اتباع لا ابتداع
تأليف
الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه
أستاذ الفقه والأصول
كلية الدعوة وأصول الدين
جامعة القدس
стр. 2
الطبعة الثانية
مصححة
بيت المقدس / فلسطين
١٤٢٥ هـ
٢٠٠٤ م
طبع هذا الكتاب على نفقة فاعل خير جزاه الله خير الجزاء
صف وتنسيق: حذيفة بن حسام الدين عفانه
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
أقوال في الاتباع والابتداع
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة النور الآية ٦٣.
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ سورة المائدة الآية٣.
وقال النبي ﷺ : ﴿إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة﴾ رواه مسلم.
وقال النبي ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ﴿الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة﴾.
وقال ابن مسعود أيضا: ﴿اتبعوا ولا تتبدعوا فقد كفيتكم﴾.
وقال الإمام الأوزاعي: ﴿اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفو اعنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم﴾
стр. 5
مقدمة الطبعة الثانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١.
أما بعد، فهذه الطبعة الثانية لكتابي اتباع لا ابتداع، وقد قمت بتصحيح الأخطاء التي وقعت في الطبعة الأولى بقدر الوسع رغم ضيق الأوقات، وأرجو الله جل في علاه أن تتاح لي الفرصة مستقبلاً لزيادة موضوعات الكتاب وإلحاق مسائل جديدة به لم أتعرض لها فيما سبق.
واسأل الله العظيم أن ينفع بهذا الكتاب طلبة العلم وأهله وعامة الناس إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه أ. د. حسام الدين بن موسى عفانه
بيت المقدس / أبوديس
يوم الثلاثاء ٢١ شعبان ١٤٢٥هـ وفق ٥/ ١٠/٢٠٠٤ م
стр. 6
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١.
أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن تحرير مسائل البدع والابتداع مما ينفع المسلمين في أمر دينهم ودنياهم وهو عون للدعاة والمصلحين على سعيهم للعودة بالناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما فهمها سلف هذه الأمة من الصحابة الكرام والتابعين والأئمة الأعلام.
وقد رأيت بدعاً كثيرةً منتشرةً بين الناس في بلادنا وخاصة في المساجد حيث إن سكوت أكثر العلماء والمنتسبين للعلم الشرعي عنها جعل الناس يعتقدونها ديناً صحيحاً فرغبت في جمع معظم هذه البدع وبيان وجه بدعيتها ومخالفتها لشرع الله القويم وهدي النبي الكريم ﷺ فاستعنت بالله العظيم وسطرت هذه الصفحات في بيان
стр. 7
الأمور المبتدعات والتحذير منها والحث على إتباع السنن والمندوبات فقد صحت الأحاديث بالأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع.
وقد جعلت هذا الكتاب في فصلين:
الفصل الأول تحدثت فيه عن أصول في السنة والبدعة فبدأت بذكر الآيات الكريمات والأحاديث النبوية والآثار السلفية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع، ثم عرفت البدعة وبينت مناهج العلماء في ذلك واخترت ما اعتقدت أنه الصواب في هذا الباب وبينت أن الأصل الأصيل في باب العبادات هو إتباع النبي ﷺ وسقت الأدلة والبراهين على ذلك.
ثم أعقبت ذلك بذكر تقسيمات للسنة وللبدعة ووضحت حكم الابتداع وأسبابه وأسباب انتشار البدع.
وأما الفصل الثاني فجعلته لبيان البدع المنتشرة واقتصرت فيه على أهمها وأشهرها فبينت البدع المتعلقة بالأذان والنية والصلاة والدعاء والجمعة والعيدين والجنائز والاحتفالات والمواسم المبتدعة وغير ذلك وأعقبت ذلك بالحديث عن البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة, وبدع القراءة مما ستراه مفصلاً في هذا الكتاب.
ثم أتبعت ذلك فهارس للآيات والأحاديث والآثار والمصادر وفهرساً للمحتويات.
