فإن قيل: فقد سماها عمر ﵁ بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة هذه وإذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها
رسول الله ﷺ واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁ لا أنها بدعة في المعنى فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؟
لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)] (١).
وقال ابن حجر المكي: [وقول عمر ﵁ في التراويح نعمت البدعة هي، أراد البدعة اللغوية وهي ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) وليست البدعة شرعاً فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال ﷺ ] (٢).
٢. قال الشاطبي: [إن هذا التقسيم - تقسيم البدعة خمسة أقسام - أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمَّ بدعة وكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها ... ] (٣).
٣. إن قول الرسول ﷺ : (كل بدعة ضلالة) عام في كل بدعة أحدثت بعده ﷺ للتقرب بها إلى الله .
стр. 37
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة، والجواب: أما أن القول: (أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله ﷺ فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم - أي مكابر معاند - وأما المعارضات: فالجواب عنها بأحد جوابين.
إما بأن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه.
وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من هذا العموم فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه.
وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص وإن كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجباً للنهي.
ثم المخصص: هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها وقول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم ونحو ذلك: فليس مما يصلح أن يكون معارضاً لكلام رسول الله ﷺ حتى يعارض به.
ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا عليهم عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك بل رأوا السنة حجة عليه كما هي حجة على غيرهم مع ما أوتوه من العلم والإيمان فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادة أكثر من اعتادها عامة أو من قيدته العامة أو قوم مترئسون بالجهالة
стр. 38
لم يرسخوا في العلم ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها: أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين؟
والاحتجاج بمثل هذه الحجج والجواب عنها معلوم أنه ليس طريقة أهل العلم لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس حتى من المنتسبين إلى العلم والدين وقد يبدو لذوي العلم والدين فيها مستند آخر من الأدلة الشرعية والله يعلم أن قوله بها وعلمه لها ليس مستنداً آخر من الأدلة الشرعية وإن كان شبهة وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ولا عن رسوله من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره ودفعاً لما يناظره.
والمجادلة المحمودة: إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل: فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل. وأيضاً فلا يجوز حمل قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) على البدعة التي نهى عنها بخصوصها لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي، أنه قبيح محرم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء كان مفعولاً على عهد رسول الله ﷺ أو لم يكن وما نهى عنه فهو منكر سواء كان بدعة أو لم يكن: صار وصف البدعة عديم التأثير، لا يدل وجوده على القبح ولا عدمه على الحسن بل يكون قوله: (كل بدعة ضلالة) بمنزلة قوله: (كل عادة ضلالة) أو: (كل ما عليه العرب والعجم فهو ضلالة) ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة.
стр. 39
وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد ليس من نوع التأويل السائغ وفيه من المفاسد أشياء.
أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث فإن ما علم أنه منهى عنه بخصوصه فقد علم حكمه بذلك النهي وما لم يعلم يندرج في هذا الحديث فلا يبقى في هذا الحديث فائدة مع كون النبي ﷺ كان يخطب به في الجمع ويعده من جوامع الكلم.
الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسماً عديم التأثير فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بما لا تأثير له كسائر الصفات العديمة التأثير.
الثالث: أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر - وهو كونه منهياً عنه - كتمان لما يجب بيانه وبيان لما لم يقصد ظاهره فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص إذ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلساً كما لو قال " الأسود " وعنى به الفرس أو " الفرس " وعنى به الأسود.
الرابع: أن قوله: (كل بدعة ضلالة وإياكم ومحدثات الأمور) إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص كان قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة ومثل هذا لا يجوز بحال.
الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع فإنك لو تأملت البدع التي نهى عنها بأعيانها وما لم ينه عنها بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة. فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل الحديث عليه سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف أو لم يعضده فإن على
стр. 40
المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه من ذلك الحديث ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك. وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث.
فهذا الجواب عن مقامهم الأول.
وأما مقامهم الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالاً على قبح الجميع لكن أكثر ما يقال أنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة.
فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة إما بأنه ليس ببدعة وإما بأنه مخصوص فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه. فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة أو أمور يجوز أن تكون حسنة ويجوز أن لا تكون حسنة فلا تصلح المعارضة بها بل يجاب عنها بالجواب المركب. وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصاً وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم. وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين الدلالة من الحديث باقية لا ترد بما ذكروا ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية وهي قوله: (كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل] (١).
٤. ويضاف إلى ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية أن قول الرسول
ﷺ : (كل بدعة ضلالة) كلية عامة شاملة مسوَّرة بأقوى أدوات الشمول والعموم " كل " والذي نطق بهذه الكلية وهو الرسول ﷺ يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه (٢).
стр. 41
٥. لا تعارض بين قول النبي ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) رواه مسلم، وبين قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة)، فإنه لا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب قولاً آخر له ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله ﷺ أبداً وبيان دفع التعارض بين الحديثين أن الرسول ﷺ يقول: (من سن في الإسلام) والبدع ليست من الإسلام، ويقول: (حسنة) والبدعة ليست بحسنة وفرق بين السن والابتداع.
ويمكن أن يقال إن معنى قوله ﷺ : (من سن) أي من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها وعلى هذا فيكون " السن " إضافياً نسبياً كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت.
