Полный текст (2 483 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قوله : ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ خلفًا وملكًا وعبيدًا. ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: (لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها: فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» ، فلما أقرّ بها القوم وذلّت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا
стр. 317
وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ) . إلى آخره.
ولمسلم: (ولما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، قال: «نعم ربنا» ، ﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: «نعم ربنا» ، ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: «نعم» ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: «نعم» .
وفي رواية له من حديث ابن عباس: قال: (قد فعلت) .
قال ابن حجر في (فتح الباري) : (والمراد بقوله: نسختها أي: أزالت ما تضمنته من الشدة، وبينت أنه وإن وقعت المحاسبة به، لكنها لا تقع المؤاخذة به؛ أشار إلى ذلك الطبري، فرارًا من إثبات دخول النسخ في الأخبار، وأجيب بأنه وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حكمًا، ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام، أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار، ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا، كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك؛ ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث: التخصيص، فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه، دون ما يخطر ولا يستمر عليه. والله أعلم) . انتهى.
وروى الجماعة من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم أو تعمل» .
стр. 318
قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) ﴾ .
قال ابن زيد: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ ، كما صنع القوم يعني: بني إسرائيل قالوا: فلان نبي وفلان ليس نبيًا، وفلان نؤمن به وفلان لا نؤمن به. وعن حكيم بن جابر قال: (لما أنزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ . قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه. فسأل: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) ﴾ . رواه ابن جرير.
قوله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) ﴾ .
قال السدي: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ طاقتها، وحديث النفس مما لا يطيقون. وقال ابن عباس: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾ وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وقال: قتادة:
стр. 319
قوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ، أي: من خير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، أي: من شر، وقوله: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال ابن زيد: إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا شيئًا مما حرمته علينا. وقال قتادة: بلغني أن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت بها أنفسها» . وروى ابن ماجة وغيره من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ . قال مجاهد: ﴿إِصْراً﴾ ، عهدًا. وقال ابن زيد: لاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذنبًا ليس فيه توبة ولا كفارة. وقال مالك: الإصر الأمر الغليط.
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ، قال ابن زيد: لا تفترض علينا من الدين ما لا طاقة لنا به، فنعجز عنه، ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ، إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ يقول: لأننا لا نعمل بما أمرتنا به، ولا نترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحد إلا برحمتك.
وقوله تعالى: ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ، ورد في بعض الآثار: (قال الله: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين) . وكان معاذ ﵁ إذا فرغ من هذه السورة قال: (آمين) . وعن ابن مسعود ﵁ إذا فرغ من
هذه السورة قال: (آمين) . وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في
стр. 320
ليلة كفتاه» . متفق عليه. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» . رواه أحمد. وعن علي ﵁ قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش. رواه ابن مردويه. والله أعلم.
* * *
стр. 321
الدرس السادس والثلاثون
[سورة آل عمران]
مدنية، وهي مائتا آية
... روى مسلم عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ
стр. 322
وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الألْبَابِ (٧) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن
لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) ﴾ .
* * *
стр. 323
قوله : ﴿الم (١) اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) ﴾ .
قال ابن إسحاق: قَدم على رسول الله ﷺ وفد نَجْران، ستون راكبًا، فيهم أربعة عَشرَ رجلاً من أشرافهم، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد، ثمالهم وهو صاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيْهَم. وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم. قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر عليهم في ثياب الحبرات، وقد حانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «دعوهم» . فصلوا إلى المشرق قال: فكلم منهم رسول الله ﷺ أبو حارثة، والعاقب، والأيهم، وهو من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف أمرهم يقولون: المسيح هو: الله، ويقولون: هو: ولد الله، ويقولون: هو: ثالث ثلاثة، إلى أن قال: فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية.
