.. ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب (١)
الثاني - أن يثبت لشيء صفة مدح، ثم يُؤتى بعدها بأداة استثناء (٢)
تليها صفة مدح أخرى (والنوع الأول أبلغ) - كقوله
ولا عيب فيه غير أنى قصدته فأنستني الأيام أهلاً وموطنا وكقوله - فتى كملت أوصافه غير أنه جوادٌ فما يبقى من المال باقيا وقد تقوم (لكن) مقام أداة الاستثناء في هذا النوع.
(٢٤) تأكيد الذم بما يشبه المدح (٣)
تأكيد الذّم بما يُشبه المدح: ضربان أيضاً
الأول - أن يُستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء، صفة ذم بتقدير دخولها فيها - كقوله:
خلا من الفضل غير أنِّي أراه في الحمق لا يجارى
ونحو - لا فضلَ للقوم الا أنهم لا يعرفون للجار حقه
ونحو: الجاهل عدوّ نفسه الا أنه صديق السفهاء، ونحو: فلان ليس أهلا للمعروف، إلا أنه يُسيء إلى من يحسن اليه
الثاني - أن يثبت لشيء صفة ذم، ثم يؤتى بعدها بأداة استثناء (٤)
تليها صفة ذم
стр. 282
أخرى، نحو: فلان حسودٌ إلا أنه نمّام، - وكقوله
هو الكلبُ إلاّ أنّ فيه ملالةً وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب
وكقوله: لئيم الطباع سوى أنه جبانٌ يهون عليه الهوان
(٢٥) التوجيه
التوجيه: هو أن يُؤتى بكلام يحتمل معنيين متضادين على السواء كهجاء، ومديح، ودعاء للمخاطب، أم دعاء عليه، ليبلغ القائل غرضه بما لا يمسك عليه، كقول بشَّار في خياط أعور (اسمه عمرو) .
خاط لي عمروٌ قباءً ليت عينيه سواءً
فإنّ دعاءه لا يُعلم، هل له أم عليه
وقوله: كلما لاح وجهه بمكان كثرت زحمة العُيون إلى رُؤيته
ويحكى أن محمداً بن حَزم هنأ (الحسن بن سهل) باتصال بنته (بورَان) التي تنسب اليها الأطبخة البورانية (بالخليفة المأمون العباسي) مع من هنأه، فأثابهم، وحرمه: فكتب إليه إن أنت تماديت على حرماني، قلت فيك «بيتاً لا يعرف» أهو مدح أم ذم، فاستحضره وسأله؟ فأقرَّ، فقال الحسن: لا أعطيك أو تفعل، فقال:
بارك الله للحسن ولبوُران في الختن
يا إمام الهدى ظفر ت ولكن ببنت من؟ ؟
فلم يدر: ببنت من؟ ؟ - أفي العظمة وعلو الشأن ورفعة المنزلة أم في الدناءة والخسة؟ ؟ - فاستحسن الحسن منه ذلك، والخلاصة أنَّ التوجيه نوعان:
الأول: أن يكون الكلام بحيث يصلح لأن يراد به معنيان متضادَّان على السواء.
والثاني: أن يكون الكلام بحيث يشتمل على مجموعة، أو مجموعات من مصطلحات العلوم، أو الفنون، أو الأسماء المتلائمة.
الفرق بين التورية والتوجيه
(أ) التورية: تكون في لفظ واحد.
وأما التوجيه: فيكون في تركيب، أو جملة أسماء متلائمة.
(ب) التورية: يقصد المتكلم بها معنى واحداً: هو البعيد، والنوع الأول من التوجيه: لا يترجح فيه أحد المعنيين على الآخر.
(جـ) لفظ التورية: له معنيان بأصل الوضع
وألفاظ النوع الثاني من التوجيه: ليس لها الا معنى واحد بأصل الوضع، ويكون هو المقصود من الكلام.
(٢٦) نفي الشيء بايجابه
نفى الشيء بايجابه: هو أن ينفى متعلّق أمر عن امرٍ، فيوهم اثباته له، والمراد نفيه عنه أيضاً، نحو قوله تعالى (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) (١)
فانّ نفى إلهاء التجارة عنهم، يوهم إثباتها لهم - والمراد نفيها أيضاً.
стр. 283
(٢٧) القول بالموجب
القول بالموجب: نوعان
الأول - أن يقع في كلام الغير إثبات صفةٍ لشيء وترتيب حكم عليها، فينقل السامع تلك الصفة إلى غير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له أو انتفائه عنه، كقوله تعالى (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (١) فالمنافقون أرادوا بالأعز أنفسهم، وبالأذل المؤمنين، ورتبوا على ذلك الاخراج من المدينة فنقلت صفة العزة للمؤمنين، وأبقيت صفة الأذلية للمنافقين، من غير تعرض لثبوت حكم الاخراج للمتصفين بصفة العزة، ولا لنفيه عنهم والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده بذكر متعلّق له
كقوله: وقالوا قد صفت منّا قلوب لقد صدقوا ولكن عن ودادي
أراد بصفو قلوبهم (الخلوص) ، فحملهُ على الخلو بذكر متعلّقه، وهو قوله «عن ودادي»
(٢٨) ائتلاف اللفظ مع المعنى
إئتلاف اللفظ مع المعنى: هو أن تكون الألفاظ موافقةً للمعاني، فتختار الألفاظ الجزلة، والعبارات الشديدة للفخر والحماسة، وتختار الكلمات الرقيقة، والعبارات اللينة، للغزل والمدح - كقوله:
... إذا ما غضبنا غضبة مضريَّة هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
... إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ذرا منبرٍ صلى علينا وسلّما
وكقوله - ولست بنظار إلى جانب الغني إذا كانت العلياء في جانب الفقرِ
стр. 284
وكقوله - لم يطل ليلى ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ
(٢٩) التفريع
التفريع: هو أن يثبت حكم لمتعلّق أمرٍ، بعد إثباته لمتعلق له آخر كقول الشاعر:
فاضت يداه بالنضار كما فاضت ظباه في الوغى بدمي
وكقوله أحلامُكم لسقام الجهل شافيةٌ كما دماؤكم تشفى من الكلب
(٣٠) الاستتباع
الاستتباع: هو الوصفُ بشيء على وجه يستتبعُ الوصف بشيء آخر، مدحاً أو ذماً.
