Полный текст (2 483 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لا تأخذ سنة ولا نوم. قال قتادة: الحيّ حي لا يموت. وقال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء. وقال الربيع: القوم قيم كل شيء يكلؤه ويرزقه ويحفظه. وقال الضحاك: الحي القيوم: القائم الدائم.
وقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ، قال ابن عباس: السِّنَة: النعاس. والنوم هو: النوم.
وقوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء﴾ ، قال مجاهد: يعلم من بين أيديهم ما مضى من الدنيا، وما خلفهم من الآخرة. وقال الكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ، يعني: الآخرة، لأنهم يقدمون عليها. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ، من الدنيا، لأنهم يخلفونها. وقال السدي: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ ، يقول: لا يعلمون بشيء من علمه إلا بما شاء هو أن يعلمهم.
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ، اختلفوا في الكرسي، فقال الحسن: هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة ﵁: الكرسي موضوع أمام العرش. وفي بعض الأخبار: أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. ويُروى عن ابن عباس ﵄: أن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس. وقوله
تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ قال ابن عباس: لا يثقل عليه. وقال قتادة: لا يجهده حفظهما.
стр. 282
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
قال البغوي: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ : الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشباه والأنداد. وقيل: العلي بالملك والسلطنة، العظيم الكبير: الذي لا شيء أعظم منه. وقال ابن كثير: فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
قوله : ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) ﴾ .
قال ابن عباس: كانت المرأة تكون مقلاة، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهودّه. فلما أجليت بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ . وقال قتادة في قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين لم يقبل منهم إلا القتل، أو الإسلام. وأهل الكتاب قبلت منهم الجزية، ولم يقتلوا. وقال الضحاك: (أمر رسول الله ﷺ أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا: لا إله إلا الله، أو السيف. ثم أمر
فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية. فقال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
стр. 283
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، قال مجاهد وغيره: الطاغوت: الشيطان. وقال أبو العالية: الطاغوت: الساحر. وقال أبو الزبير: سئل جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون ... إليها، فقال: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان.
قال ابن جرير: والصواب أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما لطاعة ممن عبده إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء.
وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ قال: لا إله إلا الله. وقال السدي: ﴿لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ لا انقطاع لها. وقال مجاهد: لا غير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
قوله : ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴾ .
قال قتادة: قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ ، يقول: من الضلالة إلى الهدى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ ، الشيطان، ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
﴾ ، يقول: من الهدى إلى الضلالة. قال الضحاك: والظلمات: الكفر. والنور: الإيمان. والله أعلم.
* * *
стр. 284
الدرس الثلاثون
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) ﴾ .
* * *
стр. 285
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) ﴾ .
قال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ . قال: هو نمرود بن كنعان. قال قتادة: وهو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، وذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما، واستحيا الآخر. فقال: أنا أحيي هذا، أنا أستحيي من شئت، وأقتل من شئت. قال إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
قال البغوي: ( ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ، أي: تحير ودهش وانقطعت حجته وقال ابن إسحاق: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلال) . انتهى. وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ .
стр. 286
وقال السدي: لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحي ويميت. قال نمرود: أنا أحي وأميت. أنا أدخل أربعة نفر، فأدخلهم بيتًا فلا يطعمون ولا يسقون حتى هلكوا من الجوع، أطعمت اثنين وسقيتمهما فعاشا، وتركت اثنين فماتا. فعرف إبراهيم أن له قدرة بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك. قال له إبراهيم: فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر. وقال إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها، وإن النار لم تأكله، وخشي أن يفتضح في قومه، أعني نمرود، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ فكان يزعم أنه رب، وأمر بإبراهيم فأخرج. وقال ابن زيد: فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه، وضرب بهاما رأسه وكان جبارًا أربعمائة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله.
قوله : ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) ﴾ .
стр. 287
قال البغوي: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ ، وهذه الآية مسوقة على الآية الأولى. تقديره: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية؟ وقيل: تقديره: هل رأيت كالذي حاجّ إبراهيم في ربه؟ وهل رأيت كالذي مر على قرية؟
وقال ابن كثير: تقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ﴾ وهو في قوة، قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه. ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ .
قال قتادة: ذكر لنا أنه عزير، وقال عكرمة: القرية: بيت المقدس مر بها عزير بعد إذ خربّها بختنصر. وقال ابن جريج: بلغنا أن عزيرًا خرج فوقف على بيت المقدس، وقد خربه بخنتصر، فوقف فقال: أبعد ما كان لك من القدس والمقالة والمال ما كان فحزن.
وقال السدي: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ، يقول: ساقطة على سقفها، وذلك أن عزيرًا مر جائيًا من الشام على حمار له، معه عصير وعنب وتين، فلما مر بالقرية فرآها وقف عليها، وقلّب يده وقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ليس تكذيبًا منه وشكًا، فأماته الله وأمات حماره، فهلكا ومر عليهما مائة سنة، ثم إن الله أحيا عزيرًا فقال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يومًا أو بعض يوم. قيل له: بل لبثت مائة عام فانظر: إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير لم يتسنه الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أنه مات ضحى، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس، فقال: كم لبثت؟
стр. 288
قال: لبثت يومًا ثم التفت، فرأى بقية من
الشمس، فقال: أو بعض يوم. فقال: بل لبثت مائة عام. وقال الضحاك في قوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يقول: لم يتغير. وقد أتى عليه مائة عام.
وقوله تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ . قال البغوي: أي: نرفعها من الأرض، ونردها إلى مكانها ونركب بعضها على بعض. وقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالاً فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتهما من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخاري الحمار، فنهق بإذن الله . وذلك كله بمرأى من العزير، فعند ذلك لما تبين له هذا كله قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. وقال الضحاك وغيره: إنه عاد إلى قريته شابًا وأولاده، وأولاد أولاده شيوخ وعجائز، وهو أسود الرأس واللحية.
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) ﴾ .
قال محمد بن إسحاق: لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصه الله في سورة الأنبياء، قال نمرود فيهما يذكرون لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته، وتذكر من قدرته التي تعظمه بها
على غير ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال نمرود: أنا أحيي وأميت. فقال له
стр. 289
إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ ثم ذكر ما قص الله من محاجته إياه قال: فقال إبراهيم عند ذلك: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ من غير شك في الله تعالى، ولا في قدرته ولكنه أحب أن يعلم ذلك، وتاق إليه قلبه، فقال: ليطمئن قلبي، أي: ما تاق إليه إذ هو علمه. وقال سعيد ابن جبير: ليطمئن قلبي، ليزداد يقيني.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . قال ابن عباس: فصرهنّ: قطعهنّ. وقال مجاهد: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً﴾ : ثم بددهن أجزاء على كل جبل، ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ كذلك يحي الله الموتى. وقال ابن جريج: فجعلهن سبعة أجزاء، وأمسك رؤوسهن عنده، ثم دعاهن بإذن الله فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريش تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضعة وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رؤوس الجبال حتى لقيت كل جثة بعضها بعضًا في السماء، ثم أقبلن يسعين حتى وصلت رأسها. وعن ابن المنكدر قال: التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص فقال ابن عباس لابن عمرو: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله : ... ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية. فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله: بلى. قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان. رواه ابن أبي حاتم وغيره.
وقال البخاري: (باب وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.
стр. 290
فصرهن: قطعهن. وذكر حديث أبي هريرة قال: قال ... رسول الله ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ ... قَلْبِي﴾ » . انتهى.
قال إسماعيل بن يحيى المزني: لم يشك النبي ﷺ ، ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكّا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا؟
قال في فتح الباري: (وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيي الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الأحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته، ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شك، لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين. والله أعلم) .
* * *
стр. 291
الدرس الحادي والثلاثون
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) ﴾ .
* * *
стр. 292
قوله : ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) ﴾ .
قال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ، يعني: في طاعة الله. وقال ابن عباس: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ ، أي: بحسب إخلاصه في عمله، ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . قال ابن زيد: ﴿وَاسِعٌ﴾ أن يزيد من سعته، ﴿عَلِيمٌ﴾ عالم بمن يزيده. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «كل عمل ابن آدم يضاعف له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته، وطعامه، وشرابه، من أجلي» .
قوله : ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) ﴾ .
قال قتادة: علم الله أن ناسًا يمنون بعطيتهم، فكره ذلك وقدم فيه فقال:
стр. 293
﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ . وقال الضحاك: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ يقول: أن يمسك ماله خير من أن ينفق ماله ثم يتبعه منًا وأذى.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف والكاذب» . وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى» . رواه أحمد وغيره.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ . قال ابن عباس: الغني الذي كمل في غناه، والحليم الذي قد كمل في حلمه.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) ﴾ .
