← Акыда

Акыда · id 9257

اتباع لا ابتداع - قواعد وأسس في السنة والبدعة

حسام الدين عفانة

Полный текст (270 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (١). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ ... فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (٢). وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة ﵁ أي لا تتقربوا بها إلى الله ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت عبادة لجاء بها رسول الله ﷺ (٣).

стр. 72

المبحث السادس تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية قسم الإمام الشاطبي البدعة إلى قسمين: الأول: البدعة الحقيقية . الثاني: البدعة الإضافية . أما البدعة الحقيقية فهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل (١). فالابتداع في البدعة الحقيقية من جميع وجوهها فهي بدعة محضة ليست فيها جهة تندمج بها في السنة فهي خارجة عن الشرع من كل وجه (٢). ومن أمثلة البدعة الحقيقية: ١. اختراع عبادة ما أنزل الله بها من سلطان مثل الطواف بمقامات الأولياء والصالحين كما يزعم الزاعمون. فإن الطواف المشروع في الإسلام هو الطواف بالكعبة المعظمة فقط لأنه الذي قامت عليه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلذا فإن طواف بعض الجهلة من العوام بمسجد قبة الصخرة باطل شرعاً. وقد رأيت بعض النساء يطفن بمسجد قبة الصخرة في يوم جمعة من شهر رمضان في إحدى السنوات وهذا منكر عظيم ويبدو أنه وجد منذ عهد بعيد حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من البدع المحدثة والمنكرة الطواف بالصخرة فقال: [ ... ثم فيه

стр. 73

أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيه له بالكعبة ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة ... ] (١). ٢. ما زعمه الدجالون من المتصوفة من القول بسقوط التكاليف الشرعية عند الوصول إلى مرتبة معينة من مراتب التصوف فلا تجب عليهم صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج. وتباح لهم المحرمات كالزنا واللواط وشرب الخمر وغيرها (٢). وهذا كله من الدجل والخرافات والأباطيل ومن تلبيس إبليس على هؤلاء الضالين المضلين. ٣. بناء الأضرحة والنصب على القبور كما يشاهد الآن من إقامة نصب للشهداء فيبنون على القبر بناءً مرتفعاً بالحجارة والرخام على أشكال مختلفة ويكتبون عليه الآيات القرآنية بالخط المذهب الجميل ويجعلون حول هذه الأضرحة الهياكل المعدنية على أشكال القباب ونحوها. وكل ذلك غير مشروع لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال: [قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته] رواه مسلم (٣). ٤. تحريم الحلال أو تحليل الحرام اعتماداً على شبهات واهية ضعيفة فمن تحريم الحلال ما جاء في الحديث عن عبد الله بن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ

стр. 74

اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا)) (١). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال الشيخ الألباني: صحيح (٢). ومن تحليل الحرام ما يقوله أدعياء العلم من علماء السلاطين من اعتبار فوائد البنوك الربوية من الحلال ضاربين بعرض الحائط النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الواردة في تحريم الربا (٣). وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان إحدهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة (٤). وخلاصة قول الإمام الشاطبي في البدعة الإضافية أن الأمر يكون مشروعاً في الأصل وقامت الأدلة على مشروعيته ولكن الكيفية أو الهيئة التي يؤدى بها ليست مشروعة فمن هنا سميت هذه البدعة إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين المخالفة الصريحة

стр. 75

أو الموافقة الصريحة (١). ومن الأمثلة على البدعة الإضافية ما يلي: ١. الأذان للعيدين ولصلاة الكسوف فالأذان في أصله مشروع ولكن الأذان للعيدين والكسوف لم يثبت عن الرسول ﷺ . ٢. ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصاً كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا أو كذا أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك (٢). ٣. ختم الصلاة على الهيئة المعروفة التي يفعلها كثير من الأئمة فإنه من جهة كونه قرآناً وذكراً ودعاءً مشروع ومن جهة ما عرض له من رفع الصوت في المسجد ومن جهة كونه لم يفعله الرسول ﷺ غير مشروع (٣). ٤. الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان بحيث تجعل جزءً من الأذان كما هو المعهود في كثير من المساجد فمن جهة فالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ مشروعان ثابتان. ومن جهة أخرى من حيث جعلهما جزءً من الأذان غير مشروعين. ولذا قال الشيخ ابن حجر المكي لما سئل عن الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان كما يفعله المؤذنون اليوم فأجاب بأن الأصل سنة والكيفية بدعة (٤) كما سيأتي تفصيل كلامه في الفصل الثاني.

стр. 76

٥. رفع الصوت بالأذكار في الجنازة فالذكر من حيث الأصل مشروع وثابت ولكن باعتبار ما عرض له أنه في الجنازة مخالف لهدي المصطفى ﷺ لأن السنة في الجنازة المشي بصمت وسكوت للتفكر في حال الموت. ٦. تخصيص زمان معين بعبادة معينة والمداومة على ذلك، فإن ذلك بدعة إضافية ومثاله ما ورد عن أبي البختري قال: أخبر رجل ابن مسعود ﵁ أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: [كبروا الله كذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوه كذا وكذا. قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فلما جلسوا أتاه الرجل فأخبره فجاء عبد الله بن مسعود فقال: والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً أو قد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علماً. فقال عمرو بن عتبة: نستغفر الله. فقال: عليكم الطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً] رواه عبد الرزاق والدارمي بإسناد جيد وهو أثر صحيح بمجموع طرقه (١). ويظهر أن ابن مسعود أنكر على هؤلاء القوم واعتبر عملهم بدعة مع أن الذي فعلوه ما هو إلا تكبير وتسبيح وتحميد ولكن لما خصوا ذلك بزمان معين بدون دليل شرعي أنكره عليهم.