يعني أنّ الاستتباع هو المدح على وجه يستتبع المدح بأمر آخر، كقوله
ألا أيها المالُ الذي قد ابادهُ تسلَّ فهذا فعله بالكتائب
وكقوله: سمح البديهة ليس يمسك لفظه فكأن ألفاظه من ماله
وكقوله: الحرب نزهته والبأس همته والسيف عزمته والله ناصره
وقيل: إنه يكون أيضاً في الذّم، كقول بعضهم في (قاض) لم يقبل شهادته برؤية هلال الفطر:
أترى القاضي أعمى أم تراه يتعامى
سرق العيد كأنّ الـ عيد أموالُ اليتامى
(٣١) السلب والايجاب (١)
السلب والإيجاب: هو أن يقصد المتكلّم تخصيص شيء بصفة فينفيها عن جميع الناس، ثم
стр. 285
يثبتها له مدحاً أو ذماً، فالمدح - كقول الخنساء
... وما بلغت كف امرىء متناولاً من المجد إلا والذي نلتَ أطول
... ولا بلغ المهدون للناس مدحة وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضلُ
والذّم - كقول بعضهم
... خُلقوا وما خُلقوا لمكرمة فكأنّهم خُلقوا وما خُلقوا
... رُزقوا وما رُزرقوا سماح يد فكأنّهم رزقوا وما رزقوا
(٣٢) الابداع
الإبداع: هو أن يكون الكلام مشتملا على عدَّة أنواع من البديع كقول الشاعر:
فضحكت الحيا والبحر جوداً فقد بكى الـ حيا من حياءٍ منك وألتطَم البحر (١)
стр. 286
(٣٣) الأسلوب الحكيم
أسلوب الحكيم: هو تلقى المخاطب بغير ما يترقّبهُ
(١) إما بترك سُؤله: والاجابة عن سؤال لم يسأله.
(٢) وإما بحمل كلام المتكلم على غير ما كان يقصد ويريد، تنبيهاً على أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى، فمثال الأول: ما فعله القبعثري بالحجاج (١) ، إذ قال له الحجّاج مُتوعِّداً (لأحملنّك على الأدهم) .
يريد الحجّاج: القيد الحديد الأسود: فقال القبعثري «مثلُ الأمير يحمل
على الأدهم
стр. 287
والأشهب» يعني الفرس الأسود، والفرس الأبيض، فقال له الحجاج: أردت (الحديد) ، فقال القبعثري: لأن يكون حديداً خيرٌ من أن يكون بليداً، ومراده تخطئة الحجاج بأن الأليق به الوعد (لا الوعيد) (١)
ومثال الثاني: قوله تعالى (ويسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خيرٍ فللواليدن والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) ، سألوا النبيّ ﵊ عن حقيقة ما ينفقون مالهم، فأجيبوا ببيان طرق إنفاق المال: تنبيهاً على أن هذا هو الأولى والأجدر بالسؤال عنه وقال تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج (٢) وقال ابن حجُاج البغدادي:
قلت: ثَقَّلتُ إذ أتيتُ مراراً قال: ثقلتَ كاهلي بالايادي
قلتُ: طوّلت، قال: أوليت طولا قلتُ: أبرمتُ، قال: حبل وادادي (٣)
فصاحب ابن حجَّاج: يقول له، قد ثقَّلت عليك بكثرة زياراتي، فيصرفه عن رأيه في أدب وظرف، وينقل كلامه من معنى إلى معنى آخر - وكقول الشاعر:
ولما نعى الناعي سألناه خشيةً وللعين خوف البين تسكاب أمطار
أجاب قضى: قلنا قضى حاجة العلا فقال مضى: قلنا بكل فخار
ويحكى: أنه لما توجّه (خالد بن الوليد) لفتح الحيرة، أتى إليه من قبل أهلها رجل ذو تجربة: فقال له (خالد) فيم أنت؟ قال في ثيابي، فقال علام أنت؟ فأجاب على الأرض - فقال كم سنّك؟ قال اثنتان وثلاثون - فقال: أسألك عن شيء، وتجيبني بغيره: فقال: إنّما أجبتك عمّا سألت.
стр. 288
(٣٤) تشابه الأطراف
تشابه الاطراف: قسمان - معنوي ولفظي
فالمعنوي: هو أن يختم المتكلم كلامه بما يناسب ابتداءه في المعنى كقوله:
ألذّ من السحر الحلال حديثهُ وأعذب من ماء الغمامة ريقُهُ
فالريق: يناسب اللذة في أول البيت واللفظي نوعان -
الأوّل - أن ينظر الناظم أو الناثر إلى لفظة وقعت في آخر المصراع الأول أو الجملة، فيبدأ بها المصراع الثاني، أو الجملة التالية، كقوله تعالى: «مثل نوره كمشكاة فيها مصباحٌ المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريٌ» وكقول أبي تمام:
هوى كان خلساً إن من أبرد الهوى هوى جلت في أفيائه وهو خامل
الثاني - أن يعيد الناظم: لفظة القافية من كل بيت في أول البيت الذي يليه، كقوله:
رمتني وستر الله بيني وبينها عشية آرام الكناس رميمُ
رميمُ التي قالت لجيران بيتها ضمنت لكم ألا يزال يهيمُ
وكقوله:
اذا نزل الحجاج أرضاً مريضة تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضال الذي بها غلام إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فروَّاها بشرب سجالها دماء رجال حيث مال حشاها
(٣٥) العكس
العكسُ: هو أن تقدِّم في الكلام جُزءاً ثم تعكس: بأن تُقدِّم ما أخرت، وتؤخر ما قدّمت، ويأتي على أنواع
١- أن يقع العكس بين أحد طرفي جملة، وما أضيف إليه ذلك الطرف، نحو: كلام الملوك ملوك الكلام - وكقول المتنبي
إذا أمطر منهم ومنك سحابة فوابلهم طل وطَلُّكَ وابلُ
ب - أن يقع العكس بين متعلقي فعلين في جملتين، كقوله تعالى:
«يُخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي»
стр. 289
جـ - أن يقع العكس بين لفظين في طرفي الجملتين، كقوله تعالى: (لاهُنَّ حلٌّ لهم، ولا هم يحلّون لهنَّ) .