ويمكن أن يقال أيضاً إن سبب ورود الحديث: (من سن) وهو قصة النفر الذين وفدوا على النبي ﷺ وكانوا في حالة شديدة من الضيق فدعا النبي ﷺ إلى التبرع لهم فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول ﷺ ، فجعل وجه النبي ﷺ يتهلل من الفرح والسرور وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فهنا يكون معنى " السن " سن العمل تنفيذاً وليس سن العمل تشريعاً فصار معنى (من سن في الإسلام سنة حسنة) من عمل بها تنفيذاً لا تشريعاً لأن التشريع ممنوع (١).
وأما الجواب عن تسمية ابن عمر لصلاة الضحى جماعةً بدعة فيقال: (إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المسجد وصلاتها جماعةً لا أنها مخالفة للسنة فصلاة الضحى ثابتة في السنة لا شك في ذلك ولا ريب (٢).
стр. 42
إذا تقرر هذا فإن البدعة هي التعبد لله بما لم يشرعه الله ولا جاء به الرسول ﷺ ولم يأت عن الخلفاء الراشدين وهذا لا يكون إلا في العقائد والعبادات فالبدعة التي تعد بدعة في الدين هي البدعة في العقيدة أو العبادة قولية أو فعلية كبدعة نفي القدر وبناء المساجد على القبور وإقامة القباب على القبور وقراءة القرآن عندها للأموات والاحتفال بالموالد إحياء لذكرى الصالحين والوجهاء والاستغاثة بغير الله والطواف حول المزارات فهذه وأمثالها كلها ضلال لقول النبي ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) لكن منها ما هو شرك أكبر يخرج من الإسلام كالاستغاثة بغير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية والذبح والنذر لغير الله إلى أمثال ذلك مما هو عبادة مختصة بالله ومنها ما هو ذريعة إلى الشرك كالتوسل إلى الله بجاه الصالحين والحلف بغير الله وقول الشخص ما شاء الله وشئت ولا تنقسم البدع في العبادات إلى الأحكام الخمسة كما زعم بعض الناس لعموم الحديث: (كل بدعة ضلالة)] (١).
وأما الأمور العادية والدنيوية فالمحدث منها لا يسمى بدعة شرعاً وإن سمي بدعة لغة فلا تعد المحدثات الجديدة بدعاً في الدين مثل الطائرات ووسائل الاتصالات ومكبرات الصوت ... الخ.
وكذلك ما يعد من الوسائل كتعلم العلوم المختلفة كعلم النحو وكذا طبع المصحف وحفظه بوسائل الحفظ الحديثة كالأشرطة المسجلة والحاسوب ونحوها فهذه الوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد فإذا كانت الغايات مشروعة كانت وسائلها المؤدية إليها مشروعة وليست من البدع في شيء.
стр. 43
المبحث الثالث
الأصل في العبادة الاتباع
إن الأصل في باب العبادات هو إتباع الرسول ﷺ بدون زيادة ولا نقصان فليس لأحد مهما كان أن يزيد في العبادة شيئاً ولا أن ينقص منها شيئاً وقد أمر الرسول ﷺ في حديثين صحيحين مشهورين بالالتزام بالعبادة كما فعلها هو ﵊.
الأدلة من السنة على هذا الأصل
أولهما: قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا بعض حديث رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي قلابة قال: حدثنا مالك - هو ابن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه. قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (١).
فهذا الحديث الصحيح الصريح يقرر هذا الأصل وهو لزوم الاتباع في الصلاة كما كان النبي ﷺ يصلي. فنؤدي الصلاة كما وردت عن رسول ﷺ بلا زيادة ولا نقصان.
ثانيهما: قول الرسول ﷺ : (خذوا عني مناسككم) وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم بألفاظ متقاربة (٢).
стр. 44
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: (رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) (١).
قال الإمام النووي في شرحه للحديث: (وأما قوله ﷺ : (لتأخذوا مناسككم) فهذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس.
وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)] (٢).
ولفظ رواية النسائي: (رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة وهو على بعيره وهو يقول يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فإن لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا) (٣).
فهذان الحديثان يدلان على أن الأصل في العبادات هو التوقيف على رسول الله ﷺ فلا يثبت شيء من العبادات إلا بدليل من الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وجماع الدين أصلان أن لا يعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (٤).
стр. 45
وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه.
وفي الثانية: أن محمداً هو رسوله المبلغ فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)] (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان عبادات يصلح بها دينهم وعادت يحتاجون إليها.
فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.
وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله .
وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)] (٢).
وقال العلامة ابن القيم: [ ... ولا دين إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر.
والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم.
стр. 46
والفرق بينهما أن الله لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهو عفو حتى يحرمها.
ولهذا نعى الله على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه ... ] (١).
الأدلة من آثار الصحابة على هذا الأصل
ومما يؤيد هذا الأصل ويدل عليه وقوف الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف عند ما حدَّ رسول الله ﷺ فمن ذلك:
١. ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه قبل الحجر الأسود وقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك) متفق عليه (٢).
قال الإمام النووي: [وأما قول عمر ﵁: (لقد علمت أنك حجر وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع) فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله ونبه على أنه لولا الاقتداء به لما فعله.
وإنما قال: (وإنك لا تضر ولا تنفع) لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها وكان العهد قريباً بذلك، فخاف عمر ﵁ أن يراه بعضهم يقبله ويعتني به فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب ... ] (٣).
