← Акыда

Акыда · id 9257

اتباع لا ابتداع - قواعد وأسس في السنة والبدعة

حسام الدين عفانة

Полный текст (270 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وواحد بالقسطنطينية وواحد بالطائف وهي حجارة سوداء إلى الزرقة في الغالب عليها آثار أقدام متباينة في الصورة والقدر لا يشبه الواحد منها الآخر] (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما يذكره بعض الجهال فيها - أي في الصخرة - من أن هناك أثر قدم النبي ﷺ وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب] (٢). وقد روي في فضل الصخرة أحاديث كثيرة وكلها باطلة مكذوبة موضوعة. قال العلامة ابن القيم: [وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى والقدم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزوريين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين] (٣). خرافات متعلقة بالصخرة ومن هذه الأحاديث: ١. ما روي عن عبادة ﵁ أنه ﵊ قال: (صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران تنظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة) ذكره المنهاجي السيوطي ومجير الدين الحنبلي وعبد الغني النابلسي (٤). قال العلامة محدث العصر الشيخ الألباني يرحمه الله إنه حديث موضوع ونقل عن الذهبي أن راوي الحديث محمد بن مخلد حدث بالأباطيل ثم ذكر هذا الحديث (٥).

стр. 212

وقال الهثيمي بعد أن ذكر الحديث: [وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهذا الحديث من منكراته] (١). ٢. وما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: (سيدة البقاع بيت المقدس وسيد الصخور صخرة بيت المقدس) ذكره المنهاجي السيوطي ومجير الدين الحنبلي (٢). وهذا الحديث تفوح منه رائحة الكذب. ٣. وما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (الأنهار كلها والسحاب والرياح من تحت صخرة بيت المقدس) ذكره مجير الدين الحنبلي وعبد الغني النابلسي (٣). وفي رواية أخرى (المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس) (٤) ٤. ومن الخرافات العجيبة ما ذكره عبد الغني النابلسي أن الصخرة معلقة في السماء لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ... الخ (٥) وهذا عين الكذب والافتراء. ٥. ومن الخرافات ما ذكره عبد الغني النابلسي أيضاً أن النبي ﷺ لما صعد إلى السماء من الصخرة ليلة المعراج صعدت الصخرة خلفه فأمسكتها الملائكة فوقفت بين السماء والأرض (٦). وهذا كذب ودجل بلا خجل ولا يصدقه إلا من في عقله خبل.

стр. 213

قال الشيخ علي محفوظ بعد أن ذكر هذه الخرافة: [وهذا من الأكاذيب المشهورة ولا أصل له في الدين] (١). ٦. ومن الخرافات أيضاً ما نقله الشيخ عبد الغني النابلسي عن عطاء قال: [وكانت صخرة بيت المقدس طولها في السماء اثني عشر ميلاً ويقال إنه ليس بينها وبين السماء إلا ثمانية عشر ميلاً وكان أهل أريحا يستظلون بظلها وكان عليها ياقوتة تغزل نساء البلقان على ضوئها بالليل. قال: ولم تزل كذلك حتى غلبت عليها الروم بعد أن خربها بختنصر] (٢). وهذا عين الكذب والإفتراء المحض. وغير ذلك من الخرافات والأحاديث الباطلة. وقد شاعت هذه الأحاديث والأقاويل بين عامة الناس وعند من كتبوا في فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى مما أثر في نفوس العامة فصاروا يتمسحون بالصخرة أو يقبلونها ويقدسونها وكل ذلك من البدع المنكرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فصخرة ببيت المقدس لا يسن استلامها ولا تقبيلها باتفاق المسلمين بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد والصلاة والدعاء في قبلة المسجد الذي بناه عمر ابن الخطاب للمسلمين أفضل من الصلاة والدعاء عندها] (٣). ومن المعلوم عند العلماء المحققين أنه لا يشرع تقبيل أي شيء من الجمادات إلا الحجر الأسود لما ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٤).

стр. 214

وقد سبق أنه لم يثبت شيء في فضل الصخرة على وجه الخصوص وإنما الثابت ما ورد في فضائل المسجد الأقصى فمن ذلك: قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١). عن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم (٢). وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك: ١. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي (٣). ورواه البزار وقال إسناده حسن (٤). وذكر المنذري الحديث وقال رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه وذكر أن البزار قال: إسناده حسن، وعقب المنذر على ذلك بقوله: كذا قال (٥).

стр. 215

والذي يظهر من كلام الشيخ الألباني على الحديث أنه يميل إلى تضعيفه (١). وقال الشيخ صالح آل الشيخ: [وتحسين إسناده عندي مشكل لأن سعيد بن بشير ليس ممن يحتج بحديثه وقد تفرد به] (٢). وقال د. صالح الرفاعي: [والخلاصة أن حديث أبي الدرداء حديث حسن إلا قوله: (وفي مسجد بيت المقدس خمسمئة صلاة) فإن هذه الجملة ضعيفة] (٣). ٢. وعن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: (قلت يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر إئتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. قلت أرأيت إن لم نستطع أن أتحمل إليه! قال: فتهدي له زيتاً يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه) رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني وغيرهم قال الذهبي: هذا حديث منكر جداً (٤). وتراجع الشيخ الألباني عن تصحيح هذا الحديث حيث كان قد صححه في فضائل الشام ثم قال: [ثم بدا لي أنه غير جيد السند فيه علة تقدح في صحته] (٥). وقال الشيخ الألباني في موضع آخر: [وأما حديث إن الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة فهو حديث منكر كما قال الذهبي ... ] (٦).