د - أن يقع العكس بين طرفي الجملتين، كقول الشاعر
... طويت بإحراز الفنون ونيلها رداء شباب والجنون فُنونُ
... فحين تعاطيت الفنون وحظها تبيَّن لي أن الفنون جنون
هـ - أن يكون العكس بترديد مصراع البيت معكوساً، كقول الشاعر:
... إنَّ للوجد في فؤادي تراكمُ ليت عيني قبل الممات تراكمُ
... في هواكم يا سادتي متّ وجدا مت وجداً يا ساداتي في هواكمُ
(٣٦) تجاهل العارف
تجاهل العارف: هو سؤال المتكلم عمَّا يعلمه حقيقة، تجاهلاً منه لنكتة، كالتوبيخ، في قوله:
أيا شجر الخابور مالك مورقاً كأنك لم تجزع على ابن طريف
أو المبالغة في المدح، كقول البحتري
... ألمعُ برق سرى أم ضوء مصباح؟ ؟ أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
أو المبالغة في الذّم، كقول زهير
... وما أدرى وسوف إخالُ أدري أقومٌ آلُ حصنٍ أم نساء؟ ؟
أو التعجّب، نحو: (أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تُبصرون) إلى غير ذلك من الأغراض البديعية التي لا تحصّى
تمرين
بين الأنواع البديعية فيما يلي:
(١) قال بعضهم في وصف إبل (١)
صلبُ العصا بالضرب قد أدماها تودُّ أن الله قد أفناها
(٢) وقيل في وصف إبل هزيلة (٢)
كالقسيِّ المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار.
стр. 290
(٣) وللغزالة شيء من تَلفُّته ونورها من ضيا خدّيه مُكتسب (١)(٤) أفنى جيوش العِدا غزواً فلست ترى سوى قتيل ومأسور ومنهزم (٢)(٥) ولا عيب فيهم غير أنّ ذوي الندى خساسٌ إذا قيسوا بهم ولئام (٣)(٦) على رأس عبد تاج عز يزينُهُ وفي رجل حُرّ قيدُ ذُلٍ يشينُه (٤)(٧) إذا لم تفض عينيَّ العقيق فلا رأت منازله بالقرب تبهى وتبهُرُ (٥)
تمرين آخر
(١) فلا الجودُ يفنى المال والجد مقبلٌ ولا البخل يبقى المال والجدُ مدبر (٦)(٢) رحم الله من تصدَّق من فضل أو آسى من كفاف، أو آثر من قُوتِ (٧)(٣) رأى العقيق فأجرى ذاك ناظرُهُ متيمٌ لجَّ في الأشواق خاطرهُ (٨)(٤) آراؤكم ووُجوهكم وسيوفكم في الحادثات إذا دجونَ نجوم (٩)(٥) ما زلزلت مصر من كيد ألمّ بها لكنّها رقصت من عدلكم طربا (١٠)(٦) أراعي النجم في سيرى اليكم ويرعاه من البيدا جوادي (١١)
جاءني ابني يوماً وكنت أراه لي ريحانة ومصدر أُنس
стр. 291
قال ما الرُّوح؟ قلت إنّك روحي قال ماالنفسُ؟ قلت إنك نفسي
تطبيق عام على البديع المعنوي
... ... ياسيدا حاز لطفا له البرايا عبيدُ
... ... أنت الحسين ولكن جفاك فينا يزيدُ
في هذا الكلام تورية، مهيَّأة بلفظ قبلها، فان ذكر «الحسين» لازم لكون «يزيد» اسما بعد احتمال الفعل المضارع الموري عنه
... حُماة في بهجتها جنَّة وهي من الغمّ لنا جنّة
... لا تيأسوا من رحمة الله فقد رايتم العاصي في الجنة
في هذا الكلام تورية مرشحة، فان ذكر الرحمة ترشيح للفظ العاصي الموري به الذي هو من العصيان، والموري عنه النهر المعروف الذي عبر حماه.
فان ضيعتُ فيه جميع مالي فكم من لحية حلقت بموسى
فيه التورية المرشحة، بذكر اللحية والحلق، وهما يناسبان المورى به وهو «موسى الحديد» والمورى عنه الاسم المذكور.
يا عذولي في مغنّ مطرب حرك الأوتار لما سفرا
لم تهز العطف منه طربا عند ما تسمع منه وترا
فيه تورية في لفظ «وترا» فانَّ معناه البعيد المراد هو الرؤية، والقريب أحد الأوتار - ولفظ «تسمع» هيّأ قوله «وتراً» للتورية بالرؤية.
سألته عن قومه فانثنى يعجب من افراط دمعي السخي
وأبصر المسك وبد الدُّجى فقال ذا خالي وهذا أخي
فيه تورية في لفظ «خالي» فمعناه البعيد المراد، النقطة السوداء في الخد، والقريب أخ الأم، ولفظة «أخي» هي التي هيّأت خالي للتورية - وهي بعيدة.
وساقية تدور على الندامى وتنهرهم لسرعة شرب خمر
سنشكر يوم لهو قد تقضَّى بساقية تقابلنا بنهر
«الساقية» امرأة تسقى الراح، وهذا هو المعنى القريب - أو ساقية الماس وهو المعنى البعيد، وكل منهما مذكور للتورية في صاحبه، ومُهيِّىء لها فيه.
стр. 292
الباب الثاني في المحسنات اللفظية
(١) الجناس (١)
الجناسُ: هو تشابه لفظين في النطق، واختلافهما في المعنى وهو ينقسم إلى نوعين: لفظي - ومعنوي:
стр. 293
أنواع الجناس اللفظي
(١) منها - الجناس التّام: وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أربعة أشياء، نوع الحروف، وعددها، وهيئآتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها مع اختلاف المعنى.
فان كان اللفظان المتجانسان من نوع واحد: كاسمين، أو فعلين، أو حرفين سمى: الجناس (مماثلاً (١) ومستوفياً) - نحو: (ويوم تقوم الساعة يقسمُ المجرمون ما لبثوا غير ساعة) فالمراد بالساعة الأولى يوم القيامة، وبالساعة الثانية المدة من الزمان، ونحو: رحبة رحبة:
فرحبة الأولى: فناء الدار، ورحبة الثانية: بمعنى واسعة
وإن كانا من نوعين: كفعل واسم، سُمِّي: الجناس مستوفياً، نحو إرع الجار ولو جار - وكقول الشاعر
... ما مات من كرم الزَّمان فإنَّه يحيا لدى يحيى بن عبد الله
فيحيا الأول فعل مضارع، يحيى الثاني اسم الممدوح، ونحو:
... إذا رماك الدهر في معشر قد أجمع الناسُ على بغضهم
... فدارهم ما دُمت في دارهم وأرضهم ما دُمت في أرضهم
والجناس التام: ممّا لا يتفق للبليغ إلا على ندور وقلة: فهو لا يقع موقعه من الحسن حتى يكون المعنى هو الذي استدعاه وساقهُ، وحتى تكون كلمتهُ ممّا لا يبتغي الكاتب منها بدلاً، ولا يجد عنها حولا.