قال عمرو بن حريث: إن الرجل يغزو [و] لا يسرق ولا يزني ولا يغل، لا يرجع بالكفاف، فقيل له: لم ذاك؟ قال: فإن الرجل ليخرج، فإذا أصابه من بلاء [الله] الذي حكم عليه، سبُّ ولعن إمامه ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبدًا. فهذا عليه، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منّ وأذى، فقد ضرب
стр. 294
الله مثلها في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ حتى ختم الآية.
وقال قتادة: فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة. يقول: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ يومئذٍ كما ترك هذا المطر الصفا الحجر، ليس عليه شيء أنقى ما كان عليه. وقال السدي: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ ، أما الصفوان الذي عليه تراب، فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدًا، فكذا هذا الذي ينفق ماله رياء الناس، ذهب الرياء بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيًا، فكذلك تركه الرياء، لا يقدر على شيء مما قدم، فقال للمؤمنين: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ ، فتبطل كما بطلت صدقة الرياء.
قوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) ﴾ .
قال الشعبي في قوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ : تصديقًا وتيقينًا. وقال مجاهد: يثبتون أين يضعون أموالهم.
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ .
قال البغوي: (وهي المكان المرتفع المستوى الذي تجري فيه الأنهار، فلا يعلوه الماء، ولا يعلو عن الماء) . انتهى. وقال ابن عباس: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ ، المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار.
стр. 295
وقوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ . قال السدي: أما الطل فالندى، يقول: كما أضعفت ثمرة
تلك الجنة، فكذلك يضاعف ثمرة هذا المنفق. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس كخيره خلف، كما ليس الخير هذه الجنة، خلف على أي حال، إما وابل، وإما طل.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
قوله : ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) ﴾ .
قال السدي: هذا مثل آخر لنفقة الرياء، أنه ينفق ماله يرائي الناس به، فيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فيه، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء فذهبت، كما أنفق هذا الرجل على جنته، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته، جاءت ريح فيها سموم فأحرقت جنته، فلم يجد منها شيئًا، فكذلك المنفق رياء. قال مجاهد في قول الله : ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ كمثل المفرط في طاعة الله حتى يموت. وقال عمر بن الخطاب: هذا مثل ضربه الله للإنسان يعمل عملاً صالحًا، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه، عمِل عمَل السوء. وقال قتادة: قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية، يقول: أصابها ريح فيها سموم شديد.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ
стр. 296
تَتَفَكَّرُونَ﴾ فهذا مثل، فاعقلوه عن الله أمثاله، فإنه قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ . هذا رجل كبرت سنه، ودق عظمه، وكثر عياله، ثم احترقت جنته على بقية ذلك كأحوج ما يكون إليه، يقول: أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة، كأحوج ما يكون إليه؟
وقال البخاري باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ، وذكر حديث عمر: أنه قال يومًا لأصحاب النبي ﷺ : فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ ؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل. قال عمر: أيّ عمل؟ قال ابن عباس: بعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. انتهى والله المستعان.
* * *
стр. 297
الدرس الثاني والثلاثون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٢٧٠) إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) ﴾ .
* * *
стр. 298
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) ﴾ .
قال ابن عباس: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يقول: تصدقوا. وقال مجاهد في قوله: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التجارة. وقال ابن عباس: يقول: من أطيب أموالكم وأنفسه. وعن عبيدة قال: سألت عليًا عن قول الله : ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ قال: يعني: من الحب والثمر، وكل شيء عليه زكاة. وعن البراء بن عازب في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ . رواه ابن جرير.
قال قتادة: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ﴾ ، لا تعمدوا. وعن البراء: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه، إلا أنه يرى أنه قد نقصه من حقه. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ
стр. 299
الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ
وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ﴾ . فقال عبيدة: إنما هذا في الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة، والدرهم الزائف خير من التمرة.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ، أي: غني عن صدقاتكم، حميد: بقبولها منكم، وإثباتكم على أعمالكم، وهو المحدود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره.
قوله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) ﴾ .
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لمة من ابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله وليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان» ثم قرأ: « ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء﴾ » . رواه ابن جرير وغيره.
قوله : ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (٢٦٩) ﴾ .
