيَ﴾ سابع كلمة بعد العشرين؛ قال ابن عطية: (إنه من ملح التفاسير، وليس من متين العلم) . والله أعلم.
* * *
стр. 2436
الدرس الثامن بعد الثلاثمائة
[سورة البينة]
مدنية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) ﴾ .
* * *
стр. 2437
قوله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) ﴾ .
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لأبيّ بن كعب: «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ » . قال: وسمّاني لك؟ قال: «نعم» . فبكى. متفق عليه. وفي حديث مالك بن عمرو بن ثابت عند الإمام أحمد قال: (لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ، إلى آخرها قال جبريل: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيًّا) . الحديث. وعن الترمذيّ أن رسول الله ﷺ قال لي: «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» . فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فقرأ فيها: (ولو أن ابن آدم سأل واديًا من مال فأعطيه لسأل ثانيًا، ولو سأل ثانيًا فأعطيه لسأل ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهوديّة ولا النصرانيّة، ومن يفعل خيرًا فلن يُكْفَرَهُ) .
стр. 2438
قال ابن كثير: وإنما قرأ عليه النبيّ ﷺ هذه السورة تثبتًا له وزيادة لإِيمانه فإنه كان قد أنكر على عبد الله بن مسعود قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ ، فرفعه إلى النبيّ ﷺ فاستقرأهما،
وقال لكلّ منهما: «أصبت» . قال أبيّ: فأخذني من الشكّ وَلاءٌ إذ كنت في الجاهليّة، فضرب رسول الله ﷺ في صدره، قال أبيّ: ففضت عَرقًا وكأنما أنظر إلى الله فرقًا؛ وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته. فقال: على حرفين. فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على سبعة أحرف) . فلما نزلت هذه السورة وفيها: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار، لا قراءة تعلّم واستذكار. والله أعلم. وهذا كما أن عمر بن الخطاب لما سأل رسول الله ﷺ يوم الحديبية عن تلك الأسئلة، وكان فيما قال: أولم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا» ؟ . قال: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوّف به» . فلما رجعوا من الحديبية وأنزل الله على النبيّ ﷺ سورة الفتح، دعا عمر بن الخطاب فقرأها عليه، وفيها قوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية. انتهى.
وعن مجاهد في قول الله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ ، قال: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبيّن لهم الحقّ. وعن قتادة في قوله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه، ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: هذا القرآن ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر ويثني عليه بأحسن الثناء. وقال ابن كثير: أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، والمشركون
عبدة الأوثان والنيران من العرب والعجم. وقال مجاهد:
стр. 2439
لم يكونوا ... ﴿مُنفَكِّينَ﴾ ، يعني: منتهين حتى يتبيّن لهم الحقّ؛ وهكذا قال قتادة: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: هذا القرآن، ولهذا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ، ثم فسّر البيّنة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ ، يعني: محمدًا ﷺ وما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى في صحف مطهّرة، كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ، قال ابن جرير: أي: في الصحف المطهّرة ﴿كُتُبٌ﴾ ، من الله ﴿قَيِّمَةٌ﴾ عادلة مستقيمة ليس فيها خطأ لأنها من عند الله .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ، كقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾ ، يعني: بذلك أهل الكتب المنزّلة على الأمم قبلنا، ما أقام الله عليهم الحجج والبيّنات تفرّقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا كما جاء في الحديث المرويّ من طرق: «أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة» . قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» . انتهى.
قال البغوي: ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ ، يعني: هؤلاء الكفار، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ، يعني: إلا أن يعبدوا الله، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، قال
стр. 2440
ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإِنجيل إلا بالإِخلاص في العبادة لله موحّدين ﴿حُنَفَاء﴾ ، مائلين عن الأديان كلّها إلى دين الإسلام، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ، المكتوبة في أوقاتها، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ ، عند محلّها و ﴿وَذَلِكَ﴾ الذي أمروا به ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ، أي: الملّة والشريعة المستقيمة.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) ﴾ .
وهذه الآيات كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ، أي: هذا الجزاء لمن خاف ربه واتقاه بفعل طاعته وترك معصيته. وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنّة: يا أهل
الجنّة، فيقولون: لبيّك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربّ وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» . متفق عليه.
* * *
стр. 2441
[سورة الزلزلة]
مدنية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (٨) ﴾ .
* * *
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : « ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن» . رواه البزار. قال ابن جرير: يقول تعالى
стр. 2442
ذكره: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ ، لقيام الساعة، ﴿زِلْزَالَهَا﴾ فرجّت رجًّا. وعن سعيد قال: زلزلت الأرض على عهد عبد الله فقال لها عبد الله: مالك؟ أما إنها لو تكلّمت قامت الساعة. وعن ابن عباس: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ قال: الموتى. ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ قال: الكافر. ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال سفيان: ما عمل عليها من خير أو شرّ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قال: أعلمها ذلك. وقال ابن عباس: أوحى إليها. وعن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد أو أمة ما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها» . رواه أحمد، والترمذي.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ، قال ابن عباس: ليروا جزاء أعمالهم، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، وعن صعصعة بن معاوية أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: ﴿فَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ قال: ... «حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها» . رواه أحمد وغيره.