стр. 216

٣. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة) رواه ابن ماجة وقال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف (١). وقال العلامة ابن القيم: [وهو حديث مضطرب " إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة " وهذا محال لأن مسجد رسول الله ﷺ أفضل منه والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة] (٢). وقال الذهبي [هذا منكر جداً] (٣). ٤. وعن أبي ذر ﵁ قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه ببيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي (٤). وقال الهيثمي: [رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح] (٥). وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى (٦).

стр. 217

وقال د. صالح الرفاعي: [والحديث في إسناده قتادة وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث ... فيخشى أن يكون دلسه لا سيما أن في متنه غرابة كما قال المنذري فالحديث ضعيف الإسناد ولأن قتادة لم يصرح بالتحديث] (١). وقد بين الشيخ الألباني أن للحديث طريقان آخران فلذا صححه (٢). وقد وردت أحاديث أخرى ضعيفة في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى (٣). والذي يظهر لي أن أحسنها حالاً الحديث الأخير حديث أبي ذر ثم الحديث الأول وهو حديث أبي الدرداء وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ... وأما في المسجد الأقصى فقد روي أنها بخمسين صلاة وقيل بخمسمائة صلاة وهو الأشبه] (٤). وقال ابن القيم: [وقد روي في بيت المقدس التفضيل بخمسمائة وهو أشبه] (٥).

стр. 218

المبحث الحادي عشر بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من البدع المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي وفي بلادنا بدعة الاحتفال بالمولد النبوي بل أصبح يوم المولد النبوي عيداً رسمياً تعطل فيه الدوائر والمؤسسات الرسمية والمصانع أعمالها ويسمونه عيد المولد النبوي. وتقام الاحتفالات وتلقى الخطابات وتعقد حلقات الإنشاد وتقرأ قصة المولد وقد يصاحب ذلك بعض المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء وما يتبع ذلك من الرقص والتصفيق والتبرج وعزف الفرق الموسيقية داخل ساحات المسجد. الأدلة على بدعيته إن هذه الاحتفالات بدعة ولا يجوز فعلها ولا يصح اعتبار المولد عيداً من أعياد المسلمين ويدل على عدم جواز كل ذلك ما يلي: أولاً: إن هذا العمل ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة ولم يفعله السلف الصالح بل ذلك من [البدع المحدثة في الدين لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع ولا التابعون لهم بالإحسان في القرون المفضلة وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حباً لرسول الله ﷺ ومتابعة لشرعه ممن بعدهم وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه وقال في حديث آخر: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث

стр. 219

البدع والعمل بها وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين: (وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقال : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) وقال تعالى: ... (وَالسَّابِقُونَ الاوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالانْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا)، والآيات في هذا المعنى كثيرة وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة] (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المولد: [فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منَّا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منَّا وهم على الخير أحرص] (٢).

стр. 220

وقال الشيخ تاج الدين الفاكهاني: [لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين] (١). وقال الونشريسي تحت عنوان " التحبيس - الوقف - على إقامة ليلة المولد ليس بمشروع ": [وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد ﷺ ثم مات المحبس فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور فهل له ذلك أم لا؟ فأجاب: وقفت على السؤال فوقه - وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة لأن النبي ﷺ لا ُيعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله لكن يتقرب إلى الله ﷻ بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه ﷺ ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق ﷺ لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه وقد نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله فدل هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لم يفعل، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد، ويقول آخرون

стр. 221

الليلة التي أسري به فيها حصل له من الشرف مالا يقدر قدره فتحدث فيها عبادة، فلا يقف ذلك عند حدّ، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعاً بل يؤمر بتركه ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمراره ما ليس له أصل في الدين فمحوه وإزالته مطلوب شرعاً] (١). وقال الونشريسي أيضاً: [وسئل سيدي أحمد القباب عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي ﷺ واجتماع الأولاد للصلاة على النبي ﷺ ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشراً من القرآن وينشد قصيدة في مدح النبي ﷺ ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب ... فأجاب بأن قال: جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساعٍ في بدعة وضلالة، ويظن بجهله أنه بذلك معظم لرسول الله ﷺ قائم بمولده، وهو مخالف سنته مرتكب لمنهيات نهى عنها ﷺ ، متظاهر بذلك محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظماً له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذر الله تعالى منه حيث قال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] (٢).