стр. 77

المبحث السابع حكم البدعة إن البدعة مذمومة شرعاً لأنها إما زيادة في الدين أو نقص منه أو تغيير فيه فهي تقع في دائرة النهي ولا تخرج عنها، قال الشاطبي يرحمه الله في بيان حكم البدعة ما نصه: [ ... ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين فمنها بدعة محرمة ومنها بدعة مكروهة وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات - وهي - لا تعدو الكراهة والتحريم فالبدع كذلك] (١). وليس المقصود بالكراهة في كلام الشاطبي الكراهة التنزيهية وإنما الكراهة التحريمية، لأن الكراهة التنزيهية اصطلاح للمتأخرين لم يعرف عن المتقدمين من السلف فلم يقولوا فيما لا حرج فيه إنه مكروه ولم يكن من شأنهم أن يقولوا فيما لا نص فيه، هذا حلال وهذا حرام لئلا يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) (٢). قال الشاطبي: [فإذا وجدت في كلامهم - أي السلف - في البدعة أو غيرها " أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه " وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه؟] (٣).

стр. 78

ويقرر الشاطبي أنه لا يصح أن يراد بالبدعة المكروه تنزيهاً من حيث أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلاً على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب وأيضاً فليس عقده الإيماني بمتزحزح لأنه يعتقد المكروه مكروهاً كما يعتقد الحرام حراماً وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان. فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل وأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه ويود لو لم يفعل فلا يزال إذا تذكر منكسر القلب طامعاً في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا. ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال فإنه يَعُدُ ما دخل فيه حسناً بل يراه أولى مما حدَّ له الشارع فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه؟ وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلاً ونحلته أولى بالاتباع؟ (١) ويدل على أن البدعة لا تكون مكروهة تنزيهاً قوله ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني) وقد جاء هذا القول النبوي رداً على من قال من الصحابة: (أما أنا فأقوم الليل ولا أنام) وعلى من قال: (أما أنا فلا أتزوج النساء) وعلى من قال: (أما أنا أصوم الدهر ولا أفطر) وهذا قد ورد في حديث النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم (٢). فأتى النبي ﷺ بهذه العبارة وهي أشد شيء في الإنكار ولم يكن ما التزم به هؤلاء الثلاثة من الصحابة إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر. ويدل على ذلك أيضاً ما جاء في الحديث أنه ﵊: (رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر ألا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم،

стр. 79

فقال رسول الله ﷺ : مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه) رواه البخاري (١). قال الإمام مالك: [وقد أمره رسول الله ﷺ أن يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية] (٢). ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم قال: [دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب بنت المهاجر فرآها لا تكلم، فقال: مالها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية ... ] (٣). فتأمل كيف جعل القيام في الشمس وترك الكلام من المعاصي مع أنهما من المباحات ولكن لما أجريت مجرى المشروعات صارت معصية لله عند الإمام مالك كما في الأول وعند أبي بكر ﵁ في الثاني. فالبدعة معصية لله تعالى لأنها مضادة للشارع الحكيم ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة وهذا لا يصح أبداً. وكذلك فإن كل بدعة وإن قَلَّت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح سواء أكانت البدعة منفردة عن المشروع أو ملحقة بالمشروع فكل ذلك يكون قادحاً في المشروع (٤).

стр. 80

وما دامت البدعة معصية فهي محرمة ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة). وكذلك كل ما ورد في ذم البدع مما يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد. وهذا من خصائص المحرم في الشرع، فالبدعة محرمة ولكن وكما هو معلوم فليس جميع المحرمات في رتبة واحدة بل متفاوتة، فقتل النفس بغير حق محرم والكذب محرم ولكن بينهما تفاوت فليس من يقتل بريئاً كمن يكذب، وكذلك فإن البدعة محرمة وهي متفاوتة ومنقسمة إلى صغيرة وكبيرة والكبيرة ليست في درجة واحدة بل متفاوتة أيضاً. فأما البدعة الصغيرة فهي البدعة الجزئية الواقعة في الفروع الجزئية بشرط أن تكون مبنية على شبهة تخيل أنها شرع ودين، فإنها إذا كانت كذلك لا يتحقق دخولها تحت الوعيد بالنار الوارد في شأن البدعة وإن دخلت تحت الوصف بالضلال كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلاً تحت وصف السرقة بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كمن سرق نصاباً موجباً للقطع (١). ويرى الإمام الشاطبي أن البدعة لا تكون صغيرة إلا إذا توفرت فيها الشروط التالية: الشرط الأول: أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه، لأن ذلك ناشىء عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار. الشرط الثاني: أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه فإنه الذي أثارها وسبَّب كثرة وقوعها والعمل بها، فإن الحديث الصحيح قد أثبت أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.