стр. 2443
قال البغوي: وكان رسول الله ﷺ يسمّها: الجامعة الفاذّة، حين سئل عن زكاة الحمير فقال: «ما أنزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ » .
* * *
стр. 2444
الدرس التاسع بعد الثلاثمائة
[سورة العاديات]
مكية، وهي إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (١١) ﴾ .
* * *
عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ ، قال: الخيل؛ قال قتادة: هي الخيل عدت حتى ضبحت. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾ ، قال: هي الخيل؛ وقال الكلبي: تقدح بحوافرها حتى يخرج منها النار. ... ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً﴾ قال: أغارت حين أصبحت ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ قال: أثرن بحوافرها نقع التراب. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ قال: وسطن جمع القوم.
стр. 2445
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ قال: لكفور. قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه لنعم ربه لكفور جحود. قال ابن القيم: (وأصل اللفظ: منع الحقّ، والخير، وعبارات المفسّرين تدور على هذا المعنى. وقيل: هو البخيل الذي يمنع رفده، ويجيع عبده، ولا يعطي في النائبة) . انتهى ملخصًا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ قال قتادة: يقول: إن الله على لذلك لشهيد. قال ابن كثير: ويحتمل أن يعود الضمير على الإِنسان، قاله محمد بن كعب القرظيّ؛ قلت: وهذا هو المتبادر للذهن، ويؤيّده سياق الضمائر، فإن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ للإِنسان، فافتتح الخير عن الإنسان بكونه كنودًا، ثم ثنّاه بكونه شهيدًا على ذلك، ثم ختمه بكونه بخيلاً بماله لحبّه إيّاه. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ، قال: الخير الدنيا، وقرأ: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ .
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ ، قال البغوي: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ هذا الإنسان ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ أثير وأخرج، ﴿مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: أبرز. ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ، قال الزجاج: الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى: أنه يجاريهم على كفرهم في ذلك اليوم.
* * *
стр. 2446
[سورة القارعة]
مكية، وهي إحدى عشر آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) ﴾ .
* * *
عن ابن عباس في قوله: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ ، قال: هي الساعة. قال البغوي: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسم من أسماء القيامة إلى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ . قال الحسن: هذا وعيد بعد وعيد.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ . قال قتادة: كنا نحدّث أنّ علم اليقين: أنْ يعلم أنّ الله باعثه بعد الموت. قال البغوي: وجواب (لو) محذوف، أي: لو تعلمون علمًا يقينًا، لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا
стр. 2447
عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ قال البغوي: أي: ترونها بأبصاركم من بعيد، ثم لترونها مشاهدة. وقال ابن كثير: هذا تفسير الوعيد المتقدّم، وهو قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، توعّدهم بهذا الحال، وهو رؤية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خرّ كلّ ملك مقرّب ونبيّ مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة، ومعاينة الأهوال. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ، قال قتادة: إن الله سائل كلّ عبد عما استودعه من نعمه وحقَّه.
* * *
стр. 2448
[سورة التكاثر]
مكية، وهي ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) ﴾
* * *
عن عبد الله بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: « ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ، يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» . رواه أحمد وغيره، وفي رواية لمسلم: «وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» . وعن قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ، قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان ونحن أقدم من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. وعن علي قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ . قال الحسن: هذا وعيد بعد وعيد.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ ، قال قتادة: كنا نحدث أن علم اليقين: أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت. قال البغوي: وجواب لو محذوف أي: لو تعلمون علمًا يقينًا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ قال البغوي: أي: ترونها بأبصاركم من بعيد ثم لترونها مشاهدة. وقال ابن كثر: هذا تفسير الوعيد المتقدم وهو قوله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ توعدهم بهذا الحال وهو رؤية أهل النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال قتادة: إن الله بمسائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه.
* * *
[سورة العصر]
مكية وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ﴾
* * *
قال ابن كثير: ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب، وذلك قبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا المدّة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ؛ ففكّر مسيلمة هنيهة ثم قال: لقد أنزل عليّ مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبَر يا وَبَر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أنّي أعلم أنّك تكذب.
قال الشافعيّ ﵀: لو تدبّر الناس هذه السورة لوسعتهم. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ، قال: العصر ساعة من ساعات النهار.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي: خسران. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مجاهد: إلا من آمن. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا
стр. 2449
بِالصَّبْرِ﴾ قال قتادة: الحقّ كتاب الله، والصبر طاعة الله. وقال ابن القيّم: (ولمّا كان الإِنسان له قوّتان: قوة العلم، وقوة العمل؛ وله حالتان: حالة يأتمر فيها بأمر غيره، وحالة يأمر فيها غيره، استثنى سبحانه من كمّل قوته العلمية بالإِيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك، وأمر غيره به، من الإِنسان الذي هو في خسر؛ فإن العبد له حالتان: حالة كمال في نفسه، وحال تكميل لغيره، وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحقّ، وصبر عليه؛
فتضمَّنت الآية جميع مراتب الكمال الإِنسانيّ من العلم النافع، والعمل الصالح، والإِحسان إلى نفسه بذلك، وإلى أخيه به، وانقياده، وقبوله لمن يأمره بذلك) .
