ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام في إكرام الشهداء الذين يستشهدون في سبيل الله إقامة ما يسمى بنصب الشهداء أو نصب الجندي المجهول أو نحو ذلك من المسميات فهذه أمور مبتدعة ووافدة إلى ديار الإسلام.
стр. 177
المسألة السابعة: زيارة القبور يومي العيدي:
جرت عادة كثير من الناس زيارة القبور يومي العيد ويكون ذلك بعد انتهاء صلاة العيد فيخرجون من المساجد - حيث إنهم يصلون العيد في المساجد والسنة أن تصلى في مصلى العيد وهو غير المسجد - فيذهبون إلى المقابر لزيارتها رجالاً ونساءً ويحملون معهم الحلويات والقهوة والشاي والزهور والورود ويضعون جريد النخل على القبور ويختلط الرجال بالنساء وتنتهك الحرمات ويهان الأموات بالجلوس على القبور وكل ذلك على خلاف السنة النبوية وبيان ذلك فيما يلي:
إن الأصل في زيارة القبور أنها سنة مشروعة ثابتة عن النبي ﷺ فقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم (١).
وفي رواية لأبي داود: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة) قال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (زوروا القبور فإنها تذكر الموت) رواه مسلم (٣)، وغير ذلك من الأحاديث.
فزيارة القبور سنة ثابتة ولكن الشارع الحكيم لم يخصص زماناً معيناً لزيارتها فتخصيص يومي العيد لزيارتها بدعة مكروهة لأنه تخصيص للعبادة بوقت معين بدون دليل شرعي. وقد تكون حراماً إذا رافقتها الأمور المنكرة التي تقع في أيامنا هذه من خروج النساء متبرجات واختلاطهن بالرجال ويضاف إلى ذلك انتهاك حرمات الأموات من الجلوس على القبور ووطئها بالأقدام.
стр. 178
قال ابن الحاج: [ومن عادته الذميمة - أي إبليس - أنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئاً يخيل إليهم أنه قربة عوَّض لهم عن سرعة الأوبة زيارة القبور قبل أن يرجعوا إلى أهليهم يوم العيد وزين لهم ذلك وأراهم أن زيارة القبور من الموتى في ذلك اليوم من باب البر وزيادة الود لهم وأنه من قوة التفجع عليهم إذ فقدهم في مثل هذا العيد.
وفي زيارة القبور في غير هذا اليوم من البدع المحرمات ما تقدم ذكره في زيارة القبور فكيف به في هذا اليوم الذي فيه النساء يلبسن ويتحلين ابتداء ويتجملن فيه بغاية الزينة مع عدم الخروج فكيف بهن في الخروج في هذا اليوم فتراهن يوم العيد على القبور متكشفات قد خلعن جلباب الحياء عنهن فبدل لهم موضع السنة محرماً ومكروهاً ... ] (١).
قلت رحم الله ابن الحاج إذا كان هذا ما وصفه في زمانه من أحوال النساء فكيف لو رأى ما يحصل في زماننا من تهتك وعري وانحلال وفساد فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويضاف إلى ذلك أن النساء ممنوعات من زيارة القبور على الراجح من أقوال أهل العلم فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان وقال محققه إسناده حسن، وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢).
стр. 179
وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان وقال محققه إسناده صحيح، وقال الشيخ أحمد شاكر: حسن (١).
وعن علي ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ ، فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات) رواه البيهقي وابن ماجة وفي سنده اختلاف (٢).
وغير ذلك من الأحاديث التي دلت على تحريم زيارة النساء للقبور، فهذه أحاديث صريحة في معناها، فإن رسول الله ﷺ لعن النساء على زيارة القبور، واللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الآخر، قيل هذا ليس بجيد، لأن قوله ﷺ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصاً بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولاً لغيرهم كان هذا اللفظ عاماً وقوله: (لعن الله زوَّارات القبور) خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكوراً أو إناثاً وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان
стр. 180
هذا خاصاً ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدماً على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها] (١).
قال الشيخ أحمد محمد شاكر: [وقد تأول بعضهم هذا الحديث في لعن زائرات القبور، فقال الترمذي فيما سيأتي في الجنائز:" وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلماء رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن " ويشير الترمذي بذلك إلى حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. قال في عون المعبود (ج٣ص٢١٢) " الأمر للرخصة أو للاستحباب وظاهره الإذن في زيارة القبور للرجال. قال الحافظ في الفتح: واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الأذن وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة، وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة، وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور، انتهى ". قال العيني:" وحاصل الكلام أن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر، لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة، وإن ما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهد في الدنيا انتهى ".
هذا قول العيني في منتصف القرن التاسع فماذا يقول لو رأى ما رأينا في منتصف القرن الرابع عشر وإنا لله وإنا إليه لراجعون. والقول الصحيح الذي نرضاه تحريم زيارة القبور على النساء مطلقاً فإن النهي ورد خاصاً بهن والإباحة لفظها عام والعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص حاكم عليه ومقيد له] (٢).
стр. 181
المسألة الثامنةُ: قراءة القرآن على القبور:
يقصد كثير من الناس القبور لزيارتها في يومي العيد كما سبق ويجلسون حول القبر ومعهم المصاحف فيقرؤون ما تيسر من القرآن الكريم وخاصة سورة " يس ".
وقراءة القرآن على القبور من البدع المنتشرة وليست عبادة مشروعة على الصحيح من أقوال أهل العلم حيث إنها لم تثبت عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة ﵃.
قال الشيخ علي محفوظ: [ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت: تركه النبي ﷺ وتركه الصحابة مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه، فعلى هذا الأصل المذكور يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة - وكيف يعقل أن يترك الرسول ﷺ شيئاً نافعاً يعود على أمته بالرحمة وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يعقل أن يكون هذا باباً من أبواب الرحمة ويتركه الرسول طول حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة مع العلم بأن القرآن الحكيم ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء نزل ليكون ترغيباً للمطيع وترهيباً للعاصي، نزل لتهذيب نفوسنا وإصلاح شؤوننا أنزل الله القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون ويهتدي بهديه المهتدون، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَثبيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فهل سمعتم أن كتاباً من الكتب السماوية قرئ على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات، والله يقول لنبيه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
стр. 182
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) لهم أن يتصدقوا على موتاهم لكن لا ثمناً للقرآن] (١).
