← Баляга

Баляга · id 9256

جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع

أحمد الهاشمي

Полный текст (311 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مطلقا، بحيث يخاطب به المفرد، والمذكر، وفروعهما، بلفظ واحد من غير تغيير ولا تبديل عن مورده الأول، وإن لم يطابق المضروب له. ولذا: كانت هذه الاستعارة محظ أنظار البلغاء، لا يعدلون بها إلى غيرها إلا عند عدم إمكانها، فهي أبلغ أنواع المجاز مفرداً أو مركباً، إذ مبناها تشبيه التمثيل: الذي قد عرفت أن وجه الشبه فيه هيئةٌ منتزعة من أشياء متعددة ومن ثم كانت هي والتشبيه المبنية عليه غرض البلغاء الذين يتسامون إليه، ويتفاوتون في إصابته، حتى كُثرا في القرآن الكريم كثرة كانت إحدى الحجج على إعجازه. والاستعارة ميدان فسيح من ميادين البلاغة، وهي أبلغ من التشبيه لأنها تضع أمام المخاطب بدلاً من المشبه صورة جديدة تملك عليه مشاعره وتذهله عمّا ينطوي تحتها من التشبيه، وعلى مقدار ما في تلك الصورة من الروعة، وسمو الخيال، تكون البلاغة في الاستعارة. وأبلغ أنواع الاستعارة «المُرشّحة» لذكر ما يناسب المستعار منه فيها «بناء على الدعوى بأن المستعار له هو عين المُستعار منه. ثم تليها «المطلقة» لترك ما يُناسب الطرفين فيها، بناء على دعوى التساوى بينهما ثم تليها «المجردة» لذكر ما يناسب المستعار له فيها، بناء على تشبيهه بالمستعار منه. ولابد في الاستعارة، وفي التمثيل على سبيل الاستعارة، من مراعاة جهات حسن التشبيه، كشمول وجه الشبه للطرفين، ومن كون التشبيه وافياً بافادة الغرض، ومن عدم شم رائحة التشبيه لفظاً، ويجب أن يكون وجه الشبه بين الطرفين جليا، لئلا تصير الاستعارة والتمثيل تعمية.

стр. 247

أسئلة على الاستعارة يطلب اجوبتها ما هي الاستعارة؟ ما أركانها؟ كم قسما الاستعارة باعتبار ذكر الطرفين المشبه به والمشبه؟ - ما أصل الاستعارة؟ - ما هي الاستعارة التصريحية كم قسما لاستعارة التصريحية؟ - كم قسما الاستعارة باعتبار ذكر ملائم المستعار له، والمستعار منه؟ - ما هي الاستعارة المرشحة؟ ما هي الاستعارة المجردة؟ ما هي الاستعارة المطلقة؟ - كم قسما للاستعارة باعتبار إمكان اجتماع طرفيها في شيء؟ - ما هي الاستعارة الوفاقية؟ ما هي الاستعارة العنادية؟ - كم قسما الاستعارة باعتبار الجامع؟ - ماهي العامية؟ ما هي الخاصية؟ ما هي التمليحية؟ - ما هي التهكمية؟ ما مثال الحسيين والجامع حسي؟ ما مثال الطرفين الحسيين والجامع عقلي؟ - ما مثال الطرفين العقليين والجامع عقلي؟ ما مثال المستعار منه الحسي والمستعار له العقلي ما مثال المستعار منه العقلي والمستعار له الحسي؟ - ما هي الاستعارة بالكناية عند الجمهور؟ -

стр. 248

ما هي الاستعارة بالكناية عند السكاكي؟ - ما هي الاستعارة بالكناية عند الخطيب؟ - كم قسما للاستعارة بالكناية؟ - ما هي المكنية الأصلية؟ - ما هي المكنية التبعية؟ - ما هي الاستعارة التخييلية عند الجمهور؟ - لم سميت استعارة؟ لم سميت تخييلية؟ - ما هي الاستعارة المكنية المرشحة؟ - ما هي الاستعارة المكنية المجردة؟ ما هي الاستعارة المكنية المطلقة؟ - كم قسما للمكنية باعتبار امكان اجتماع طرفيها في شيء؟ - ما هي العنادية؟ - ما هي الوفاقية؟ - ما هو المجاز المركب؟ - ما هي الاستعارة التمثيلية؟ - ما هو المجاز المركب بالاستعارة؟ - ما هي محسنات الاستمارة. تمرين آخر على كيفية إجراء الاستعارات (١) فسمونا والفجر يضحك في الشر ق الينا مبشراً بالصباح (١) (٢) عضَّنا الدهر بنابه ليت ما حَلَّ بنابه (٢)

стр. 249

(٣) لسنا وان أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتَّكل (١) (٤) دقّاتُ قلب المرء قائلةٌ له إن الحياة دقائقٌ وثوان (٢) (٥) بكت لؤلؤاً رطبا ففاضت مدامعي عقيقاً فصار الكلّ في نحرها عقداً (٣) (٦) إنّ التّباعد لا يضر إذا تقاربت القلوب (٤) (٧) ذم أعرابي رجلا فقال (يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهمّ إذا أمسى) (٥) (٨) قومٌ إذا الشر ابدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا (٦) (٩) جاء الشتاء واجثألَّ القُبّرُ وطلعت شمسٌ عليها مغفرُ (٧)

стр. 250

(١٠) سأبكيكَ للدنيا وللدين إن أبت يدُ المعروف بعدك شُلّت (١) (١١) وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ (٢) (١٢) سقاه الردى سيفٌ إذا سلَّ أو مضت إليه ثنايا الموتِ من كلّ مرقد (٣) (١٣) (سنفرغ لكم أيها الثقلان) (٤) (١٤) (إنا لنراك في ضلال مبين) (٥) (١٥) فتى كلما فاضت عُيُونُ قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديثُ والذكرُ (٦)

стр. 251

بلاغة الاستعارة بجميع أنواعها سبق لك أن بلاغة التشبيه آتية من ناحيتين، الأولى: طريقة تأليف ألفاظه والثانية: ابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان، لا يجول إلا ّ في نفس أديب، وهب الله له استعداداً سليما في تعرّف وجوه الشُّبه الدقيقة بين الأشياء وأودعه قدرة على ربط المعاني، وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيد لا يكاد ينتهي. (وسر بلاغة الاستعارة) لا يتعدّى هاتين الناحيتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ أن تركيبها يدل على تناسي التشبيه، ويحملك عمداً على تخيل صورة جديدة تنسيك روعتها ما تمضنه الكلام من تشبيه خفي مستور، انظر إلى قول البحتري في الفتح بن خاقان: يسمو بكف على العافين حانية تهمى وطرف إلى العلياء طمَّاح ألست ترى كفّه: وقد تمثّلت في صورة سحابة هتّانة، تصبُّ وبلها على العافين

стр. 252

والسائلين، وان هذه الصورة قد تملكت عليك مشاعرك فأذهلتك عمّا اختبأ في الكلام من تشبيه؟ وإذا سمعت قوله في رثاء المتوكل وقد قتل غيلة: صريع تقاضاه الليالي حشاشة يجود بها والموتُ حمرٌ أظافره (١) فهل تستطيع أن تبعد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت، وهي صورة حيوان مفترس، ضرجت أظفاره بدماء قتلاه، لهذا كانت الاستعارة أبلغ من (التشبيه البليغ) لأنه وان بنى على ادعاء أن المشبه والمشبه به سواء، لا يزال فيه التشبيه منويا ملحوظاً بخلاف (الاستمارة) فالتشبيه فيها منسى مجحود، ومن ذلك يظهر لك أن الاستعارة المرشحة ابلغ من الاستعارة المطلقة، وأن الاستعارة المطلقة أبلغ من الاستعارة المجردة، أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار، وروعة الخيال، وما تحدثه من أثر في نفوس سامعيها، فمجال فسيح للابداع، وميدان التسابق المجيدين من فرسان الكلام، أنظر إلى قوله عز شأنه في وصف النار، (تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يا تكم نذير) ، ترتسم أمامك النار في صورة مخلوق ضخم، بطاش مكفهر الوجه، عابس يغلى صدره حقداً وغيظاً - عن البلاغة الواضحة بتصرف.