وفي الختام فإني أعلم أن كثيراً من المنتسبين للعلم الشرعي في هذه البلاد ما اعتادوا سماع مثل هذا الكلام لأنهم تربوا على التقليد وعلى بقاء القديم على قدمه ولأنهم لا يقدرون على مواجهة العوام الذين يعتبرون الحديث عن البدع على أنه دين جديد.
стр. 8
فينبغي أن يُعلم أن العوام لا شأن لهم في مسائل الأحكام وغيرها من مسائل الإسلام فلا عبرة بقولهم ولا يعتد به، ولا يلتفت إليه، ولا يعول عليه.
وعلى العلماء وطلبة العلم الشرعي أن يبينوا للعامة أحكام الإسلام استناداً لما في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وهذا ما حاولت الوصول إليه في هذا الكتاب فإن أصبت فالفضل لله أولاً وأخيراً، وأن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.
وأخيراً أسأل الله العظيم رب العرش العظيم، أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعني به يوم يقوم الناس لرب العالين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه د. حسام الدين بن موسى عفانه
أبوديس / القدس
ضحى يوم الخميس الفاتح من صفر الخير ١٤٢٢ هـ
وفق ٢٦ نيسان ٢٠٠١ م
стр. 9
الفصل الأول
قواعد وأسس في السنة والبدعة
стр. 10
المبحث الأول
الحث على إتباع السنة والتحذير من البدعة
وبيان أسباب الابتداع
أولاً: الآيات الكريمات التي تأمر بالإتباع وتنهى عن الابتداع:
١. قال الله تعالى: (وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١).
قال القرطبي: [هذه آية عظيمة ... فإنه لما نهى وأمر وحذر هنا عن اتباع غير سبيله فأمر فيها باتباع طريقه] (٢).
فالصراط المستقيم المذكور في الآية الكريمة هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع والأهواء (٣).
٢. وقال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٤).
قال الراغب الأصفهاني: [والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله] (٥).
وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال
стр. 11
: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله ﷺ إني سمعت الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] (١).
٣. وقال الله تعالى: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (٢)
٤. وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٣). فأمر الله برد المتنازع فيه إلى قوله ﷻ وإلى قول الرسول ﷺ .
٥. وقال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (٤).
стр. 12
قال الإمام مالك ﵀: [ومن أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين لأن الله تعالى يقول:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً] (١).
ولأن الله أخبر بأن الشريعة قد كملت قبل وفاة النبي ﷺ فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئاً لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكاً على الله وتوحي بأن الشريعة ناقصة وهذا يخالف ما جاء في كتاب الله (٢).
٦. وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣).
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: [تنبيه: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر إذ لو كان محباً له لأطاعه ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر:
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع] (٤).
٧. وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (٥).
стр. 13
ثانياً: الأحاديث النبوية التي تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع:
١. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى. ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم (١).
وفي رواية عند النسائي: [وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار] وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني (٢).
٢. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [خطَّ لنا رسول الله ﷺ يوماً خطاً ثم قال: هذا سبيل الله ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) الآية، رواه الدارمي وأحمد والنسائي وقال الألباني: حديث صحيح (٣).
٣. وعن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل:
يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن
стр. 14
كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح ورواه أحمد وابن حبان، وهو حديث صحيح صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي (١).
٤. وعن عائشة ﵄ قالت: (قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم (٢).
وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) (٣).
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث " الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء] (٤).
٥. وعن بلال بن الحارث ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحيا سنة قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن ابتدع بدعة لا ترضي الله ورسوله فإن له مثل إثم من عمل بها من
стр. 15
الناس لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئاً) رواه الترمذي وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وصححه الشيخ الألباني (١).
٦. وعن أبي شريح الخزاعي قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: بلى. قال: إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً) رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
٧. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه] رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقال الشيخ الألباني: حسن ... وله أصل في الصحيح (٣).
٨. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) رواه الطبراني وإسناده حسن وصححه الألباني (٤).
стр. 16
ثالثاً: الآثار الواردة عن السلف في لزوم السنة وذم البدعة:
١. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: [كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة] رواه البيهقي في المدخل وقال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد (١).