ومذهب جمهور العلماء على أن القراءة على القبور غير مشروعة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولا يحفظ عن الشافعي في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحداً يفعل ذلك فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه] (٢).
جاء في الشرح الكبير: [وكره قراءة بعده أي بعد موته وعلى قبره لأنه ليس من عمل السلف].
وقال الدسوقي معلقاً عليه: [قوله لأنه ليس من عمل السلف أي فقد كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة] (٣).
ولم يصح شيء عن النبي ﷺ في قراءة القرآن على القبر بخلاف ما ذكره بعض العلماء في الاستدلال على جواز القراءة عند القبر فمما ذكروه:
١. ما ذكره ابن عابدين عند تعليقه على قول صاحب الدر: قوله " ويقرأ يس "
لما ورد: (من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات) (٤).
فهذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ أخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق محمد بن أحمد الرياحي ... الخ السند.
стр. 183
وبين الشيخ الألباني أن هذا الإسناد مظلم هالك مسلسل بالعلل ثم بين حال رواته (١).
وتكلم على الحديث أيضاً الحافظ السخاوي وقال إنه لا يصح (٢).
٢. ما روي في الحديث: (من مرَّ بالمقابر فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)، فهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني: [موضوع أخرجه أبو محمد الخلال في " فضائل الإخلاص " والديلمي في مسند الفردوس ... وذكره السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة] (٣).
وقال الشيخ الألباني أيضاً: [وأما حديث (من مرَّ بالمقابر فقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات) فهو حديث باطل موضوع، رواه أبو محمد الخلال في القراءة على القبور والديلمي عن نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه وهي نسخة موضوعة باطلة لا تنفك عن وضع عبد الله هذا أو وضع أبيه كما قال الذهبي في الميزان وتبعه الحافظ ابن حجر في اللسان ثم السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة وذكر له
стр. 184
هذا الحديث وتبعه ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة] (١).
٣. ما روي في الحديث (من زار قبر والديه كل جمعة فقرأ عندهما يس غفر له بعدد كل آية وحرف).قال الشيخ الألباني: [موضوع رواه ابن عدي وأبو نعيم ... وقال ابن عدي: باطل ليس له أصل بهذا الإسناد ... ولهذا أورده ابن الجوزي في الموضوعات من رواية ابن عدي فأصاب] (٢).
إذا ثبت هذا فإن المشروع عند زيارة القبور هو السلام على الأموات وتذكر الآخرة والدعاء والاستغفار وأما قراءة القرآن فلا ويدل على ذلك ما ورد عن النبي ﷺ في هديه ﷺ لزيارة القبور.
قال العلامة ابن القيم: [فصل في هديه ﷺ في زيارة القبور، كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) (٣).وهذا الحديث الذي ذكره ابن القيم رواه مسلم عن بريدة ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول - في رواية أبي بكر -: السلام على أهل الديار).
وفي رواية زهير: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) (٤).
стр. 185
وصح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (١) وغير ذلك من الأحاديث.
فإن قيل إنه قد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى إذا دفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها كما ذكره جماعة من أهل العلم في قصة منقولة عن الإمام أحمد (٢).
قال العلامة ابن القيم: [وقال الخلال في الجامع، كتاب القراءة عند القبور أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يحيى بن معين حدثنا مبشر الحلبي حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله وسُنَّ عليَّ التراب سناً واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك، قال عباس الدوري: سألت أحمد ابن حنبل قلت: تحفظ في القراءة على القبر شيئاً؟ فقال: لا وسألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث.
قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقاً، قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئاً، قال: نعم، فأخبرني مبشر عن عبد الحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا
стр. 186
دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد فارجع وقل للرجل يقرأ] (١).
قال الشيخ الألباني: [فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن في ثبوت هذه القصة عن أحمد نظر، لأن شيخ الخلال الحسن بن أحمد الوراق لم أجد له ترجمة فيما عندي الآن من كتب الرجال وكذلك شيخه على بن موسى الحداد لم أعرفه وإن قيل في هذا السند أنه كان صدوقاً فإن الظاهر أن القائل هو الوراق هذا وقد عرفت حاله.
الثاني: أنه إن ثبت ذلك عنه فإنه أخص مما رواه أبو داود عنه، وينتج من الجمع بين الروايتين عنه أن مذهبه كراهة القراءة عند القبر إلا عند الدفن.
الثالث: أن السند بهذا الأثر لا يصح عن ابن عمر ولو فرض ثبوته عند أحمد وذلك لأن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج معدود في المجهولين، كما يشعر بذلك قول الذهبي في ترجمته من الميزان: ما روى عنه سوى مبشر هذا، ومن طريقه رواه ابن عساكر ... وأما توثيق ابن حبان إياه فمما لا يعتد به لما اشتهر به من التساهل في التوثيق ولذلك لم يعرج عليه الحافظ في التقريب، حين قال في المترجم: مقبول، يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة ومما يؤيد ما ذكرنا أن الترمذي مع تساهله في التحسين لما أخرج له حديثاً آخر وليس له عنده غيره سكت عليه ولم يحسنه!
الرابع: أنه لو ثبت سنده عن ابن عمر فهو موقوف لم يرفعه إلى النبي
ﷺ فلا حجة فيه أصلاً] (٢).
стр. 187
المبحث التاسع
بدعة الاحتفال بموسم النبي موسى ﵇
من البدع القديمة والمتجددة الاحتفال بما يسمى بموسم النبي موسى ويكون ذلك في أواخر فصل الشتاء من كل عام وتستمر الاحتفالات أسبوعاً كاملاً.
وكانت الاحتفالات في السابق تأخذ صفة الاحتفال الرسمي إذ كان ولاة الدولة العثمانية يشاركون ويشرفون على هذه الاحتفالات ويحافظون على الأمن والنظام كما أن مفتي القدس الذي كانت تعينه الدولة العثمانية كان له دور واضح في هذه الاحتفالات (١).