стр. 253

الباب الثالث في الكناية وتعريفها وأنواعها الكناية (١) لغة: ما يتكلم به الإنسان، ويريد به غيره، وهي: مصدر كنيت، أو كنوت بكذا، عن كذا، إذا تركت التصريح به

стр. 254

واصطلاحاً: لفظ أريد به غيرُ معناهُ الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى

стр. 255

الأصلي، لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته، نحو «زيد طويل النجاد «تريد بهذا التركيب أنه شجاع عظيم، فعدلت عن التصريح بهذه الصفة، إلى الاشارة إليها بشيء تترتب عليه وتلزمه، لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول صاحبه، ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة، فإذاً: المراد طول قامته، وان لم يكن له نجاد، ومع ذلك يصحّ أن يراد المعنى الحقيقي - ومن هنا يعلم أن الفرق بين الكناية والمجاز صحة إرادة المعنى الأصلي في الكناية، دون المجاز، فإنه ينافى ذلك، نعم: قد تمتنع إرادة المعنى الأصلي في الكناية، لخصوص الموضوع كقوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) وكقوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كناية عن تمام القدرة، وقوة التمكن والاستيلاء وتنقسم الكناية بحسب المعنى الذي تشير إليه إلى ثلاثة أقسام: ١- كناية عن صفةٍ - كما تقول (هو ربيب أبي الهول) تكنى عن شدة كتمانه لسره. وتعرف كناية الصفة بذكر الموصوف: ملفوظاً أو ملحوظاً من سياق الكلام. ٢- كناية عن موصوف - كما تقول (أبناء النيل) تكنى عن المصريين، و (مدينة النور) تكنى عن باريس، وتعرف بذكر الصفة مباشرة، أو ملازمة ومنها: قولهم (تستغنى مصر عن مصب النيل ولا تستغني عن منبعه) كنوا بمنبع النيل عن أرض السودان. ومنها: قولهم (هو حارس على ماله) كنوا به عن البخيل الذي يجمع ماله، ولا ينتفع به، ومنها: قولهم (هو فتىً رياضي) يكنون عن القوة - وهلم جرّا ٣- كناية عن نسبة، وسيأتي الكلام عليها فيما بعد، فالقسم الأول - وهو الكناية التي يطلب بها (صفة) هي ما كان المكنى عنه فيها صفة ملازمة لموصوف مذكور في الكلام - وهي نوعان. (١) كناية قريبة - وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بغير واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمعنى المنتقل إليه - نحو قول الخنساء في رثاء أخيها صخر رفيع العماد طويل النجا د سادَ عشيرته أمردا (١) (ب) وكناية بعيدة - وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بواسطة، أو بوسائط، نحو «فلان كثير الرماد» كناية عن المضياف، والوسائط: هي الانتقال من كثرة الرّماد إلى كثرة الإحراق، ومنها إلى كثرة الطبخ والخبز، ومنها إلى كثرة الضيوف، ومنها إلى المطلوب، وهو المضياف الكريم. القسم الثاني - الكناية التي يكون المكنى عنه موصوفاً (٢) بحيث يكون إما معنى واحداً «كمواطن الأسرار» كناية عن القلب، وكما في قول الشاعر: فلما شربناها ودب دبيبها إلى موطن الأسرار قلت لها قفي وإما مجموع معان: كقولك «جاءني حيٌّ مستوى القامة، عريض الأظفار» (كناية عن الانسان) لاختصاص مجموع هذه الأوصاف الثلاثة به، ونحو: الضاربين بكل أبيض مخذم والطاعنين مجامع الأضغان ويشترط في هذه الكناية: أن تكون الصفة أو الصفات مختصة بالموصوف، ولا تتعداه ليحصل الانتقال منها اليه. القسم الثالث - الكناية التي يراد بها نسبة أمر لآخر، إثباتاً أو نفياً فيكون المكنى عنه نسبةً، أسندت إلى ماله اتصال به - نحو قول الشاعر إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج فانّ جعل هذا الاشياء الثلاثة في مكانه المختص به يستلزم اثباتها له والكناية المطلوب بها نسبةٌ. (١) إما أن يكون ذو النسبة مذكوراً فيها - كقول الشاعر ... أليُمن يتبع ظلّه والمجدُ يمشي في ركابه (ب) وإمّا أن يكون ذو النسبة غير مذكور فيها: كقولك «خير الناس من ينفع الناس» كناية عن نفي الخيرية عمّن لا ينفعهم،

стр. 256

وتنقسم الكناية أيضاً باعتبار الوسائط (اللوازم) والسياق: إلى أربعة أقسام: تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء (١) فالتعريض: لغة - خلاف التصريح، واصطلاحا: هو أن يطلق الكلام، ويشار به إلى معنى آخر، يفهم من السياق نحو قولك للمؤذي (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) تعريضاً بنفي صفة الإسلام عن المؤذي، وكقول الشاعر: إذا الجودُ لم يرزق خلاصاً من الأذى فلا الحمدُ مكسوباً ولا المال باقيا (٢) والتلويح: لغة - أن تشير إلى غيرك من بعد واصطلاحاً - هو الذي كثرت وسائطه بلا تعريض، نحو وما يكُ فيّ من عيبٍ فإنى جبانُ الكلب مهزول الفصل كنى عن كرم الممدوح بكونه جبان الكلب، مهزول الفصيل، فان الفكر ينتقل إلى جملة وسائط. (٣) والرمز: لغة - أن تشير إلى قريب منك خفية، بنحو: شفة، أو حاجب. واصطلاحاً - هو الذي قلّت وسائطه، مع خفاء في اللزوم بلا تعريض نحو: فلان عريض القفا، أو عريض الوسادة - كناية عن بلادته وبلاهته ونحو: (هو مكتنز