стр. 324
وقال الربيع في قوله: ﴿الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إنّ النصارى أتوا رسول الله ﷺ فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا له على الله الكذبَ والبهتانَ، لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا. فقال لهم النبي ﷺ : «كنتم تعملون أنه لا يكون له ولدًا إلا وهو يشبه أباه» ؟ قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربَّنا حيّ لا يموت، وأنّ عيسى يأتي عليه الفناء» ؟ قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قَيِّمٌ على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه» ؟ قالوا: بلى! قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا» ؟ قالوا: لا. قال: «أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء» ؟ قالوا: بلى. قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّم» ؟ قالوا: لا. قال: «فإنّ ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء» . قال: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يُحدِث الحدَث» ؟ قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّي كما يغذّى الصبيّ، ثم كان يَطعم الطعام، ويشرب الشرابَ ويُحدث الحدَث» ؟ قالوا: بلى. قال: «فكيف يكون هذا كما زعمتم» ؟ قال: فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودًا. فأنزل الله : ﴿الم * اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال مجاهد: لما قبله من كتاب أو رسول.
قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ قال قتادة: هما كتابان أنزلهما الله فيهما بيان من الله وعصمة لمن أخذ به، وصدق به، وعمل بما فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿وَأَنزَلَ
стр. 325
الْفُرْقَانَ﴾ ، أي: الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ ، أي: أن الله منتقم ممن كفر بآياته وجحد بها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قال قتادة: قادرٌ والله ربُنا أن يصور عباده في الأرحام كيف يشاء، من ذكر، أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام.
قوله : ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الألْبَابِ (٧) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) ﴾ .
قال ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ : المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به. قال: ﴿وَأُخَرُ ... مُتَشَابِهَاتٌ﴾ والمتشابهات منسوخة ومقدمة ومؤخرة وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به. وقيل: المتشابهات: فواتح السور.
قال البغوي: (فإن قيل: كيف فرق ها هنا بين المحكم والمتشابه وقد
стр. 326
جعل الله كل القرآن محكمًا في مواضع أخر. فقال: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ وجعله كله متشابهًا فقال الله: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ . قيل: حيث جعل الكل محكمًا أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعل الكل متشابهًا أراد أن بعضه يشبه بعضًا في الحق والصدق وفي الحسن، وجعل ها هنا بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا) . انتهى.
وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: هن جماع الكتاب.
وقال ابن كثير: أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ، أي: ميل عن الهدى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال ابن جريج: هم المنافقون. وعن عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ فقال: «إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» . رواه أحمد وفي رواية البخاري: «فإذا
رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» . وقال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ، أي: ما تحرف منه وتصرف؛ ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشبهة.
وقال السدي: ﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ﴾ قال: إرادة الشرك. وقال مجاهد: الشبهات بها أَهلكوا وأُهلكوا. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارءون فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه
стр. 327
ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكِلوه إلى عالِمه» . رواه أحمد. وقال ابن عباس: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ﴾ ، يعني: تأويله يوم القيامة إلا الله. وقالت عائشة في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ كان من رسخوهم في العلم، أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه ولم يعلموا تأويله. وقال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد، ﴿إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضًا، فنفذت به الحجة وظهر به الغدر، وزاح به الباطل ودمغ به الكفر. وروى ابن جرير وغيره: أن رسول الله ﷺ سئل من الراسخ في العلم؟ قال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم» .
стр. 328
وقال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأجداثنا: ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ ، وعن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللهم يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك» قالت قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: «نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابعه، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه» . فنسأل الله ربنا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. قالت قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «بلى قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن» . رواه ابن جرير وغيره. وعن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب قال: فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية في الركعة الثالثة. رواه عبد الرزاق.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ، أي: فاغفر لنا واعف عنا وارحمنا، وثبتنا في الدنيا على الدين، وفي الآخرة على الصراط. وقد قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ . والله الموفق.
* * *
стр. 329
الدرس السابع والثلاثون
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (١٧) ﴾ .
* * *
стр. 330
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) ﴾ .
يخبر تعالى أن أموال الكفار وأولادهم لا تنفعهم يوم القيامة، ولا تنجيهم من عذاب الله، وأنهم حطب النار الذي توقد به.
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس ﵄: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: شديد الأخذ، أليم العذاب لا يمتنع منه أحد.