٢. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة] رواه الدارمي والبيهقي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني (٢).
٣. وعنه أيضاً قال: [اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم] رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي ورواه الدارمي (٣).
٤. وعنه أيضاً قال: [اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلاله] رواه أبو خيثم في كتاب العلم وقال الشيخ الألباني هذا إسناد صحيح (٤).
٥. وعنه أيضاً قال: [أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول] رواه الدارمي وصححه الحافظ ابن حجر وابن رجب الحنبلي (٥).
стр. 17
٦. وعنه أيضاً قال: [تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق] رواه الدارمي ومعمر في الجامع وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١).
٧. وعن حذيفة ﵁ قال: [يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً فإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً] رواه البخاري.
قال الحافظ: [قوله يا معشر القراء: المراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العبّاد] (٢).
٨. وعنه ﵁ قال: [كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تتعبدوا بها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً فاتقوا الله يا معشر القرآء خذوا طريق من كان قبلكم] رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ومحمد بن نصر في السنة، وأبو نعيم وابن عساكر وذكره أبو شامة في الباعث وعزاه لأبي داود وكذلك فعل السيوطي وغيره وقال الشيخ الألباني لم أجده في السنن (٣).
٩. وقال أبو العالية: [عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا] ذكره ابن الجوزي وذكره السيوطي ورواه معمر في الجامع (٤).
стр. 18
١٠. وقال الأوزاعي: [اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم] ذكره ابن الجوزي والسيوطي (١).
١١. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها. من عمل بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً] رواه ابن عبد البر وذكره الشاطبي في الاعتصام وقال إنه كان يعجب مالكاً جداً (٢).
قال الشاطبي: [وبحق وكان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولاً حسنة من السنة منها ما نحن فيه لأن قوله: ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها. قطع لمادة الابتداع جملة. وقوله: من عمل بها فهو مهتد. مدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله
: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)] (٣).
١٢. وقال عمر بن عبد العزيز يوصي رجلاً: [أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته ... فعليك
стр. 19
بلزوم سنته فإنها لك بإذن الله عصمة ... ] رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: صحيح مقطوع (١).
١٣. وعن الفضيل بن عياض ﵀ قال: [اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين] ذكره الشاطبي والسيوطي (٢).
١٤. وعن عثمان الأزدي قال: [دخلت على ابن عباس ﵄ فقلت له أوصني. فقال: عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع] ذكره الخطيب في الفقيه والمتفقه، والبغوي في شرح السنه، وأبو شامة في الباعث، والسيوطي في الأمر بالاتباع (٣).
стр. 20
المبحث الثاني
تعريف البدعة لغة واصطلاحاً
أولاً: تعريف البدعة لغة:
قال ابن منظور: بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه أنشأه وبدأه ... البديع، والبدع: الشيء الذي يكون أولاً، وفي التنزيل: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أي ما كنت أول من أرسل وقد أرسل قبلي رسل كثير.
والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال، وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة قال الله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) وبدَّعه نسبه إلى البدعة.
واستبدعه: عده بديعاً. والبديع المحدث العجيب. والبديع: المبدع وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال. والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها ... ] (١).
وقال الراغب الأصفهاني: [الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء ... والبديع يقال للمبدع نحو قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ). وقوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) قيل معناه مبدعاً لم يتقدمني رسول ... والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة] (٢).
стр. 21
وقال أبو البقاء الكفوي: [البدعة كل عمل عُمل على غير مثال سبق فهو بدعة] (١).
ثانياً: تعريف البدعة اصطلاحاً:
اختلفت أنظار العلماء في تعريف البدعة وتحديد مفهومها فمنهم من حصر البدعة في باب العبادات فضيق مفهومها فقصرها على الابتداع في باب العبادات اصطلاحاً.
ومنهم من وسع مفهومها فأطلقها على كل محدث من الأمور وجعلها تنقسم إلى أقسام خمسة: فهي إما واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة (٢).