стр. 257

اللحم) كناية عن شجاعته، (ومتناسب الأعضاء) كناية عن ذكائه، ونحو: (غليظ الكبد) كناية عن القسوة - وهلم جرّا والإيماء أو الإشارة: هو الذي قلت وسائطه، مع وضوح اللزوم، بلا تعريض، كقول الشاعر: أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آلِِ طلحة ثم لم يتحول كناية عن كونهم: أمجاداً أجواداً، بغاية الوضوح ومن لطيف ذلك قول بعضهم: سألت الندى والجود مالي أراكما تبدلتما ذلاً بعزٍّ مؤبدِ وما بال رُكن المجد أمسى مهدّما فقالا، أصبنا بابن يحيى محمد فقلت: فهلاّ مُتُّما عند موته فقد كنتما عبديه في كل مشهد فقالا: أقمنا كي نُعزّى بفقده مسافة يوم ثم نتلوه في غد والكناية من ألطف أساليب البلاغة وأدقها، وهي أبلغ من الحقيقة والتصريح، لأن الانتقال فيها يكون من الملزوم إلى اللازم، فهو كالدَّعوى ببينة، فكأنك تقول في «زيد كثير الرماد» زيد كريم، لأنه كثير الرماد وكثرته تستلزم كذا الخ - كيف لا - وانها تمكن الإنسان من التعبير عن أمور كثيرة، يتحاشى الأفصاح بذكرها، إمّا احتراماً للمخاطب، أو للأبهام على السّامعين، أو للنيل من خصمه، دون أن يدعَ له سبيلا عليه، أو لتنزيه الأذن عمّا تنبو عن سماعه، ونحو ذلك من الأغراض واللطائف البلاغية. تمرين بين أنواع الكنايات الآتية، وعيّن لازم معنى كل منها (١) قال البحتري يصف قتله ذئبا فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها بحيث يكون اللبُّ والرعب والحقد (١)

стр. 258

(٢) وقال آخر في رثاء من مات بعلّة في صدره ودبت له في موطن الحلم علة لها كالصلال الرُّقش شرُّ ذبيب (١) (٣) ووصف أعرابي امرأة، فقال: ترخي ذيلها على عرقوبي نعامة، ضربت سرادقها المهابةُ فوقهُ فاذا بدا بادت به الأعداءُ إنَّ الذي ملأ اللغات محاسنا جعل الجمال وسرّه في الضاد بنى المجد بيتاً فاستقرّ عمادُه علنا فأعيا الناس أن يتحوّلا إن في ثوبك الذي المجدُ فيه لضياء يزري بكل ضياء تمرين آخر بين أنواع الكنايات الآتية، وبين منها ما يصح فيه إرادة المعنى المفهوم من صريح اللفظ، وما لا يصح: (١) وصف أعرابي رجلا بسوء العشرة فقال: كان إذا رآني قرَّب من حاجب حاجباً. (٢) وقال أبو نواس في المديح: فما جازه جود ولا حل دونه ولكن يسير الجود حيث يسير (٣) وتكنى العرب عمّن يجاهر غيره بالعداوة بقولهم: لبس له جلد النمر، وجلد الأرقم (٢) وقلب له ظهر المجن (٣) (٤) فلان عريض الوساد (٤) أغم القفا (٥)

стр. 259

(٥) تجول خلاخيل النساء ولا أرى لرملة خلخالا يُجولُ ولا قُلبا (٦) وتقول العرب في المديح: الكرم في أثناء حلته، ويقولون: فلان نفخ شدقيه - أي تكبر، وورم أنفه - إذا غضب (٧) قالت أعرابية لبعض الولاة: أشكو إليك قلة الجرذان (١) (٨) بيضُ المطابخ لا تشكو إماؤهم طبخ القدور ولا غسل المناديل (٩) مطبخ داود في نظافته أشبه شيء بعرش بلقيس (٢) ثيابُ طباخه إذا اتسخت أنقى بياضاً من القراطيس (١٠) فتى مختصر المأكو لِ والمشروب والعطر نقى الكأس والقصة والمنديل والقد (١١) وقال آخر: اليُمن يتبع ظلهُ والمجد يمشى في ركابه (١٢) أصبح في قيدك السماحة والمجد وفضل الصلاح والحسب فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تُقطرُ الدما (٣) المجد بين ثوبيك والكرم ملء برديك

стр. 260

بلاغة الكناية الكناية مظهر من مظاهر البلاغة، وغاية لا يصل إليها إلا من لطف طبعهُ، وصفت قريحتُه، (والسر في بلاغتها) أنها في صُور كثيرة تعطيك الحقيقة، مصحوبة بدليلها، والقضية وفي طيّها برهانها، كقول البحتري في المديح. يغضُّون فضل اللحظ من حيث مابدا لهم عن مهيب في الصدور مُحبَّب فإنه كنى عن إكبار الناس للممدوح، وهيبتهم إياه، بغض الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإجلال، وتظهر هذه لنا جلية في الكنايات عن الصفة والنسبة، ومن أسباب بلاغة الكنايات أنها تضع لك المعاني في صورة المحسوسات ولا شك أن هذه خاصة الفنون، فإن المصور إذا رسم لك صورة للأمل أو لليأس، بهرك وجعلك ترى ما كنت تعجز عن التعبير عنه واضحاً ملموساً فمثل «كثير الرماد» في الكناية عن الكرم «ورسول الشر» في الكناية عن المزاح - وقول البحتري أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آل طلحةَ ثمَّ لم يتحوَّل وذلك في الكناية عن نسبة الشرف إلى آل طلحة. كل أولئك يبرز لك المعاني في صورة تشاهدها، وترتاح نفسك إليها، ومن خواص الكناية: أنها تمكنك من أن تشفى غلتك من خصمك من غير أن تجعل له اليك سبيلاً، ودون أن تخدش وجه الأدب، وهذا النوع يسمى بالتعريض. ومثاله قول المتنبي في قصيدة، يمدح بها كافورا ويعرض بسيف الدولة. رحلتُ فكم باك بأجفان شادن ... علىَّ وكم باكٍ بأجفانِ ضيغم (١) وما ربّة القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسامِ المصممِ (٢) فلو كان ما بي من حبيب مقنع ... عذرتُ ولكن من حبيب معمم رمى واتقى رمي ومن دون ما اتقى ... هوى كاسرُ كفي وقوسي وأسهمي

стр. 261

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم فإنه كنى عن سيف الدولة، أولاً: بالحبيب المعمم، ثم وصفه بالغدر الذي يدعى أنه من شيمة النساء، ثم لامهُ على مبادهته بالعدوان، ثم رماه بالجبن، لأنه يرمى ويتقى الرمي بالاستتار خلف غيره، على أن المتنبي لا يجازيه على الشر بمثله، لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوى قديماً، يكسر كفه وقوسه، وأسهمه، إذا حاول النضال، ثم وصفه بأنه سىء الظن بأصدقائه لأنه سيء الفعل، كثير الأوهام والظنون، حتى ليظن أن الناس جميعاً مثله في سوء الفعل، وضعف الوفاء، فانظر كيف نال المتنبي من سيف الدولة هذا النيل كلهن من غير أن يذكر من اسمه حرفاً. هذا - ومن أوضح مميزات الكناية التعبير عن القبيح بما تسيغ الآذان سماعه، وأمثلة ذلك كثيرة جداً في القرآن الكريم، وكلام العرب فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسن ذكره الا بالكتابة، وكانوا لشدة نخوتهم يكنون عن المرأة (بالبيضة - والشاة) ومن بدائع الكنايات قول بعض العرب: ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام (١) فانه كنى بالنخلة، عن المرأة التي يحبها - عن البلاغة الواضحة بتصرُّف أثر علم البيان في تادية المعاني ظهر لك من دراسة علم البيان: أن معنى واحداً يستطاع أداؤه بأساليب عدة، وطرائق مختلفة، وأنه قد يوضع في صورة رائعة من صور التشبيه أو الاستعارة، أو المجاز المرسل، أو المجاز العقلي، أو الكناية، قد يصف الشاعر انساناً بالكرم، فيقول: يريد المُلوكُ مدى جعفرٍ ولا يصنعونَ كما يصنعُ وليس بأوسعهم في الغنى ولكنَّ معروفه أوسعُ وهذا كلام بيلغ جداً، مع أنه لم يقصد فيه إلى تشبيه أو مجاز، وقد وصف الشاعر فيه ممدوحه بالكرم، وأن الملوك يريدون أن يبلغوا منزلته، ولكنهم لا يشترون الحمد بالمال كما يفعل مع أنه ليس بأغنى منهم، ولا بأكثر مالا، وقد يعمد الشاعر: عند الوصف بالكريم إلى اسلوب آخر، فيقول: كالبحر يقذف للقريب جواهراً جوداً ويبعثُ للبعيد سحائبا