стр. 222

ثانياً: إن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً فيه تشبه بأهل الكتاب فالنصارى يحتفلون بعيد مولد عيسى ﵇ كما يزعمون في نهاية كل عام ميلادي، وكذلك اليهود يحتفلون بأعياد زعموها لأنبيائهم فإذا احتفل المسلمون بعيد المولد النبوي غير المشروع فقد تشبهوا بأهل الكتاب وقد نهينا عن التشبه بهم، قال العلامة ابن القيم: [ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله] (١). ثالثاً: إن الاحتفال بالمولد أمر محدث لم تعرفه القرون الأولى الفاضلة وأول من أحدث هذه البدعة أحد خلفاء الدولة الفاطمية من الرافضة وهو المعز لدين الله وذلك سنة ٣٦٢ هـ بالقاهرة فقد أحدث ستة موالد وهي: المولد النبوي ومولد الإمام علي ومولد فاطمة ومولد الحسن والحسين ومولد الخلفية المعاصر وبقيت هذه الموالد إلى أن أبطلها الأفضل أمير الجيوش بن بدر الجمالي سنة ٤٨٨ هـ ثم أعيد الاحتفال بها سنة في خلافة الآمر بأحكام الله سنة ٥٢٤ هـ، وكان أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي بالعراق صاحب إربل الملك أبو سعيد كوكبوري في القرن السابع الهجري (٢). والسؤال أين كان المسلمون خلال عدة قرون عن هذا الاحتفال لو كان مشروعاً؟ وأين كان الصحابة والتابعون وسلف الأمة عن هذا الاحتفال لو كان مشروعاً؟ والله لو كان الاحتفال بالمولد النبوي مشروعاً لسبقونا إليه فإنهم أشد حباً لله ولرسوله ﷺ ممن جاء بعدهم وهم أشد إتباعا ممن خلفهم.

стр. 223

رابعاً: إن يوم مولد النبي ﷺ ليس معلوماً على الوجه القطعي فقد اختلف العلماء في تعيين يوم مولده فمنهم من قال ولد يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول وهذا القول هو المشهور. وقيل في الثاني منه وقيل في الثامن منه وقيل في العاشر وقيل في السابع عشر منه وقيل في الثامن عشر منه. ورجح بعض العلماء المحدثين أنه ﷺ ولد في التاسع من ربيع الأول وحسب ذلك فلكياً (١). وبناء على هذا الاختلاف فإن جعل الاحتفال بالمولد في الثاني عشر من ربيع الأول لا أصل له من الناحية التاريخية فهو تحكم بدون مستند (٢). ووقوع هذا الخلاف في يوم مولده يدل على أن الصحابة ﵃ لم يروا أن لذلك اليوم شعاراً خاصاً به لأنهم لو كانوا يعلمون أن لهذا اليوم شعاراً خاصاً لعينوه واهتموا به ولصار معلوماً مشهوراً ولما لم يكن ذلك دل على عدم مشروعية الاحتفال من أصله. خامساً: إن احتفال كثير من المحتفلين بالمولد النبوي يتضمن في الغالب مفاسد ومنكرات عديدة منها: أ. إن كثيراً من القصائد والمدائح التي يُتَغَنى بها في المولد لا تخلو من ألفاظ الشرك وعبارات الغلو في الرسول ﷺ كما في قصيدة البوصيري: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي ... صفحاً وإلا فقل يا زلة القدم

стр. 224

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فمثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله فكيف تكون الدنيا والآخرة من جود النبي ﷺ ؟ وكيف يكون علم اللوح والقلم من علم النبي ﷺ ؟ وماذا أبقى هذا الشاعر لله تعالى؟!! (١) لا شك أن هذا من الغلو وقد نهى النبي ﷺ عن الغلو بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري (٢). وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه النووي والألباني وغيرهم (٣). ب. ومن البدع القبيحة التي تقع في بعض الاحتفالات بالمولد النبوي قيام الحاضرين تعظيماً وإكراماً عند ذكر ولادته ﷺ وخروجه إلى الدنيا لأنهم يعتقدون حضور الرسول ﷺ لاحتفالهم كما زعموا. قال العلامة الشيخ عبد العزيز باز في إبطال هذه البدعة: [ومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد ولهذا يقومون له محيين ومرحبين وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعاتهم بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) وقال النبي ﷺ : (أنا أول

стр. 225

من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع) عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به] (١).

стр. 226

المبحث الثاني عشر بدعة الاحتفال بعيد الميلاد من البدع المنكرة التي انتشرت بين الناس إقامة حفلات عيد الميلاد لأبنائهم وبناتهم فكلما مرّ عام على موعد ولادة الشخص ابناً كان أو بنتاً أو زوجاً أو زوجة يقيمون له حفلة عيد ميلاد فيصنعون الحلوى وما يسمى بكعكة عيد الميلاد ويضعون عليها الشموع بعدد سنوات العمر التي مضت وينشدون أنشوده مخصوصة لهذا الاحتفال باللغة الإنجليزية، وهي: ... Happy birth day to you ... وهذا الاحتفال بدعةٌ ومنكرٌ وتشبهٌ بالنصارى فإن أصل فكرة عيد الميلاد نبتت من النصارى الذين يحتفلون بعيد ميلاد عيسى ﵇ في كل عام، فتقام له الاحتفالات في الكنائس في أواخر الشهر الأخير من العام الميلادي عند بعض طوائف النصارى وتحتفل طوائف أخرى به في أوائل الشهر الأول من العام ومما يؤسف له أن بعض المسلمين يشاركون في هذه الاحتفالات معهم في كنائسهم، وآخرون من المسلمين يقيمون حفلات الرقص والغناء في هذه الأيام ويتخلل هذه الاحتفالات كثير من المنكرات أقلها اختلاط الرجال بالنساء المتبرجات ويتخللها الرقص وشرب الخمور وأمور أخرى يخجل الإنسان من ذكرها فنسأل الله العفو والعافية. وقد حذر العلماء منذ عهد بعيد من مشاركة المسلمين لأهل الكتاب في احتفالاتهم الدينية وشعائرهم ويظهر من استقراء الكتب التي تحدثت عن هذه المسألة أن بعض العوام من المسلمين ممن ضعف إيمانهم وكثر جهلهم بأحكام الإسلام كانوا يشاركون

