← История

История · id 925

فضائل مصر وأخبارها وخواصها

ابن زولاق

Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف ونسبة كتاب الفضائل إليه هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن على بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق أبو محمد الفقيه الليثى المصرى (١). ولد بفسطاط مصر سنة ٣٠٦ وتوفى سنة ٣٨٧ هـ، ونشأ فى مهد العلم والدرس، فكان جده الحسين بن الحسن من مشاهير العلماء (٢). ودرس الرواية التاريخية على أبى عمر الكندى، ثم خص كأستاذه تاريخ مصر بدرسه وبحثه (٣). وبلغ من محبته للتواريخ والحرص على جمعها وكتبها أنه كثيرا ما كان ينشد: ما زلت تكتب فى التاريخ مجتهدا … حتى رأيتك فى التاريخ مكتوبا (٤) وقد أثرى ابن زولاق بنشاطه الثقافى والفكرى الحياة الثقافية بمصر فى القرن الرابع الهجرى، وكان أهم ما قدمه لمدرسة التاريخ فى مصر الإسلامية كما ورد لدى ياقوت: كتاب سيرة محمد بن طغج الإخشيد، كتاب سيرة جوهر، كتاب سيرة الماذرائيين، كتاب التاريخ الكبير على السنين، كتاب سيرة كافور، كتاب سيرة المعز، كتاب سيرة العزيز (٥)، ويضيف ابن خلكان: كتاب فى خطط _________ (١) ابن الطحان: تاريخ علماء أهل مصر ص ٥٣، وابن خلكان ج ٢ ص ٩١ (٢) ابن الطحان ص ٥٤ (٣) لسان الميزان ج ٢ ص ١٩١ (٤) ياقوت: إرشاد الأريب ج ٣ ص ٧ (٥) ياقوت: إرشاد الأريب ج ٣ ص ٧

стр. 2

مصر، كتاب أخبار قضاة مصر (١) كتاب التاريخ الصغير (٢) أخبار سيبويه المصرى. كما أشار ابن زولاق فى كتابه فضائل مصر وأخبارها إلى كتابين آخرين أحدهما فى أخبار عمرو بن العاص، والآخر فى أخبار النيل (٣). وكتاب فضائل مصر وأخبارها وهو الذى نقدم له اليوم عنوانه كما جاء فى طرة بعض النسخ التى وصلت إلينا «فضائل مصر وأخبارها وخواصها» وتوحى عبارة المؤلف فى مقدمته لهذا الكتاب أنه فى أخبار مصر وفضائلها وصفتها، والعبارة لا تعدو أن تكون توضيحا أو إشارة لما يحويه الكتاب. وسماه السخاوى «فضائل مصر وأخبارها» (٤) وسماه غير واحد ممن ترجم له أو نقل منه «فضائل مصر» وممن ذكره كذلك ياقوت (٥) والنويرى (٦)، والصفدى (٧)، وابن حجر (٨)، والسيوطى (٩) والبغدادى (١٠). كما أشار ابن زولاق فى كتابه «فضائل مصر» إلى نفسه فى صدر الكتاب، وكذلك أشار إلى نفسه بمناسبة الحديث عن أشراف مصر، والحديث عن الخلج التى كانت بمصر. *** _________ (١) ابن خلكان ج ٢ ص ٩١ (٢) نفس المصدر ج ١ ص ٢١٨ (٣) لم يبق لنا من مؤلفات ابن زولاق سوى كتاب أخبار سيبويه المصرى وقد نشر بالقاهرة سنة ١٩٩٣ م. وكتاب فضائل مصر، وهو الذى نقدم له اليوم. (٤) السخاوى: الإعلان بالتوبيخ ص ٦٤٥ (٥) إرشاد الأريب ج ٣ ص ٧ (٦) نهاية الأرب ج ١ ص ٣٥٧ (٧) الوافى ج ١١ ص ٣٧٠ (٨) لسان الميزان ج ٢ ص ١٩١ (٩) حسن المحاضرة ج ١ ص ٥٥٣ (١٠) هدية العارفين ج ٥ ص ٢٧٣