قال قتادة: الحكمة: القرآن، والفقه في القرآن.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ، أي: العقول. قال الحسن: من أعطى القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لم يوح إليه.
وقال ابن كثير: جاء في بعض الأحاديث: «من حفظ القرآن فقد أدرجت
стр. 300
النبوة بين كتفيه، غير أنه لا يوحى إليه» .
قوله : ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٢٧٠) ﴾ .
قال مجاهد في قوله : ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ ويحصيه. قال ابن جرير: ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقته رياء ونذوره طاعة للشيطان فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ .
قوله : ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ﴾ .
قال البغوي: (قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ، أي: نعمت الخصلة هي، وما في محل الرفع وهي في محل النصب، كما تقول: نعم الرجل رجلاً، فإذا عرفت رفعت، فقلت: نعم الرجل ... زيد، وأصله: نعم ما، فوصلت) . انتهى. قال قتادة: كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل، وذكر لنا: (أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) . وقال ابن عباس: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ فجعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيها بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة
علانيتها أفضل من سرها، يقال بخمسة وعشرين ضعفًا، وكذلك جمع الفرائض والنوافل والأشياء كلها.
стр. 301
قوله : ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) ﴾ .
عن ابن عباس: (عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين) رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن زيد في قوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ قال: هو مردود عليك فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه، إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله والله يجزيك. وقال السدي: قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ﴾ أمَّا: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ، فيعني: المشركين، وأما النفقة فبين أهلها، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ، قال قتادة: أحصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو. وقال ابن زيد: كانت الأرض كلها كفرًا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله.
وقال مجاهد في قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ ، قال: التخشع. وقال الربيع: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وقال السدي في قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ ، لا يلحفون في المسألة. وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن النبي ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي
стр. 302
ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس» . وللبخاري: «إنما المسكين الذي يتعفف» . وعن أبي سعيد الخدري قال: سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ أسأله، فأتيته فقعدت قال: فاستقبلني فقال: «من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» . قال فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله. رواه أحمد وغيره، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر» . رواه مسلم.
قوله : ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) ﴾ .
قال قتادة: هؤلاء أهل الجنة، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «المكثرون هم الأقلون» . قالوا: يا نبي الله إلا من؟ - حتى خشوا أن تكون قد مضت فليس لها رد - حتى قال: «إلا من قال بالمال هكذا
وهكذا عن يمينه وعن شماله، وهكذا بين يديه، وهكذا خلفه، وقليل ماهم، هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله التي افترض، وارتضى في غير سرف ولا إملاق، ولا تبذير ولا فساد» . وبالله التوفيق.
* * *
стр. 303
الدرس الثالث والثلاثون
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٢٨١) ﴾ .
* * *
стр. 304
قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) ﴾ .
قال مجاهد في الربا الذي نهى الله عنه: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني، فيؤخر عنه.
وقال في قول الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يوم القيامة في آكل الربا في الدنيا. وقال ابن عباس: ذلك حين يبعث من قبره. وقال سعيد بن جبير: يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ .
قال البغوي: (أي: ذلك الذي نزل بهم لقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه فطالبه، فيقول الغريم لصاحب الحق: زدني في الأجل حتى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك، ويقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير، فكذبهم الله تعالى وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ) . انتهى.
وقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى
стр. 305
اللهِ﴾
قال السدي: أما الموعظة: القرآن، وأما ما سلف: فله ما أكل من الربا.
وقوله تعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فيه تهديد أكيد ووعيد شديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً ... عَظِيماً﴾ . وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه» . وقال: «هم سواء» . متفق عليه واللفظ لمسلم. وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد» . رواه مسلم.
قوله : ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) ﴾ .
عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن الربا وإن أكثر، فإن عاقبته تصير إلى قل» . رواه أحمد وغيره.
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ، أي: يبارك فيها في الدنيا، ويضاعف أجرها في الآخرة. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال
стр. 306
رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب،
ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها، كما يرب أحدكم فلوّه، حتى تكون مثل الجبل» .
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ .
قال ابن كثير: أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) ﴾ .
هذا مدح من الله تعالى للمؤمنين المطيعين لأمره، المحسنين إلى خلقه، وإخبار عما أعد لهم من الكرامة يوم القيامة.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (٢٧٩) ﴾ .
قال ابن كثير: وقد ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل بن حيان والسدي: (أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله ﷺ -
стр. 307
فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوا كلهم) . انتهى.