وسأنقل وصفاً للاحتفال بموسم النبي موسى كتبه من حضر تلك الاحتفالات في عدة أعوام، قال د. كامل العسلي تحت عنوان: وصف الاحتفال ات بموسم النبي موسى في القرن العشرين ": [كان موسم النبي موسى عيداً شعبياً عاماً اشترك فيه سكان المدن والقرى في فلسطين وخاصة من مناطق القدس ونابلس والخليل وقرى الجبال وكان هناك برنامج زمني للاحتفالات نظن أنه وضع في جزء منه على الأقل في القرن الأخير بعد أن اشتد التنافس بين أهالي منطقتي نابلس والخليل خاصة في الاشتراك في الاحتفالات وأيهما يكون له مكان السبق والصدارة فيها فتم ترتيب مواعيد لقدوم الزوار ولا نعرف تاريخاً دقيقاً لوضع برنامج الزيارة والمشاركة لمختلف الجهات ولكننا نقول بصورة عامة إن أسبوع موسم النبي موسى كان يحدد وفق عيد الفصح عند المسيحيين الأرثوذكس وكان يأتي في الأسبوع الذي يسبق أسبوع عيد الفصح في كل عام ... ذكرنا هذا لنبين أن موسم النبي موسى يختلف من سنة لأخرى تبعاً لموعد
стр. 188
عيد الفصح المتغير بحيث يبدأ قبل أسبوع واحد من يوم الجمعة الحزينة التي تسبق عيد الفصح بيومين ولو أردنا أن نضع بعد ذلك جدولاً زمنياً لاحتفالات النبي موسى لقلنا إن الاحتفالات تبدأ يوم الخميس قبل الجمعة الحزينة بثمانية أيام بقدوم موكب أهالي نابلس وفي يوم الجمعة يبدأ الاحتفال الرسمي بزفة العلم من الحرم الشريف!! إلى النبي موسى ويوم الأحد يصل موكب أهل الخليل وقراها ويوم الإثنين تغادر أعلام القدس ونابلس والخليل إلى النبي موسى وتمتد زيارة النبي موسى من يوم الجمعة إلى يوم الخميس التالي أي سبعة أيام وفي يوم الخميس يعود الموكب إلى القدس باحتفال كبير كذلك وفي يوم الجمعة الذي يطلق عليه اسم (جمعة العليمات) تعاد الأعلام إلى أماكنها علم النبي موسى وعلم المسجد الأقصى وعلم النبي داود في احتفالات تقام لذلك خصيصاً وتبدأ الوفود بمغادرة القدس على الأثر] (١).
ثم قال د. العسلي: [موسم النبي موسى كما يصفه الدكتور توفيق كنعان:
يبدأ الموسم نفسه يوم الجمعة الذي يسبق يوم الجمعة الحزينة عند كنسية الروم الأرثوذكس وينتهي يوم الخميس التالي ويسمى هذا اليوم (جمعة النزلة) بينما يطلق على يوم الجمعة الذي يسبقه اسم (جمعة المناداة) لأن المناداة على الموسم أو الإعلان رسمياً عن أن موسم النبي موسى يبدأ يوم الجمعة التالية تبدأ في هذا اليوم وتسمى ليلة الخميس السابقة لجمعة النزلة (ليلة الوقفة) وكل من ينوي الاشتراك في الموسم يتأهب للأيام القادمة ... تبدأ الزفة بإحضار علم النبي موسى من المكان الذي يحفظ فيه طوال السنة ... وفي هذا المكان يجتمع الوجهاء وكثير من الموظفين ويسلم العلم إلى المفتي على طبق وبعد قراءة الفاتحة ينشر المفتي العلم ثم يثبت في الزانة ... تتحرك الزفة ببطء إلى الحرم الشريف وتدخل إليه من باب الحبس ... وكان يصاحب الزفة زمن الأتراك فرقة موسيقى عسكرية وحرس شرف وبعد صلاة
стр. 189
الظهر تترك الزفة الحرم ... ويمضي المفتي الأكبر وحملة الأعلام وخدام النبي موسى الآخرون قدماً إلى خارج الحرم ... وفي هذه الأثناء تكون الطريق غاصة بجماهير النظارة وكذلك الشرفات والشبابيك والمقبرة والبساتين الواقعة على طرف الطريق ... وفيه يتجمع الشباب في مجموعات فمنهم من يعزف ومنهم من يرقص أو يغني في الطريق ويحمل الجمهور أعلاماً كثيرة تمثل الأولياء المختلفين في المدينة والقرى المجاورة وكل علم له أتباعه ... وحالما يصبحون على مرمى النظر من مقام النبي موسى يعيدون ترتيب صفوفهم ويرفعون العلم ويبدأ الموكب الرسمي من جديد ويشرعون أولاً في عمل أكوام صغيرة من الحجارة كقناطر - وتسمى أيضاً شواهد لأنها تشهد يوم الدين للذين قاموا بالزيارة - ويقرؤون الفاتحة ويرسل الدرويش الذي يكون على رأس الموكب أحد أتباعه ليعلن قدومهم للدراويش الآخرين الذين سبقوا إلى النبي موسى ويدعى هذا الرسول بالنجاب ويربط الشيخ الذي يرسله منديلاً حول رقبته لا يفكه إلا الشيخ الذي يستقبل في المقام ويركض النجاب إلى المقام مباشرة وهو يضرب طول الوقت على نقارته ... ويقوم أكبر الدراويش سناً بفك المنديل المربوط حول عنقه وهو يتلو الفاتحة ... أما ترتيب مواكب الزفة فيكون عادة على الوجه التالي:
يسير حامل العلم أولاً ويتبعه الموسيقيون ويليهم بعض شباب المجموعة يحيطون بقائدهم ويرقصون حسب الإيقاع الذي يحدده وكل رقصة تكون مصحوبة بالغناء يغني قائد المجموعة مقطعاً فيكرره الآخرون ويلوح بسيف أو عصا أو بمنديل في الهواء ويرقص معهم وهكذا يحدد لهم الإيقاع ويكون الموسيقيون أحياناً كلهم أو بعضهم في الحلقة وفي أثناء الغناء والرقص يصفق أعضاء المجوعة بأيديهم وفق إيقاع ثابت ... ويتقدم هؤلاء ببطء إلى أن يبلغوا المقام وترحب بعض النساء من النظارة بالقادمين بالزغاريد أو بالأغاني القصيرة التي تنتهي بقرقعة حادة بالألسنة ومن الممتع أن
стр. 190
نلاحظ أن الغناء والرقص والتصفيق واستعمال الآلات الموسيقية ومشاركة جميع الطبقات هي اليوم مثل ما كانت عليه قبل آلاف السنين].