стр. 3

منهج ابن زولاق يرجح أن ابن زولاق استعان بمنهج عمر بن أبى عمر الكندى-وكان من شيوخه-فى كثير من كتاباته فى فضائل مصر المحروسة لتطابق نصوص الكتابين فى كثير من الأحيان. أو لعله يعود إلى تشابه المصادر لدى كل منهما. وكان من الطبيعى أن يتجه اهتمام ابن زولاق إلى التاريخ، فهذه مصر ماثلة أمامه بآثارها القديمة، تحكى أمجاد وطنه العريق وتكشف عن دوره الخالد فى خدمة الحضارة الإنسانية، وإذا كان المصريون على عهد ابن زولاق قد باعد الزمان بينهم وبين هذه العصور السحيقة، فكانوا لا يعرفون حق المعرفة ما تمثله هذه الآثار وما عليها من كتابات ونقوش، ومن ثم كان عمل ابن زولاق شاقا وعسيرا فى كتاباته عن هذه المرحلة الهامة من تاريخ مصر: «وذلك بسبب افتقار الباحثين فى التاريخ القديم من حيث الخبرة بالكشوف واللغة الهيروغليفية، وهى أمور لم يصل العلم إلى كشف أسرارها إلا فى مطلع العصر الحديث، ولذا لم يكن عجبا أن يلتمس هذا المؤرخ الوطنى سبيله إلى دراسة هذه الحقبة الخالدة من تاريخ مصر عن طريق القصص التى رددتها شفاه المعاصرين له، والتى امتلأت بها مجالسهم الخاصة والعامة، ولا ينتقص من قيمة هذه المحاولة أن القصص التى سردها ابن زولاق حفلت بالخيال الواسع، أو لأنها ابتعدت عن منهج البحث الذى نعرفه فى وقتنا الحاضر، إذ يكفى هذا المؤرخ فخرا أنه نجح فى إثارة غريزة حب الاستطاع عند مواطنيه فى تاريخ وطنهم القديم، وتلمس الروابط القيمة بين حاضرهم إذ ذاك وماضيهم التليد» (١). وإذا كان حديث ابن زولاق عن تاريخ مصر القديمة أقرب إلى الأساطير منه إلى التاريخ فى بعض موضوعاته، فإنه كلما اقترب من أحداث الفتح اتسمت كتاباته بكثير من الدقة التاريخية. _________ (١) العدوى: ابن عبد الحكم ص ٦٤ - ٦٥

стр. 4

وكيفما كان الأمر فقد استهل ابن زولاق عرضه لأخبار مصر وفضائلها بآيات من القرآن الكريم جاء فيها ذكر مصر من مثل قوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [سورة البقرة:٦١] وقوله تعالى حكاية عن فرعون وافتخاره بمصر: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [سورة الزخرف:٥١]. وسار ابن زولاق على النهج نفسه فى روايته لأحاديث الرسول الكريم التى ورد فيها ذكر مصر، ونقتبس منها حديثا روى عن الرسول ﷺ يوصى فيه صحابته بقبط مصر: «ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لكم منهم ذمة ورحما» إذ كانت هاجر زوج إبراهيم الخليل ﵇ وأم ولده إسماعيل منهم، كما كانت مارية القبطية زوج الرسول ﷺ منهم أيضا. وقد حافظت السلطات العربية فى مصر على هذا العهد، ففى دراسات ابن زولاق عن علاقة المسلمين بالأقباط، أن ولاة مصر شاركوا الأقباط فى الاحتفال بوفاء النيل كل عام، ذلك الاحتفال الذى ظل منذ عهد الفراعنة إلى الآن، لأن النيل مصدر ثروة مصر ورخائها. وغدا هذا الاحتفال مناسبة طيبة للتقارب بين الأقباط وبين أولى الأمر فى مصر. ومن نماذج روايات ابن زولاق فى هذا الجانب كذلك ما أشار إليه من أن الحسين بن على لما اجتمع مع معاوية، قال له الحسين: إن أهل حفن بصعيد مصر، وهى قرية مارية أم إبراهيم، فاسقط عن أهلها الخراج إكراما لرسول الله ﷺ فأسقطه عنهم. كما أشاد ابن زولاق بمصر وبأهلها فى الجانب المرتبط بالرسل والأنبياء ودعائهم لمصر، وكذلك أشاد بموقف وزراء مصر فى القديم، وبين أن الله سبحانه أثنى عليهم فى كتابه الكريم لأنهم قدموا النصح لفرعون، وذلك على العكس من وزراء نمرود الذين حرضوه على البغى والقتل حين شاورهم فى أمر إبراهيم ﵇ فقالوا: حرّقوه وانصروا آلهتكم.