قوله : ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ
стр. 331
وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ (١٣) ﴾ .
عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله? ﷺ ?قريشًا يوم بدر فقدم المدينة جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: «يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا» . فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا. فأنزل الله في ذلك
من قولهم: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ، إلى قوله: ﴿لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ .
قال قتادة: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ ، عبرة وتفكر. وقال ابن عباس: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ، أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار، وقال الربيع في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ، قال: كان ذلك يوم بدر، وكان المشركون تسعمائة وخمسين، وكان أصحاب محمد ﷺ ثلاثمائة وثلاثة عشر.
قال ابن جرير: (فإن قال لنا قائل: فكيف قيل: يرونهم مثليهم رأي العين، وقد علمتم أن المشركين كانوا يومئذٍ ثلاثة أمثال المسلمين؟ قلنا لهم كما يقول القائل - وعنده عبد احتاج إلى مثله -: أنا محتاج إليه وإلى مثله، ثم يقول: أحتاج إلى مثليه، فيكون ذلك خبرًا عن حاجته إلى مثله، وإلى مثلي ذلك المثل) إلى آخر كلامه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِي الأبْصَارِ﴾ ، قال قتادة: يقول: لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكير، وأيدهم الله ونصرهم على ... عدوهم.
قوله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ
أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
стр. 332
خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (١٧) ﴾ .
قال عمر بن الخطاب ﵁: (لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ، قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا؟ فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ... ﴾ ) الآية. رواه ابن جرير، قال ابن عباس: القنطار: ألف ومائتا دينار، ومن الفضة ألف ومائتا مثقال. وقال ابن عمر: القنطار: ألف ومائتا أوقية.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ ، قال: المطهمة الحسان، وقال ابن عباس: يعني: المعلمة.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ، قال السدي يقول: حسن المنقلب. وهي: الجنة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﵎: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون: أيْ ربنا أيّ شيء أفضل من هذا؟ قال: رضواني.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ، هذا وصف
стр. 333
عباد الله المتقين الذين وعدهم الجنة، قال قتادة: قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ﴾ ، الصادقين يوم صدقت أفواههم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السر والعلانية، والصابرين يوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، والقانتون: هم المطيعون لله.
قال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ هم: أهل الصلاة، وقال جعفر ابن محمد: من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة، كتب من المستغفرين بالأسحار، وفي الصحيحين وغيرهما، أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟» . والله أعلم.
* * *
стр. 334
الدرس الثامن والثلاثون
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
стр. 335
أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي
شَيْءٍ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾ .
* * *
стр. 336
قوله : ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) ﴾ .
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ ، بخلاف ما قال وفد نجران من النصارى.
﴿قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ ، أي: بالعدل. قال ابن كثير: قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
وقوله: ﴿لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ تأكيد لما سبق. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قوله وأفعاله وشرعه وقدره.
قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) ﴾ .
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ، أي: ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للرب والتصديق للرسل. وقال أبو العالية: الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع.
стр. 337
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ . قال أبو العالية: يقول بغيًا على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس.
وقال مجاهد في قول الله : ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قال: إحصاؤه عليهم. وقال ابن كثير: أي: فإن الله سيجازيك على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.
وقوله تعالى: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يقول تعالى: فإن جادلوك في الدين فقل: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ أي: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له، ومن اتبعني على ديني، يقول كمقالتي. قال البغوي: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ ، أي: انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي؛ وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح للإِنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء، فقد خضع له جميع جوارحه.
وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ . قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: الأميون الذين لا كتاب لهم. وقال البغوي: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ﴾ ، أي: العرب، ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ لفظة استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا، كما قال: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ، أي: انتهوا. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ فقرأ رسول الله
ﷺ هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا، فقال لليهود: «أتشهدون أن عزيرًا عبده ورسوله» ؟ . فقالوا: معاذ الله أن يكون عزير ﵇ عبدًا.
стр. 338
وقال للنصارى: «أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله» ؟ . قالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدًا. فقال الله : ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ﴾ ، أي: تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية ... ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ عالم بمَنْ يُؤْمن وبِمَنْ لا يُؤْمِن. انتهى.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٢٢) ﴾ .