стр. 262

فيشبه الممدوح: بالبحر، ويدفع بخيالك إلى أن يضاهى بين الممدوح والبحر الذي يقذف الدرر للقريب، ويرسل السحائب للبعيد = أو يقول: هو البحر من أي النواحي أتيته فلُجّتهُ المعروف والجودُ ساحله فيدّعى، أنه البحر نفسه، وينكر التشبيه نكرانا يدل على المبالغة، وادعاء المماثلة الكاملة - أو يقول. علا فما يستقر المالُ في يده وكيف تمسك ماء قنةُ الجبل؟ فيرسل إليك التشبيه: متن طريق خفيّ، ليرتفع الكلام إلى مرتبة أعلى في البلاغة، وليجعل لك من (التشيبه الضمني) دليلاً على دعواه، فانه ادعى: أنه لعلو منزلته ينحدر المال من يديه، وأقام على ذلك برهاناً، فقال «وكيف تمسك ماء قنة الجبل» أو يقول: جرى النهر حتى خلته منك أنعماً تساق بلا ضنٍ وتعطى بلا منِّ (١) فيقلب التشبيه زيادة في المبالغة، وافتناناً في أساليب الإجادة، ويشبه ماء النهر بنعم الممدوح - بعد أن كان المألوف: أن تشبه النعم، بالنهر الفيّاض أو يقول:: كأنه حين يعطى المال مبتسما صوب الغمامة تهمي وهي تأتلق (٢) فيعمد إلى التشبيه المركب، ويعطيك صورة رائعة، تمثل لك حالة الممدوح وهو يجود - وابتسامة السرور تعلو شفتيه - أو يقول: جادت يد الفتح والأنواء باخلة وذاب نائله والغيثُ قد جمدا فيضاهي بين جود الممدوح والمطر، ويدعى أن كرم ممدوحه لا ينقطع، إذا انقطعت الأنواء، أو جمد القطر - أو يقول: قد قلت للغيم الركام ولجَّ في إبراقه والح في إرعاده (٣) لا تعرضن لجعفر متشبِّها بندى يديه فلست من أنداده

стр. 263

فيصرح لك في جلاء، وفي غير خشية، بتفضيل جود صاحبه على جود الغيم، ولا يكتفي بهذا، بل تراه ينهى الحساب في صورة تهديد أن نحاول التشبه بممدوحه، لأنه ليس من أمثاله ونظرائه - أو يقول: وأقبل يمشى في البساط فما درى إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي يصف حال رسول الروم داخلا على سيف الدولة، فينزع في وصف الممدوح بالكرم، إلى الاستعارة التصريحية، والاستعارة كما علمت مبنية على تناسى التشبيه، والمبالغة فيها أعظم، وأثرها في النفوس أبلغ - أو يقول: دعوت نداهُ دعوة فأجابني وعلّمني إحسانه كيف آمله فيشّبه ندى ممدوحه وإحسانه (بانسان) ، ثم يحذف المشبه به، ويرمز إليه بشيء من لوازمه - وهذا ضرب آخر من ضروب المبالغة التي تساق الاستعارة لأجلها: أو يقول: ومن قصد البحر استقل السواقيا فيرسل العبارة كأنها مثلٌ، ويصوّر لك أن من قصد ممدوحه استغنى عمن هو دونه، كما أن قاصد البحر لا يأبه للجداول، فيعطيك استعارة تمثيلية، لها روعة، وفيها جمال، وهي فوق ذلك تحمل برهاناً على صدق دعواه، وتؤيد الحال الذي يدعيها - أو يقول: ما زلت تتبع ما تولي يداً بيدٍٍ حتى ظننت حياتي من أياديكا فيعدل عن التشبيه والاستعارة، إلى (المجاز المرسل) ويطلق كلمة «يد» ويريد بها النعمة، لأن اليد آلة النعم وسببها - أو يقول: أعاد يومك أيامى لنضرتها واقتص جودُك من فقري وإعسارى فيسند الفعل: إلى اليوم، وإلى الجود، على طريقة المجاز العقلي - أو يقول: فما جازه جودٌ ولا حلَّ دونه ولكن يسير الجود حيث يسير فياتي بكناية عن نسبة الكرم إليه، بادعاء أن الجود يسير معه دائماً لأنه بدل أن يحكم بأنه كريم، ادّعى أن الكرم يسير معه أينما سار، ولهذه الكناية من البلاغة، والتأثير في النفس، وحسن تصوير المعنى، فوق ما يجده السامع في غيرها من بعض ضروب الكلام،

стр. 264

فأنت ترى أنه من المستطاع، التعبير عن وصف انسان بالكرم بأربعة عشر اسلوباً - كل: له جماله، وحسنه، وبراعته، ولو نشاء، لأتينا بأساليب كثيرة أخرى في هذا المعنى، فان للشعراء ورجال الأدب افتناناً وتوليداً للأساليب والمعاني، لا يكاد ينتهي إلى حدّ، ولو أردنا: لأوردنا لك ما يقال من الأساليب المختلفة المناحي في صفات أخرى، كالشجاعة، والإباء، والحزم وغيرها، ولكنّا لم نقصد إلى الإطالة، ونعتقد أنك عند قراءتك الشعر العربي، والآثار الأدبية، ستجد بنفسك هذا ظاهراً، وستدهش للمدى البعيد الذي وصل إليه العقل الانساني في التصوير البلاغي، والابداع في صوغ الأساليب - عن البلاغة الواضحة بتصرف.

стр. 265

علم البديع البديع: لغة - المخترع الموجد على غير مثال سابق، وهو مأخوذ ومشتقٌ من قولهم - بدع الشيء، وأبدعه، اخترعه لا على مثال (١) ، واصطلاحا - هو علم يعرف به الوجوه (٢) ، والمزايا التي تزيد الكلام حسنا وطلاوة، وتسكوه بهاءً، ورونقاً، بعد مطابقته لمقتضى الحال مع وضوح دلالته على المراد لفظا ومعنى. وواضعه، (عبد الله بن المعتز العباسي) المتوفى سنه ٢٧٤ هجرية - ثم اقتفى أثره في عصره

стр. 266

(قدامة بن جعفر الكاتب) فزاد عليها، ثم ألف فيه كثيرون (كأبي هلال العسكري) وابن رشيق القيرواني، وصفي الدين الحلي، وابن حجة الحموي) وغيرهم ممن زادُوا في أنواعه، ونظموا فيها قصائد تُعرف (بالبديعيّات) ، وفي هذا العلم - بابان: وخاتمة.