قال ابن عباس: فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وقال أيضًا يقال: يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ . قال الضحاك: وضع الله الربا، وجعل لهم رؤوس أموالهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال في خطبته: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله، أول ربا ابتدء به ربا العباس بن عبد المطلب» . وقال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ ، لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلاً لا يحل لكم.
قوله : ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) ﴾ .
قال الضحاك: من كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم، قال: وكذلك كل دين على مسلم، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «من نفّس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة» . وفي الحديث الآخر عن النبي ﷺ : «أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها؟ قالها ثلاث مرات. قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلاً أبايع
стр. 308
الناس، وكان من خلِقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأُنظر المعسر. قال: فيقول الله : أنا أحق من ييسّر، ادخل الجنة» . أخرجه أبو يعلى الموصلي ونحوه في البخاري ومسلم.
قوله : ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٢٨١) ﴾ .
قال ابن عباس: (هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ ، فقال له جبريل ﵇: ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش بعدها رسول الله ﷺ إحدى وعشرين يومًا) . والله أعلم.
* * *
стр. 309
الدرس الرابع والثلاثون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُواْ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) ﴾ .
* * *
стр. 310
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ .
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ أنزلت في السلم إلى أجل معلوم. وقال الضحاك: من باع إلى أجل مسمى أمر أن يكتب صغيرًا كان أو كبيرًا إلى أجل مسمى. قال الربيع فكان هذا واجبًا، ثم قامت الرخصة والسعة، قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ .
وقال قتادة في قوله: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقًا، ولا يزيدن فيه باطلاً.
وعن مجاهد في قول الله : ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ﴾ . قال: واجب على الكاتب أن يكتب. وقال السدي: وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ إن كان فارغًا.
وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ . قال: لا ينقص من حق هذا الرجل شيئًا إذا أملى.
وقوله تعالى: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ . قال مجاهد: أما السفيه فالجاهل بالإملاء والأمور،
стр. 311
وقال أيضًا: أما الضعيف فالأحمق. وقال ابن عباس: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ ، يقول إن عجز عن ذلك أملى وليّ صاحب الدين بالعدل. وقال الضحاك: أمر ولي السفيه والضعيف أن يمل بالعدل.
قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ .
قال مجاهد: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ قال: الأحرار. وقال البغوي: (يعني: الأحرار المسلمين دون العبيد والصبيان، وهو قول أكثر أهل العلم. وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد) . انتهى. وقال الربيع في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ ، يقول: في الدِّين ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وذلك في الدين. ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ ، يقول: عدول. وقال قتادة: علم الله أن ستكون حقوق، فأخذ لبعضهم من بعض الثقة، فخذوا بثقة الله، فإنه أطوع لربكم وأدرك لأموالكم، ولعمري لئن كان تقيًّا لا يزيد الكتاب إلا خيرًا، وإن كان فاجرًا فبالحريّ أن يؤدي إذا علم أن عليه شهودًا.
وقال الربيع: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ ، يقول: أن تنسى إحداهما فتذكرها الأخرى.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ قال: لا تأب أن تشهد إذا ما دعيت إلى شهادة. وكان الحسن يقول في قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا
стр. 312
مَا دُعُواْ﴾ . جمعت أمرين: لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة.
قوله : ﴿وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُواْ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) ﴾ .
قال مجاهد: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ . قال: هو الدَّين.
وقال السدي: قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾ ، يقول: أعدل عند الله.
وقال البغوي: ﴿ذَلِكُمْ﴾ ، أي: الكتاب، ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل، ﴿عِندَ اللهِ﴾ لأنه أمر به واتباع أمره أعدل من تركه وأقوم للشهادة، لأن الكتابة تذكر الشهود، ﴿وَأَدْنَى﴾ وأحرى وأقرب إلى ﴿أَلا تَرْتَابُواْ﴾ ، تشكوا في الشهادة.