стр. 47
٢. وثبت عن عمر ﵁ في حادثة تقبيل الحجر الأسود وما قال فيه أنه قال بعد ذلك: (فما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه) رواه البخاري (١).
ومعنى قوله (راءينا) من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء قاله الحافظ ابن حجر (٢).
وجاء في رواية أخرى عن عمر ﵁ قوله: (فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ) رواه ابن ماجة بنحوه ورواه أحمد (٣).
٣. وعن يعلى بن أمية قال: (طفت مع عمر بن الخطاب فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر أخذت بيده ليستلم فقال: أما طفت مع رسول الله؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه قلت لا؟ قال: فأبعد عنه فإن لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الأوسط كما قال الهيثمي، ورواه البيهقي أيضاً (٤).
٤. وفي رواية عند الإمام أحمد أن يعلى بن أمية قال:
(طفت مع عثمان ... ) فذكر نحو الحديث السابق، قال الساعاتي: [فلعل القصة وقعت ليعلى بن أمية مرتين مرة مع عمر ومرة مع عثمان. ورواه أبو يعلى بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وسند الإمام أحمد فيه راوٍ لم يسمَّ] (٥).
стр. 48
٥. وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية ﵁ بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: (لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فقال معاوية: صدقت) رواه أحمد والترمذي، وقال: (حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني) ورواه البخاري تعليقاً (١).
قال الشيخ الساعاتي معلقاً على كلام ابن عباس ومعاوية ﵃: [يعني - أي معاوية - أنها كلها أركان البيت فلا نستلم البعض ونترك البعض.
يريد ابن عباس أننا لم نترك استلام الركنين هجراً للبيت ولكننا رأينا رسول الله ﷺ يفعل ذلك ففعلنا مثله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس ﵄ حينما ظهر له الدليل وقال صدقت. وهكذا شأن المؤمن إذ ظهر له الحق وكان مخالفاً لرأيه طرح رأيه واتبع الحق والرجوع إلى الحق فضيلة] (٢).
قال الحافظ ابن حجر: [وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجوراً بأنا لم ندع استلامهما هجراً للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به؟ ولكن
стр. 49
نتبع السنة فعلاً أو تركاً ولو كان ترك استلامهما هجراً لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجراً ولا قائل به] (١).
٦. وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم) وقد مضى.
٧. وقد ورد عن نافع أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر فقال: [الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال] رواه الترمذي والحاكم وقال الحاكم: صحيح الإسناد غريب ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني (٢).
٨. وورد عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود فنهاه فقال: [يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة] رواه البيهقي وعبد الرزاق والخطيب (٣).
٩. وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ . فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة.
فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله ﷺ ؟ إني سمعت الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ
стр. 50
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] ذكره الخطيب البغدادي والشاطبي (١).
١٠. قال الشيخ الألباني: [روى الطبراني بسند صحيح عن طلحة بن مصرف قال: [زاد ربيع بن خيثم في التشهد وبركاته:" ومغفرته "! فقال علقمة نقف حيث عُلِّمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وعلقمة تلقى هذا الاتباع من أستاذه عبد الله بن مسعود ﵁ فقد ثبت عنه أن كان يعلم رجلاً التشهد فلما وصل إلى قوله:" أشهد أن لا إله الله " قال الرجل: وحده لا شريك له. فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح] (٢).
١١. وعن علي ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود والدارمي وصححه الحافظ ابن حجر والألباني (٣).
وبناء على هذا الأصل المهم فإنه يشترط في العبادات الاتباع ولا يجوز الابتداع وحتى يكون الاتباع صحيحاً لا بد أن يكون العمل موافقاً للشريعة في الأمور الستة التالية: [الأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعياً فهي بدعة مردودة على صاحبها مثال ذلك أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله ﷺ فالتهجد عبادة ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعاً وهذا الوصف
стр. 51
-موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.
الثاني: الجنس فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة مثال ذلك أن يضحي رجل بفرس فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام الإبل، البقر، الغنم.
الثالث: القَدْر فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلاً فصلى خمساً فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
الرابع: الكيفية فلو أن رجلاً توضأ فبدأ بغسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.
الخامس: الزمان فلو أن رجلاً ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقرباً لله تعالى بالذبح وهذا العمل بدعة على هذا الوجه لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية والهدي والعقيقة أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
السادس: المكان فلو أن رجلاً اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد ولو قالت إمرأة أريد أن أعتكف في مصلى البيت فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلاً أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح
стр. 52
طوافه لأن مكان الطواف البيت، قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)] (١).
فائدة لطيفة: قال الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي: [وجدت بخط الوالد ﵁ يقصد والده وهو الإمام علي بن عبد الكافي السبكي -: فكرت عند الاضطجاع في قول المضطجع: باسمك اللهم وضعت جنبي وباسمك أرفعه، فأردت أن أقول: إن شاء الله تعالى، في " أرفعه " لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ثم قلت في نفسي: إن ذلك لم يرد في الحديث في هذا الذكر المنقول عند النوم ولو كان مشروعاً لذكره النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم فتطلبت فرقاً بينه وبين كل ما يجريه الإنسان من الأمور المستقبلة المستحب فيها ذكر المشيئة.