стр. 5

أما إشادته بالسحرة الذين أحضرهم فرعون لموسى فقد بلغت حد الإعجاب حيث يقول: «آمنوا كلهم فى ساعة واحدة، ولا يعلم من آمن فى ساعة واحدة أكثر من هذا» وبلغ من نبل أهل مصر فى القديم أنه لم يفتن بعبادة العجل أحد من أهلها. وعالج ابن زولاق فى ضوء هذا المنهج من كان بمصر من فلاسفة الإغريق، فأشاد ببلده مصر حين ذكر أن هؤلاء الفلاسفة والعلماء سكنوا مصر فى العصور السالفة، ووضعوا مؤلفات فى الفلك والهندسة والطبيعة والطب وغيرها فما غيرت أذهانهم ولا أضرت بعقولهم. كما أشاد بعد ذلك بمن أنجبته مصر من الفقهاء والعلماء فجعل يزيد بن أبى حبيب فى قمة فقهاء وعلماء مصر وقتئذ. أما سعيد بن عفير، ويحيى بن عثمان، وابن قديد فقد جعلهم ابن زولاق من أعلام المؤرخين البارزين فى القرن الثالث الهجرى. كما أشاد بمن نبغ من مؤرخى مصر فى العصر الإخشيدى كأحمد بن يوسف الكاتب المعروف بابن الداية، وأبى سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، وأبى عمر محمد بن يوسف الكندى. كما أوضح اعتزازه واعتزاز مواطنيه ببلدهم مصر فى التنويه بشأنها بذكر من وفد إليها من العلماء والخلفاء والشعراء. وكان مركز الحركة العلمية الدينية فى مصر وقلبها الناهض فى ذلك العهد، جامع عمرو بن العاص، فكان ملتقى العلماء وإليه يفد الطلاب لتلقى العلم، كما كثر الوافدون إلى مصر من شتى الأمصار الإسلامية بغية الرواية عن علماء مصر. وانتقل ابن زولاق من الإشادة بعلماء مصر إلى الإشادة بمصر وما تميزت به عن غيرها من الأمصار، فذكر ما قاله الصحابة فى شأنها من أنها خزانة الأرض كلها، ثم أشار إلى ما تميزت به مصر من طيب هوائها ونقاء جوها وما يتمتع به أهلها من سلامة وأمن يكاد ينعدم فى الأمصار الأخرى.

стр. 6

وفي الدراسات التى تناول فيها ابن زولاق الثغور في مصر، أوضح أن السلطات فى العاصمة اهتمت بها منذ الفتح الإسلامى لمصر، نظرا لأهمية موقعها وضرورة الدفاع عنها، وأن عمرو بن العاص كان يؤكد على هذا فى خطابه السنوى لأهل مصر بقوله: واعلموا أنكم فى رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم، وتشوف قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزرع والمال، والخير الواسع والبركة النامية. على أن الأمر الجدير بالملاحظة أن معظم هذه الثغور كان يقع على ساحل بحر الروم مما يؤكد يقظة السلطات فى العاصمة واهتمامها بدرء الخطر الذى يمكن أن يتهدد مصر من هذا الجانب. وقد استرعى نظر ابن زولاق خصوبة أرض وطنه وما تفيض به هذه الأرض من خير ونماء، ومن ثم جمع جمهرة من الأقوال التاريخية التى تشيد بهذه الظاهرة وكيف أن هذه الأقوال تنطبق على كل عصر حتى أيامه في القرن الرابع الهجرى. فروى فى هذا الموضوع قول عبد الله بن عمرو فى وصف مصر: من أراد أن ينظر إلى مثل الفردوس فى الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها وتطّرد أنهارها وتنور ثمارها. ويمثّل هذا الاستشهاد-وما أشبهه مما ساقه ابن زولاق فى هذا الموضوع- روح الوطنية المؤمنة بمجد وطنه التليد. وصور ابن زولاق فى دراسته فى هذا الميدان حياة الريف فى مصر قديما وعند دخول العرب مصر، ثم بعد استقرار الفتح العربى للبلاد، وأثبت أن ريف مصر لم يفقد روعته وبهاءه فى كل مراحله. وتناول ابن زولاق موضوعا طريفا فى هذا الميدان تحدث فيه عن تربية العرب فى مصر للخيول التيى جلبوها معهم، وحرصهم على معرفة أنسابها. وتجلى اعتزازه واعتزاز مواطنيه بخيل مصر بما حكاه أهل العلم والخبرة فى هذا الشأن من أن الوليد بن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يجرى الخيل، كتب إلى كل بلد أن يتخير له خيار الخيل بها، فلما اجتمعت عنده عرضت عليه،