ثم ذكر أنواع الرقصات التي كانت تؤدى في الموسم وأسماء الآلات الموسيقية ثم قال: [والإيقاع الذي يحدثه الطبل والكاسات يكون له دائماً تقريباً معنى محدد مثل
الله الله الله حي
آآآ- آآآ
دا-يم ... دا-يم
-آ-آ
قي-وم قي-وم ... -آ-آ].
ثم ذكر بعض العبارات التي كانت على الأعلام ومنها: [مددك يا سيدي أحمد البدوي. سيدي أحمد الرفاعي ولي الله].
ثم قال: [وباستثناء نساء المدن اللاتي يلزمن الغرف معظم الوقت أو يقفن على الشرفة المكشوفة في الطابق الأول فإن جميع الزائرات الأخريات يشاركن الرجال النشاطات المختلفة ويختلطن بهم باستمرار ... وهكذا ينقضي الأسبوع بالألعاب والأغاني والاحتفالات بصورة ممتعة] (١).
بعد هذا الوصف الذي كتبه د. توفيق كنعان وهو رجل نصراني يظهر لنا أن هذا الاحتفال في لبه ولحمته وسداه مخالف لدين الله ولسنة رسول الله ﷺ وأنه ترتكب فيها المخالفات الشرعية الكثيرة باسم الدين وأن الإسلام بريء من
стр. 191
هذه الاحتفالات التي تنسب إلى الدين زوراً وبهتاناً.
فالذي يظهر من هذا الوصف أنه كان موسم رقص وطرب واختلاط بين النساء والرجال بل إن النساء كن يرقصن في الحلقات أمام الرجال وأن هذا الموسم كان عليه مسحة من الصوفية المنحرفة.
ولبيان بدعية الاحتفال بموسم النبي موسى لا بد من بيان الأمور التالية:
أولاً: أين دفن موسى ﵇ ؟
قال الإمام البخاري في صحيحه: " باب وفاة موسى وذكره بعد " ثم ساق بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى ﵉ فلما جاءه صكَّه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي رب؟
ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن. قال: فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال أبو هريرة: فقال رسول الله: لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر] ورواه مسلم أيضاً (١).
قال الحافظ ابن حجر: [وقوله فيه: (رمية حجر) أي قدر رمية حجر أي أدنني من مكان الأرض المقدسة هذا القدر أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر وهذا الثاني أظهر وعليه شرح ابن بطال وغيره ... حكى ابن بطال عن غيره أن
стр. 192
الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليعمى قبره لئلا تعبده الجهال من ملته] (١).
وقال الإمام العيني: [واختلف أهل السير في موضع قبره فقيل بأرض التيه وهارون كذلك ولم يدخل موسى الأرض المقدسة إلا رمية حجر رواه الضحاك عن ابن عباس وقال: لا يعرف قبره ورسول الله ﷺ أبهم ذلك بقوله (إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)، ولو أراد بيانه لبيَّن صريحاً وقال ابن عباس لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله.
وقيل: بباب لد بالبيت المقدس.
وقيل: قبره بين عالية وعويلة عند كنيسة توماء.
وقيل: بالوادي في أرض ماء بين بصرى والبلقاء.
وقيل: قبره بدمشق ذكره ابن عساكر عن كعب الأحبار.
والأصح أنه بالتيه قدر رمية حجر من الأرض المقدسة] (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: [وزعم ابن حبان أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبيت المقدس وتعقبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة ولا من بيت المقدس. قال - أي الضياء -: وقد اشتهر عن قبر بأريحاء عنده كثيب أحمر أنه قبر موسى وأريحاء من الأرض المقدسة] (٣). قلت وظاهر حديث أبي هريرة السابق يرد القول المشهور الذي ذكره الضياء لأن أريحا من الأرض المقدسة وظاهر الحديث أنه لم يدخل الأرض المقدسة وإنما سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة.
قال الحافظ ابن كثير: [وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة.
стр. 193
وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين، ومما يدل على ذلك قوله: لما اختار الموت: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر وحانت وفاته ﵇ أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر، رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر: فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر] (١).
وقال مجير الدين الحنبلي: [ومات موسى ولم يعرف أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا أين توجه] (٢).
وقال القسطلاني معلقاً على الحديث السابق: [وهذا ليس صريحاً في الإعلام بقبره الشريف ومن ثم حصل الاختلاف فيه فقيل بالتيه وقيل بباب لد ببيت المقدس أو بدمشق أو بواد بين بصرى والبلقاء أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس أو بأريحا وهي من الأرض المقدسة] (٣).
ونقل الشيخ عبد الغني النابلسي عن رسالة لمحمد بن طولون سماها " تحفة الحبيب فيما ورد في الكثيب " ذكر فيها أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم قبالة الكثيب الأحمر في دمشق الشام. ونقل عن ابن عساكر أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم ونقل عن ابن جبير أن قبر موسى ﵇ في مسجد القدم.
ونقل عن أبي إسحاق الفزاري الشافعي مثل ذلك وذكر أن له رسالة اسمها: [
стр. 194
تبيين الأمر القديم المروي في تعيين قبر موسى الكليم] جزم فيها بأن قبر موسى في دمشق الشام في مسجد القدم المذكور (١).
وبعد هذا العرض الموجز لما قاله العلماء في بيان موضع قبر موسى ﵇ يظهر للباحث المنصف أنه لا يعرف على وجه التحديد محل قبر موسى ﵇ وكل ما ذكر في تحديد موضع قبره ظنون ضعيفة ليس لها مستند صحيح ثابت وحديث الصحيحين لا يحدد موضع قبره ﵇، قال الرحالة الهروي: [ ... والصحيح أن قبره لا يعرف والله أعلم] (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما قبور الأنبياء فالذي اتفق عليه العلماء هو قبر النبي ﷺ فإن قبره منقول بالتواتر وكذلك قبر صاحبيه وأما قبر الخليل فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره وأنكر ذلك طائفة، وحكي الإنكار عن مالك وأنه
قال: ليس في الدنيا قبر نبي يعرف إلا قبر نبينا ﷺ ... ] (٣).