стр. 227

النصارى احتفالاتهم أو يظهرون مظاهر عيدهم فقد حذر الإمام أبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة ٥٣٠ هـ المسلمين من المشاركة في هذه الاحتفالات (١). وكذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ وتلميذه العلامة ابن القيم والشيخ إدريس التركماني وكذلك فعل جلال الدين السيوطي وغيرهم (٢). وقد اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد أهل الكتاب والتشبه بهم فيها وقد نص على ذلك فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم (٣). ومن نصوص العلماء في ذلك ما يلي: ١. ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم) رواه عبد الرزاق والبيهقي وإسناده صحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٤). ٢. وعن عمر أيضاً أنه قال: (اجتنبوا أعداء الله في دينهم) رواه البيهقي (٥). ٣. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم

стр. 228

ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) رواه البيهقي (١). ٤. وقد ورد عن جماعة من التابعين في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (٢). أن ذلك أعياد المشركين، فقد ورد عن محمد بن سيرين أنه قال في تفسير الزور بأنه الشعانين - وهو عيد للنصارى -. وورد عن مجاهد أنه قال: [هو أعياد المشركين ونحوه ورد عن الربيع بن أنس والضحاك وأبي العالية وطاووس] (٣). ٥. قال أبو القاسم هبة الله بن الحسين الطبري الفقيه الشافعي: [ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه] (٤). ٦. وقال أبو الحسن الآمدي: [لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا. واحتج بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: الشعانين وأعيادهم (٥). ٧. وقال الشيخ إدريس التركماني: [ومن قلة التوفيق والسعادة ما يفعله المسلم

стр. 229

الخبيث في يوم يعرف بالميلاد فيشتري لأولاده القصب والشمع والقفص ... فيقع في البدع ويخرج عن طريق النبي المختار صلوات الله عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار وفي فعلته هذه قد تشبه بالكفار ... ] (١). ٨. وقال الشيخ إدريس التركماني أيضاً: [وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب ﵁ وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد المسلمين فإذا منعهم الشرع فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء أو كثر سوادهم حشر معهم] (٢). ٩. وقال جلال الدين السيوطي: [ومما يفعله كثير من الناس في أيام الشتاء ويزعمون أنه ميلاد عيسى ﵇ فجميع ما يصنع أيضاً في هذه الليالي من المنكرات مثل: إيقاد النيران وإحداث طعام وشراء شمع وغير ذلك فإن اتخاذ هذه المواليد موسماً هو دين النصارى ليس لذلك أصل في دين الإسلام ولم يكن لهذا الميلاد ذكر في عهد السلف الماضين بل أصله مأخوذ عن النصارى وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه شتاء المناسب لإيقاد النيران] (٣). وقال السيوطي أيضاً: [ومن ذلك أعياد اليهود أو غيرهم من الكافرين أو الأعاجم والأعراب الضالين لا ينبغي للمسلم أن يتشبه بهم في شيء من ذلك ولا يوافقهم عليه.

стр. 230

قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الامْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ). وأهواء الذين لا يعلمون هو: ما يهوونه من الباطل فإنه لا ينبغي للعالم أن يتبع الجاهل فيما يفعله من هوى نفسه. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ). فإذا كان هذا خطابه لنبيه ﷺ فكيف حال غيره إذا وافق الجاهلين أو الكافرين وفعل كما يفعلون مما لم يأذن به الله ورسوله!! ويتابعهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم!! وترى اليوم كثيراً من علماء المسلمين الذين يعلمون العلم الظاهر وهم منسلخون منه في الباطن يصنعون ذلك مع الجاهلين في مواسم الكافرين بالتشبه بالكافرين] (١). ١٠. وقال السيوطي أيضاً: [واعلم أنه لم يكن على عهد السلف السابقين من المسلمين من يشاركهم في شيء من ذلك فالمؤمن حقاً هو السالك طريق السلف الصالحين المقتفي لآثار نبيه سيد المرسلين المقتدي بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه إنه جواد كريم ولا ينظر الرجل إلى كثرة الجاهلين الواقعين في مشابهة الكافرين والعلماء الغافلين وموافقتهم فقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض ﵁: عليك بطريق الهدى وإن قلَّ السالكون واجتنب طريق الردى وإن كثر الهالكون. اللهم اجعلنا من المهتدين المتبعين لآثار سبيل الصالحين ولا تجعلنا من الهالكين المتبعين لآثار سبيل الكافرين الضالين

стр. 231

بمنك وكرمك إنك جواد كريم] (١). ١١. وسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: [عن حكم تهنئة الكفار بعيد الكريسمس؟ وكيف نرد عليهم إذا هنؤونا بها؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئاً مما ذكر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملةً أو حياءً أو إحراجاً أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التشبه بهم في ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتابه " أحكام أهل الذمة " حيث قال: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. انتهى كلامه - يرحمه الله -. وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر ورضى به لهم وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا. وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على

стр. 232

ذلك لأنها ليست بأعياد لنا ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ إلى جميع الخلق وقال فيه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها. وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى أو أطباق الطعام أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك لقول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ": مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء. انتهى كلامه - يرحمه الله - ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملةً أو تودداً أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب لأنه من المداهنة في دين الله ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم. والله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم ويرزقهم الثبات عليه وينصرهم على أعدائهم إنه قوي عزيز] (١).