قال ابن جريج: كان الوحي يأتي على أنبياء من بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكرون قومهم فيقتلون أنبياءهم، فيقوم رجال ممن تبعهم وصدقهم، فيذكرون قومهم فيقتلون أيضًا الذين يأمرون بالقسط من الناس وفي الحديث: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا، أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» . رواه ابن جريج وغيره.
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٢٥) ﴾ .
قال ابن عباس: دخل رسول الله ﷺ بيت المدراس على جماعة من يهود،
стр. 339
فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: «على ملة إبراهيم ودينه» . فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. قال لهما رسول الله ﷺ : «فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم» ، فأبيا عليه، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ ، إلى قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ .
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ . قال قتادة: قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا. قال الله : ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ، أي: قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، وهو: يوم القيامة، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ فكيف حالهم حينئذٍ.
قوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي
اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) ﴾ .
قال ابن عباس: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة وعد أمته ملك فارس والروم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك؟ ألم يكف محمدًا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله هذه الآية) .
стр. 340
وقال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾ الآية، أي: أن ذلك بيدك لا إلى غيرك ﴿إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يقدر هذا غيرك بسلطانك وقدرتك.
وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ . قال ابن عباس: ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار.
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ ... الْحَيِّ﴾ . قال مجاهد: الناس الأحياء من النطف، والنطف ميتة من الناس الأحياء ومن الأنعام والنبات كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . قال الربيع: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقص ما عنده ﵎.
قوله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) ﴾ .
قال ابن عباس: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهروا لهم اللطف ويخالفوهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ وقال أيضًا: التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ ، أي: يخوفكم الله عقوبته ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ ، أي: المرجع والمنقلب.
стр. 341
قوله : ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) ﴾ .
قال البغوي: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ، قلوبكم من مودة الكفار، ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ ، موالاتهم قولاً وفعلاً، ﴿يَعْلَمْه اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ ، يعني: إذا كان لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار، وميلكم إليهم بالقلب؟ ﴿وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله ﷺ من التكذيب أو تظهروه بحربه وقتاله، يعلمه الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به.
قوله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (٣٠) ﴾ .
قال قتادة: قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ ، يقول موفرًا.
وقال السدي: قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ ، مكانًا بعيدًا. وعن الحسن في قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ . قال: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه.
قوله : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١) ﴾ .
قال الحسن: قال قوم على عهد نبيهم ﷺ : يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فجعل إتباع نبيه محمد ﷺ علمًا لحبه، وعذاب من خالفه.
стр. 342
قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه،
وهو: محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ.
قوله : ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾ .
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ فأنتم تعرفونه، يعني: الوفد من نصارى نجران، وتجدونه في كتابكم، ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ﴾ على كفرهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ . وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» . قالوا ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» . والله الموفق.
* * *
стр. 343
الدرس التاسع والثلاثون
﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١) ﴾ .
* * *
стр. 344
قوله : ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) ﴾ .
قال قتادة في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ : ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمد من آل إبراهيم. وقال الحسن: فضلهم على العالمين بالنبوة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المصطفين لربهم.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ ، أي: من ولد بعض، ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . قال قتادة: قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ يقول: في النية، والعمل، والإخلاص، والتوحيد له. وقال في جامع البيان: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ ، أي: أنهم ذرية واحدة متشبعة بعضها من بعض. انتهى. ولا منافاة بين القولين.
قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) ﴾ .
قال ابن إسحاق: تزوج زكريا وعمران أختين، فكانت أم يحيى عند زكريا وكانت أم مريم عند عمران، فهلك عمران وأم مريم حامل بمريم،
стр. 345
فهي جنين في بطنها. قال: وكانت فيما يزعمون قد أمسك عنها الولد حتى أسنّت، وكانوا أهل بيت من الله جل ثناؤه بمكان، فبينا هي في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخ له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولدًا فحملت بمريم، وهلك عمران، فلما عرفت أن في بطنها جنينًا جعلته لله نذيرة، والنذيرة: أن تعبده لله فتجعله حبسًا في الكنيسة، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا. قال الشعبي في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ جعلته في الكنيسة وفرغته للعبادة. وقال الكلبي: قالت: اللهم لك عليّ إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدمته.