стр. 195
ثانياً: شد الرحال إلى القبور والمقامات:
لو سلمنا جدلاً أن قبر موسى ﵇ معلوم وأنه في المكان المعروف اليوم بمقام النبي موسى فيحرم شد الرحال إليه لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى] رواه البخاري ومسلم (١).
قال الحافظ ابن حجر: [قوله: (لا تشد الرحال) بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به] (٢).
وكذلك فإنه يحرم شرعاً اتخاذ القبور مساجد سواء أكانت قبور أنبياء أو غيرهم فلا يجوز أن تبنى المساجد والمقامات على القبور وتتخذ محلاً للصلاة ومحلاً للزيارة والدعاء وغير ذلك. فقد جاء في الحديث عن عائشة وابن عباس ﵃ أن الرسول ﷺ قال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. رواه البخاري ومسلم (٣).
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم (٤).
وثبت في الحديث عن جندب قال: (سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا
стр. 196
وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معقباً على هذه الأحاديث: [ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبراً من قبور الأنبياء وغيرهم ولا يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان] (٢).
وقال شيخ الإسلام أيضاً: [ولا تستحب الصلاة لا الفرض ولا النفل عند قبر نبي أو غيره بإجماع المسلمين بل ينهى عنه وكثير من العلماء يقول هي باطلة لما ورد في ذلك من النصوص وإنما البقاع التي يحبها الله ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله تعالى فيها: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) وسئل النبي ﷺ : (أي البقاع أحب إلى الله؟ قال: المساجد. قيل: فأي البقاع أبغض إلى الله؟ قال: الأسواق). وقال ﷺ : (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح).وقال ﷺ : (إن العبد إذا تطهر فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة).
فدين الإسلام هو اتباع ما بعث الله به رسوله من أنواع المحبوبات واجتناب ما كرهه
стр. 197
الله ورسوله من البدع والضلالات وأنواع المنهيات] (١).
وروى الحافظ ابن وضاح القرطبي بإسناده عن الأعمش قال: [حدثني مروان بن سويد الأسدي قال: خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة فلما أصبحنا صلَّى بنا الغداة ثم رأى الناس يذهبون مذهباً فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعاً من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يعتمدها] (٢).
وذكر رواية أخرى عن المعرور بن سويد قال: [خرجنا حجاجاً مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه. فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلَّى فيه رسول الله ﷺ فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعاً، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض ... ] ثم قال ابن وضاح: [وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وحده. قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها وكذلك فعل غيره ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضاً مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان] (٣).
стр. 198
ثالثاً: متى حدث الاحتفال بموسم النبي موسى:
إن موسم النبي موسى أحدث في العصور المتأخرة ولم يكن معروفاً قبل ذلك وإنما ابتدعت هذه البدعة بعد إنشاء المقام في المكان المعروف بالنبي موسى وأول من أقام قبة وبنى مسجداً في ذلك المكان هو الظاهر بيبرس سنة ٦٦٨ هـ عند عودته من الحج وزيارة بيت المقدس ثم زيد على البناء سنة ٨٧٥ هـ ثم كملت عمارته في سنة ٨٨٥ هـ (١).
وقد زعم بعض الكاتبين أن السلطان صلاح الدين الأيوبي هو أول من أنشأ موسم النبي موسى لمواجهة التجمعات الصليبية التي كانت تقام في عيد الفصح (٢).
ولكن هذا الزعم ليس عليه دليل صحيح، يقول الدكتور كامل العسلي: [وعلى أية حال فإنه من المهم أن نؤكد أننا لم نجد في الكتب القديمة التي وضعت في العصر ألأيوبي ومنها كتاب العماد الأصفهاني وابن واصل والبهاء بن شداد وأبي شامة المقدسي أي إشارة إلى الموسم ولا إلى علاقة صلاح الدين الأيوبي أو ورثته بالموسم كما أنه ليس في الكتب التي وضعت زمن الأيوبيين ولا في الكتب التي وضعت زمن المماليك أو العثمانيين حسب علمنا ما يشير إلى أن الاحتفال بالنبي موسى كان ذا صبغة سياسية. ومع الأسف فلا توفر لنا المادة التاريخية صورة واضحة مفصلة للاحتفال نستطيع أن نتبين فيها أهدافاً سياسية بل بالعكس فإن القليل الذي وصل إلينا في الكتب يدل على أن طابع الاحتفال كان طابعاً دينياً وترويحياً ولا علاقة له بالسياسة.
стр. 199
إن أول إشارة لموسم النبي موسى وقعنا عليها في الكتب، وردت في " إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى " لشمس الدين السيوطي المتوفى بعد سنة ٨٨٠ هـ ... وقد دون السيوطي كتابه هذا سنة ٨٧٥ هـ والإشارة الثانية وجدناها في مخطوط " الدر النظيم في أخبار سيدنا موسى الكليم " لأبي البقاء نجم الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة المتوفى بعد سنة ٩٠١ هـ ... أما الإشارة الثالثة بحسب الترتيب الزمني فنجدها عند مجير الدين الحنبلي الذي يحدد لنا لأول مرة موعد الزيارة ومدتها في كتابه " الأنس الجليل " الذي كتبه سنة ٩٠٠ - ٩٠١ هـ ... ويلاحظ أن هؤلاء الكتاب الثلاثة لم يشيروا إلى هدف للزيارة سوى الزيارة والتبرك والأكل والشرب ... إن المقتطفات التي أوردناها هي أهم ما وقعت أيدينا عليه عن تطورات الموسم في عهد المماليك والمعلومات الواردة فيها نزرة وليس فيها كبير غناء ولم نجد في كتابات القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي أية إشارة إليه ومع ذلك فيبدو أن زيارة النبي موسى اكتسبت أهمية متزايدة بعد بناء المقام في القرن السابع/الثالث عشر ووصلت شعبية المقام ذروتها في عصر المماليك في القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري ... ] (١).