стр. 233

المبحث الثالث عشر بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج جرت عادة المسلمين في هذه الديار وغيرها على الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام وفي هذا اليوم تعطل الدوائر والمؤسسات والمدارس والجامعات وتقام الاحتفالات في المساجد وقبل بيان بدعية هذه الاحتفالات أقول إن حادثة الإسراء والمعراج حق وصدق لا شك في ذلك ولا ريب وقد ثبت ذلك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأشارت إلى ذلك أول آية من سورة الإسراء حيث يقول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١). وأما أنه ﷺ أسري به في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب فلم يثبت ذلك بسند صحيح فقد اختلف العلماء في وقت الإسراء والمعراج على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: [وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وبه جزم النووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فإن في ذلك اختلافاً كثيراً يزيد على عشرة أقوال] (٢). ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال وهي: ١. قبل الهجرة بثمانية أشهر. ٢. قبل الهجرة بستة أشهر. ٣. قبل الهجرة بسنة. ٤. قبل الهجرة بأحد عشر شهراً.

стр. 234

٥. قبل الهجرة بسنة وشهرين. ٦. قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر. ٧. قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً. ٨. قبل الهجرة بثلاث سنوات. ٩. قبل الهجرة بخمس سنوات. وكما أنهم اختلفوا في تحديد السنة التي حدثت فيها حادثة الإسراء والمعراج فكذلك اختلفوا في الشهر الذي وقعت فيه، فقيل: كان ذلك في السابع والعشرين من رجب. وقيل في شهر رمضان. وقيل في شهر شوال. وقيل في شهر ربيع الأول. وقيل في شهر ربيع الثاني. وقد ذكر هذه الأقوال كلها الحافظ ابن حجر (١). وقال الإمام أبو الخطاب ابن دحية: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب. قال الإمام أبو إسحاق الحربي: أسري برسول الله ﷺ ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول] (٢). وقد بحث المسألة أيضاً الإمام القرطبي في تفسيره وذكر الاختلاف الكبير في تحديد وقت الإسراء والمعراج وزاد أنه قد روي أن الإسراء كان بعد مبعثه بخمس سنين (٣). وأضاف الحافظ ابن كثير أن من العلماء من يرى أن الإسراء والمعراج وقع قبل الهجرة بستة عشر شهراً وكان ذلك في شهر ذي القعدة وذكر أن بعض الناس ادعى أن ذلك كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وعقب على ذلك بأنه لا أصل (٤).

стр. 235

وقال العلامة أبو شامة المقدسي: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] (١)، وهذه العبارة سبقت في كلام ابن دحية. وقال الإمام النووي: [وكان الإسراء سنة خمس أو ست من النبوة وقيل سنة اثنتي عشرة منها وقيل بعد سنة وثلاثة أشهر منها وقيل غير ذلك. وكان ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأول] (٢). وقال العلامة ابن القيم ناقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره] (٣). وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها لا سيما على ليلة القدر ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء من أعظم فضائله

стр. 236

ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية بل غار حراء الذي ابتدأ فيه بنزول الوحي وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها ولا خص المكان الذي ابتدأ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله وقد رأى عمر بن الخطاب ﵁ جماعة يتبادرون مكاناً يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله ﷺ . فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض] (١) وقد ذكر محققا الكتاب أن أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وسنده صحيح (٢). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه وأنه بعث في السابع والعشرين منه وقيل في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي ﷺ كان في سابع وعشرين من رجب وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب] (٣). وبعد هذا العرض للأقوال الواردة في وقت حادثة الإسراء والمعراج أقول إنه لم يثبت بحديث صحيح ولا خبر صحيح عن صحابي توقيت هذه الحادثة لا في السابع

стр. 237

والعشرين من رجب ولا غيره وبناء على ذلك، فإن تحديد السابع والعشرين من رجب على أنه وقتها غير صحيح وينقصه الدليل الثابت وقد رأينا أن أهل العلم لم يثبتوا تلك الروايات الواردة في تعيين وقت هذه الحادثة وحتى لو سلمنا جدلاً أن وقت حادثة الإسراء والمعراج معلوم لا يجوز للمسلمين الاحتفال بهذه المناسبة لأن ذلك لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا يجوز لهم أن يعتبروها عيداً من أعياد المسلمين تتعطل فيه الأعمال وتقام فيه الاحتفالات لأن ذلك زيادة في الدين وشرع لم يأذن به الله. قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو الفعل ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ولنقله الصحابة ﵃ إلينا فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شيء من الدين بل هم السابقون إلى كل خير فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس وقد بلَّغ الرسالة غاية البلاغ وأدى الأمانة فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء وقد أكمل الله لهذا الأمة دينها وأتم عليها النعمة وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله قال في كتابه المبين من سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا)، وقال في سورة الشورى (أَمْ لَهُمْ