стр. 267

الباب الأول في المحسنات المعنوية (١) التورية (١) التورية: لغة - مصدر ورّيت الخبر تورية: إذا سترته، وأظهرت غيره

стр. 268

واصطلاحاً - هي أن يذكر المتكلم لفظاً مفرداً له معنيان، أحدهما قريب غير مقصود ودلالة الفظ عليه ظارهة، والآخر بعيد مقصود، ودلالة اللفظ عليه خفية، فيتوهم السامع: أنه يريد المعنى القريب، وهو إنما يريد المعنى البعيد بقرينة تشير إليه ولا تظهره، وتستره عن غير المتيقظ الفطن، كقوله تعالى (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) أراد بقوله جرحتم معناه البعيد، وهو ارتكاب الذنوب، ولأجل هذا سميت التورية «إبهاماً وتخييلاً» وكقول سراج الدين الوراق: أصونُ أديم وجهي عن أناسٍ لقاء الموتِ عندهُم الأديبُ ورب الشعر عندهم بغيض ولو وافى به لهم «حبيب» وكقوله - أبيات شعرك كالقصور ولا قصور بها يعوق ومن العجائب لفظها حُرٌ ومعناها «رقيق» برغم شبيب فارق السيف كفَّه وكانا على العلات يصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه رفيقك قيسىٌ وأنت يماني (١) (٢) الاستخدام الاستخدام: هو ذكر لفظ مشترك بين معنيين، يراد به أحدهما ثم يعاد عليه ضمير، أو إشارة، بمعناه الآخر، أو يعاد عليه ضميران يراد بثانيهما غير ما يراد بأولهما فالأول - كقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أريد أولا بالشهر (الهلال) ثم أُعيد عليه الضمير أخيراً بمعنى أيام رمضان. وكقول معاوية بن مالك. إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وان كانوا غضابا أراد بالسماء (المطر) وبضميره في «رعيناه» (النبات) (٢) وكلاهما معنى مجازي

стр. 269

للسماء. والثاني - كقول البحتري فسقى الغضا والساكنيه وان همو شبُّوهُ بين جوانحي وضلوعي الغضا: شجر بالبادية، وضمير ساكنيه أولاً راجع إلى الغضان باعتبار (المكان) وضمير شيّوه عائد ثانيا إلى الغضا (بمعنى النار الحاصلة من شجر الغضا) - وكلاهما مجاز للغضا. (٣) الاستطراد الاستطراد: هو أن يخرج المتكلم من الغرض الذي هو فيه إلى غرض آخر لمناسبة بينهما، ثم يرجع فينتقل إلى إتمام الكلام الأول - كقول - السموءل: وإنا لقومٌ لا نرى القتل سُبّه إذا ما راته عامر وسلولُ يقرب حب الموت آجلنا لنا وتكرههُ آجالهم فتطولُ فسياق القصيدة، للفخر بقومه، وانتقل منه إلى هجو قبيلتي «عامر وسلول» ثم عاد إلى مقامه الأول، وهو الفخر بقومه - وكقوله: لنا نفوس لنيل المجد عاشقة فان تسلت أسلناها على الأسل لا ينزلُ المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المُقل (٤) الافتنان الافتنان: هو الجمع بين فنين مختلفين، كالغزل، والحماسة، والمدح والهجاء، والتعزية، والتهنئة - كقول عبد الله بن همّام السلولي، «جامعاً بن التعزية والتهنئة»

стр. 270

حين دخل على يزيد، وقد مات أبوه معاوية، وخلقه هو في الملك. «آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية فقد رُزئت عظيماً، واعطيت جسيما، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رُزيت، فقد فقدت الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلا ووهبت جليلاً» اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةٍ واشكر حباء الذي بالملك أصفاك لا رُزء أصبح في الأقوام نعلمه كما رُزئت ولا عُقبى كعقباك وكقول عنترة يخاطب عبلة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل منِّى وبيض الهند تقطُر من دمى فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها لمعت كبارقٍ ثغرِك المُتبسِّم (٥) الطباق (١) الطباق: هو الجمع بين لفظين متقابلين في المعنى، وهما قد يكونان اسمين - نحو: قوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) وكقوله تعالى «وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود» أو فعلين - نحو: قوله (وأنّه هو أضحك وأبكى وأنَّهُ هو أمات وأحيا) - وكقوله تعالى «ثم لا يموتُ فيها ولا يحيا» أو حرفين - نحو: قوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أو مختلفين - نحو: قوله تعالى (ومن يضلل الله فما له من هاد) (٢) ونحو: قوله تعالى «أو من كان ميتاً فأحييناه» فيكون تقابل المعنيين وتخالفهما مما يزيد الكلام حسناً وطرافة

стр. 271

(٦) المقابلة المقابلة: هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معانٍ متوافقة، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، كقوله تعالى (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) وكقوله تعالى (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وقال ﷺ للأنصار (إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع) وقال خالد بن صفوان يصف رجلا: ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية - وكقوله: فتىً كان فيه ما يسر صديقه ولكن فيه ما يسوء الأعاديا وكقوله: وباسط خير فيكم بيمينه وقابض شر عنكم بشماله وكقوله: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والأفلاس بالرجل وكقوله: يا أُمّة كان قبح الجور يسخطها دهراً فأصبح حسن العدل يرضيها (٧) مراعاة النظير (١) مراعاة النظير: هي الجمع بين أمرين، أو أمور متناسبة، لا على جهة التضاد، وذلك إما بين اثنين - نحو قوله تعالى (وهو السميع البصير) وأما بين أكثر - نحو قوله تعالى (اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) ويلحق بمراعاة النظير، ما بني على المناسبة في «المعنى» بين طرفي الكلام يعني: ان يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، نحو قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) ، فان «اللطيف» يناسب عدم إدراك الأبصار له، و «الخبير» يناسب ادراكه للأبصار، وما بني على المناسبة في «اللفظ» باعتبار معنى له غير المعنى المقصود في العبارة، نحو قوله تعالى (الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان) فإن المراد «بالنجم» هنا النبات، فلا يناسب «الشمس» و «القمر» ولكن لفظه يناسبهما،

стр. 272

باعتبار دلالته على الكواكب. وهذا يقال له «إيهام التناسب» كقوله: كأنّ الثريا عُلقت في جبينها وفي نحرها الشِّعري وفي خدّها القمر والطل في سلك الغصون كلؤلؤءٍ رطب يصافحه النسيم فيسقط والطير يقرا والغدير صحيفة والريح تكتب والغمام ينقط (٨) الارصاد الارصاد: هو أن يذكر قبل الفاصلة «من الفقرة، أو القافية، من البيت» ما يدل عليها إذا عرف الرَّويّ، نحو: قوله تعالى (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) ، ونحو: قوله تعالى (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (١) وكقول الشاعر. أحلّت دمى من غير جرم وحرَّمت بلا سبب عند اللقاء كلامي فليس الذي حللته بمحلل وليس الذي حرمته بمحرم ونحو: إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وقد يستغنى عن معرفة الرويِّ، نحو: قوله تعالى (ولكلِّ أمة أجل إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) . (٩) الادماج ألإدماج: هو أن يُضمَّن كلام قد سيق لمعنى، معنى آخر، لم يصرح به كقول المتننبي: أقلّبُ فيه أجفاني كأني اعذبها على الدهر الذُّنوبا ساق الشاعر: هذا الكلام (أصالة) لبيان طول الليل، (وأدمج) الشكوى من الدهر، في وصف الليل بالطول. (١٠) المذهب الكلامي المذهب الكلامي: هو أن يورد المتكلم على صحَّة دعواه حُجَّة قاطعة مسلمة عند المخاطب، بأن تكون المقدمات بعد تسليمها مستلزمة للمطلوب كقوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) واللازم وهو الفساد باطل، فكذا الملزوم وهو تعدد الآلهة باطل، وليس أدلّ على ذلك من الحقيقة والواقع، وكقوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب) ، ونحو قوله تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيدهُ وهو أهون عليه)