стр. 81

الشرط الثالث: أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها شعائر الدين لأن إظهارها في مثل تلك الأماكن دعوة للعوام للاقتداء بالمبتدع فإن العوام أتباع كل ناعق لا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها فعلى حسب كثرة الاتباع يعظم عليه الوزر. كما وأن إظهار البدع في الأماكن التي تظهر فيها السنن كالمساجد يؤدي إلى الظن أنها من السنن لأن العوام يظنون ذلك. وحكى ابن وضاح قال: [ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك فأرسل إليه مالك فجاءه فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد كان رسول الله ﷺ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكف المؤذن عن ذلك وأقام زماناً ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت ان يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب. فقال له: لا تفعل، فكف زماناً. ثم جعل يضرب الأبواب. فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: لا تفعل لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. قال ابن وضاح: وكان مالك يكره التثويب - قال - وإنما أحدث هذا بالعراق. قيل لابن وضاح: فهل كان يعمل به بمكة أو المدينة أو مصر أو غيرها من الأمصار؟ فقال: ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والأباضيين.

стр. 82

فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخف شأنه عند الناظر فيه ببادي الرأي وجعله أمراً محدثاً وقال في التثويب: إنه ضلال وهو بين لأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب. لأن ذلك جدير بأن يتخذ سنة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوف أن يكون حدثاً أحدثه] (١). الشرط الرابع: أن لا يستصغرها ولا يستحقرها - وإن فرضناها صغيرة - فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب لأن الإنسان إذا استعظم هذا الذنب من نفسه صغر هذا الذنب عند الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهته له وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الألف به (٢). وأخيراً أذكر ما قاله الشيخ الألباني في حكم البدعة: [يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي بها الرجل في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة وليس في البدع - كما يتوهم البعض - ما هو في رتبة المكروه فقط] (٣).

стр. 83

المبحث الثامن أسباب الابتداع وقد أرجع الشيخ الألباني أسباب الابتداع إلى عدة أمور: الأول: أحاديث ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها ولا نسبتها إلى النبي ﷺ ومثل هذا لا يجوز العمل به عندنا على ما بينته في مقدمة " صفة صلاة النبي ﷺ " وهو مذهب جماعة من أهل العلم كابن تيمية وغيره. الثاني: أحاديث موضوعة أو لا أصل لها خفي أمرها على بعض الفقهاء فبنوا عليها أحكاماً هي من صميم البدع ومحدثات الأمور! قلت: وهذان السببان يعودان إلى الجهل بالسنة النبوية عامة، والجهل بعلم مصطلح الحديث خاصة فكثير ممن يقعون في البدع لا يفرقون بين ما يصح الاستدلال به من الأحاديث وبين ما لا يصح فلا يعرفون الحديث الصحيح من الضعيف والموضوع. ويأخذون الحديث من أي مصدر كان حتى من كتب الموضوعات، كمثل ذلك الخطيب الذي كان يخطب الجمعة فقال في خطبته: قال النبي ﷺ في الحديث الموضوع كذا وكذا ... ، ولا يعرف هذا المسكين ما هو الحديث الموضوع؟! مع أن أهل العلم متفقون على أنه لا يجوز العمل بالحديث الموضوع لأنه كذب على رسول الله ﷺ . ومن المعلوم أن كثيراً من البدع استندت إلى أحاديث موضوعة متهافتة (١). الثالث: اجتهادات واستحسانات صدرت من بعض الفقهاء خاصة المتأخرين منهم لم يدعموها بأي دليل شرعي، بل ساقوها مساق المسلمات من الأمور، حتى صارت

стр. 84

سنناً تتبع! ولا يخفى على المتبصر في دينه أن ذلك مما لا يسوغ اتباعه، إذ لا شرع إلا ما شرعه الله تعالى، وحسب المستحسن - إن كان مجتهداً - أن يجوز له هو العمل بما استحسنه، وأن لا يؤاخذه الله به، أما أن يتخذ الناس ذلك شريعة وسنة فلا ثم لا. فكيف وبعضها مخالف للسنة العملية ... إلخ. رابعاً: عادات وخرافات لا يدل عليها الشرع ولا يشهد لها عقل وإن عمل بها بعض الجهال واتخذوها شرعة لهم ولم يعدموا من يؤيدهم ولو في بعض ذلك ممن يدعي العلم ويتزيا بزيهم (١). ويضاف إلى ما قاله الشيخ الألباني أن من أسباب البدع أيضاً تحيكم العقل في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ الواردة في العبادات مع أن العقل لا مدخل له في هذا الباب لأنه لا يستطيع أن يدرك أسرار التشريع في العبادات فلو سأل أعقل الناس نفسه لماذا نصلي المغرب ثلاث ركعات ولماذا نصلي العشاء أربعاً لما وجد جواباً مقبولاً عقلاً. ولو سأل آخر نفسه لماذا نصلي التراويح جماعة ولا نصلي سنة العشاء جماعة؟ مع أن كلاً منهما سنة. ولو قلنا لماذا نقرأ القرآن في الصلاة حال القيام ولا نقرأه حال الركوع والسجود؟ والقرآن هو القرآن. فالأصل في هذا الباب أن لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع ولا بد من الوقوف عند موارد النصوص، فإن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب كما قال الشاطبي (٢). ويمكن اعتبار أسبابٍ أخرى للبدع فيها مجال للنظر (٣).