ومنها الجناس غير التام: وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد أو أكثر من الأربعة السابقة (ويجب ألا يكون بأكثر من حرف) واختلافهما: يكون إمّا بزيادة حرف
(في الأول) نحو: دوام الحال من المحال.
أو (في الوسط) نحو: جدّي جهدي
أو (في الآخر) نحو: الهوى مطية الهوان
والأول يسمى «مردوفاً» ، والثاني يُسمى «مكتنفاً» والثالث «مطرّفاً» كقوله تعالى (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون) - وكقول الشاعر:
فان حلّوا فليس لهم مقرٌّ وإن رحلُوا فليس لهم مفرُّ
وكقوله ﵇ (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) ومن اختلاف أعدادها، قولك: هذا بناء ناء ٍ، ومن اختلاف ترتيب الحروف، قوله (في حسامه فتح لأوليائه، وحتفٌ لأعدائه) - ومن هذا: قول الأحنف:
حُسامُك فيه للأحباب فتحٌ ورُمحكَ فيه للأعداء حتفُ
ومن اختلاف الهيئة، قول الشاعر:
الجَدّ في الجد والحِرمان في الكسل فانصب تُصب عن قريب غاية الأمل
(٢) ومنها الجناس المطلق - وهو توافق رُكنيه في الحروف وترتيبها بدون أن يجمعهما اشتقاق ٌ، كقوله ﷺ (أسلم) سالمها الله (وغفارٌ) غفر الله لها، (وعصيّة) عصت الله ورسوله، فان جمعهما اشتقاق - نحو (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) فقيل: يُسمى جناس الاشتقاق (٢)
стр. 294
(٣) ومنها - «الجناس المُذيَّل» - «والجناس المطرَّف» ، فالأول: يكون الاختلاف بأكثر من حرفين في آخره والثاني: يكون الاختلاف بزيادة حرفين في أوله. فالجناس المذيل - كقول أبي تمام:
يمدون من أيدٍ عواص عواصم ٍ تصول بأسياف قواض قواضبِ
والجناس المُطرَّف - كقول الشيخ عبد القاهر:
... وكم سبقت منه إلى عوارف ثنائي على تلك العوارف وارف
... وكم غرر من بره ولطائف لشكري على تلك اللطائف طائفُ
ومنها - «الجناس المضارع» - «والجناس اللاحق» فالجناس المضارع: يكون باختلاف ركنيه في حرفين، لم يتباعدا مخرجاً إما: في الأول - نحو: ليلٌ دامسٌ، وطريق طامس وإما في الوسط - نحو: (وهم ينهون عنه، وينأون عنه) وإما: في الآخر - نحو قوله ﷺ (الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) والجناس اللاحق: يكون في متباعدين إما في الأول - نحو: (همزة لمزة) وإما في الوسط - نحو: (إنه على ذلك لشهيد، وإنه
стр. 295
لحب الخير لشديدٌ) وإما في الآخر - نحو قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) .
(٥) ومنها - «الجناس اللفظي» - وهو ما تماثل ركناه لفظاً، واختلف أحد (ركنيه) عن الآخر خطّاً - إما الاختلاف في الكناية (بالنون والتنوين) وإما الاختلاف في الكتابة (بالضاد والظاء - أو الهاء والتاء) فالأول - (وهو ما تماثل ركناه لفظاً، واختلف أحدُ ركنيه عن الآخر خطاً في الكتابة بالنون والتنوين) قوله:
أعذبُ خلق الله نطقاً (وفماً) ان لم يكن أحقّ بالحُسن (فمن)
مثل الغزال نظرةً ولفتةً من ذا رآه مقبلا ولا افتتن
والثاني - (وهو اختلاف أحد (ركنيه) في الضاد والظاء، نحو قوله تعالى «وجوه يومئذ (ناضرةٌ) إلى ربها (ناظرة) » - وكقول أبي فراس:
ما كنت تصبر في القديـ م فلم صبرت الآن عنّا
ولقد ظننت بك الظنون لأنه من (ضن ظنّا)
والثالث (وهو اختلاف أحدرُ كنيه في الهاء - والتاء) - كقوله
إذا جلست إلى قوم لتؤنسهم بما تحدّث من ماض ومن آت
فلا تعيدن حديثاً إنّ طبعهمو موكلٌ (بمعاداة المعادات)
(٦) ومنها - الجناس المُحرِّف - و «الجناس المُصحَّف» فالأول - ما اختلف ركناه في هيآت الحروف الحاصلة من حركاتها وسكناتها، نحو: جبة البرد جنة البرد والثاني - ما تماثل ركناه وضعاً، واختلفا نقطاً، بحيث لو زال إعجام أحدهما لم يتميز عن الآخر - كقول بعضهم: غرك عزُّك، فصار قصارى ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهتدي
ونحو: إذا زلّ العالم، زلَّ بزلّته العالم - وكقول أبي فراس
من بحر شعرك أغترف وبفضل علمك أعترف
(٧) ومنها - الجناس المركّب - «والجناس الملفق» فالأول - ما اختلف (ركناه) إفراداً وتركيباً فان كان من كلمة وبعض أخرى، سُمى (مرفُوّاً) - كقول الحريري:
ولا تلهُ عن تذكار ذنبك وابكه بدمع يضاهى المزن حال «مصابه»
ومثّل لعينيك الحمام ووقعه وروعة ملقاه ومطعم «صابه»
وان كان من كلمتين - فان اتفق الركنان خطاً سُمِّي (مقرونا) - كقوله:
стр. 296
إذا ملك لم يكن «ذاهبه» فدعه فدولته «ذاهبه»
وإلا سمى (مفروقا) - كقوله
لا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تكن بالغت في «تهذيبها»
فاذا عرضت الشعر غير مُهذّب عدوه منك وساوساً «تهذى بها»
والثاني - وهو الجناس المُلفّق: يكون بتركيب الركنين جميعاً - كقوله:
وليت الحكم خمساً وهي خمس لعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر «شاني» ولا قالوا فلان قد «رشاني»
(٨) ومنها - (جناس القلب) وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب الحروف، نحو: حسامه فتحٌ لأوليائه، وحتفٌ لأعدائه، «ويسمى قلب كلٍّ» لانعكاس الترتيب، ونحو: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، ويسمى (قلب بعض) ونحو: رحم الله امرأ، أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه.