ولا يقال: إن " أرفعه " حال ليس بمستقبل لأمرين: أحدهما: أن لفظه وإن كان كذلك لكنا نعلم أن رفع جنب المضطجع ليس حال اضطجاعه.
والثاني: أن استحباب المشيئة عام فيما ليس بمعلوم الحال أو المضي. وظهر لي أن الأولى الاقتصار على الوارد في الحديث في الذكر عند النوم بغير زيادة وأن ذلك ينبه على القاعدة ويفرق بها بين تقدم الفعل على الجار والمجرور وتأخره عنه فإنك إذا قلت: أرفع جنبي باسم الله كان المعنى بالإخبار الرفع وهو عمدة الكلام وجاء الجار والمجرور بعد ذلك تكملة وإذا قلت: باسم الله أرفع جنبي كان المعنى الإخبار بأن الرفع كائن باسم الله وهو عمدة الكلام.
فافهم هذا السر اللطيف وتأمله في جميع موارد كلام العربية تجده يظهر لك به شرف كلام المصطفى ﷺ وملازمة المحافظة على الأذكار المأثورة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام] (٢).
стр. 53
المبحث الرابع
لا يجوز إثبات نوع من العبادات
لدخوله تحت الدليل العام بل لا بد من دليل خاص
وهذه مسألة مهمة ينبغي التنبيه عليها لأن كثيراً من المبتدعين يزعمون أن الدليل العام يؤيد بدعتهم فمثلاً يقولون إن تلاوة القرآن في المآتم " الختمة " تدخل تحت الأدلة العامة التي تحض على قراءة القرآن الكريم. ويقولون مثلاً إن الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان - كما يفعله كثير من المؤذنين بحيث أنهم يجعلونها جزءاً من الأذان - مشروعة لأنها داخله تحت عموم قوله تعالى: (يا أيُها الذَينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (١)
والجواب على هذه المقولة إنه لا بد من دليل خاص للعبادات حتى تكون صحيحة وموافقة لما جاء به النبي ﷺ ولا يكفي الاستدلال بعموم الأدلة وكونها داخلة في هذا العموم فمثلاً لو قال شخص عندما رأى المصلين في المسجد يصلون سنة الفجر أشتاتاً في أنحاء المسجد فقال: يا جماعة هلا اجتمعتم وصلينا سنة الفجر في جماعة لأنه صح في الحديث قول النبي ﷺ : (يد الله على الجماعة)، أو لأن النبي ﷺ يقول: ... (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس أو سبع وعشرين درجة).
فاستدلال هذا الرجل بالأدلة العامة لا يقبل ولا يصح ولا يجوز أن تدخل سنة الفجر في هذه العمومات ولو لم يثبت لدينا أن الرسول ﷺ قال لا تصلوا سنة الفجر في جماعة. حيث لا يوجد لدينا حديث بهذا المعنى، فصلاة سنة الفجر في جماعة
стр. 54
بدعة وإن كان الشرع قد حث على الجماعة وعلى صلاة الجماعة وأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد (١).
فقد يكون الفعل طاعة وعبادة في وقت ولا يكون كذلك في وقت آخر قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقاً. فقد رأى النبي ﷺ : (رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه، فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه) فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرهما وقد روى أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ وهو على المنبر فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام النبي ﷺ يخطب إعظاماً لسماع خطبة النبي ﷺ ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربة يوفى بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة والبروز للشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهى عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي] (٢).
وقال الحافظ المقدسي - أبو شامة -: [وأما القسم الثاني: الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك أو تركه أفضل من فعله فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور في زمان مخصوص أو مكان معين كالصوم بالنهار والطواف بالكعبة أو أمر به شخص دون غيره كالذي اختص به النبي ﷺ من المباحات والتخفيفات فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك ويقيس الصور بعضها على بعض ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات
стр. 55
فيحملهم ذلك الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع عن إيجاد تلك الطاعات فيها.
ومنها ما هو محرم ومنها ما هو مكروه ويورطهم الجهل وتزيين الشيطان في أن يقولوا هذه طاعات قد ثبتت في غير هذه الأوقات فنحن نفعلها أبداً فإن الله تعالى لا يعاقبنا على طاعة قد أمرنا بها وحثنا عليها وندبنا إلى الاستكثار منها وهذا مثل صلواتهم في الأوقات المكروهة للصلاة وهي خمسة أوقات أو ستة معلومة عند الفقهاء. ثبت نهي الشرع عن الصلاة فيها وكصومهم في الأيام المنهي عن الصوم فيها كصوم يومي العيد ويوم الشك وأيام منى التشريق وكوصالهم في الصيام الذي هو من خصائص المصطفى ﷺ وقد اشتد نكيره ﷺ على من تعاطى ذلك فهؤلاء وأمثالهم متقربون إلى الله تعالى بما لم يشرعه بل نهى عنه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).
وما أحسن ما قال ولي الله أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: ليس لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله تعالى حين وافق ما في قلبه. وقال أيضاً ﵀: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب " الإحياء ": من توجه عليه رد وديعة في الحال فقام وتحرم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى عصى به فلا يكفي في كون الشخص مطيعاً كون فعله من جنس الطاعات ما لم يراع فيه الوقت والشرط والترتيب واغتر بعض الجهال المتعلمين منهم بقوله تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ). وظن أن هذا يقتضي عموم السجود في جميع الأوقات وان كل سجود على الإطلاق يحصل به القرب من الله تعالى وهو قرب الكرامة واعتضد بما جاء قبل ذلك من التعجيب والإنكار في قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى) وغفل عن
стр. 56
أن السجود المقرب إلى الله تعالى هو السجود المأذون فيه وهو المشروع لا كل سجود من حيث الصورة.