стр. 238

شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع والتصريح بأنها ضلالة تنبيهاً للأمة على عظم خطرها وتنفيراً لهم من اقترافها ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)] (١). وقال الشيخ علي محفوظ: [ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروباً كثيرة كالاجتماع في المساجد وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك واجتماعهم للذكر والقراءة وتلاوة قصة المعراج وكان ذلك حسناً لو كان ذكراً وقراءة وتعليم علم لكنهم يلعبون في دين الله فالذاكر على ما عرفت والقارئ على ما سمعت فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه وما أحسن سير السلف فإنهم كانوا شديدي المداومة على ما كان عليه الرسول ﷺ لا يخرجون عن الثابت قيد شعرة ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير ﵃ أجمعين] (٢).

стр. 239

المبحث الرابع عشر بدعة الاحتفال بالهجرة ومن البدع المحدثة بدعة الاحتفال بذكرى هجرة الرسول ﷺ في اليوم الأول من شهر محرم من كل عام حيث يتخذ هذا اليوم عيداً وعطلةً رسميةً وهو بدعةٌ. وأول من احتفل برأس السنة الهجرية هم الفاطميون في مصر كما اشر إلى ذلك المقريزي حيث قال: [موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول محرم في كل عام لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها ... ] (١). ومن المعلوم لدى أهل الحديث والسيرة أن النبي ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة في أوائل شهر ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة لبعثته ﷺ حيث وصل إلى قباء إحدى ضواحي المدينة النبوية لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين كما قال الحافظ ابن كثير (٢). وقال العلامة القسطلاني: [وجزم ابن إسحاق أنه خرج أول يوم من ربيع الأول فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يوماً وكذا جزم الأموي في المغازي عن ابن إسحاق فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال. قال: وخرج لهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول] (٣). ولم تكن هجرته ﷺ في الأول من المحرم كما يظن كثير من الناس وإنما حدث في عهد عمر بن الخطاب ﵁ أن اتخذ التاريخ واختار الصحابة ﵁ التأريخ بهجرة المصطفى ﷺ ، قال الإمام البخاري في الصحيح: (باب التاريخ من أين أرخوا؟) ثم

стр. 240

روى بسنده عن سهل بن سعد قال: [ما عدّوا من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته ما عدُّوا إلا من مقدمه المدينة] وقال الحافظ ابن حجر: [وإنما أخروه - التاريخ - من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسب أن يجعل مبتدأ. وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم] (١). وبناءً على ما تقدم فإن الأول من المحرم هو بداية السنة الهجرية وليس هو موعد هجرة الرسول ﷺ وعلى كلا الحالين لا يجوز اتخاذ الأول من المحرم عيداً وتخصيصه بنوع من العبادة أو الذكر لأن هذا الأمر بدعة لم يفعلها الرسول ﷺ ولم يفعلها أحد من خلفائه ولا من صحابته فلا يصح اتخاذه عيداً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخول المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعياداً وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعياداً أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه] (٢).

стр. 241

الأدلة على عدم شرعيته ويستدل أيضاً على عدم شرعية الاحتفال بذكرى الهجرة بما يلي: ١. إن ما جرى في الزمان من الأحداث والوقائع كالهجرة النبوية وليلة الإسراء والمعراج وغزوات النبي ﷺ وغيرها من الأحداث العظيمة لا يوجب ذلك أن تتخذ ذكريات هذه المناسبات مواسم وأعياداً يحتفل بها أو تعظم على غيرها وتخصص ببعض العبادات وذلك لأنها لم تعظم أو تخصص من قبل الشرع. ٢. من القواعد الشرعية المعروفة أن العبادة توقيفية كما قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الامْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (١). وقال نبيه ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولا ريب أن الأعياد والمواسم الدينية من مسائل العبادة وكذا طلب البركة والخير والأجر في زمان معين وليس في الشريعة الإسلامية ما يجيز التبرك أو الاحتفال بتلك المواسم ولذا لم يؤثر ذلك عن رسول الله ﷺ ولا عن صحابته ولا عن التابعين لهم بإحسان. ففعل ذلك من البدع التي أحدثها الناس في الدين مع ما فيها من التشبه بأهل الكتاب ومع ما قد تتضمنه من المفاسد. ٣. إذا كانت إقامة الاحتفالات والأعياد بهذه المناسبات من باب شكر الله تعالى أو تعظيم نبيه ﷺ كما يدعي بعضهم، فالجواب على هذا: أن شكر الله تعالى إنما يكون بطاعته وعبادته على وفق شرعه كما أن تعظيم النبي ﷺ واحترامه يكون بطاعته أيضاً ومحبته والصلاة عليه واتباع سنته عليه أفضل الصلاة والسلام وعدم الابتداع في الدين.