وهذا الكلام يؤكد لنا أن موسم النبي موسى أمر مبتدع ليس له أصل صحيح ولا يجوز شرعاً إضفاء أية قدسية عليه فليس له أي مستند لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ .
стр. 200
المبحث العاشر
البدع المتعلقة بالمسجد الأقصى
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: بدعة تسمية المسجد الأقصى حرماً:
شاعت تسمية المسجد الأقصى المبارك بالحرم عند عامة الناس في ديار فلسطين وعند بعض الكاتبين المعاصرين فنجدهم يطلقون على المسجد الأقصى الحرم أو الحرم الشريف (١).
وهذه التسمية غير صحيحة لأن المعلوم عند أهل العلم أنه لا يوجد عند المسلمين إلا حرمان وهما حرم مكة وحرم المدينة وهذا باتفاق أهل العلم وعند الشافعية أضافوا ثالثاً وهو وادي وج بالقرب من الطائف وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: قال الله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًاءَامِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٢).
والمقصود بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة (٣).
стр. 201
وقال تعالى: (أو لم يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ
يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (١).
والمقصود أيضاً بالحرم في هذه الآية الكريمة هو حرم مكة المكرمة (٢).
وثبت في الحديث عن عبد الله بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ : (أن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة) متفق عليه (٣).
وحرم مكة وحرم المدينة ثابتان بالأدلة الصحيحة واتفق أهل العلم على ذلك وأما وادي وج بالقرب من الطائف فقد اعتبره الشافعية حرماً وخالفهم بقية العلماء (٤).
واحتج الشافعية بما ورد في حديث الزبير ﵁ قال: (لما أقبلنا مع رسول الله ﷺ من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله ﷺ في طرف القرن الأسود حذوها فاستقبل نخباً ببصره وقال: مرةً وادِيَهٌ ووقف حتى اتقف الناس كلهم ثم قال: إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي (٥).
стр. 202
وقوله: (من لية) هو جبل قرب الطائف، (وطرف القرن) جبل قرب الطائف أيضاً وقوله: (فاستقبل نخباً) هو واد بالطائف، وقوله: (وقال مرة واديه) أي قال الراوي مرة أخرى واديه أي استقبل وادي الطائف، وقوله: (اتقف) أي حتى وقف الناس وقوله: (وعضاهه) هو كل شجر فيه شوك (١).
وهذا الحديث ضعيف ضعفه جماعة من أهل العلم.
قال البخاري: لا يصح. ونحوه قال الأزدي وذكر الخلال أن أحمد ضعّفه، وضعّفه ابن حبان وضعّفه النووي (٢).
والراجح من أقوال أهل العلم أن " وج " ليس بحرم لضعف الحديث كما سبق.
وبناءً على ما تقدم لا يصح إطلاق اسم الحرم إلا على الحرمين حرم مكة وحرم المدينة ولا يجوز شرعاً إطلاق اسم الحرم على المسجد الأقصى المبارك ولا على المسجد الإبراهيمي في الخليل وتسميتهما حرماً بدعة لا أصل لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرماً ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين وهو حرم مكة شرفها الله تعالى والثاني حرم عند جمهور العلماء وهو حرم النبي ﷺ من عير إلى ثور بريد في بريد فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي ﷺ والثالث " وج " وهو واد بالطائف فإن هذا روي فيه حديث رواه أحمد في المسند وليس في الصحاح وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث وليس حرماً عند أكثر العلماء وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرماً عند
стр. 203
أحد من علماء المسلمين فإن الحرم ما حرّم الله صيده ونباته ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن هذه الأماكن الثلاثة] (١).
وقال شيخ الإسلام أيضاً: [ ... والأقصى اسم للمسجد كله ولا يسمى هو ولا غيره حرماً وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة. وفي وادي وج بالطائف نزاع بين العلماء] (٢).
ولم تثبت تسمية المسجد الأقصى حرماً عن أحد من العلماء المحققين ولما تكلم الإمام بدر الدين الزركشي عن الأحكام المتعلقة بالمسجد الأقصى لم يذكر منها شيئاً في تسميته حرماً وإنما سماه المسجد الأقصى كما هو شأن بقية العلماء (٣).
كما أن الشيخ مجير الدين الحنبلي لم يستعمل كلمة الحرم في وصف المسجد الأقصى في كتابه " الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل " وكذلك الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه " الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية ".
стр. 204
المسألة الثانية: بدع الصوفية في المسجد الأقصى والأناشيد الدينية والفرق المنشدة:
اعتادت بعض فرق الصوفية القدوم إلى المسجد الأقصى بجماعات كثيرة العدد وهم يعلقون مسابح كبيرة الحجم في رقابهم ويعقدون ما يسمونه مجالس ذكر أو مديح للرسول ﷺ وبعض هؤلاء يستعملون الدفوف في إنشادهم داخل المسجد الأقصى.
كما وأن بعض فرق الإنشاد والتي يسمونها زوراً وبهتاناً - فرق الإنشاد الديني - ينشدون أناشيدهم باستعمال الدفوف مع رفع الأصوات ويردد عوام المصلين معهم ويتحول المسجد الأقصى إلى ما يشبه جوقة غنائية كبيرة.
وهذه المظاهر تشاهد في المسجد الأقصى عند عقد الاحتفالات التي يسمونها دينية كما في احتفالهم بالإسراء والمعراج والمولد النبوي وذكرى الهجرة وغيرها.
وهذه الأمور كلها من البدع المخالفة لهدي المصطفى ﷺ ولما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأولي العلم والتحقيق.
стр. 205
وتظهر معالم هذه البدع فيما يلي:
أولاً: أنه لم يثبت أن النبي ﷺ قد اتخذ سبحة فضلاً أن يجعلها في رقبته ولا ثبت هذا التعليق عن الصحابة ولا عن التابعين وإنما تعليق السبحات في الأعناق من المبتدعات ومن التشبه برجال الدين من الملل الأخرى.