стр. 273

أي وكل ما هو أهون عليه فهو وأدخل تحت الامكان، فالاعادة ممكنة وسمى هذا النوع (بالمذهب الكلامي) لأنه جاء على طريقة (علم الكلام والتوحيد) وهو عبارة عن اثبات (أصول الدين) بالبراهين العقلية القاطعة. (١١) حسن التعليل حسن التعليل (١) هو أن ينكر الأديب صراحة، أو ضمناً، علة الشيء المعروفة، ويأتي بعلة أخرى أدبية طريفة، لها اعتبار لطيف، ومشتملة على دقة النظر، بحيث تناسب الغرض الذي يرمى إليه، يعني أن الأديب: يدّعى لوصف علّةً مناسبة غير حقيقية، ولكن فيها حسن وطرافة، فيزداد بها المعنى المراد الذي يرمى إليه جمالا وشرفاً كقول المعري في الرثاء: وما كُلفة البدر المنير قديمةٌ ولكنها في وجهه أثر اللطم يقصد: أن الحزن على (المرثي) شمل كثيراً من مظاهر الكون، فهو لذلك: يدعى أن كلفة البدر (وهي ما يظهر على وجهه من كدرة) ليست ناشئة عن سبب طبيعي، وإنما هي حادثة من (أثر اللطم على فراق المرثي) ومثله قول الشاعر الآخر: أما ذكاء فلم تصفر إذ جنحت إلا لفرقة ذاك المنظر الحسن يقصد: أن الشمس لم تصفر عند الجنوح إلى المغيب للسبب المعروف ولكنها (اصفرت مخافة أن تفارق وجه الممدوح) - ومثله قول الشاعر الآخر: ما قصَّر الغيث عن مصرِ وتربتها طبعاً ولكن تعدّاكم من الخجل ولا جرى النِّيل إلا وهو معترف بسبقكم فلذا يجري على مهل ينكر هذا الشاعر: الأسباب الطبيعية لقلة المطر بمصر، ويلتمس لذلك سبباً آخر: وهو (أن المطر يخجل أن ينزل بأرض يعمها فضل الممدوح جوده) لأنه لا يستطيع مباراته في الجود والعطاء، ولابد في العلة أن تكون ادعائية، ثم الوصف أعم من أن يكون ثابتا فيقصد بيان علته، وغير ثابت فيراد اثباته. (أ) فالأول - وصف ثابت غير ظاهر العلة - كقوله: بين السيوف وعينيها مشاركة من آجلها قيل للأجفان أجفان وقوله - لم يحك نائلك السحاب وانما حُمَّت به فصبيبها الرحضاء (٢)

стр. 274

وقوله - زعم البنفسج أنه كعذاره حسنا، فسلُّوا من قفاه لسانه فخروج ورقة البنفسج إلى الخلف لا علة له، لكنه ادعى أن علته الافتراء على المحبوب. (ب) أو وصف ثابت ظاهر العلة، غير التي تذكر، كقول المتنبي: ما به قتل أعاديه ولكن يتّقى إخلاف ما ترجو الذئابُ فان قتل الأعادي عادة للملوك، لأجل أن يسلموا من أذاهم وضرهم ولكن (المتنبي) اخترع لذلك سبباً غريباً، فتخيّل أن الباعث له على قتل أعاديه لم يكن إلا ما اشتهر وعرف به، حتى لدى الحيوان الأعجم من (الكرم الغريزي، ومحبته إجابة طالب الاحسان) ومن ثم فتك بهم، لانه علم، أنه إذا غدا للحرب، رجت الذئاب أن يتسع عليها رزقها، وتنال من لحوم أعدائه القتلى، وما أراد أن يخيب لها مطلبا، والثاني - وصف غير ثابت، وهو. (١) إما ممكن - كقول مسلم بن الوليد يا واشياً حسنت فينا إساءتهُ نجى حذارك إنساني من الغرق فاستحسان إساءة الواشي ممكن، ولكنه لما خالف الناس فيه، عقبه بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم انسان عينه من الغرق في الدموع. (٢) وإما غير ممكن - كقول الخطيب القزويني لو لم تكن نية الجوزاء خدمته لما رأيت عليها عقد منتطق

стр. 275

فقد ادّعى الشاعر: أنّ الجوزاء تريد خدمة الممدوح، وهذه صفة غير ممكنة، ولكنه علّلها لعلة طريفة، إدّعاها أيضاً إدّعاء أدبياً مقبولا إذ تصور أن (النجوم التي تحيط بالجوزاء، إنما هي نطاقٌ شدته حولها على نحو ما يفعل الخدم، ليقوموا بخدمة الممدوح (١)) . (١٢) التجريد التجريد: لغة - ازالة الشيء عن غيره، واصطلاحاً - أن ينتزع المتكلم من أمر ذي صفة أمراً آخر مثله في تلك الصفة، مبالغة في كمالها في المنتزع منه، حتى أنه قد صار منها، بحيث يمكن أن ينتزع منه موصوف آخر بها، وأقسام التجريد كثيرة. «أ» منها - ما يكون بواسطة (من التجريدية) كقولك: لي من فلان صديق حميم (أي بلغ فلان من الصداقة حداً صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها) . ونحو: ترى منهمو الأسد الغضاب إذا سطوا وتنظر منهم في اللقاء بدوراً «ب» ومنها - ما يكون بواسطة (الباء التجريدية) الداخلة على المنتزع منه نحو قولهم: لئن سألت فلاناً لتسألن به البحر، بالغ في اتصافه بالسماحة، حتى انتزع منه بحراً فيها. «جـ» ومنها - ما لا يكون بواسطة، نحو: (وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) . «د» ومنها - ما يكون بطريق الكناية، كقول الأعشى يا خير من ركب المطيّ ولا يشرب كأساً بكف من بخلا (٢)

стр. 276

(١٣) المشاكلة المشاكلة: هي أن يذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته كقوله تعالى (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) المراد: ولا أعلم ما عندك وعبّر بالنفس (للمشاكلة) ونحو: قوله تعالى (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) أي أهملهم، ذكر الاهمال هنا بلفظ النسيان لوقوعه في صحبته، ومن ذلك ما حكى عن أبي الرقمع: أن أصحاباً له، أرسلوا يدعونه إلى الصبوح في يوم بارد، ويقولون له، ماذا تريد أن نصنع لك طعاما؟ ؟ وكان فقيراً، ليس له كسوة تقية البرد، فكتب اليهم يقول: أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة وأتى رسولهم إليّ خصيصاً قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت أطبخوا لي جبةً وقميصا (١) وكقوله: من مبلغ أفناء يعرب كلها أنى بنيت الجار قبل المنزل وكقوله: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١٤) المزاوجة المزاوجة: هي أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء، بأن يرتب على كل منهما معنى، رتب على الآخر، كقوله: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى أصاخت إلى الواشي فلجّ بها الهجر زاوج بين النهى والإصاخة في الشرط والجزاء بترتيب اللجاج عليهما وكقوله: إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها زاوج (١) بين الاحتراب «أي التحارب» وبين تذكر القربى، في اشرط والجزاء، بترتيب الفيض عليهما.