وإذا وقع أحد المتجانسين في أول البيت، والآخر في آخره، سمى (مقلوباً مجنحاً) كأنه ذو جناحين - كقوله:
«لاح» انوارُ الهدى من كفّه في كل «حال»
وإذا ولى أحد المتجانسين الآخر قيل له «المزدوج» وإن كان التركيب بحيث لو عكس حصل بعينه (فالمستوى) وهو أخص من (المقلوب المجنح) ويسمى أيضاً «ما لا يستحيل بالانعكاس» نحو (كل في فلك) ونحو (وربك فكبر) ، وبعد: فلا يخفى على الأديب، ما في الجناس من الاستدعاء لميل السامع، لأن النفس ترى حسن الإفادة، والصورة صورة تكرار وإعادة ومن ثم تأخذها الدهشة والاستغراب ولأمرٍ ما، عُدّ الجناس من حُلى الشعر.
أنواع الجناس المعنوي
الجناس المعنوي نوعان: جناس إضمار - وجناس إشارة
(أ) «فجناس الاضمار» أن يأتي بلفظ يحضرب في ذهنك لفظاًَ آخر وذلك اللفظ المحضر يراد به غير معناه، بدلالة السياق - كقوله:
«منعم» الجسم تحكى الماء رقَّته وقلبه «قسوة» يحكى ابا أوس
(وأوس) شاعر مشهور من شعراء العرب، واسم أبيه حجر، فلفظ أبي «أوس» يحضر في الذهن اسمه، وهو (حجر) ، وهو غير مراد، وإنما المراد: الحجر المعلوم -
стр. 297
وكان هذا النوع في مبدئه مستنكراً، ولكنّ المتأخرين ولعوا به، وقالوا منه كثيراً، فمن ذلك قول البهاء زهير:
وجاهل طال به عنائي لازمني وذاك من شقائي
أبغض للعين من الأقذاء أثقل من شماتة الأعداء
فهو إذا رأته عين الرائي أبو معاذ أو أخو الخنساء
(ب) «وجناس الإشارة» هو ما ذكر فيه أحد الركنين، واشير للآخر بما يدل عليه - وذلك إذا لم يساعد الشعر على التصريح به - نحو:
يا «حمزة» اسمح بوصلٍ وامُنن علينا بقُربِ
في ثغرِ: اسمك أضحى مصحّفاً وبقلبي
فقد ذكر الشاعر أحد المتجانسين: وهو (حمزة) ، وأشار إلى الجناس فيه، بأن مصحَّفة، في ثغره، أي (خمرة) وفي قلبه، أي (جمرة) وبعد فاعلم أنه لا يستحسن الجناس، ولا يعدّ من أسباب الحسن، إلا إذا جاء عفواً، وسمح به الطبع من غير تكلف، حتى لا يكون من أسباب ضعف القول وانحطاطه، وتعرض قائله للسخرية والاستهزاء.
(٢) التصحيف
التصحيف: هو التشابه في الخط بين كلمتين فأكثر: بحيث لو أزيل أو غيرت نقط كلمة، كانت عين الثانية، نحو التخلي، ثم التحلّي، ثم التَّجلّي.
(٣) الازدواج
الازدواج: هو تجانس اللفظين المجاورين، نحو: من جدّ وجدَ، ومن لج ولج.
(٤) السجع
السجعُ: هو توافق الفاصلتين (١) في الحرف الأخير من (النثر) وأفضلهُ: ما تساوت فقره - وهو ثلاثة أقسام:
أولها - (السجع المطرف) وهو ما اختلفت فاصلتاه في الوزن، واتفقنا في التقفية، نحو قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً) ، ونحو قوله تعالى «ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً»
ثانيها - (السجع المُرصَّع) : وهو ما اتفقت فيه ألفاظ إحدى الفقرتين أو أكثرها في الوزن والتّقفية،
стр. 298
كقول الحريري، هو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه (١) وكقول الهمذاني: إن بعد الكدر صفواً، وبعد المطر صحواً.
ثالثها - (السجع المتوازي) : وهو ما اتفقت فيه الفقرتان في الوزن والتقفية نحو قوله تعالى (فيها سرر مرفوعة وأكوابُ موضوعة) لاختلاف سُرر، وأكواب، وزناً وتقفية، ونحو قوله تعالى (والمُرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً) لاختلاف المرسلات، والعاصفات وزناً فقط ونحو: حسدَ الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت - لاختلاف ما عدا الصَّامت، والشامت: تقفية فقط.
والأسجاع مبنية على سُكون أواخرها، وأحسن السجع ما تساوت فقرهُ، نحو قوله تعالى (في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود) ، ثم ما طالت فقرته الثانية، نحو قوله تعالى (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) ثم ما طالت ثالثته، نحو قوله تعالى (النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهودٌ) ولا يحسن عكسه، لأن السامع ينتظر إلى مقدار الأول، فاذا انقطع دونهن أشبه العثار (٢) ، ولا يحسن السجع إلا إذا كانت المفردات رشيقة، والألفاظ خدم المعاني، ودلّت كل من القرينتين على معنى غير ما دلّت عليه الأخرى، وحينئذ يكون حلية ظاهرة في الكلام.
والسجع: موطنه النثر، وقد يجىء في الشعر نادراً: كقوله:
فنحن في جزل والروم في وجل والبر في شغلٍ والبحر في خجل
ولا يستحسن اسجع أيضاً إلا إذا جاء عفواً، خالياً من التكلف والتصنع، ومن ثم لا تجد لبليغ كلاماً يخلو منه، كما لا تخلو منه سورة وإن قصرت.