стр. 85

المبحث التاسع أسباب انتشار البدع يمكن إرجاع انتشار البدع للأسباب الآتية: ١. سكوت كثير من أهل العلم والمنتسبين للعلم الشرعي كأئمة المساجد وأساتذة العلم الشرعي في الجامعات عن البدع لأنهم كما يزعمون لا يريدون إثارة العامة عليهم. ومن باب المحافظة على القديم وإبقائه على قدمه؟! ٢. عمل الكثير من أهل العلم والمنتسبين للعلم الشرعي وخاصة في بلادنا بالبدع وتأييدهم لها وعملهم على انتشارها لموافقتها أهوائهم أو مشاربهم الحزبية الضيقة فتقلدهم العامة لثقتها بهم فيقولون قال الشيخ الفلاني قال كذا وكذا وفعل كذا فيحتجون على صحة موقفهم بأقوال المشايخ وأفعالهم مع أنه لا دليل في ذلك ما لم يكن موافقاً للشرع. ٣. تبني الحكام والمسؤولين للبدع وتشجيعها لموافقتها لأهوائهم ولخدمتها لأغراضهم كما هو مشاهد في حفلات الموالد والهجرة والإسراء والمعراج وغير ذلك من المواسم المنسوبة إلى الدين زوراً وبهتاناً كما سيأتي في الفصل الثاني. ٤. نظراً لمضي مدة على انتشار البدع وتناقل الناس لها جيلاً بعد جيل صار مغروساً في أذهان العامة أن هذه البدع من الدين وصار اعتبار البدع من الدين قضية مسلمة فأصبح من الصعوبة بمكان وقف انتشارها إلا بجهود كبيرة وبتوفيق من الله (١).

стр. 86

الفصل الثاني البدع المنتشرة بين الناس في المساجد وغيرها

стр. 87

المبحث الأول البدع المتعلقة بالأذان وفيه مسائل: المسألة الأولى: قراءة القرآن قبل الأذان للصلوات الخمس وقبل الأذان للجمعة: اعتاد كثير من المؤذنين أن يبثوا قراءة آيات من القرآن الكريم بواسطة آلة التسجيل عبر مكبرات الصوت قبل الأذان للصلاة بوقت يسير كعشر دقائق أو أقل أو أكثر. وصارت هذه العادة التزاماً يومياً بحيث إن المؤذن لو أخل بذلك قوبل بالإنكار من بعض المصلين. وهذا الأمر بدعة غير مشروعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ فما ثبت عن الرسول ﷺ أنه أمر المؤذن أن يقرأ شيئاً من القرآن الكريم قبل الأذان ولا نقل مثل ذلك عن الصحابة والتابعين لهم. ومن المقرر عند أهل العلم أنه لا يجوز تخصيص عبادة بوقت معين بدون دليل شرعي. وقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن سؤال متعلق بحكم قراءة القرآن قبل الأذان ونصه: [ما حكم الإسلام في قراءة القرآن يوم الجمعة قبل صلاة الظهر بمكبرات الصوت. إذا قلت هذا أمر غير وارد يقول لك تريد أن تمنع قراءة القرآن. وما رأيكم في الابتهالات الدينية تسبق أذان الفجر بقليل بمكبرات الصوت إذا قلت هذا أمر ليس له دليل يقول لك هذا عمل خير يوقظ الناس لصلاة الفجر. الجواب: لا نعلم دليلاً يدل على وقوع ذلك في عهد الرسول ﷺ ولا نعلم أحداً من الصحابة عمل به وكذلك الابتهالات التي تسبق الأذان للفجر بمكبرات الصوت

стр. 88

فكانت بدعة وكل بدعة ضلالة وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (١).

стр. 89

المسألة الثانية: الأذان بواسطة شريط مُسجَلٌ عليه الأذان: بعض المؤذنين وأئمة المساجد يعجبون بأصوات مؤذنين مشهورين فيسجلون أذانهم على شريط ثم عندما يحين وقت الأذان يبثون الأذان بواسطة مكبرات الصوت وهذا أمر مبتدع مخالف لهدي المصطفى ﷺ حيث ثبت في الحديث عن مالك بن الحويرث قال: (أتيت الرسول ﷺ في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيماً رفيقاً فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: إرجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم) رواه البخاري ومسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً) رواه البخاري ومسلم (٢). جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: [إن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها ولا يجوز في أداء العبادة ولا يحصل به الأذان المشروع وإنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلاة في كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا ورسولنا محمد ﷺ إلى الآن والله الموفق] (٣) وأجابت الهيئة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على سؤال يتعلق بالموضوع بقولها:

стр. 90

[إنه لا يكفي في الأذان المشروع للصلوات المفروضة أن يُأَذَنَ من الشريط المسجل عليه بل الواجب أن يؤذن المؤذن للصلاة بنفسه لما ثبت من أمره ﵊ بالأذان والأصل في الأمر الوجوب] (١).

стр. 91

المسألة الثالثة: الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان بحيث تكون جزءاً منه: اعتاد كثير من المؤذنين أن يصلوا على النبي ﷺ في أذانهم وصارت الصلاة على النبي ﷺ جزءاً من الأذان وهذا الأمر الأصل فيه سنة والكيفية بدعة وبيان ذلك بما يلي: إن الصلاة والسلام على النبي ﷺ سنة بعد الأذان لا فرق في ذلك بين مؤذن وغيره ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) رواه مسلم (١). ومن المعلوم أن ألفاظ الأذان وكلماته توقيفية لا يصح أن يزاد عليها أو ينقص منها شيء وكلمات الأذان تبدأ بقول المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر)، وتنتهي بقوله: (لا إله إلا الله) فهذا هو المأثور من لدن رسول الله ﷺ وكان عليه الصحابة والتابعون وأهل القرون الثلاثة الأولى المشهود لهم بالخيرية. وبناء على ما سبق أقول إن الصلاة والسلام على رسول الله لا يصح أن تجعل جزءاً من ألفاظ الأذان فإن جعلت جزءاً منه كما يفعل كثير من المؤذنين فهي من هذا الوجه وبهذه الكيفية بدعة وإن كان الأصل فيها سنة فالمطلوب من المؤذن بعد انتهاء الأذان أن يصلي ويسلم على النبي ﷺ فإن فعل ذلك فقد أصاب السنة. وأما إذا جهر بالصلاة والسلام وجعلها جزءاً من الأذان فقد ابتدع وأحدث حدثاً لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح من أئمة المسلمين وقد بين الشيخ علي محفوظ تاريخ هذه البدعة فقال: [ومن البدع المختلف في حسنها وذمها الصلاة والسلام على