وقال الربيع: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانت على رجاء أن يهب لها غلامًا، لأن المرأة لا تستطيع ذلك - يعني: القيام على الكنيسة، لا تبرحها وتكنسها - لما يصيبها من الأذى. وقال السدي: ظنت أن ما في بطنها غلامًا فوهبته لله، فلما وضعت إذ هي جارية فقالت تعتذر إلى الله: رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى. تقول: إنما يحرر الغلمان بقول الله ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ ، فقالت: إني سميتها مريم. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «كل مولود من ولد آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران وولدها، فإن أمها قالت حين وضعتها: إني أعيذها ... بك وذريتها من الشيطان الرجيم، فضرب دونها حجاب فطعن في الحجاب» . رواه ابن جرير وغيره.
стр. 346
قوله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) ﴾ .
قال ابن جرير: قال الله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ تقبل الله من أمها ما أرادت بها للكنيسة، وآجرَها فيها وأنبتها، قال: نبتت في غذاء الله. وقال السديّ: قال الله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ ، فانطلقت بها أمها في خِرَقها حين ولدتها إلى المحراب وكان الذين يكتبون التوراةَ إذا جاءوا إليهم بإنسان يجرّبونه اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه. وكان زكريا أفضلهم يومئذٍ وكان بينهم، وكانت خالة مريم تحته. فلما أتوا بها اقترعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، تحتي خالتها، فأبوا فخرجوا إلى نهر الأردنّ، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها. فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين فأخذ الجارية. وذلك قول الله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ، فجعلها زكريا معه في بيته، وهو: المحراب.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ ، قال الربيع: جعل زكريا دونها سبعة أبواب، فكان يدخل عليها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ
стр. 347
مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، أي: بغير إحصاء ولا عد، لأن فضله واسع خزائنه لا تغيض.
قوله : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) ﴾ .
قال السدي: فلما رأى زكريا من حالها ذلك يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف قال: إن ربًا أعطاها هذا في غير حينه لقادر على أن يرزقني ذرية طيبة. ورغب في الولد، فقام فصلَّى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ، وقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ . وقال عكرمة: فدخل المحراب وغلق الأبواب وناجى ربه فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ رَضِيّاً﴾ ... ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ الآية. قال قتادة: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان.
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ قال مجاهد: قالت امرأة زكريا: يا مريم إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك. قال: فوضعت امرأة زكريا يحيى، ومريم عيسى، ولذا قال: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ قال: يحيى مصدقًا
стр. 348
بعيسى. وقال الضحاك: كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً﴾ ، قال قتادة: إي واللهِ، سيد في العبادة، والحلم، والعلم، والورع.
وقوله تعالى: ﴿وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال مجاهد: الحصور الذي لا يأتي النساء - قال بعض المفسرين: وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل في تلك الشريعة -.
وقال الشيخ ابن سعدي: ﴿وَسَيِّداً﴾ ، أي: عظيمًا عند الله وعند الخلق، لما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة والعلوم العظيمة والأعمال الصالحة ﴿وَحَصُوراً﴾ ، أي: ممنوعًا بعصمة الله وحفظه ووقايته، من مواقعة المعاصي، فوصفه الله بالتوفيق لجميع الخيرات والحماية من السيئات والزلات، وهذا غاية كمال العبد.
قوله : ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١) ﴾ .
قال ابن كثير: فلما تحقق زكريا، ﵇، هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر، قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ﴾ ، أي: الملك ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ، أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة
стр. 349
أستدل بها على وجود الولد مني ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ ، أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سويٌ صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ ، ثم أمر بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ ) . انتهى. وقال الحسن في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزاً﴾ قال: أمسك بلسانه، فجع يومئ بيده إلى قومه أن سبحوا بكرة وعشيًّا. والله أعلم.