قال الشيخ علي محفوظ: [ومن بدعهم - أي الصوفية - وضع السبحة في العنق أو اليد بدون الذكر فهو من فعل المرائين الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ويعرفوا من طريق الوهم والتضليل والطريق إلى الله هي متابعة رسول الله ﷺ وما سوى ذلك ضلال نعوذ بالله منه] (١).
ثانياً: إن هذا الإنشاد الديني كما يسمونه لا يجوز فعله في المساجد لأن المساجد لها آدابها وأحكامها التي يجب المحافظة عليها.
قال السيوطي: [ومن ذلك - أي من البدع - الرقص والغناء في المساجد وضرب الدف أو الرباب أو غير ذلك من آلات الطرب فمن فعل ذلك في المسجد فهو مبتدع ضال مستحق للطرد والضرب لأنه استخف بما أمر الله بتعظيمه.
قال الله تعالى: (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي تعظم (وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ) أي يتلى فيها كتابه وبيوت الله هي المساجد قد أمر الله بتعظيمها وصيانتها عن الأقذار والأوساخ ... والغناء والرقص فمن غنى أو رقص فهو مبتدع ضال مضل مستحق للعقوبة] (٢).
وإذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن منهي عنه في المسجد فما بالك بهذه الأناشيد التي ترافقها الدفوف وما بالك بفعلها قبل صلاة الجمعة بمناسبة الاحتفالات التي يسمونها
стр. 206
دينية، حيث يكون المسجد ممتلئاً بالمسلمين الذين ينتظرون صلاة الجمعة فيشوش هؤلاء المنشدون على عباد الله.
قال الشيخ علي محفوظ: [ومنها إقامة حلقات الذكر المحرف في المساجد أيام المولد مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق الحاد من رئيس الذاكرين (بل الراقصين) وقد يضربون على البازة أو السلامية أثناء الذكر وفي المسجد وكل ذلك غير مشروع بإجماع العلماء ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ولا عهد الأئمة الأربعة المجتهدين ﵃ أجمعين] (١).
كما أن في هذا الإنشاد تشبهاً بالنصارى الذين يفعلون شبهه في كنائسهم.
ثم إن هذا الإنشاد الديني ليس له أصل صحيح يعتمد عليه فليس من جملة القرب الشرعية.
وقد سئل العز بن عبد السلام عن مثل ذلك: [ما يقول سيدنا في جماعة من أهل الخير والصلاح والورع يجتمعون في وقت فينشد لهم منشد أبياتاً في المحبة وغيرها، فمنهم من يتواجد فيرقص ومنهم من يصيح ويبكي ومنهم من يغشاه شبه الغيبة عن إحساسه فهل يكره لهم هذا العمل أم لا؟ فأجاب:
الرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل ولا يصلح إلا للنساء] (٢).
ونص الفقهاء على أنه لا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً
стр. 207
وَتَصْدِيَةً) قال ابن عباس وابن عمر ﵃ وغيرهما من السلف " التصدية " التصفيق باليد والمكاء مثل الصفير فكان المشركون يتخذون هذا عبادة وأما النبي ﷺ وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، والاجتماعات الشرعية ولم يجتمع النبي ﷺ وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا سقطت بردته بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه.
وكان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون ومرًّ النبي ﷺ بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له: (مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً) أي لحسنته لك تحسيناً كما قال النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم) وقال ﷺ : (لله أشهد أذناً أي استماعاً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته) وقال ﷺ لابن مسعود: (اقرأ عليَّ القرآن فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى انتهيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) قال: حسبك فإذا عيناه تذرفان من البكاء.
ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) وقال في أهل المعرفة: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ
стр. 208
مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).
وأما السماع المحدث سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقاً إلى الله ﵎ ولا يعدونه من القرب والطاعات بل يعدونه من البدع المذمومة حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيباً وافراً ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم] (١).
стр. 209
المسألة الثالثة: بدعة الطواف بمسجد قبة الصخرة:
بدعة الطواف بالصخرة بدعة قديمة ذكرها عدد من العلماء المتقدمين وما زالت موجودة إلى وقتنا الحاضر وقد شاهدت بأم عيني عندما كنت طالباً في المدرسة الثانوية الشرعية مجموعة من النسوة يطفن بمسجد الصخرة وكان ذلك في شهر رمضان وفي يوم جمعة.
والطواف بالصخرة محرمٌ شرعاً وبدعة منكرةٌ فالإسلام لم يشرع لنا إلا الطواف ببيت الله الحرام بمكة المكرمة فقط وكل طواف بما سواه منكر ومحرم شرعاً.
قال الشيخ ابن الحاج: [وليحذر مما يفعله بعضهم من هذه البدعة المستهجنة وهو أنهم يطوفون بالصخرة كما يطوفون بالبيت العتيق] (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والعبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النبي ﷺ وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد بالطواف بالكعبة واستلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود وأما مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ولا فيها ما يتمسح به ولا ما يقبل فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي ﷺ ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغير هؤلاء كالقبة التي فوق جبل عرفات وأمثالها بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة ومن اعتقد أن الطواف بغيرها فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة] (٢).
ووصف السيوطي الطواف بالصخرة بأنه من فعل أهل الضلال (٣).
стр. 210
المسألة الرابعة: بدعة التمسح بالصخرة:
معلوم أن مسجد قبة الصخرة أقيم على الصخرة التي قيل إن النبي ﷺ عرج منها إلى السموات العلى وزعم بعض الناس أنه يوجد على الصخرة أثر قدمه الشريف ﷺ (١).
وهذا الكلام ليس بثابت بل هو من أوهام العوام لأنه لا يعلم على وجه القطع المحل الذي عرج منه النبي ﷺ إلى السماء وإنما المعروف أنه عرج به ﷺ من المسجد الأقصى والمسجد الأقصى يطلق على كل المكان المعروف (٢).
كما أن الزعم بوجود أثر قدمه الشريف ﷺ على الصخرة ما هو إلا محض كذب وافتراء على رسول الله ﷺ .