* * *
стр. 2450
[سورة الهمزة]
مكية، وهي تسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (٩) ﴾ .
* * *
عن قتادة: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ أما الهمزة: فآكل لحوم الناس، وأما اللمزة: فالطعّان عليهم. قال ابن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أميّة بن خلف. وقال مجاهد: هي عامّة في حقّ كلّ مَنْ هذه صفته.
قال البغوي: ثم وصفه فقال: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ﴾ ، أحصاه ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ في الدنيا، يظنّ أنه لا يموت مع يساره. ﴿كَلَّا﴾ ردّ عليه أي: لا يخلده ماله ﴿لَيُنبَذَنَّ﴾ ليطرحنّ ... ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ في جهنّم، والحطمة من أسماء النار، سمّيت حطمة: لأنها تحطم العظام وتكسرها. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ
стр. 2451
الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب ... ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم سدّت بأوتاد من حديد من نار، حتى يرجع عليهم غمّها وحرّها، فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم روح. والممدّدة: من صفة العمد، أي: مطوّلة فتكون أرسخ من القصيرة؛ عياذًا بالله من ذلك.
* * *
стр. 2452
الدرس العاشر بعد الثلاثمائة
[سورة الفيل]
مكية، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (٥) ﴾ .
* * *
عن ابن مسعود في قوله: ﴿طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ قال: فرق. وقال ابن عباس: هي التي يتبع بعضها بعضًا. وقال قتادة: الأبابيل: الكثيرة.
قال ابن عباس: وكانت طيرًا لها خراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عبد بن عمير: هي طير سود بحرية، في أظافرها ومناقرها الحجارة.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبرهة بنى القُلَّيْس بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشيّ: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمُنتهٍ حتى أصرف إليها حجّ العرب،
стр. 2453
فلما تحدّثت العرب بذلك غضب رجل من النسأة الذين كانوا ينسأون الشهور على العرب في الجاهلية، فخرج حتى أتى القُليس، فقعد فيها -، يعني: أحدث - ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة، قال: من صنع هذا؟ فيقل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكّة، لما سمع قولك: أصرف إليها حاج العرب؛ فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه.
ثم أمر الحبشة فتهيّأت وتجهّزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفُظِعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نَفْر، دعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده، فأجابه إلى ذلك من أجابه ثم عرض
له، فقاتله، فهزم ذو نَفْر وأصحابه وأخذ فأتي به أسيرًا، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك من قتلي، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلاً حليمًا.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نفيل بن حبيب في قبيلتي خثعم شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ نفيل أسيرًا، فأتي به فلما همّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم وناهس بالسمع والطاعة ; فخلَّى سبيله وخرج به معه يدلّه، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيننا هذا بالبيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم، فبعثوا معهم أبا رغال يدلّه على الطريق إلى مكة؛ فخرج معه حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب.
стр. 2454
فلما نزل أبرهة المغمّس بعث رجلاً من الحبشة على خيل له حتى انتهى إلى مكّة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم - وهو يومئذٍ كبير قريش وسيّدها - فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا
أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حناطة الحميريّ إلى مكّة وقال له: سل عن سيّد أهل هذا البلد وشريفها ثم قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم ترضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكّة، سأل عن سيّد قريش وشريفها فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم ﵇ فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال حناطة: فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك.
فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر - وكان له صديقًا - حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندنا غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيسًا سائس الفيل صديق لي، وسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقّك، وأساله أن يستأذن لك على الملك، فتكلّمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. فقال: حسبي، فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيّد قريش وصاحب عير مكّة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال،
وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت. فقال: أفعل.
فكلّم أنيس أبرهة فأذن له، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم
стр. 2455
وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك. قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلَّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا ربّ الإِبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان لمتنع منّي، قال: أنت وذاك. فردّ أبرهة على عبد المطّلب الإِبل التي أصاب له.
فلما انصرف عبد المطلب إلى قريش أخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرزّ في شعف الجبال والشعاب، تخوّفًا عليهم من معرّة الجيش، ثم قام عبد المطّلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهمّ إن العبد يمنع ... رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدًا محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا ... فأمر ما بدالك
ثم أرسل عبد المطّلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها ; فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكّة وهيّأ فيله وعبّأ جيشه - وكان اسم الفيل محمودًا -، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجّهوا الفيل إلى مكّة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود وارجع راشدًا فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه
следующие страницы →