والإنكار في الآية وقع على من نهى عن الصلاة المأذون فيها وهي المشروعة فتلك لا ينبغي لأحد أن ينهى عنها أما إذا صلى العبد صلاة قد علمنا نهي الشارع عنها فإنه يجب على كل أحد علم به نهيه عنها فإن الشارع هو الذي نهاه وقد ثبت: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) أخرجاه في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄.
وقال عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهى أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيّف الشمس للغروب حتى تغرب) أخرجه مسلم.
وفيه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) زاد بعض الرواة -وليس في كتاب مسلم- (قيل: يا رسول الله: ولا ركعتي الفجر، قال: ولا ركعتي الفجر).
وفي رواية أن رجلاً قال: (يا رسول الله! أي من ساعات الليل والنهار تأمرني أن لا أصلي فيها؟ فقال: نعم إذا صليت الصبح فأقصر عن الصلاة ... ) الحديث، وهو في السنن الكبير.
وفيه وفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال).
وفي صحيح البخاري وغيره أن عمر بن الخطاب ﵁ كان: (ينهى عن الركعتين بعد العصر ويضرب الناس عليهما! وقال ابن عباس: كنت أضرب الناس مع ابن الخطاب ﵄ عليهما).
стр. 57
وقال أيضاً: (كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربع).
وعن ابن عمر ﵄: (أنه رأى رجلاً يصلي بعد الجمعة ركعتين في مقامه فدفعه). وفي رواية: (أنه أبصر رجلاً يصلي ركعتين في مقامه فدفعه).
وفي رواية: (أنه أبصر رجلاً يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه وقال: أتصلي الصبح أربعاً) أخرجهن البيهقي في السنن الكبير.
وقد جاء في الصحيح هذا اللفظ مرفوعاً من حديث عبد الله بن مالك بن بجينة.
قال البيهقي: روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا رأى رجلاً يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه.
قلت: أيجوز لمسلم أن يسمع هذه الأحاديث والآثار ثم يقول: إن النبي ﷺ نهى الناس عن الصلاة من حيث هي صلاة وإن عمر وابن عباس ﵄ داخلان تحت قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى) وأن يقال لهما جواباً عن نهيهما: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فكذلك كل من نهى عما نهى الشرع عنه لا يقال له ذلك ولا يستحسنه من قائله ويسطره متبجحاً به إلا جاهل محرف لكتاب الله تعالى مبدل لكلامه قد سلبه الله تعالى لذة فهم مراده من وحيه وإن كان هذا من أوضح المواضع فكيف مما يدق معانيه وتلطف إشاراته!! ورده على الناهي عن ذلك ممتثلاً بقوله تعالى: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ) يتضمن الرد على رسول الله ﷺ فإنه هو الذي نهى وأمرنا بإنكار المنكر والله حسيب من افترى.
اللهم اجعلنا ممن يدخل في عموم ما روي عن رسولك ﷺ مرسلاً ومرفوعاً من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وغيرهما: (يحمل هذا
стр. 58
العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)] (١).
ونقل السيوطي كلام أبي شامة المقدسي في كتابه الأمر بالاتباع وأقره عليه (٢).
وقال الحافظ تقي الدين بن دقيق العيد: [وقد اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرواتب فعلاً وقولاً، واختلفت مذاهب الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد والرواتب، والمروي عن مالك: أنه لا توقيت في ذلك. قال ابن القاسم صاحبه: وإنما يوقت في هذا أهل العراق.
والحق - والله أعلم - في هذا الباب - أعني ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة - أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد أو هيئة من الهيئات أو نافلة من النوافل: يعمل به في استحبابه. ثم تختلف مراتب ذلك المستحب. فما كان الدليل دالاً على تأكده - إما بملازمته فعلاً أو بكثرة فعله وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد حكمه وإما بمعاضدة حديث آخر له أو أحاديث فيه - تعلو مرتبته في الاستحباب. وما يقصر عن ذلك كان بعده في المرتبة. وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة فإذا كان حسناً عمل به إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة الثانية أعني الصحيح الذي لم يدم عليه أو لم يؤكد اللفظ في طلبه. وما كان ضعيفاً لا يدخل في حيز الموضوع فإن أحدث شعاراً في الدين: منع منه. وإن لم يحدث فهو محل نظر يحتمل أن يقال: إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير واستحباب الصلاة ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل
стр. 59
المخصوص: يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه وهذا أقرب والله أعلم.
وهاهنا تنبيهات:
الأولى: أنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن يعمل به لدخوله تحت العمومات فشرطه: أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات مثاله: الصلاة المذكورة في أول ليلة جمعة من رجب: لم يصح فيه الحديث ولا حسن فمن أراد فعلها - إدراجاً لها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات - لم يستقم لأنه قد صح أن النبي ﷺ : (نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام) وهذا أخص من العموميات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة.
الثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه - من جواز إدراجه تحت العمومات - نريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة، لأن الحكم باستحبابه على تلك الهيئة الخاصة: يحتاج دليلاً شرعياً عليه ولا بد، بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ولا بتلك الهيئة. فهذا هو الذي قلنا باحتماله.
الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين. ومثاله: ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير. وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء مخصوص لم يثبت شرعاً وقريب من ذلك: أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة وجه مخصوص فيريد بعض الناس: أن يحدث فيها أمراً آخر لم يرد به الشرع زاعماً أنه يدرجه تحت عموم. فهذا لا يستقيم. لأن الغالب على العبادات التعبد ومأخذها التوقيف. وهذه الصورة: حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه. فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول. ولعل مثال ذلك، ما ورد في رفع اليدين في القنوت فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقاً فقال بعض الفقهاء:
стр. 60
يرفع اليد في القنوت لأنه دعاء. فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء وقال غيره: يكره لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف. والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت: كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع: أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء.
... والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص. وميل المالكية إلى هذا الثاني. وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع ألا ترى أن ابن عمر ﵄ قال في صلاة الضحى: ... (إنها بدعة) لأنه لم يثبت عنده فيها دليل. ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص. وكذلك قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره: (إنه بدعة) ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسلمة: (إياك والحدث) ولم ير إدراجه تحت دليل عام وكذلك ما جاء عن ابن مسعود ﵁ فيما أخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن قيس بن أبي حازم، قال: (ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل ويقول للناس: قولوا كذا وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه. فأتاه ابن مسعود متقنعاً. فقال: من عرفني فقد عرفني. ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود. تعلمون أنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه يعني أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة) وفي رواية: (لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً)، فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان
стр. 61
إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات] (١).
стр. 62
المبحث الخامس
تقسيم السنة النبوية إلى فعلية وتركية
وأثر الجهل بهذا الأصل في الابتداع
من المعلوم عند الأصوليين أن السنة النبوية هي: ما ثبت عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
وأفعال الرسول ﷺ جزء من السنة النبوية باعتبارها مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي وأفعال الرسول ﷺ على أقسام:
منها الأفعال الجبلية التي صدرت عن الرسول ﵊ بمقتضى خلقته وجبلته وطبيعته كلباسه وقعوده ونومه فهذه وأمثالها لا يجب على الأمة اتباعها.
ومن الأفعال ما كان خاصاً به ﷺ كزواجه أكثر من أربعٍ من النساء فهذه لا تشاركه فيها الأمة بالاتفاق.
ومن الأفعال التي صدرت عنه ما كان بياناً لمجمل كبيانه للصلاة والصيام والزكاة فهذا بالاتفاق بين أهل العلم يكون البيان تابعاً للمُبَين في الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة.
والأفعال التي صدرت عن الرسول ﷺ وعلمت صفة الفعل فجمهور العلماء على الاقتداء به على تلك الصفة فإن كان الفعل واجباً فالاقتداء به واجب وإن كان مندوباً فالاقتداء به مندوب وإن كان مباحاً فالاقتداء به مباحٌ.
وأما الأفعال التي صدرت عن الرسول ﷺ وجهلت صفة حكمها أواجبة هي أو مندوبة أو مباحة فهي محل خلاف عند الأصوليين (١).
стр. 63
وهناك أفعال تركها الرسول ﷺ ولم يفعلها وهذه على نوعين:
الأول: أفعال تركها الرسول ﷺ لعدم توفر الدواعي لفعلها كجمع المصحف وتضمين الصناع ونحوها قال الشاطبي: [أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله ﷺ ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل] (١).
والثاني: أفعال تركها الرسول ﷺ مع توفر الدواعي لفعلها ومع ذلك لم يفعلها فدل على أن المشروع فيها هو الترك لا الفعل كترك الأذان للعيدين وتركه صلاة ليلة النصف من شعبان وتركه التلفظ بالنية وتركه أن يقول للمأمومين قبل بدء الصلاة استحضروا النية وغير ذلك.
قال الشوكاني: [تركه ﷺ للشيء كفعله له في التأسي به فيه].
وقال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول ﷺ شيئاً وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه ﷺ لما ُقدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله وهكذا تركه ﷺ لصلاة الليل جماعة خشية أن تكتب على الأمة] (٢).
стр. 64
وقال الشاطبي ما ملخصه: [إن سكوت الشارع عن الحكم الخاص أو تركه أمراً وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي موجود ولم يحدد فيه الشارع أمراً زائداً على ما كان من الدين فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعاً لأنه لما كان الموجب لشريعة الحكم موجود ثم لم يشرع كان صريحاً في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حدّ هنالك بلا زيادة ولا نقصان منه] (١).
قال الشيخ الألباني: [ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله بقوله ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله فهي مخالفة لسنته، لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فما تركه ﷺ من تلك العبادات فمن السنة تركها، ألا ترى مثلاً أن الأذان للعيدين ودفن الميت مع كونه ذكراً وتعظيماً لله لم يجز التقرب به إلى الله ، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول الله ﷺ وقد فهم هذا المعنى أصحابه ﷺ فكثر عنه التحذير من البدع تحذيراً عاماً كما هو مذكور في موضعه حتى قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها) وقال ابن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق)] (٢).
وقال العلامة القسطلاني: [وتركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله] (٣).