وقد سار على أحد هذين المنهجين علماء أجلاء وعلماء أعلام لكل وجهة هو موليها وكل منهم يقصد الوصول إلى ما اعتقد أنه الحق والصواب وكل منهم اجتهد فله أجران إن أصاب وأجر واحد إن خالف قوله الصواب وسأذكر المنهجين وأدلتهما وأبين ما أرى أنه الراجح مع الاستدلال.
стр. 22
مناهج العلماء في تعريف البدعة:
المنهج الأول في تعريف البدعة:
يرى جماعة من أهل العلم منهم الإمام عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وابن الجوزي وأبو شامة المقدسي والنووي والعيني وابن الأثير والقرافي والحافظ ابن حجر والسيوطي وغيرهم (١) أن البدعة تطلق على كل محدثة لم توجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ سواء أكانت في العبادات أم العادات وسواء أكانت محمودة أو مذمومة.
ويرى هؤلاء العلماء أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة فإن وافقت السنة فهي حسنة محمودة وإن خالفت السنة فهي سيئة مذمومة.
وبناء على هذا الأساس قالوا إن البدعة تنقسم إلى الأقسام الخمسة فهي إما أن تكون واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة.
قال الإمام النووي: [البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.
قال الشيخ الإمام - المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته - أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام ﵀ في آخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فمحرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة وللبدع
стр. 23
الواجبة أمثلة منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى كلام رسول الله ﷺ وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة. الثالث تدوين أصول الدين وأصول الفقه. الرابع الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه. وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه الله تعالى. وللبدع المكروهة أمثلة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف. وللبدع المباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله ﷺ فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة هذا آخر كلامه] (١).
стр. 24
ومن أشهر ما اعتمد هؤلاء العلماء عليه ما يلي:
١. قول عمر ﵁ الذي رواه الإمام البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد بن عبد القاري أنه قال: [خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله] (١) وقوله أوزاع أي جماعة متفرقون.
قال الحافظ ابن حجر: [في بعض الروايات نعمت البدعة بزيادة تاء] (٢).
٢. عن مجاهد قال: [دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة ... ] رواه البخاري ومسلم (٣).
وقال ابن أبي شيبة: [حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال: سألت محمداً - كذا - عن صلاة الضحى وهو مسند ظهره إلى حجرة النبي ﷺ ، فقال: بدعة ونعمت البدعة] (٤).
وقد ذكره الحافظ ابن حجر وعزاه لابن أبي شيبة وفيه: سألت ابن عمر ... الخ. قال الحافظ: إسناده صحيح (٥).
стр. 25
قلت: ولعل ما في سند ابن أبي شيبة من قوله " محمداً " خطأ من النساخ.
وقال الحافظ: روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها وما أحدث الناس شيئاً أحب إلي منها] (١).
وهو في المصنف كما قال الحافظ (٢).
قالوا إن ابن عمر سمى صلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة واستحسنها (٣).
٣. واحتجوا بالأحاديث التي تفيد انقسام السنة إلى حسنة وسيئة فمن ذلك:
أ. حديث بلال بن الحارث ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحيا سنة قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن ابتدع بدعة لا ترضي الله ورسوله فإن له مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئاً) رواه الترمذي وحسنه وقد مضى تخريجه.
ب. حديث المنذر بن جرير عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم (٤).
ج. وفي رواية أخرى لحديث جرير قال: قال رسول ﷺ : (من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئاً ومن سن سنة شر
стр. 26
فاتبع عليها كان عليه وزرها ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئاً) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (١).
د. وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ومن مات مرابطاً جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة) رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به كما قال الحافظ المنذري، وقال الشيخ الألباني: حسن (٢).
قالوا إن هذه الأحاديث تدل على انقسام البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة. بل إن الإمام النووي يرى أن حديث جرير بن عبد الله: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ... الخ) يعتبر تخصيصاً لقوله ﷺ : (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة (٣).