* * *
стр. 350
الدرس الأربعون
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٥١) ﴾ .
* * *
стр. 351
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ﴾ .
في الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» . وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» . رواه الترمذي وصححه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» . رواه البخاري وغيره.
وقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال مجاهد: لما قيل لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قامت حتى ورمت قدماها.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ، أي: كوني منهم.
قوله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
стр. 352
يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت من حديث امرأة عمران، وزكريا، ويحيى، ومريم، وعيسى: ﴿مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ﴾ ، أي: من أخبار الغيب: ﴿نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ وهذا من أعظم البراهين على نبوة محمد ﷺ ، لأنه أخبره بها وهو أميّ لا يكتب ولا يقرأ، كما قال تعالى: ... ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ، أي: في كفالتها. قال قتادة: تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا.
قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي
стр. 353
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) ﴾ .
قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ﴾ ، ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ، ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيضًا: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ ، يعني: برسالة من الله. وعن قتادة قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ قال: قوله: كُنْ، فسماه الله كلمة، لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدّر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه. وقيل: إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة.
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، أي: هكذا كان أمره، لا ما يقولون فيه ﴿وَجِيهاً﴾ . قال: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله. وقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . قال ابن عباس: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ ، قال: مضجع الصبي في رضاعه. وقال مجاهد: الكهل الحليم. وقال قتادة: يكلمهم صغيرًا وكبيرًا. وقال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: يخبرهم بحالاته التي يتقلب بها في عمله، كتقلب بني آدم في أعمالهم صغارًا وكبارًا، إلا أن الله خصه بالكلام في مهده آية لنبوته وتعريفًا للعباد موقع قدرته. وقال ابن زيد: قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذٍ كهل.
قوله : ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٧) ﴾ .
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يصنع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر، أي: ﴿إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ مما يشاء وكيف يشاء، فيكون ما أراد.
قوله : ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ
стр. 354
وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٥١) ﴾ .
قال البغوي: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ : الكتابة والخط ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ : العلم والفقه. قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: أخبر الله مريم ما يريد به فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ﴾ التي كانت فيهم من عهد موسى، والإنجيل كتابًا آخر أهدته إليه، لم يكن عندهم علمه إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء قبله.
وقوله تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، أي: ونجعله رسولاً إلى بني إسرائيل قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، أي: يحقق بها نبوتي، وإني رسول منه إليكم.
وقوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ ، قال ابن إسحاق: إن عيسى - عليه صلوات الله وسلامه عليه - جلس يومًا مع غلمان من الكتاب فأخذ طينًا، ثم قال:
أجعل لكم من هذا الطين طائرًا، قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربي. ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر فنفخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذن الله، فخرج يطير بين كفيه، فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلمهم فأفشوه في الناس وترعرع، فهمّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حميل لها ثم خرجت به هاربة.
وقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال ابن عباس: الأكمه الذي يولد وهو أعمى.
قال ابن كثير: [قال كثير] من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما
стр. 355
يناسب أهل زمانه، فبعث عيسى السلام في زمن الأطباء، وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه.
وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، قال السدي: لما كبر عيسى أسلمته أمه ليتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان، غلمان القرية التي كان فيها فيحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم. وقال عطاء بن أبي رباح: قوله: ... ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علَّمه الله إياه. وقال قتادة: كان القوم لما سألوا المائدة، فكانت جرابًا، ينزل عليه أينما كانوا ثمرًا من ثمار الجنة، فأمر القوم أن لا يخونوا فيه، ولا يخبئوا، ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئًا أنبأهم به عيسى بن مريم، فقال: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ .
وقوله: ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: ابن جريج: قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: لحوم الإِبل والشحوم، لما بعث عيسى أحلها لهم، وبعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرقوا.
وقوله: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ، قال ابن إسحاق: عن محمد بن جعفر: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ تبريًا من الذين يقولون فيه، يعني: ما يقول فيه النصارى، واحتجاجًا لديه عليهم: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ، أي: هذا الذي قد حملتكم عليه وجئتكم به. والله أعلم.
* * *
следующие страницы →