(٥) الموازنة
الموازنة: هي تساوى الفاصلتين في الوزن دون التقفية، نحو قوله تعالى: (ونمارق مصفوفة وزرا بي مبثوثة) فان مصفوفة ومبثوثة متفقتان في الوزن، دون التقفية، ونحو قول الشاعر:
أفاد َ فساد وقاد فزاد وساد فجادَ وعادَ فأفضلَ
стр. 299
(٦) الترصيع
الترصيع: هو توازن الألفاظ، مع توافق الأعجاز، أو تقاربها - مثال التوافق: نحو قوله تعالى: «إن الأبرار لفي نعيمٍ، وإن الفجّار لفي جحيمٍ»
ومثال التقاربُ: نحو قوله تعالى: «وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم»
(٧) التشريع
التشريعُ: هو بناء البيت على قافيين، يصحّ المعنى عند الوقوف على كلّ منهما - كقول الشاعر:
يا خاطبَ الدُّنيا الدَّنية إنّها شركُ الردى وقرارة الأقذار
دارٌ متى ما أضحكت في بومها أبكت غداً تباً لها من دار
وإذا أظلَّ سحَابها لم ينتفع منه صدى لجهامه الغرَّار
غاراتها لا تنقضى وأسيرُها لا يُفتدى بجلائل الأخطار
فتكون هذه الأبيات من (بحر الكامل) ويصح أيضاً الوقوف على الرّدَى وغدا، وصدَى، ويفتدَى، ونكون إذاً من (مجزوء الكامل) وتُقرأ هكذا
يا خاطبَ الدُّنيا الدَّنية إنها شركُ الردَى
دارٌ متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا
وإذا أظل سحابُها لم ينتفع منه صدَى
غاراتها لا تنقضى وأسيرَها لا يُفتدى
وكقوله: يأيّها الملك الذي عمّ الورى ما في الكِرام له نظيرٌ يُنظر
لو كان مثلك آخر في عصرنا ما كان في الدنيا فقيرٌ مُعسر
إذ يمكن أن يُقال أيضاً في هذين البيتين
يأيها الملك الذي ما في الكرام له نظير
لو كان مثلك آخرٌ ما كان في الدنيا فقيرُ
(٨) لزوم ما لا يلزم
لزومُ ما لا يَلزمُ: هو أن يجىء قبل حرف الرَّويِّ، أو ما في معناه من الفاصلة، بما ليس بلازم في
стр. 300
التقفية، ويُلتزم في بيتين أو أكثر من (النظم) أو في فاصلتين أو أكثر من (النثر) نحو قوله تعالى (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) - وكقول الطغراني في أول لاميَّته المشهورة:
أصالةُ الرّأي صانتني عن الخطل وحِلية الفضلِ زانتني لدى العطلِ
وكقوله: يا مُحرقاً بالنار وجه محبه مهلا فان مدامعي تطفيه
احرق بها جسدي وكل جوارحي واحرص على قلبي فانّك فيه
وقد يلتزمُ أكثرُ من حرف: كقوله
كُل واشرب الناس على خبرة فهم يمرُّونَ ولا يُعذَّبون
ولا تُصدِّقهم إذا حدّثُوا فإنّهم من عهدهم يكذبون
(٩) رد العجز على الصدر
(١) رد العجزُ على الصَّدر: (في النثر) هو أن يُجعلَ أحدُ اللّفظين المُكرّرين، أو المُتجانسين، أو المُلحقين بهما «بأن جمعهما اشتقاق او شبهُ» في أول الفقرة، ثم تعادُ في آخرها، كقوله تعالى (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاهُ) - وقولك: «سائل» اللئيم يرجع؟ ودمعه «سائل» فسائل الأول: من السؤال، وسائل الثاني: من السَّيلان ونحو قوله تعالى (استغفروا ربكم إنهُ كانَ غفَّاراً) واللّذان يجمعهما شبه اشتقاق - نحو قوله تعالى (قال إني لعملِكم من القالين)
(ب) رد العجز على الصدّر: (في النظم) هو أن يكون أحدهما في آخر البيت، والآخر يكون، إمّا - في صدر المصراع الأوّل، أو في حشوه، أو في آخره (١)
وإمّا - في صدر المصراع الثاني - نحو قوله:
سريعٌ إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع
وقوله - تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
стр. 301
وقوله - ذوائب سُود كالعناقيد أرسلت فمن أجلها منّا النفوس ذوائب
(١٠) ما لا يستحيل بالانعكاس
مالا يستحيل بالأنعكاس: هو كون اللفظ يقرا طرداً - وعكساً نحو: كن كما أمكنك - (وربك فكبر) ، وكقوله:
مودته تدوم لكل هولٍ وهل كل مودته تدوم
(١١) المواربة
المُواربة: هي أن يجعل المتكلم كلامه بحيث يمكنه أن يغير معناه بتحريف، أو تصحيف، أو غيرهما، ليسلم من المؤاخذة - كقول أبي نواس.
لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع عقدٌ على خالصه
فلمّا أنكر عليه (الرشيد) ذلك، قال (أبو نُواس) : لم اقل إلا
لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء عقد على خالصه
(٢١) ائتلاف اللفظ مع اللفظ
إئتلاف اللفظ مع اللفظ: هو كونُ ألفاظ العبارة من وَادٍ واحد في الغرابة والتأمل - كقوله تعالى (تالله تفتأ تذكر يُوسفُ) لما أتى (بالتَّاء) التي هي أغرب حروف القسم، أتى «بتفتأ» التي هي أغربُ أفعال الاستمرار.
(٢٢) التسميط
التسميط: هو أن يجعل الشاعر بيته على أربعة أقسام
على سجع واحد، بخلاف قافية البيت - كقول جنوب الهذلية وحرب وثغرٍ سددتَ وعلج شددت عليه الحبالا وقوله: في ثغره لعس عبسٌ في قدّه ميسٌ في جسمه ترف.
стр. 302
(٢٣) الانسجام أو السهولة
الانسجام أو: السهولة: هو سلامة الألفاظ، وسهولة المعاني مع جزالتهما وتناسبهما - كقول الشاعر:
ما وهب الله لامرىء هبةً أفضل من عقله ومن أدبه
هما كمالُ الفتى فان فُقدا ففقدُه للحياة أليقُ به
(٢٤) الاكتفاء
الاكتِفاء: هو ان يحذف الشاعر من البيت شيئاً، يُستغنى عن ذكره، بدلالة العقل عليه - كقول الشاعر:
فإنّ المنيَّة من يخشها فسوف تصادُمه أينما
أي أينما توجه (١)(٢٥) التطريز
التطريز: هو أن يكون صدر النَّثر أو الشعر مُشتملا على ثلاثة أسماء مختلفة المعاني، ويكون العجزُ صفةً متكرّرة بلفظ واحد - كقول القائل:
وتسقيني وتشربُ من رحيق خليقٍ أن يُلقب بالخلُوق
كأنّ الكأس في يدها وفيها عقيق في عقيق في عقيق
стр. 303
نموذج
بين ما في الأبيات الآتية من المُحسنات اللفظية
(١) عضّنا الدهر بنابه ليت ما حلّ بنابه (١)(٢) إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي (٢)(٣) لئن أخطأتُ في مديحك ما أخطأت في منعي (٣)
لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع
(٤) وفي الحديث (اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط مُمسكا تلفاً (٤)(٥) قد بلينا في عصرنا بأناس يظلمون الأنام ظلماً عمّا (٥)
يأكلون التراث أكلا لمَّا ويحبون المال حُباً جمّا
(٦) وإن أقرّ على رق أنامله أقر بالرق كتاب الأنام له (٦)
стр. 304
خاتمة
في السرقات الشعرية وما يتبعها
السَّرقةُ - هي أن يأخذَ الشخص كلام الغير، وينسبه لنفسه وهي ثلاثة أنواع: نسخٌ، ومسخٌ، وسلخٌ.