كما أنهم قد استدلوا بأدلة أخرى يطول المقام بذكرها.
стр. 27
المنهج الثاني في تعريف البدعة:
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن البدعة مخالفة للسنة ومذمومة شرعاً لأنها محدثة لا أصل لها في الشرع وعلى هذا الإمام مالك والبيهقي والطرطوشي وشيخ الإسلام ابن تيمية والزركشي وابن رجب والشُّمَنِي الحنفي وغيرهم، واختاره جماعة من العلماء المعاصرين (١).
وأساس هذا المنهج هو تعريف البدعة بالمحدث المخالف للسنة الذي جعل ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً وعلى هذا مشى الشاطبي في أحد تعريفيه للبدعة حيث قال: [فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات] (٢).
وقال الشاطبي: [فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضاً فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم - فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها - خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلق
стр. 28
بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة. فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع] (١).
وقوله [تضاهي الشرعية] أي تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة:
منها وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد ضاحياً لا يستظل والاختصاص في الانقطاع للعبادة ... ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً.
ومنها التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.
وقوله: [يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى] هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.
وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك لأن الله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كاف ... وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية] (٢).
стр. 29
استدل العلماء القائلون بذم البدعة بما يلي:
أولاً: إن الله قد أكمل هذا الدين قبل وفاة الرسول ﷺ فقال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ
دِينًا) (١). فلا يقبل من أي إنسان أن يزيد على الدين أو يخترع فيه شيئاً لأن هذه الزيادة والاختراع تعتبر استدراكاً على الله ﵎ وتوحي بأن الشريعة ناقصة وبأن محمداً ﷺ لم يبلغ الرسالة تبليغاً كاملاً (٢).
قال الإمام مالك بن أنس: [من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً (٣).
ولأن الزيادة على الشريعة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وهو قلة أدب معه لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئاً وقف عنده وعدَّ الخروج عنه قلة أدب (٤).
ثانياً: قالوا إن الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ في البدعة كلها على سبيل الذم، فمن ذلك ما تقدم في حديث جابر قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم، وقد مضى.
стр. 30
وفي رواية للنسائي: (وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).
وكذلك ما جاء في حديث العرباض بن سارية وفيه: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وهو حسن صحيح كما سبق.
قالوا إن قول الرسول ﷺ : (كل بدعة) كلية عامة شاملة مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم " كل " والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ بشيء لا يقصد معناه (١).
قال عبد الله بن عمر: [كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة]
وقد مضى.
وقال الإمام أبو حنيفة: [عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة] ذكره ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل (٢).
стр. 31
وقال الإمام أحمد: [أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة] ذكره ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل (١).
وقال ابن رجب الحنبلي: [قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه] (٢).
وقال الحافظ ابن حجر بعد قوله ﷺ : (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) قال: [هذا قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال، حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب] (٣).
وأجاب الإمام الشاطبي عندما سئل: [هل كل بدعة حسنت أو قبحت ضلالة لعموم الحديث أم تنقسم على أقسام الشريعة؟ فأجاب: إن قول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة محمول عند العلماء على عمومه لا يستثنى منه شيء ألبتة وليس فيها ما هو حسن أصلاً إذ لا حسن إلا ما حسنه الشرع ولا قبيح إلا ما قبحه الشرع فالعقل لا يحسن ولا يقبح وإنما يقول بتحسين العقل وتقبيحه أهل الضلال] (٤).
стр. 32
ثالثاً: واحتجوا بما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم وقد سبق.
وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث " الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء] (١).
وقال الإمام الشوكاني: (وهذا الحديث من قواعد الدين لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسنداً له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) طالباً لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة فإن جاءك به قبلته وإن كاع - أي جبن وهاب - كنت قد ألقمته حجراً واسترحت من المجادلة. ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله ﷺ وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد متمسكاً بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم كالشرط أو وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا
стр. 33
مجرد الاصطلاح مسنداً لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلاً هذا أمر ليس من أمره وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد وكل رد باطل فهذا باطل فالصلاة مثلاً التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله ﷺ أو فعل فيها ما كان يتركه ليست من أمره فتكون باطلة بنفس هذا الدليل سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعاً باصطلاح أهل الأصول أو شرطاً أو غيرهما فليكن منك هذا على ذكر] (١).