стр. 65
وقال ابن النجار الحنبلي: [التأسي برسول الله ﷺ فعلك كما فعل لأجل أنه فعل وأما التأسي في الترك فهو أن تترك ما ترك لأجل أنه ترك] (١).
وقال العلامة ابن القيم: [فصل نقل الصحابة ما تركه ﷺ وأما نقلهم لتركه ﷺ فهو نوعان وكلاهما سنة. أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. وقوله في صلاة العيد: لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء. وقوله في جمعه بين الصلاتين: ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبداً علم أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة أو تركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائماً بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من الركوع الثانية، وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت. يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوماً واحداً وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف.
ومن هاهنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق.
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟
стр. 66
فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقُبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟
واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه. ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل؟] (١).
وقال الشاطبي: [والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه] (٢).
وقال الشاطبي أيضاً: [وتقرير السؤال أن يقال في البدع مثلاً إنها فعل ما سكت الشارع عن فعله أو ترك ما أذن في فعله، أو تقول: فعل ما سكت الشارع عن الأذن فيه أو ترك ما أذن في فعله أو أمر خارج عن ذلك. فالأول كسجود الشكر عند مالك حيث لم يكن ثم دليل على فعله والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات والاجتماع للدعاء
стр. 67
بعد العصر يوم عرفه في غير عرفات والثاني كالصيام مع ترك الكلام ومجاهدة النفس بترك مأكولات معينة والثالث كإيجاب شهرين متتابعين في الظهار لواجد الرقبة. وهذا الثالث مخالف للنص الشرعي فلا يصح بحال فكونه بدعة قبيحة بيّن.
وأما الضربان الأولان وهما في الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو تركه فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع أو أنهما مما يخالف المشروع؟ وهما لم يتواردا مع المشروع على محل واحد بل هما في المعنى كالمصالح المرسلة والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد الشارع ولا لوضع الأعمال أما القصد فمسلم بالفرض وأما الفعل فلم يشرع الشارع فعلاً نوقض بهذا العمل المحدث ولا تركاً لشيء فعله هذا المحدث كترك الصلاة وشرب الخمر بل حقيقته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع والمسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة ولا يفهم للشارع قصداً معيناً دون ضده وخلافه فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه إعمالاً للمصالح المرسلة وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالاً للمصالح أيضاً وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالاً للمصالح المرسلة أيضاً.
فالحاصل أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة في المعنى فما وجه ذم هذه ومدح هذه؟ ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص.
وتقرير الجواب ما ذكره مالك وأن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا - إذا وجد المعنى المقتضي للفعل أو الترك إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان. وهو غاية في هذا المعنى قال ابن رشد: الوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين - يعني سجود الشكر - لا فرضاً ولا نفلاً إذ لم يأمر بذلك النبي ﷺ ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه قال: واستدلاله على أن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان
стр. 68
لنقل، صحيح إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ، قال: وهذا أصل من الأصول ... وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها ودل على أن وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجوداً قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل (١).
ومن أوضح الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا القسم وهو ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضى له الأذان للعيدين فينبغي تركه وإن كان فيه مصلحة ظاهرة وهي دعوة الناس للصلاة وإعلامهم بها فهو غير مشروع ما دام أن النبي ﷺ قد تركه رغم دخوله تحت بعض العمومات كما وضحه شيخ الإسلام بقوله: [الأذان في العيدين فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعه دليلاً على كراهته وإلا لقيل هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع بل يقال: ترك رسول الله ﷺ له مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة.
فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك ... وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل
стр. 69
يقال له: كل بدعة ضلالة ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها أو أن نعلم ما فيها من المفسدة.
فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضى له وزوال المانع لو كان خيراً، فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله ﷺ ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس.
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدعة بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم فيقال له: سبب هذا تفريطك فإن النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك لا عن عملهم.
وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة) (١).
إن الجهل بهذا الأصل المهم أوقع كثيراً من الناس في البدع فانظر إلى البدع التي يفعلها الناس اليوم ترى أن النبي ﷺ قد تركها مع أن الدواعي لفعلها كانت موجودة على عهد النبي ﷺ فانظر إلى تلفظ كثير من المصلين بالنية فتسمع الواحد منهم يقول بصوت مرتفع: نويت أن أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر مقتدياً ... الخ ولم يؤثر مثل ذلك عن الرسول ﷺ ولا علمه لأحد من أصحابه كما في حديث المسيء
стр. 70
صلاته حيث قال له النبي ﷺ إذا قمت إلى الصلاة فكبر .. الخ رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح. ولم يقل قل نويت أن أصلي كذا وكذا فلو كان ذلك مشروعاً لعلمه النبي ﷺ لذلك الرجل فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم عند الأصوليين.
وكذلك قراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت تركه رسول الله ﷺ مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة على الميت وعدم المانع منه فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة.
وكيف يعقل أن يترك الرسول ﷺ شيئاً نافعاً يعود على أمته بالرحمة؟ وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. فهل يعقل أن يكون هذا باباً من أبواب الرحمة ويتركه الرسول ﷺ طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة؟
وكذلك الاحتفال بمولده ﷺ تركه ولم يفعله وكذا تركه الصحابة الأجلاء مع توفر الدواعي لفعله فإن يوم ميلاده كان يتكرر كل عام ومع ذلك لم يحتفل رسول الله ﷺ بمولده ولا أمر أحداً من الصحابة بالاحتفال بذكرى مولده كما أمرهم بالصلاة والسلام عليه كما هو معروف فدل تركه ذلك على أن الاحتفال بمولده غير مشروع.