وقال السدي: قوله: ﴿إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ ، يقول: معكم بالبلد ترونها فتؤخذ وتعطى، فليس على هؤلاء جناح ألا يكتبوها. وقال الربيع: قلت للحسن: أرأيت قول الله : ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ؟ قال: إن أشهدت عليه فهو ثقة للذي لك، وإن لم تشهد عليه فلا بأس. قال ابن كثير: وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب، لا على الوجوب.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ . يقول: لا يأتي
стр. 313
الرجل فيقول: انطلق فاكتب لي واشهد لي، فيقول: إن لي حاجة فالتمس غيري، فيقول: اتق الله فإنك قد أمرت أن تكتب لي، فهذه المضارة. ويقول: دعه والتمس غيره، والشاهد بتلك المنزلة. وقال ابن عباس: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ ، يقول: إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول: خلوا سبيله. وقال أيضًا: والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت، فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك وقال: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ ، قال: والفسوق المعصية.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . قال الضحاك: هذا تعليم علمكموه فخذوا به.
قوله : ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ
وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) ﴾ .
قال الربيع: قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ ، يقول كاتبًا يكتب لكم، ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ . وقال الضحاك: ما كان من بيع إلى أجل فأمر الله : أن يكتب وليشهد عليه، وذلك في المقام، فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا فرهان مقبوضة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ .
قال البغوي: (فإن كان الذي عليه الحق أمينًا عند صاحب الحق فلم يرتهن
стр. 314
منه شيئًا لحسن ظنه به، ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، أي: فليقضه على الأمانة، ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في أداء الحق. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . قال السدي: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ، يقول: فاجر قلبه. وقال ابن عباس: إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها فأخبره بها، ولا تقل: أخبر بها عند الأمير: أخبره بها لعله يراجع أو يرعوي. انتهى. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ . والله أعلم.
* * *
стр. 315
الدرس الخامس والثلاثون
﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) ﴾ .
* * *
стр. 316
قوله : ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ خلفًا وملكًا وعبيدًا. ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: (لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها: فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» ، فلما أقرّ بها القوم وذلّت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا
стр. 317
وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ) . إلى آخره.
ولمسلم: (ولما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، قال: «نعم ربنا» ، ﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: «نعم ربنا» ، ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: «نعم» ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: «نعم» .
وفي رواية له من حديث ابن عباس: قال: (قد فعلت) .
قال ابن حجر في (فتح الباري) : (والمراد بقوله: نسختها أي: أزالت ما تضمنته من الشدة، وبينت أنه وإن وقعت المحاسبة به، لكنها لا تقع المؤاخذة به؛ أشار إلى ذلك الطبري، فرارًا من إثبات دخول النسخ في الأخبار، وأجيب بأنه وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حكمًا، ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام، أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار، ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا، كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك؛ ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث: التخصيص، فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه، دون ما يخطر ولا يستمر عليه. والله أعلم) . انتهى.
وروى الجماعة من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم أو تعمل» .
стр. 318
قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) ﴾ .
قال ابن زيد: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ ، كما صنع القوم يعني: بني إسرائيل قالوا: فلان نبي وفلان ليس نبيًا، وفلان نؤمن به وفلان لا نؤمن به. وعن حكيم بن جابر قال: (لما أنزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ . قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه. فسأل: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) ﴾ . رواه ابن جرير.
قوله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) ﴾ .
قال السدي: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا﴾ طاقتها، وحديث النفس مما لا يطيقون. وقال ابن عباس: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾ وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وقال: قتادة:
стр. 319
قوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ، أي: من خير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، أي: من شر، وقوله: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال ابن زيد: إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا شيئًا مما حرمته علينا. وقال قتادة: بلغني أن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت بها أنفسها» . وروى ابن ماجة وغيره من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ . قال مجاهد: ﴿إِصْراً﴾ ، عهدًا. وقال ابن زيد: لاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا ذنبًا ليس فيه توبة ولا كفارة. وقال مالك: الإصر الأمر الغليط.
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ، قال ابن زيد: لا تفترض علينا من الدين ما لا طاقة لنا به، فنعجز عنه، ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ، إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ يقول: لأننا لا نعمل بما أمرتنا به، ولا نترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحد إلا برحمتك.
وقوله تعالى: ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ، ورد في بعض الآثار: (قال الله: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم، ونصرتكم على القوم الكافرين) . وكان معاذ ﵁ إذا فرغ من هذه السورة قال: (آمين) . وعن ابن مسعود ﵁ إذا فرغ من
هذه السورة قال: (آمين) . وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في
стр. 320
ليلة كفتاه» . متفق عليه. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» . رواه أحمد. وعن علي ﵁ قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش. رواه ابن مردويه. والله أعلم.
* * *
следующие страницы →