رابعاً: واحتجوا بما ورد عن السلف في ذم البدعة وأنهم قد فهموا من الأحاديث الواردة في ذم البدعة الإطلاق والعموم كقول ابن عمر:
[كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة] وقد مضى.
وقول ابن مسعود: [اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم] وقد مضى أيضاً.
وقول حذيفة: [كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تتعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً فاتقوا الله يا معشر القرآء وخذوا طريق من كان قبلكم] وقد مضى أيضاً.
وقول ابن عباس: [عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع] وقد مضى أيضاً وغير ذلك من الآثار.
وبناء على ما تقدم فهؤلاء العلماء يرون أن كل بدعة في الدين ضلالة فلا تنقسم البدعة في الدين إلى حسنة وسيئة بل هي قسم واحد وهي البدعة السيئة وأن البدع لا تكون إلا قبيحة مذمومة.
كما أنهم قد استدلوا بأدلة أخرى يطول المقام بذكرها.
стр. 34
المنهج المختار في تعريف البدعة:
بعد إجالة النظر في أقوال العلماء واستعراض أدلتهم التي اعتمدوا عليها مما ذكرته في هذا البحث ومما لم أذكره واطلعت عليه في كتبهم ولم أنقله خشية الإطالة فإني أرجح قول الفريق الثاني من العلماء وهو حصر البدعة في باب العبادات والذي رجح هذا القول عندي ما يلي:
١. إن القول بأن البدعة في الدين تنقسم إلى حسنة وسيئة مما لا أصل له في الشرع فلا دليل عليه من قول الرسول ﷺ فلم يرد لفظ البدعة على لسان رسول الله ﷺ إلا على سبيل الذم.
وأما قول عمر ﵁: (نعمت البدعة هذه) فليس فيه ما يفيد أن لفظ البدعة بمجرده يطلق في الشرع على ما هو حسن وإنما يقصد بقول عمر ﵁ البدعة بمعناها اللغوي فهي التي تنقسم إلى حسنة وسيئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل فعل ابتداء من غير مثال سابق وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي] (١).
وقال الإمام الشاطبي مجيباً ومعلقاً على قول عمر نعمت البدعة: [بأن صلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد فقد قام بها النبي ﷺ واجتمع الناس خلفه. فخرج أبو داود عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم شيئاً من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا؟ فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ قال، فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له
стр. 35
قيام ليلة. قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالث جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال، قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر) ونحوه في الترمذي وقال فيه: حسن صحيح.
لكنه ﷺ لما خاف افتراضه على الأمة أمسك عن ذلك ففي الصحيح عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس. ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم النبي ﷺ فلما أصبح قال: (قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم) وذلك في رمضان وخرجه مالك في الموطأ.
فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة فإن قيامه أولاً بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً لأن زمانه كان زمان وحيٍ وتشريع فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام: فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله ﷺ رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له.
وإنما لم يقم ذلك أبو بكر ﵁ لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل، ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه ﵁ عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح. فلما تمهد الإسلام في زمن عمر ﵁ ورأى الناس في المسجد أوزاعاً ... - كما جاء في الخبر - قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره والأمة لا تجتمع على ضلالة.
وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.
стр. 36
فإن قيل: فقد سماها عمر ﵁ بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة هذه وإذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها
رسول الله ﷺ واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁ لا أنها بدعة في المعنى فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؟
لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)] (١).
وقال ابن حجر المكي: [وقول عمر ﵁ في التراويح نعمت البدعة هي، أراد البدعة اللغوية وهي ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) وليست البدعة شرعاً فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال ﷺ ] (٢).