стр. 277

(١٥) الطي والنشر الطي ّ والنشر - أن يذكر متعدد، ثم يذكر ما لكل من أفراده شائعاً من غير تعيين، اعتماداً على تصرف السامع في تمييز ما لكلّ واحد منها، وردّه إلى ما هو له - وهو نوعان: «أ» إما أن يكون النشر فيه على ترتيب الطي، نحو قوله تعالى (ومن رحته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) فقد جمع بين الليل والنهار، ثم ذكر السكون لليل، وابتغاء الرزق للنهار، على الترتيب وكقوله: ... عيونٌ واصداغ وفرعٌ وقامة وخالٌ ووجنات وفرق ومرشف ... سيوف وريحان وليل وبانة ومسك وياقوت وصبح وقر قف وكقوله: فعل المدام ولونها ومذاقها في مقلتيه ووجنتيه وريقه «ب» وإما أن يكون النشر على خلاف ترتيب الطّيّ - نحو (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب) ذكر ابتغاء الفضل للثاني، وعلم الحساب للأول، على خلاف الترتيب وكقوله - ولحظُهُ ومحياهُ وقامته بدر الدُّجا وقضيبُ البان والراح فبدر الدجا: راجع إلى «المُحيّا» الذي هو الوجه و «قضيب البان» راجع إلى «القامة» ، والراح راجع إلى اللحظ» ويسمى (اللف والنشر) أيضاً. (١٦) الجمع الجمع: هو أن يجمع المتكلم بين متعدد، تحت حكم واحد - وذلك. «أ» إمّا - في اثنين، نحو قوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) ونحو: قوله تعالى (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) . «ب» وإمّا - في أكثر، نحو قوله تعالى (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه) - وكقوله إنَّ الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة وكقوله: آراؤه وعطاياه ونعمته وعفوه رحمة للناس كلهم

стр. 278

وكقوله أراؤكم وَوجوهكم وسيوفكم في الحادثات إذا دجون نجومُ (١٧) التفريق التفريق: أن يفرق بين أمرين من نوع واحد في اختلاف حكمهما نحو قوله تعالى (وما يستوي البحران هذا عذب فراتٌ سائغ شرابهُ، وهذا ملح أجاجٌ) - وكقول الشاعر: ما نوال الغمام وقت ربيع كنوال الأمير يوم سخاء فنوالُ الأمير بدرة عين ونوال الغمام قطرة ماء وكقوله - من قاس جدواك يوماً بالسحب أخطأ مدحك السحب تعطى وتبكي وانت تعطى وتضحك وكقوله - من قاس جدواك بالغمام فما أنصف في الحكم بين شكلين أنت إذا جدُت ضاحكٌ أبدا وهو إذا جاد دامع العين وكقوله - ورد الخدود أرقّ من ورد الرياض وأنعمُ هذاك تنشقهُ الأنو ف وذا يقبِّله الفم ُ (١٨) التقسيم التقسيم: هو أن يذكر متعدد، ثم يضاف إلى كل من افراده، ماله على جهة التعيين، نحو: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة، فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عادٌ فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية) وقد يطلق التقسيم على أمرين آخرين أوَّلهما - أن تستوفى أقسام الشيء، نحو قوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) . وثانيهما - أن تذكر أحوال الشيء، مضافاً إلى كل منها ما يليق به كقوله تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) - وكقوله:

стр. 279

سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ كأنهموا من طول ما ألتثموا مُردُ ثقالٌ إذا لاقوا خفاف إذا دُعوا كثير إذا شدُّوا قليلٌ إذا عدوا وكقوله: ولا يقم على ضيم يراد به إلا الأذلاّن عيرُ الحيِّ والوتد هذا على الخسف مربوط برُمتّه وذا يشجّ فلا يرثى له أحدُ (١٩) الجمع مع التفريق ألجمع مع التفريق: أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد، ثم يفرقُ بين جهتي إدخالهما - كقوله تعالى (خلقتني من نارٍ، وخلقته من طين) وكقوله: فوجهك كالنّار في ضوئها وقلبي كالنّار في حرها (٢٠) الجمع مع التقسيم ألجمع مع التقسيم: أن يجمع المتكلم بين شيئين أو أكثر تحت حكم واحد. ثم يُقسِّم ما جمع - أو: يقسِّم أولا: ثم يجمع فالأول - نحو (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى) وكقول المتنبي: حتى أقام على أرباض خرشنة (١) تشقى به الروم والصلبان والبيع للرِّق ما نسلوا والقتل ما ولدوا والنّهب ما جمعوا والنار ما زرعوا سأطلب حقي بالقنا ومشايخ (٢) كأنهم من طول ما الثموا مرد ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعوا كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا والثاني - كقول سيدنا حسان قومٌ إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك فيهم غير محدثة إنَّ الخلائق فاعلم شرُّها البدع (٢١) المبالغة المبالغة: هي أن يدَّعى المتكلّم لوصف، بُلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستبعدا، أو مستحيلا، وتنحصر في ثلاثة أنواع: (١) تبليغ - إن كان ذلك الادّعاء للوصف من الشدة أو الضعف ممكناً عقلا وعادة، نحو قوله تعالى «ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرجَ يده لم يكد يراها» وكقوله في وصف فرس: إذا ما سابقتها الريح فرَّت وألقت في يد الرّيح الترابا

стр. 280

(٢) وإغراق - إن كان الادّعاء للوصف من الشدّة أو الضعف ممكناً عقلا، لا عادة - كقوله: ونُكرم جارنا ما دام فينا ونتبعه الكرامة حيث مالا (٣) وَغلوّ (١) - إن كان الادعاء للوصف من الشدة أو الضعف مستحيلا عقلا وعادة - كقوله ... ... تكاد قسيه من غير رامٍ تُمكِّنُ في قلوبهم النِّبالا (٢٢) المغايرة ألمغايرة: هي مدح الشيء بعد ذمه، أو عكسه - كقول الحريري في مدح الدِّينار. «أكرم به أصفر راقت صفرته» بعد ذمه في قوله - «تبَّا لُه من خادع ممارق» (٢٣) تأكيد المدح بما يشبه الذم تأكيد المدح بما يشبه الذم: نوعان: الأول- أن يُستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء، صفة مدح بتقدير دخولها فيها - كقوله:

стр. 281

.. ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب (١) الثاني - أن يثبت لشيء صفة مدح، ثم يُؤتى بعدها بأداة استثناء (٢) تليها صفة مدح أخرى (والنوع الأول أبلغ) - كقوله ولا عيب فيه غير أنى قصدته فأنستني الأيام أهلاً وموطنا وكقوله - فتى كملت أوصافه غير أنه جوادٌ فما يبقى من المال باقيا وقد تقوم (لكن) مقام أداة الاستثناء في هذا النوع. (٢٤) تأكيد الذم بما يشبه المدح (٣) تأكيد الذّم بما يُشبه المدح: ضربان أيضاً الأول - أن يُستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء، صفة ذم بتقدير دخولها فيها - كقوله: خلا من الفضل غير أنِّي أراه في الحمق لا يجارى ونحو - لا فضلَ للقوم الا أنهم لا يعرفون للجار حقه ونحو: الجاهل عدوّ نفسه الا أنه صديق السفهاء، ونحو: فلان ليس أهلا للمعروف، إلا أنه يُسيء إلى من يحسن اليه الثاني - أن يثبت لشيء صفة ذم، ثم يؤتى بعدها بأداة استثناء (٤) تليها صفة ذم

стр. 282

أخرى، نحو: فلان حسودٌ إلا أنه نمّام، - وكقوله هو الكلبُ إلاّ أنّ فيه ملالةً وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب وكقوله: لئيم الطباع سوى أنه جبانٌ يهون عليه الهوان (٢٥) التوجيه التوجيه: هو أن يُؤتى بكلام يحتمل معنيين متضادين على السواء كهجاء، ومديح، ودعاء للمخاطب، أم دعاء عليه، ليبلغ القائل غرضه بما لا يمسك عليه، كقول بشَّار في خياط أعور (اسمه عمرو) . خاط لي عمروٌ قباءً ليت عينيه سواءً فإنّ دعاءه لا يُعلم، هل له أم عليه وقوله: كلما لاح وجهه بمكان كثرت زحمة العُيون إلى رُؤيته ويحكى أن محمداً بن حَزم هنأ (الحسن بن سهل) باتصال بنته (بورَان) التي تنسب اليها الأطبخة البورانية (بالخليفة المأمون العباسي) مع من هنأه، فأثابهم، وحرمه: فكتب إليه إن أنت تماديت على حرماني، قلت فيك «بيتاً لا يعرف» أهو مدح أم ذم، فاستحضره وسأله؟ فأقرَّ، فقال الحسن: لا أعطيك أو تفعل، فقال: بارك الله للحسن ولبوُران في الختن يا إمام الهدى ظفر ت ولكن ببنت من؟ ؟ فلم يدر: ببنت من؟ ؟ - أفي العظمة وعلو الشأن ورفعة المنزلة أم في الدناءة والخسة؟ ؟ - فاستحسن الحسن منه ذلك، والخلاصة أنَّ التوجيه نوعان: الأول: أن يكون الكلام بحيث يصلح لأن يراد به معنيان متضادَّان على السواء. والثاني: أن يكون الكلام بحيث يشتمل على مجموعة، أو مجموعات من مصطلحات العلوم، أو الفنون، أو الأسماء المتلائمة. الفرق بين التورية والتوجيه (أ) التورية: تكون في لفظ واحد. وأما التوجيه: فيكون في تركيب، أو جملة أسماء متلائمة. (ب) التورية: يقصد المتكلم بها معنى واحداً: هو البعيد، والنوع الأول من التوجيه: لا يترجح فيه أحد المعنيين على الآخر. (جـ) لفظ التورية: له معنيان بأصل الوضع وألفاظ النوع الثاني من التوجيه: ليس لها الا معنى واحد بأصل الوضع، ويكون هو المقصود من الكلام. (٢٦) نفي الشيء بايجابه نفى الشيء بايجابه: هو أن ينفى متعلّق أمر عن امرٍ، فيوهم اثباته له، والمراد نفيه عنه أيضاً، نحو قوله تعالى (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) (١) فانّ نفى إلهاء التجارة عنهم، يوهم إثباتها لهم - والمراد نفيها أيضاً.

стр. 283

(٢٧) القول بالموجب القول بالموجب: نوعان الأول - أن يقع في كلام الغير إثبات صفةٍ لشيء وترتيب حكم عليها، فينقل السامع تلك الصفة إلى غير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له أو انتفائه عنه، كقوله تعالى (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (١) فالمنافقون أرادوا بالأعز أنفسهم، وبالأذل المؤمنين، ورتبوا على ذلك الاخراج من المدينة فنقلت صفة العزة للمؤمنين، وأبقيت صفة الأذلية للمنافقين، من غير تعرض لثبوت حكم الاخراج للمتصفين بصفة العزة، ولا لنفيه عنهم والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده بذكر متعلّق له كقوله: وقالوا قد صفت منّا قلوب لقد صدقوا ولكن عن ودادي أراد بصفو قلوبهم (الخلوص) ، فحملهُ على الخلو بذكر متعلّقه، وهو قوله «عن ودادي» (٢٨) ائتلاف اللفظ مع المعنى إئتلاف اللفظ مع المعنى: هو أن تكون الألفاظ موافقةً للمعاني، فتختار الألفاظ الجزلة، والعبارات الشديدة للفخر والحماسة، وتختار الكلمات الرقيقة، والعبارات اللينة، للغزل والمدح - كقوله: ... إذا ما غضبنا غضبة مضريَّة هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما ... إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ذرا منبرٍ صلى علينا وسلّما وكقوله - ولست بنظار إلى جانب الغني إذا كانت العلياء في جانب الفقرِ

стр. 284

وكقوله - لم يطل ليلى ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ (٢٩) التفريع التفريع: هو أن يثبت حكم لمتعلّق أمرٍ، بعد إثباته لمتعلق له آخر كقول الشاعر: فاضت يداه بالنضار كما فاضت ظباه في الوغى بدمي وكقوله أحلامُكم لسقام الجهل شافيةٌ كما دماؤكم تشفى من الكلب (٣٠) الاستتباع الاستتباع: هو الوصفُ بشيء على وجه يستتبعُ الوصف بشيء آخر، مدحاً أو ذماً. يعني أنّ الاستتباع هو المدح على وجه يستتبع المدح بأمر آخر، كقوله ألا أيها المالُ الذي قد ابادهُ تسلَّ فهذا فعله بالكتائب وكقوله: سمح البديهة ليس يمسك لفظه فكأن ألفاظه من ماله وكقوله: الحرب نزهته والبأس همته والسيف عزمته والله ناصره وقيل: إنه يكون أيضاً في الذّم، كقول بعضهم في (قاض) لم يقبل شهادته برؤية هلال الفطر: أترى القاضي أعمى أم تراه يتعامى سرق العيد كأنّ الـ عيد أموالُ اليتامى (٣١) السلب والايجاب (١) السلب والإيجاب: هو أن يقصد المتكلّم تخصيص شيء بصفة فينفيها عن جميع الناس، ثم

стр. 285

يثبتها له مدحاً أو ذماً، فالمدح - كقول الخنساء ... وما بلغت كف امرىء متناولاً من المجد إلا والذي نلتَ أطول ... ولا بلغ المهدون للناس مدحة وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضلُ والذّم - كقول بعضهم ... خُلقوا وما خُلقوا لمكرمة فكأنّهم خُلقوا وما خُلقوا ... رُزقوا وما رُزرقوا سماح يد فكأنّهم رزقوا وما رزقوا (٣٢) الابداع الإبداع: هو أن يكون الكلام مشتملا على عدَّة أنواع من البديع كقول الشاعر: فضحكت الحيا والبحر جوداً فقد بكى الـ حيا من حياءٍ منك وألتطَم البحر (١)
следующие страницы →