стр. 242

٤. ليس المقصود من الاقتداء بالرسول ﷺ والاتعاظ بسيرته والانتفاع بأحداثها وما فيها من دروس وعبر أن يكون ذلك مجرد ذكريات فقط تقام لها الاحتفالات والخطب في أيام محددة من السنة ثم تنسى إنما المطلوب أن يكون النظر في سيرته ﷺ والانتفاع بما وقع فيها من أحداث ووقائع شريفة واستخراج الدروس والعبر منها أن يكون ذلك طوال أيام السنة ولياليها على الوجه الشرعي فلا يختص بأوقات محددة] (١).

стр. 243

المبحث الخامس عشر بدع موسمية أخرى وهنالك بدع موسمية أخرى منتشرة تعطل فيها الأعمال والجامعات والمدارس وفي ذلك تعطيل لمصالح الناس وضرر يعود على طلاب العلم بسبب هذه الأعياد المزعومة كعيد رأس السنة الميلادية وهو اليوم الأول من شهر كانون الثاني من كل عام حيث إنه يوم عيد وعطلة رسمية في كثير من البلاد وكذلك عيد العمال ويقع في اليوم الأول من شهر أيار من كل عام وكذلك عيد الأم في الحادي والعشرين من آذار من كل عام وعيد الاستقلال وعيد الشجرة وعيد الحب الذي هو مظهر من مظاهر الفسق والفجور وغير ذلك من الأعياد، فهذه الأعياد كلها مبتدعة لا يجوز للمسلم أن يحتفل بها أو أن يلقي لها بالاً وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وليس الاحتفال بهذه المناسبات من عمله ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃ ولا من عمل سلف الأمة بل هو تشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الناس (١). والمسلمون عندهم عيدان شرعيان فقط يحتفل بهما وهما عيد الفطر وعيد الأضحى فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا إسناد على شرط مسلم وصححه الشيخ الألباني (٢).

стр. 244

المبحث السادس عشر البدع المتعلقة بقراءة القرآن الكريم وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ما يتعلق بسورة الفاتحة: اعتاد كثير من الناس على قراءة سورة الفاتحة عند الانتهاء من إلقاء درس أو موعظة وعند الانتهاء من قراءة سورة من القرآن فعندما يختم القارئ قراءته يقول للسامعين الفاتحة وكذلك عند عقد الزواج وعند الانتهاء من الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان وعند المرور بالقرب من المقبرة وعند ختم الصلاة وعند الاتفاق على صفقة بيع أو شراء، وعند إتمام صلح بين متخاصمين يقرؤون الفاتحة وغير ذلك من المواضع. ولا شك أن سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن الكريم وهي السبع المثاني كما قال تعالى: (َوَلَقَدْءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ) (١). قال القرطبي: [سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة] (٢). وقد ثبت فضل سورة الفاتحة في عدة أحاديث منها: عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: (مرَّ بي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت. ثم أتيت فقال: ما منعك أن تأتي؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله (يا أيها الذين آمنوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد. فذهب النبي ﷺ ليخرج فذكرته فقال:

стр. 245

الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه الإمام البخاري (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل إلا اليوم، فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) رواه مسلم (٢). وغير ذلك من الأحاديث. وقراءة الفاتحة وغيرها من سور القرآن الكريم عبادة من العبادات والأصل في العبادات التلقي عن رسول الله ﷺ ولم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة بعد وعظه وإرشاده ولا بعد صلاة الجنازة ولا عند الزواج ولا في المناسبات التي شاع فيها قراءة الفاتحة في زماننا هذا. وكل ذلك من الأمور المبتدعة المخالفة لهدي المصطفى ﷺ ، قال الشيخ محمد رشيد رضا: [فاعلم أن ما اشتهر وعمَّ البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بِسُكُوتِ اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة] (٣).

стр. 246

وقال الشيخ الألباني: [ ... ومما سبق تعلم أن قول الناس اليوم في بعض البلاد:" الفاتحة على روح فلان " مخالفٌ للسنة المذكورة فهو بدعةٌ بلا شك] (١). وقراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجات وتفريج الكربات وهلاك الأعداء بدعة لم يأذن بها الدين ... وقراءة الفاتحة عند خطبة الزواج واعتقاد الناس أن قراءتها عهد لا ينقض بدعة واعتقاد فاسد جاهل (٢). وأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن سؤال حول حكم القول: الفاتحة على روح فلان، أو الفاتحة إن الله ييسر لنا ذلك الأمر وبعد ذلك بعد الميلاد يقرأون سورة الفاتحة أو بعد أن يقرأ القرآن وينتهي من قراءته يقول الفاتحة ويقرؤها الحاضرون، وكذلك جرى العرف على قراءة الفاتحة قبل الزواج فما حكم ذلك؟ فأجابت اللجنة: [قراءة الفاتحة بعد الدعاء أو بعد قراءة القرآن أو قبل الزواج بدعة لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من صحابته ﵁ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)] (٣).