٢. قال الشاطبي: [إن هذا التقسيم - تقسيم البدعة خمسة أقسام - أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمَّ بدعة وكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها ... ] (٣).
٣. إن قول الرسول ﷺ : (كل بدعة ضلالة) عام في كل بدعة أحدثت بعده ﷺ للتقرب بها إلى الله .
стр. 37
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة، والجواب: أما أن القول: (أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله ﷺ فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم - أي مكابر معاند - وأما المعارضات: فالجواب عنها بأحد جوابين.
إما بأن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه.
وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من هذا العموم فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه.
وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص وإن كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجباً للنهي.
ثم المخصص: هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها وقول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم ونحو ذلك: فليس مما يصلح أن يكون معارضاً لكلام رسول الله ﷺ حتى يعارض به.
ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا عليهم عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك بل رأوا السنة حجة عليه كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم والإيمان فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادة أكثر من اعتادها عامة أو من قيدته العامة أو قوم مترئسون بالجهالة
стр. 38
لم يرسخوا في العلم ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها: أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين؟
والاحتجاج بمثل هذه الحجج والجواب عنها معلوم أنه ليس طريقة أهل العلم لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس حتى من المنتسبين إلى العلم والدين وقد يبدو لذوي العلم والدين فيها مستند آخر من الأدلة الشرعية والله يعلم أن قوله بها وعلمه لها ليس مستنداً آخر من الأدلة الشرعية وإن كان شبهة وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ولا عن رسوله من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره ودفعاً لما يناظره.
والمجادلة المحمودة: إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل: فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل. وأيضاً فلا يجوز حمل قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) على البدعة التي نهى عنها بخصوصها لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي، أنه قبيح محرم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء كان مفعولاً على عهد رسول الله ﷺ أو لم يكن وما نهى عنه فهو منكر سواء كان بدعة أو لم يكن: صار وصف البدعة عديم التأثير، لا يدل وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن بل يكون قوله: (كل بدعة ضلالة) بمنزلة قوله: (كل عادة ضلالة) أو: (كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة) ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة.
стр. 39
وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ليس من نوع التأويل السائغ وفيه من المفاسد أشياء.
أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث فإن ما علم أنه منهى عنه بخصوصه فقد علم حكمه بذلك النهي وما لم يعلم يندرج في هذا الحديث فلا يبقى في هذا الحديث فائدة مع كون النبي ﷺ كان يخطب به في الجمع ويعده من جوامع الكلم.
الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسماً عديم التأثير فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له كسائر الصفات العديمة التأثير.
الثالث: أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر - وهو كونه منهياً عنه - كتمان لما يجب بيانه وبيان لما لم يقصد ظاهره فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلساً كما لو قال " الأسود " وعنى به الفرس أو " الفرس " وعنى به الأسود.
الرابع: أن قوله: (كل بدعة ضلالة وإياكم ومحدثات الأمور) إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة ومثل هذا لا يجوز بحال.
الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع فإنك لو تأملت البدع التي نهى عنها بأعيانها وما لم ينه عنها بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة. فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل الحديث عليه سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو لم يعضده فإن على
стр. 40
المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ذلك الحديث ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك. وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث.
فهذا الجواب عن مقامهم الأول.
وأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالاً على قبح الجميع لكن أكثر ما يقال أنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة.
فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة إما بأنه ليس ببدعة وإما بأنه مخصوص فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه. فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة أو أمور يجوز أن تكون حسنة ويجوز أن لا تكون حسنة فلا تصلح المعارضة بها بل يجاب عنها بالجواب المركب. وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصاً وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم. وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين الدلالة من الحديث باقية لا ترد بما ذكروا ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية وهي قوله: (كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل] (١).
٤. ويضاف إلى ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول الرسول
ﷺ : (كل بدعة ضلالة) كلية عامة شاملة مسوَّرة بأقوى أدوات الشمول والعموم " كل " والذي نطق بهذه الكلية وهو الرسول ﷺ يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه (٢).