(أ) النَّسخ: ويسمى انتحالاً أيضاً - هو أن يأخذ السارق اللفظ والمعنى معاً، بلا تغيير ولا تبديل، أو بتبديل الألفامظ كلّها، أو بعضها بمرادفها، وهذا مذموم، وسرقة محضة - كما فعل عبد الله بن الزبير بقول مُعن بن أوس (١)
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركبُ حد السف من أن تضميه إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وأمّا تبديل الألفاظ بمُرادفها - كما فعل بقول الحطيئة
دع المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعد فانك أنت الطاعم الكاسيِ
فقال الآخر:
زُرَا المآثر لا تذهب لمطلبها واجلس فانك أنت الآكل اللابس
وقريب منه: تبدّل الألفاظ بضدّها، مع رعاية النظم والترتيب كما فعل بقول حسان ﵁.
بيض الوجوه كريمةٌ أحسابُهم شم الأنوف من الطراز الأول
فقال غيره:
سود الوجوه لئيمةٌ أحسابهم فطس الأنوف من الطراز الآخر
(ب) والمسخ - أو الإغارة: هو أن يأخذ بعض اللفظ، أو يغير بعض النّظم، فان امتاز الثاني بحسن السبك فممدوح، نحو قول الآخر:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
مع قول غيره:
من راقب الناس مات همّا وفاز باللّذات الجسور
стр. 305
فان الثاني أعذب وأخصر، وان امتاز الأول فقط فالثاني مذموم وان تساويا فالثاني لا يذم ولا يمدح، والفضل للسابق.
(جـ) والسلخُ - ويسمى إلماماً ن وهو أن يأخذ السارق المعنى وحده فان امتاز الثاني فهو أبلغ - نحو قول الشاعر:
هو الصنع أن يعمل فخير وان يرث فللرّيثُ في بعض المواضع أنفع
مع قول غيره:
ومن الخير بطء سيبك عنى اسرع السّحب في المسير الجهام
وان امتاز الأول: فالثاني مذموم، وان تماثلا فهو أبعد عن الذم - كقوله
ولم يك أكثر الفتيان مالا ولكن كان أرحبهم ذراعا
مع قول الآخر:
وليس بأوسعهم في الغنى ولكن معروفه أوسع
ويتصل بالسرقات الشعرية: ثمانية أمور، الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحلّ، والتّلميح، والابتداء، والتّخلّص، والانتهاء.
(١) الاقتباس - هو أن يضمّن المتكلم منثوره، أو منظومه، شيئاً من القرآن، أو الحديث، على وجه لا يشعر بأنه منهما، فمثاله من (النثر) (فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب) ، حتى أنشد فأغرب، ونحو قول الحريري، أنا أنبئكم بتأويله، وأميز صحيح القول من عليله - وكقول عبد المؤمن الأصفهاني - لا تغرنّك من الظلمة كثرة الجيوش والأنصار «إنما نؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار» - ومثاله من (الشعر) قوله (١)
وثغر تنضّد من لؤلؤ بألباب أهل الهوى يلعب
стр. 306
إذا ما ادلهمّت خطوب الهوى يكاد سنا برقه يذهب
وكقول الشاعر الآخر:
ان كنت أزمعت على هجرنا من غير ما جرمٍ فصبرٌ جميل
وان تبدّلت بنا غيرنا فحسبنا الله ونعم الوكيل
وكقول القائل الآخر:
لا تكن ظالماً ولا ترض بالظلم وأنكر بكل ما يستطاع
يوم يأتي الحساب ما لظلوم من حميم ولا شفيع يطاع
وكقول بعضهم:
ان كانت العشاق من أشواقهم جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
وكقول الشاعر:
ارحلوا فلستُ مسائلا عن دارهم «أنا باخعٌ نفسي على آثارهم»
وكقول الآخر:
ولاح بحكمتي نور الهدى في ليالٍ للضلالة مدلهمّه
يريد الجاهلون ليطفئوه ويأبى الله إلا أن يتمَّه
ومثاله من الحديث في (النثر) قول الحريري: شاهت الوجوه، وقبح اللكع ومن يرجوه - وكقول الحريري أيضاً، وكتمان الفقر زهاده، و «انتشار الفرج بالصبر» عباده، ومثاله من الحديث في (الشعر) ، قول الشاعر:
قال لي إن رقبي سيء الخُلق فداره
قلت دعني وجهك «الجـ نة حُفَّت بالمكاره»
وكقول الشاعر الآخر:
فلو كان الأخلاق تحوى وراثة ولو كانت الأراء لا تتشعبُ
لأصبح كل الناس قد ضمّهم هوى كما أن كل الناس قد ضمّهم أب
стр. 307
ولكنها الأقدار «كل ميسرٌ لما هو مخلوق له» ومُقرّبُ
وكقول القائل:
لا تعادِ الناس في أوطانهم قلّما يرعى غريبُ الوطن
وإذا ما شئت عيشاً بينهم خالق الناس بخلقٍ حسنِ (١)(٢) والتضمين - هو أن يضمن الشاعر كلامه (شيئاً من مشهور شعر الغير) مع التنبيه عليه (٢) إن لم يكن مشهوراً لدى نقّاد الشعر، وذوي اللُّسن، وبذلك يزداد شعرهُ حسناً - كقوله الصاحب بن عبّاد:
أشكو إليك زماناً ظل يعرُ كني عرك الأديم، ومن يعدو على الزمنِ
وصاحباً كنتُ مغبوطاً بصُحبته دهراً فغادرني فرداً بلا سكن ِ
وباع صفو ودادٍ كنت أقصُره عليه مُجتهداً في السِّر والعلَن
كأنه كان مطويّا على إحن ِ ولم يكن في قديم الدهر أنشَدني
(إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن)
وكقوله:
стр. 308
إذا ضاق صدري وخفتُ العدا تمثلتُ بيتاً بحالي يليقُ
فبالله أبلغ ما أرتجى وبالله ادفع مالا أطيق
وكقول الحريري: يحكى ما قاله الغلام الذي عرضه (أبو زيد) للبيع:
على أنى سأنشد عند بيعي أضاعوني وأي فتى أضاعوا
فالمصراع الأخير (للعرجي) وهو محبوس - وأصله
اضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهةٍ وسدادِ ثغرِِ
وصبر عند مُعترك المنايا وقد شُرعت أسنتها بنحري
(٣) والعقد - هو (نظم النثر) مطلقاً لا على وجه الاقتباس، ومن شروطه أن يؤخذ (المنثور) بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد الناظم فيه وينقص، ليدخل في وزن الشعر - فعقد القرآن الكريم، كقوله:
أنلني بالذي استقرضتَ خطا وأشهد معشراً قد شاهدوه
فان الله خلاّق البرايا عنت لجلال هيبته الوجوه
يقول «إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه»
وعقد الحديث الشريف، كقوله:
إن القلوبَ لأجنادٌ مجندة بالأذن من ربّها تهوى وتأتلفُ
стр. 309
فما تعارف منها فهو مُؤتلفٌ وما تناكر منها فهو مختلف
وكقوله:
واستعمل الحلم واحفظ قول بارئنا سبحانه خلق الانسان من عجل
(٤) والحل - هو (نثر النظم) وإنما يقبل إذا كان جيد السبك، حسن الموقع - كقوله:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصّدق من يعتاده من توهُّم (١)(٥) والتلميح - هو الاشارة إلى قصة معلومة، أو شعر مشهور أو مثل سائر، من غير ذكره، فالأول: وهو الاشارة إلى قصة معلومة - نحو
يابدر أهلكَ جاروا وعلّموك التَجرى وقبحوا لك وصلى
وحسنّوا لك هجري فليفعلوا ما أرادوا فانّهم أهل بدر
وكقوله تعالى (هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل) أشار (يعقوب) في كلام هنا لأولاده بالنسبة إلى خيانتهم السابقة في أمر أخيهم (يوسف) - ونحو قول الشاعر:
فو الله ما أدرى أأحلام نائم ألَمّت بنا أم كان في الركب (يوشع (٢))
والثاني - وهو الاشارة إلى شعر مشهور - نحو قول الشاعر
لعمرو مع الرَّمضاء والنار تلتظى أرقُ وأحفى منك في ساعة الكرب
стр. 310
إشارة إلى قول الآخر:
ألمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
والثالث - وهو الاشارة إلى مثل سائر من غير ذكره - نحو قول الشاعر:
من غاب عنكم نسيتموه وقلبه عندكم رهينه
أظنّكم في الوفاء ممّن صُحبته صُحبة السّفينه
(٦) وحسن الابتداء، أو براعة المطلع: هو أن يُجعل أول الكلام رقيقاًُ سهلاً، واضح المعاني، مُستقلا عمّا بعده، مناسباً للمقام، بحيث يجذب السامع إلى الاصغاء بكلّيته، لانه أول ما يقرع السمع، وبه يُعرف ممّا عنده قال ابن رشيق: إن حسن الافتتاح داعية الانشراح، ومطية النجاح - وذلك كقول الشاعر:
المجد عوفى إذ عوفيتَ والكرم وزال عنك إلى أعدائك السَّقم
وتزداد براعة المطلع حسناًَ، إذا دلت على المقصود باشارة لطيفة وتسمى براعة استهلال (١) وهي أن يأتي الناظم، أو الناثر: في ابتداء كلامه بما يدلّ على مقصوده منه، بالاشارة - لا بالتصريح، كقول (ابي محمد الخازن) مُهنّأ (الصاحب ابن عباد) بمولود
بُشرى فقد أنجز الاقبال ما وعدا وكوكب المجد في أفق العلا صعدا
وكقول غيره: في التهنئة ببناء قصر
قصر عليه تحيّة وسلام خلعت عليه جمالها الأيام
وكقول المرحوم (أحمد شوقي بك) في الرثاء.
أجلٌ وان طال الزمان موافى أخلى يديك من الخليل الوافي
وكقول آخر في الاعتذار:
لنار الهم في قلبي لهيبُ فعفواً أيها الملك المهيبُ
وقد جاء في الأخبار أن الشعر قفل، وأوّله مفتاحه
(٧) والتّخلص - هو الخروج والانتقال مما ابتدىء به الكلام إلى الغرض
стр. 311
المقصود، برابطة تجعل المعاني آخذاً بعضها برقاب بعض، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من نسيب، إلى مدح، أوغيره، لشدة الالتئام والانسجام - كقوله:
وإذا جلست إلى المدَام وشربها فاجعل جديثك كله في الكاس ِ
وإذا نزعت عن الغواية فليكن (لله) ذاك النزع لا للناس
وإذا أردت مديح قوم لم تلم في مدحهم فامدح (بني العباس)
وقوله: دعت النوى بفراقهم فتشتَّتوا وقضى الزمان بينهم فتبدَّدوا
وقد يُنتقل مما افُتتح به الكلام إلى الغرض المقصود مباشرة، بدون رابطة بينهما، ويسّمى ذلك (اقتضابا) - كقول ابي تمام:
لو راى الله أنّ في الشيب خيراً جاورته الأبرار في الخُلد شيبا
كل يوم تُبدى صروف اللّيالي خلقا من أبي سعيد غريبا
(٨) و «حسن الانتهاء» ويقال له «حسن الختام» هو أن يجعل المتكلم آخر كلامه، عذب اللفظ، حسن السبّك، صَحيح المعنى، مشعراً بالتّمام حتى تتحقق (براعة المقطع) بحسن الختام، إذ هو آخر ما يبقى منه في الأسماع وربما حُفظ من بين سائر الكلام، لقرب العهد به.
يعني: أن يكون آخر الكلام مُستعذباً حسناً، لتبقى لذتُه في الأسماع مُؤذناً بالانتهاء، بحيث لا يبقى تشوقاً إلى ما وراءه، كقول أبي نُوَاس:
وإني جدير إذ بَلَغتك بالمنى وأنت بما أمَّلتُ فيك جدير
فان تُولِني منك الجميل فأهله وإلا فاني عاذرٌ وشكورُ
وقول غيره:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله وهذا دعاء للبريَّة شامل
وقول ابن حجَّة:
عليكَ سلام نشره كلّما بدى به يتغالى الطِّيب والمسك يختم
وقول غيره:
ما أسأل الله إلا أن يدومَ لَنَا لا أن تزيد معاليه فقد كمُلت