стр. 247

المسألة الثانية: ما يتعلق باستماع القرآن الكريم: يقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١). فالمطلوب من السامعين للتلاوة الإنصات والتدبر والتفكر في الآيات المتلوة، ولكن كثيراً من السامعين يخلون بهذا الأدب فتراهم يجلسون أمام قارئ القرآن ويتحدثون فيما بينهم وإذا استمعوا فتسمعهم يقولون للقارئ عند قراءته آية: الله الله. الله يفتح عليك. ما شاء الله. تبارك الله. اللهم صلِ على النبي ﷺ ، وغير ذلك من الألفاظ وكل هذا من سوء الأدب مع كتاب الله ومن الأمور المبتدعة، قال العز بن عبد السلام: [الاستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المشروعة المحثوث عليها والاشتغال عن ذلك بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع، سوء أدب على الشرع] (٢). وقال السيوطي: [يسن الاستماع لقراءة القرآن وترك اللغط والحديث بحضور القرآءة قال الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)] (٣). وقد صح في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (اقرأ عليَّ. قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ

стр. 248

شَهِيدًا) قال: حسبك الآن، فالتفت فإذا عيناه تذرفان) رواه البخاري (١). وفي رواية لمسلم قال عبد الله: (فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل) (٢). ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، أما ما يفعله كثير من الناس اليوم في مجال القرآن فهو أمرٌ منكرٌ مبتدع (٣). قال الشيخ محمد عبد السلام: [وقولهم لقارئ القرآن السيط: الله الله، كمان، كمان يا أستاذ، هيه هيه، الله يفتح عليك. حرمه الله بقوله: ... (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) والحق أنهم لم يلتذوا بألفاظ القرآن لأنهم لم يفقهوا لها معنى بل ما كانت لذتهم إلا من حسن نغمة القارئ والدليل على ذلك أنه لو قرأ قارئ ليس حسن الصوت، السورة بعينها، التي كانت تتلى عليهم لانفضوا من حوله سابين لاعنين له ولمن جاء به قائلين: جايب لنا فقي حسه زي حس الوابور. ولقد وصف الله المؤمنين من عباده بأنهم: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) وقال فيهم أيضاً: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)] (٤). تمّ الكتاب بحمد الله تعالى

стр. 249

قائمة المصادر ١. الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع / محمد بن صالح العثيمين / ط٢ دار الوطن / الرياض. ٢. الإبداع في مضار الابتداع / علي محفوظ / دار الاعتصام /القاهرة. ٣. الاتباع / ابن أبي العز الحنفي / حققه محمد حنيف وعاصم القريوتي / ط٢ السلفية / القاهرة. ٤. إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة / عبد الله بن الصديق الغماري /عالم الكتب ط٢ سنة ١٤٠٦هـ ١٩٨٦م. ٥. الإتقان في علوم القرآن / جلال الدين السيوطي. ٦. الأجزاء الحديثية / د. بكر بن عبد الله أبو زيد / دار العاصمة / الرياض ط١ سنة ١٤١٦هـ ١٩٩٦م. ٧. الأجوبة المرضية فيما سئل عنه من الأحاديث النبوية / الحافظ شمس الدين السخاوي / حققه محمد إسحاق / دار الراية الرياض ط١ سنة ١٤١٨هـ ٨. الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي ط٢ سنة ١٤٠٠هـ. ٩. الأحاديث الواردة في فضائل المدينة / د. صالح الرفاعي / ط١ سنة ١٤١٣هـ١٩٩٢م / نشر الجامعة الإسلامية. ١٠. إحكام الأحكام في أصول الأحكام / سيف الدين أحمد بن علي الآمدي / تعليق عبد الرزاق عفيفي / ط١ الرياض. ١١. أحكام أهل الذمة / شمس الدين محمد بن أبي بكر بن القيم / حققه طه عبد الرؤف سعد /دار الكتب العلمية /ط١ سنة ١٤١٥هـ ١٩٩٥م. ١٢.

стр. 250

أحكام الجنائز / محمد ناصر الدين الألباني / ط٢ سنة ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢م / المكتب الإسلامي. ١٣. الاختيارات العلمية / شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية / مطبعة كردستان العلمية / سنة ١٣٢٩ هـ / القاهرة. ١٤. الاختيار لتعليل المختار/ عبد الله بن محمود الموصلي الحنفي / تعليق محمود أبو دقيقة / دار المعرفة ط٣ / القاهرة. ١٥. أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في رجب / أبو الخطاب بن دحية / حققه زهير الشاويش / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط١ سنة ١٤١٩هـ ١٩٩٨م / المكتب الإسلامي ١٦. الأذكار / يحيى بن شرف النووي / بدون معلومات طبع. ١٧. الأربعين والخمسين والذكرى السنوية / عمرو عبد المنعم / ط١ سنة ١٤١٣هـ ١٩٩٣م / دار الصحابة للتراث. ١٨. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / محمد بن علي الشوكاني / دار المعرفة. ١٩. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل / محمد ناصر الدين الألباني / المكتب الإسلامي / ط ١. ٢٠. الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار / الحافظ ابن عبد البر / تحقيق د. عبد المعطي قلعجي / مؤسسة الرسالة / ط١. ٢١. الأشباه والنظائر / جلال الدين السيوطي / حققه محمد البغدادي / دار الكتاب العربي / ط٢ سنة ١٤١٤هـ ١٩٩٣م. ٢٢. إصلاح المساجد من البدع والعوائد / محمد جمال الدين القاسمي / تخريج محمد ناصر الدين الألباني / ط٥ سنة ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م. ٢٣.
следующие страницы →