стр. 92

النبي ﷺ عقب الأذان جهراً ما عدا الصبح والجمعة اكتفاء بما يقع قبلهما وما عدا المغرب لضيق وقتها والذي أحدث ذلك هو محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله البرلسي وأمر به في مصر وأعمالها ليلة الجمعة فقط ثم صار ذلك عاماً على يد نجم الدين الطنبدي لسبب مذكور في كتب التاريخ ففي خطط المقريزي: وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم " الفاطميين " إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية سنة سبع وستين وخمسمائة وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي ﵁ وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀ فأبطل من الأذان (حي على خير العمل) وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادتين فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة ﵁ في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضاً على رأيهم وما عدا ذلك فعلى ما قلنا إلا أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله ﷺ وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي بعد سنة ستين وسبعمائة فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ومتولي الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاج ابن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله ﷺ في ليلة الجمعة وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان؟ قالوا نعم فبات تلك الليلة، وأصبح متواجداً يزعم أنه رأى رسول الله في منامه وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله ﷺ في كل أذان فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي وكان شيخاً جهولاً سيء السيرة في الحسبة والقضاء متهافتاً على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا

стр. 93

يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة ولا يراعي في مؤمن إلاً ولا ذمة. قد ضرى على الآثام وتجسد من أكل الحرام. يرى أن العلم إرخاء العذبة ولبس الجبة ويحسب أن رضاء الله سبحانه في ضرب العباد بالدرقة وولاية الحسبة لم تحمد الناس قط أياديه ولا شكرت أبداً مساعيه بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة. وقال له: رسول الله يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول الله كما يفعل في كل ليالي الجمع. فأعجب الجاهل هذا القول وجهل أن رسول الله ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته وقد نهى الله في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه حيث يقول: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) وقال رسول الله ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور) فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون] (١).

стр. 94

وقال العلامة ملا علي القاري: [ ... فما يفعله المؤذنون الآن عقب الأذان من الإعلان بالصلاة والسلام مراراً أصله سنة والكيفية بدعة لأن رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر فيه كراهة سيما في المسجد الحرام لتشويشه على الطائفين والمصلين والمعتكفين] (١). وبيَّن الحافظ ابن حجر أن ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي ﷺ ليس من جملة الأذان لا لغةً ولا شرعاً (٢). وقال ابن الحاج: [وكذلك ينبغي أن ينهاهم - أي المؤذنين - عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النبي ﷺ عند طلوع الفجر وإن كانت الصلاة والتسليم على النبي ﷺ من أكبر العبادات وأجلها فينبغي أن يسلك بها مسلكها فلا توضع إلا في مواضعها التي جعلت لها. ألا ترى أن قراءة القرآن من أعظم العبادات ومع ذلك لا يجوز للمكلف أن يقرأه في الركوع ولا في السجود ولا في الجلوس أعني الجلوس في الصلاة لأن ذلك ليس بمحل للتلاوة. فالصلاة والتسليم على النبي ﷺ أحدثوها في أربعة مواضع لم تكن تفعل فيها في عهد من مضى والخير كله في الاتباع لهم ﵃ ... والصلاة والتسليم على النبي ﷺ لا يشك مسلم أنها من أكبر العبادات وأجلها وإن كان ذكر الله تعالى والصلاة والسلام على النبي ﷺ حسناً سراً وعلناً لكن ليس لنا أن نضع العبادات إلا في مواضعها التي وضعها الشارع فيها ومضى عليها سلف الأمة] (٣). وقال الشيخ ابن حجر المكي: [قد أحدث المؤذنون الصلاة والسلام عقب الأذان للفرائض الخمس إلا الصبح ... ولقد استفتي مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام

стр. 95

عليه ﷺ بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة وهو ظاهر ... ] (١). وأشار الشيخ ابن حجر المكي إلى أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ قبل الأذان ليست سنة فمن أتى ذلك معتقداً سنيته في ذلك المحل المخصوص نهي عنه ومنع منه لأنه تشريع بغير دليل ومن شرع بلا دليل يزجر عن ذلك وينهى عنه (٢). وسئل الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية عن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان؟ فأجاب: [أما الأذان فقد جاء في - الفتاوى - الخانية أنه ليس لغير المكتوبات وأنه خمس عشرة كلمة وآخره عندنا لا إله إلا الله وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة ابتدعت للتلحين لا لشيء آخر ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين ولا عبرة بقول من قال: إن شيئاً من ذلك بدعة حسنة لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة ... ] (٣). وقال الشيخ سيد سابق: [الجهر بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عقب الأذان غير مشروع بل هو محدث مكروه] (٤). وأجاب العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية على سؤال حول الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان فأجاب: [هذا المقام فيه تفصيل فإن كان المؤذن يقول ذلك بخفض صوت فذلك مشروع للمؤذن وغيره ممن يجيب المؤذن لأن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة

стр. 96

لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) أخرجه مسلم في صحيحه. وروى البخاري في صحيحه، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : (من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة). أما إن كان المؤذن يقول ذلك برفع صوت كالأذان فذلك بدعة لأنه يوهم أنه من الأذان والزيادة في الأذان لا تجوز لأن آخر كلمة: (لا إله إلا الله) فلا يجوز الزيادة على ذلك. ولو كان ذلك خيراً لسبق إليه السلف الصالح بل لعلمه النبي ﷺ أمته وشرعه لهم وقد قال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم في صحيحه وأصله في الصحيحين من حديث عائشة ﵂. وأسأل الله سبحانه أن يزيدنا وإياكم وسائر إخواننا في الفقه في دينه وأن يمن علينا جميعاً بالثبات عليه إنه سميع قريب] (١). وقال الشيخ محمد عبد السلام الشقيري: [ثم اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ بعد النداء لم تكن بهذه الكيفية المعلومة الآن قطعاً بل كانت سراً وباللفظ الوارد الذي علمَّه لهم النبي ﷺ حينما سألوه بقولهم: قد علمنا السلام عليك فكيف نصلي؟ فقال لهم ﷺ قولوا اللهم صل على محمد) الحديث، فهذه الكيفية مبتدعة محدثة لم يأمر بها رسول الله ﷺ ولم تفعل في حياته ولا مرة واحدة. ولم يفعلها بلال في جميع تأذيناته بين يدي النبي ﷺ ولا مرة واحدة. ولا أحد من جميع مؤذني النبي ﷺ ولم تفعل في عهد الخلفاء الراشدين أصلاً ولا في عصر سائر الصحابة ولا التابعين ولا

стр. 97

تابعي التابعين ولا الأئمة الأربعة المعتبرين، وإنما حدثت في عصر الملك صلاح الدين على يد رجل من الجاهلين المتصوفين وأنكرها بعض أهل العلم العاملين وهي لا تزال تنكرها قلوب العارفين بشرع الأمين حتى يأذن الله بإبطالها وإعادتها إلى أصلها على يد عبد من عباده الصالحين] (١). وزعم بعضهم أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ بعد الأذان وبالكيفية التي يفعلها المؤذنون ليست بدعة لأنها تدخل في عموم قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (٢). وعموم قول النبي ﷺ : (من صلى عليَّ مرة صلى الله عليها بها عشراً) رواه مسلم، فهذا عام يشمل جميع الأوقات ويدخل في عمومه الصلاة والسلام بعد الأذان (٣). والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: إنه لا يصح الاستدلال بهذه النصوص العامة وتخصيصها بأفعال عامة الناس الذين ابتدعوا هذه البدعة. ولا بد من دليل شرعي يخصص هذه العمومات ويقيد المطلق منها ولم يوجد. الوجه الثاني: إن هذه الصلاة والتسليم على النبي ﷺ ما عرفت إلا في عصور متأخرة وابتدعت على يد بعض الجهلة من العامة فأين كان عنها الصحابة والتابعون وأهل القرون الثلاثة المفضلة. فلو كانت مشروعة لسبقونا إليها وكل الخير في اتباع من سلف.

стр. 98

وخلاصة الأمر أن علينا اتباع السنة وهي كما وردت بها الأحاديث وهي الصلاة والسلام على النبي ﷺ بشرط أن لا تجعل جزءاً من الأذان فنقول للمؤذن إذا انتهيت من الأذان فصل على النبي ﷺ بعد ذلك ولا تجعلها جزءاً من أذانك.

стр. 99

المسألة الرابعة: الذكر قبل أذان الفجر وقبل أذان العشاء ليلتي الإثنين والجمعة . اعتاد بعض المؤذنين على التذكير قبل أذان صلاة الفجر وخاصة في شهر رمضان المبارك ومن هذه الأذكار: - أن يتلو المؤذن قول الله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (١). - ومنها قول المؤذن قبل الأذان: سبحان الواحد الأحد سبحان الفرد الصمد، سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ومن الأذكار التي يقولها بعض المؤذنين قبل أذان العشاء ليلة الجمعة: [(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). أكرم مثوانا يا رب بحرمة ليلة الجمعة، وأكرم مثوانا ببركة ليلة الجمعة، فاطمة الزهراء هللت وكبرت بنبوءة والدها المصطفى وحق ليلة الجمعة. وخلقت لنا عقولاً. وأرسلت لنا رسولاً. فمال عبادك يا الله لا يولون جهداً في الحصول عل ثواب ليلة الجمعة. أنزلت لنا القرآن وحياً واقياً من لدن حكيم عليم، فما تجاهلت!؟ حتى أنزلت سورة سميتها سورة الجمعة. يا رب ... قدس الأقداس سطعت أنوارها من أقصاها. نور الأقصى من نور المصطفى فأكثروا يا زوار الأقصى من الصلاة على المصطفى ليلة الجمعة. لا حول ولا قوة إلا بك يا الله عند ضعفي إن كنت قد حرمت من دخول المسجد الأقصى في ليلة الجمعة.