إذ لو كان الاحتفال بالمولد مشروعاً لبينه رسول الله ﷺ ولفعله.
ولو كان الاحتفال بمولده ﷺ مشروعاً لسبقنا إليه الصحابة ﵃ فوالله لقد كانوا أشد حباً لرسول الله ﷺ وأكثر أدباً مع رسول الله ﷺ من المسلمين الذين يحتفلون بالمولد.
ثم إن بدعة الاحتفال بالمولد حدثت بعد مئات السنين على الإسلام فأين كان المسلمون طوال هذه السنوات الطويلة؟ فقد قيل إن أول من احتفل بالمولد هو صاحب إربل الملك العظيم مظفر الدين كوكبرى الذي توفي سنة ٦٣٠ هجري.
стр. 71
والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (١).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ ... فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (٢).
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة ﵁ أي لا تتقربوا بها إلى الله ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت عبادة لجاء بها رسول الله ﷺ (٣).
стр. 72
المبحث السادس
تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية
قسم الإمام الشاطبي البدعة إلى قسمين:
الأول: البدعة الحقيقية .
الثاني: البدعة الإضافية .
أما البدعة الحقيقية فهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل (١).
فالابتداع في البدعة الحقيقية من جميع وجوهها فهي بدعة محضة ليست فيها جهة تندمج بها في السنة فهي خارجة عن الشرع من كل وجه (٢).
ومن أمثلة البدعة الحقيقية:
١. اختراع عبادة ما أنزل الله بها من سلطان مثل الطواف بمقامات الأولياء والصالحين كما يزعم الزاعمون.
فإن الطواف المشروع في الإسلام هو الطواف بالكعبة المعظمة فقط لأنه الذي قامت عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلذا فإن طواف بعض الجهلة من العوام بمسجد قبة الصخرة باطل شرعاً.
وقد رأيت بعض النساء يطفن بمسجد قبة الصخرة في يوم جمعة من شهر رمضان في إحدى السنوات وهذا منكر عظيم ويبدو أنه وجد منذ عهد بعيد حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من البدع المحدثة والمنكرة الطواف بالصخرة فقال: [ ... ثم فيه
стр. 73
أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيه له بالكعبة ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة ... ] (١).
٢. ما زعمه الدجالون من المتصوفة من القول بسقوط التكاليف الشرعية عند الوصول إلى مرتبة معينة من مراتب التصوف فلا تجب عليهم صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج. وتباح لهم المحرمات كالزنا واللواط وشرب الخمر وغيرها (٢).
وهذا كله من الدجل والخرافات والأباطيل ومن تلبيس إبليس على هؤلاء الضالين المضلين.
٣. بناء الأضرحة والنصب على القبور كما يشاهد الآن من إقامة نصب للشهداء فيبنون على القبر بناءً مرتفعاً بالحجارة والرخام على أشكال مختلفة ويكتبون عليه الآيات القرآنية بالخط المذهب الجميل ويجعلون حول هذه الأضرحة الهياكل المعدنية على أشكال القباب ونحوها.
وكل ذلك غير مشروع لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال: [قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته] رواه مسلم (٣).
٤. تحريم الحلال أو تحليل الحرام اعتماداً على شبهات واهية ضعيفة فمن تحريم الحلال ما جاء في الحديث عن عبد الله بن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ
стр. 74
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا)) (١). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
ومن تحليل الحرام ما يقوله أدعياء العلم من علماء السلاطين من اعتبار فوائد البنوك الربوية من الحلال ضاربين بعرض الحائط النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الواردة في تحريم الربا (٣).
وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان إحدهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة (٤).
وخلاصة قول الإمام الشاطبي في البدعة الإضافية أن الأمر يكون مشروعاً في الأصل وقامت الأدلة على مشروعيته ولكن الكيفية أو الهيئة التي يؤدى بها ليست مشروعة فمن هنا سميت هذه البدعة إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين المخالفة الصريحة
стр. 75
أو الموافقة الصريحة (١).
ومن الأمثلة على البدعة الإضافية ما يلي:
١. الأذان للعيدين ولصلاة الكسوف فالأذان في أصله مشروع ولكن الأذان للعيدين والكسوف لم يثبت عن الرسول ﷺ .
٢. ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصاً كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا أو كذا أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك (٢).
٣. ختم الصلاة على الهيئة المعروفة التي يفعلها كثير من الأئمة فإنه من جهة كونه قرآناً وذكراً ودعاءً مشروع ومن جهة ما عرض له من رفع الصوت في المسجد ومن جهة كونه لم يفعله الرسول ﷺ غير مشروع (٣).
٤. الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان بحيث تجعل جزءً من الأذان كما هو المعهود في كثير من المساجد فمن جهة فالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ مشروعان ثابتان. ومن جهة أخرى من حيث جعلهما جزءً من الأذان غير مشروعين. ولذا قال الشيخ ابن حجر المكي لما سئل عن الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان كما يفعله المؤذنون اليوم فأجاب بأن الأصل سنة والكيفية بدعة (٤) كما سيأتي تفصيل كلامه في الفصل الثاني.