وما ساقه الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته حول ذلك (٣) ما هو إلا دجل وخرافات ليس لها أصل علمي صحيح تقوم عليه لا بخبر أحاد ولا بالتواتر كما زعم الشيخ المذكور حيث إنه زعم أن ذلك ثابت بطريق التواتر (٤) بل ذلك مجرد شائعات اكتسبت شهرة عند العامة ولا أصل لكل هذه الخرافات فهي كذب مختلق (٥).
وقد نص المحققون من العلماء والحفاظ على إنكار صحة آثار القدم النبوية على الأحجار وإن من علامات زيف آثار القدم ما قرره صاحب كتاب الآثار النبوية - أحمد تيمور باشا - حين قابل بين المعروف من تلك الآثار حيث قال: [المعروف الآن من هذه الأحجار سبعة أربعة منها بمصر وواحد بقبة الصخرة ببيت المقدس
стр. 211
وواحد بالقسطنطينية وواحد بالطائف وهي حجارة سوداء إلى الزرقة في الغالب عليها آثار أقدام متباينة في الصورة والقدر لا يشبه الواحد منها الآخر] (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما يذكره بعض الجهال فيها
- أي في الصخرة - من أن هناك أثر قدم النبي ﷺ وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب] (٢).
وقد روي في فضل الصخرة أحاديث كثيرة وكلها باطلة مكذوبة موضوعة.
قال العلامة ابن القيم: [وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى والقدم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزوريين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين] (٣).
خرافات متعلقة بالصخرة
ومن هذه الأحاديث:
١. ما روي عن عبادة ﵁ أنه ﵊ قال: (صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران تنظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة) ذكره المنهاجي السيوطي ومجير الدين الحنبلي وعبد الغني النابلسي (٤).
قال العلامة محدث العصر الشيخ الألباني يرحمه الله إنه حديث موضوع ونقل عن الذهبي أن راوي الحديث محمد بن مخلد حدث بالأباطيل ثم ذكر هذا الحديث (٥).
стр. 212
وقال الهثيمي بعد أن ذكر الحديث: [وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهذا الحديث من منكراته] (١).
٢. وما روي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: (سيدة البقاع بيت المقدس وسيد الصخور صخرة بيت المقدس) ذكره المنهاجي السيوطي ومجير الدين الحنبلي (٢). وهذا الحديث تفوح منه رائحة الكذب.
٣. وما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (الأنهار كلها والسحاب والرياح من تحت صخرة بيت المقدس) ذكره مجير الدين الحنبلي وعبد الغني النابلسي (٣).
وفي رواية أخرى (المياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس) (٤)
٤. ومن الخرافات العجيبة ما ذكره عبد الغني النابلسي أن الصخرة معلقة في السماء لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ... الخ (٥) وهذا عين الكذب والافتراء.
٥. ومن الخرافات ما ذكره عبد الغني النابلسي أيضاً أن النبي ﷺ لما صعد إلى السماء من الصخرة ليلة المعراج صعدت الصخرة خلفه فأمسكتها الملائكة فوقفت بين السماء والأرض (٦).
وهذا كذب ودجل بلا خجل ولا يصدقه إلا من في عقله خبل.
стр. 213
قال الشيخ علي محفوظ بعد أن ذكر هذه الخرافة: [وهذا من الأكاذيب المشهورة ولا أصل له في الدين] (١).
٦. ومن الخرافات أيضاً ما نقله الشيخ عبد الغني النابلسي عن عطاء قال: [وكانت صخرة بيت المقدس طولها في السماء اثني عشر ميلاً ويقال إنه ليس بينها وبين السماء إلا ثمانية عشر ميلاً وكان أهل أريحا يستظلون بظلها وكان عليها ياقوتة تغزل نساء البلقان على ضوئها بالليل. قال: ولم تزل كذلك حتى غلبت عليها الروم بعد أن خربها بختنصر] (٢).
وهذا عين الكذب والإفتراء المحض. وغير ذلك من الخرافات والأحاديث الباطلة.
وقد شاعت هذه الأحاديث والأقاويل بين عامة الناس وعند من كتبوا في فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى مما أثر في نفوس العامة فصاروا يتمسحون بالصخرة أو يقبلونها ويقدسونها وكل ذلك من البدع المنكرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فصخرة ببيت المقدس لا يسن استلامها ولا تقبيلها باتفاق المسلمين بل ليس للصلاة عندها والدعاء خصوصية على سائر بقاع المسجد والصلاة والدعاء في قبلة المسجد الذي بناه عمر ابن الخطاب للمسلمين أفضل من الصلاة والدعاء عندها] (٣).
ومن المعلوم عند العلماء المحققين أنه لا يشرع تقبيل أي شيء من الجمادات إلا الحجر الأسود لما ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٤).
стр. 214
وقد سبق أنه لم يثبت شيء في فضل الصخرة على وجه الخصوص وإنما الثابت ما ورد في فضائل المسجد الأقصى فمن ذلك: قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١).
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم (٢).
وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك:
١. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي (٣). ورواه البزار وقال إسناده حسن (٤).
وذكر المنذري الحديث وقال رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه وذكر أن البزار قال: إسناده حسن، وعقب المنذر على ذلك بقوله: كذا قال (٥).
стр. 215
والذي يظهر من كلام الشيخ الألباني على الحديث أنه يميل إلى تضعيفه (١).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: [وتحسين إسناده عندي مشكل لأن سعيد بن بشير ليس ممن يحتج بحديثه وقد تفرد به] (٢).
وقال د. صالح الرفاعي: [والخلاصة أن حديث أبي الدرداء حديث حسن إلا قوله: (وفي مسجد بيت المقدس خمسمئة صلاة) فإن هذه الجملة ضعيفة] (٣).
٢. وعن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: (قلت يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر إئتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. قلت أرأيت إن لم نستطع أن أتحمل إليه! قال: فتهدي له زيتاً يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه) رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني وغيرهم قال الذهبي: هذا حديث منكر جداً (٤).
وتراجع الشيخ الألباني عن تصحيح هذا الحديث حيث كان قد صححه في فضائل الشام ثم قال: [ثم بدا لي أنه غير جيد السند فيه علة تقدح في صحته] (٥).
وقال الشيخ الألباني في موضع آخر: [وأما حديث إن الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة فهو حديث منكر كما قال الذهبي ... ] (٦).