стр. 100

إلهي ومولاي، أنت ربي، أنت حسبي، فأعطني الشهادة في سبيلك بحق حرمة ليلة الجمعة. ذرفت عيوني دمعاً من خشيتك يا الله فامنحني يا مولاي صبراً إذا حرمت من ذكرك في أقصاك (١) ليلة الجمعة. موسى بشر محبي المصطفى وعيسى هتف في محبي المصطفى فاقسم الله لمحمد أن يكون هو البادي ليلة الجمعة. يا مالك الكون إليك المرتجى والمنتهى. فاجعل نهايتنا يا الله فاتحة خير بحق حرمة ليلة الجمعة. أيها الأقصى منك شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأبشر يا مسجد الله أن لا متسع في جنباتك إلا لمؤمن هتف بحرمة ليلة الجمعة. كيف لا أقصد أبوابك يا الله من مكان طهارة الإسلام ومسرى محمد خير الأنام. وأنت أنزلت يا مولاي على حبيبي محمد: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) اشفع لنا يا بحر علم الله. قصدت باب الرجاء والناس قد رقدوا ... وبت أشكو إلى مولاي ما أجد وقلت يا أملي في كل نائبة ... عليك من بكشف الضر اعتمد أشكو إليك يا رب أشكو إليك أموراً ... أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد وقد مددت إليك يدي بالذل سائلة ... يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها إليك يا رب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد].

стр. 101

وغير ذلك من الأذكار، وهذه الأذكار وغيرها كلها من الأمور المبتدعة التي يجب تركها اقتداءً بسنة الرسول ﷺ . قال ابن الجوزي: [ ... ومنه أنهم يخلطون أذان الفجر بالتذكير والتسبيح والمواعظ ويجعلون الأذان وسطاً فيختلط، وقد كره العلماء كل ما يضاف إلى الأذان ... وكل ذلك من المنكرات] (١). وبيَّن الحافظ ابن حجر أن ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ليس من جملة الأذان لا لغة ولا شرعاً (٢). قال في شرح العمدة من كتب الحنابلة: [يكره قول المؤذن قبل الأذان: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) الآية وكذلك إن وصله بعد بذكر لأنه محدث. ويكره قوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك من المحدثات. وفي الإقناع وشرحه من كتبهم أيضاً: وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن فليس بمسنون. وما أحد من العلماء قال إنه يستحب بل هو من جملة البدع المكروهة لأنه لم يكن في عهده ﷺ ولا عهد أصحابه وليس له أصل فيما كان على عهدهم يردّ إليه فليس لأحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه ولا يعلق استحقاق الرزق به لأنه إعانة على بدعة ولا يلزم فعله ولو شرطه واقف لمخالفته السنة] (٣). وقال الشيخ سيد سابق تحت عنوان ما أضيف إلى الأذان وما ليس منه: [الأذان عبادة ومدار الأمر في العبادات على الاتباع فلا يجوز لنا أن نزيد شيئاً في ديننا أو ننقص منه وفي الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)

стр. 102

أي باطل. ونحن نشير إلى أشياء غير مشروعة درج عليها الكثير حتى خيل للبعض أنها من الدين وهي ليست منه في شيء، من ذلك ... التسبيح في الفجر] ثم نقل كلام صاحب الإقناع وشرحه المتقدم (١).

стр. 103

المسألة الخامسة: قراءة سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ثلاثاً قبل إقامة الصلاة وكذلك قراءة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) وقراءة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ثم يدعو المؤذن بقوله: [لأمواتنا ولأمواتكم وللمسلمين الفاتحة] ثم يقرؤها وبعد ذلك يقيم الصلاة. وهذه الصيغة يحافظ عليها بعض المؤذنين خاصة في صلاة الفجر وهي بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ . قال الشيخ القاسمي: [قراءة سورة الإخلاص ثلاثاً قبل إقامة الصلاة إعلاناً بأنه ستقام الصلاة فهي بدعة لا أصل لها ولا حاجة لها] (١). وهذه بدعة لأنها لم ترد عن رسول الله ﷺ ولا أمر أحداً من المؤذنين أن يفعلها قبل إقامة الصلاة. ولأن فيها تشويشاً على المصلين في المسجد وقد نهى النبي ﷺ عن التشويش على المصلين ولو كان ذلك بقراءة القرآن الكريم كما ورد في الحديث: (أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك في الموطأ وروى مثله أبو داود وأحمد والبيهقي وصححه الشيخ الألباني (٢).

стр. 104

المبحث الثاني البدع المتعلقة بالنية وفيه مسائل: المسألة الأولى: الجهر بالنية: اعتاد كثير من المصلين أن يتلفظوا بالنية جاهرين بها فتسمع أحدهم يقول قبل أن يحرم بصلاة الظهر: نويت أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر جماعة مقتدياً بهذا الإمام مستقبلاً الكعبة الشريفة. وهذا التلفظ جهراً بالنية بدعة سيئة مذمومة مخالفة لهدي الرسول ﷺ وتوضيح ذلك بما يلي: أولاً: إن النية من عمل القلب وليست من عمل اللسان لذلك فإن كثيراً من أهل العلم يعرفون النية بأنها عزيمة القلب أو قصد القلب. قال الإمام الخطابي: [النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له. وقيل عزيمة القلب] (١). وقال الإمام القرافي: [هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله] (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والنية هي القصد والإرادة والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان باتفاق العقلاء] (٣). وقال العلامة ابن القيم: [النية عمل القلب] (٤).

стр. 105

وقال أبو إسحاق الشيرازي: [لأن النية هي القصد بالقلب] (١). وقال التيمي هي: [وجهة القلب] (٢). وقال البيضاوي: [النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مآلاً] (٣). وغير ذلك من التعريفات. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والنية محلها القلب باتفاق العلماء فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم] (٤). وقال شيخ الإسلام أيضاً: [محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين في جميع العبادات] (٥). وقال السيوطي: [محلها القلب في كل موضع] (٦). وقال الشيخ أحمد الشويكي الحنبلي: [ومحلها القلب] (٧). وهذا الذي عليه المحققون من العلماء (٨). ثانياً: إن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله ﷺ كما قررته سابقاً ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه تلفظ بالنية وكذلك لم ينقل عن النبي ﷺ أنه علَّم أحداً من

стр. 106

الصحابة التلفظ بالنية ولو كان التلفظ مشروعاً لنقل إلينا كما نقلت إلينا أدق أعمال الصلاة وغيرها. قال العلامة ابن القيم: [كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: (الله أكبر) ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفظ بالنية البتة ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل الكعبة أربع ركعات إماماً أو مأموماً. ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة. بل ولا عن أحد من أصحابه ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة] (١). وقال العلامة القسطلاني: [وبالجملة فلم ينقل أحد أنه ﷺ تلفظ بالنية ولا علم أحداً من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك بل المنقول عنه في السنن أنه قال: [مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم]. وفي الصحيحين أنه ﷺ لما علم المسيء صلاته قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير] (٢). وقال العلامة القسطلاني أيضاً: [ ... ولقد صلَّى ﷺ أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أن أصلي صلاة كذا وكذا وتركه ﷺ سنة، كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله ... ] (٣). ونقل ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: [ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه واحدة منها فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إماماً أو مأموماً

стр. 107

أربع ركعات مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويثني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خيرٌ لسبقونا إليه ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال] (١). كما أنه ثبت أن الرسول ﷺ لم يكن يتلفظ بالنية بل كان يبدأ الصلاة بالتكبير كما صح في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين) رواه مسلم (٢). وثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال للمسيء صلاته عندما قال له: (علمني يا رسول الله، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ... ) رواه البخاري ومسلم (٣). وقال العلامة ملا علي القاري: [وقد ثبت أنه ﵊ قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه. وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له: (إذا

стр. 108

قمت إلى الصلاة فكبر) فدل على عدم وجود التلفظ] (١). ثالثاً: لم يقل أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من العلماء الكبار بالتلفظ بالنية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشرع إذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشرع فهو جاهل ضال ... ] (٢). وقال شيخ الإسلام أيضاً: [إن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأئمة] (٣). وقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي: [فإنه لم يقل أحد من الأئمة الأربعة لا الشافعي ولا غيره باشتراط التلفظ بالنية وإنما النية محلها القلب باتفاقهم ... ] (٤). وقال القاضي جمال الدين أبو الربيع سليمان بن عمر الشافعي: [وأما الجهر بها وبالقراءة خلف الإمام ليس من السنة بل مكروه. فإن حصل به تشويش على المصلين فحرام، ومن قال بأن الجهر بلفظ النية من السنة فهو مخطىء ولا يحل له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم. ومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال: النية من أعمال القلوب فالجهر بها بدعة مع ما في ذلك من التشويش على الناس. ومنهم الشيخ علاء الدين بن العطار عفا الله عنه قال: ورفع الصوت بالنية مع التشويش على المصلين حرام إجماعاً ومع عدمه بدعة قبيحة فإن قصد به الرياء كان حراماً من وجهين كبيرة من الكبائر والمنكر على من قال بأن ذلك من السنة مصيب ومصوبه مخطئ. ونسبته إلى دين الله اعتقاداً كفر وغير اعتقاد معصية.

стр. 109

ويجب على كل مؤمن تمكّن من زجره زجره ومنعه وردعه ولم ينقل هذا النقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الإسلام. ومنهم الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن الحريري الأنصاري، قال في هذه المسألة: ما كان النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃ ولا أحد من الأئمة الأربعة ولا علماء المسلمين يفعل مثل ذلك ... فإن زعم الفاعل لذلك أن هذا هو دين الله تعالى فقد كذب على الله تعالى وعلى رسول الله ﷺ وأدخل في دين الله ما ليس منه يستتاب بعد التعريف وتزاح عنه الشبهة التي عرضت له فإن تاب وإلا قتل بذلك] (١). رابعاً: نسب بعض الشافعية وهو أبو عبد الله الزبيري للإمام الشافعي أنه يوجب التلفظ بالنية تعلقاً بأن الشافعي قال في كتاب " المناسك " ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أن يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق، فتأول ذلك على وجوب النطق بالنية. قال الماوردي: [وهذا فاسد وإنما أراد - الشافعي - وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجاً: أن النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أن القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح] (٢).

стр. 110

وقال الإمام النووي مخطئاً كلام الزبيري: [قال أصحابنا غلط هذا القائل وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا بل مراده التكبير] (١). خامساً: قول من قال باستحباب التلفظ بالنية ليساعد اللسان القلب (٢)، لا دليل عليه من الشرع ولم يقل بالاستحباب أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة السابقين بل المنصوص عن الإمامين مالك وأحمد أنه لا يستحب التلفظ بالنية كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). وقد سأل أبو داود - في مسائل أحمد - الإمام أحمد فقال: [يقول المصلي قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا] (٤). ويجاب على قولهم باستحباب التلفظ بالنية بوجوه: الأول: إن الاستحباب حكم شرعي لا يكون إلا بدليل، ولا دليل. قال الإمام الأذرعي: [ولا دليل للندب] (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولو كان مستحباً لفعله النبي ﷺ ولعظمه المسلمون] (٦). وقال شيخ الإسلام أيضاً: [وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التي لم يشرعها رسول الله ﷺ فهي بدعة بل كان ﷺ يداوم في العبادات على تركها،
следующие страницы →