стр. 7

فمرّت به المصرية فرآها لينة المفاصل والأعطاف فقال: إن هذه الخيل ما عندها طائل. أما النيل فقد أظهر ابن زولاق اعتزازه واعتزاز مواطنيه بما قام به من جمع الروايات التى تشيد بهذا النهر وتوضيح أهميته لحياة مصر وأهلها. وفى تناوله لهذا الجانب أوضح حقيقة هامة ما زالت توليها البلاد حتى اليوم العناية البالغة، وهى اهتمام المسئولين بفيضان النيل ومعرفة منسوب المياه. كذلك تجلى اعتزازه فى هذا الجانب بما حكاه أهل العلم والخبرة أن النيل يطبخ بمائه العسل حين يبدو جريه وهو كدر، فيجئ فى غاية الصفاء، وإن طبخ به فى أيام صفائه لم ينتفع به. وكذلك ما حكاه أهل الخبرة من أن موسى بن عيسى الهاشمى حين توجه إلى مصر لإمارتها، كان الماء يخلط له بالعسل فى طريقه، فلما بلغ إلى فاقوس سقى ماء النيل حافا، فلما شرب قال: زدتم فى عسله؟ فقالوا: هو حاف، فتعجب من ذلك. ومزج ابن زولاق دراساته عن النيل بالإشارة إلى القصص الذى ردده مواطنوه عن التقاليد التى ارتبطت بفيضان هذا النهر، واختار هذا المؤرخ قصة عروس النيل، التى تروى أن أهل مصر كانوا يلقون بعروس بكر فى النيل عند فيضانه، وأن عمرو بن العاص أبطل هذه العادة عند دخوله مصر. كذلك أفراد ابن زولاق فصلا قيما عن تاريخ القناة التى ربطت النيل بالبحر الأحمر، والتى صار يطلق عليها اسم: خليج أمير المؤمنين، وأوضح أن الدافع على اهتمام السلطات العربية بشئون هذه القناة هو نفس الدافع الذى حفز ما سبقها من الحكومات، وهو تنشيط أسباب التجارة بين مصر وبين بلاد العرب. كما أشاد بمصر حين نوه بما قاله أهل المعرفة بشأنها من أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها طلبا للرزق وغيره وأهلها ليسوا كذلك. وبلغت رؤية ابن زولاق لفضائل مصر وروعتها وهو يتحدث عن النظام الإدارى فى مصر، حيث كان بها ثمانون كورة (مركزا) فقد أشاد بما فى كل

стр. 8

كورة من الطرائف والعجائب من أصناف الشراب والطعام والفاكهة وصناعة الورق والنسيج والسجاد وغير ذلك. وعن فضائل مصر الاقتصادية فقد أوضح ابن زولاق فضل مصر على غيرها فى أثناء ذكره لمواردها، فأشاد بخيراتها الوفيرة الناتجة من الزراعة، وحين أشاد بمنتجات مصر وصناعتها ذكر ما اشتهرت به من صناعة القصب التنيسى والثوب الدبيقى مما ليس بغيرها. وكذلك ما اشتهرت به من صناعة المنسوجات الصوفية والأكسية المرعز التى لم يكن لها مثيل. وقد تجلى اعتزازه واعتزاز مواطنيه بصناعة مصر المتميزة فى هذا الشأن بما حكاه أهل العلم والخبرة بمميزات هذه الصناعة من أن معاوية بن أبى سفيان لما كبرت سنه كان لا يدفأ، فاتفقوا أنه لا يدفئه إلا الأكسية المرعز التى تعمل بمصر من صوفها المرعز، فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلا إلى واحد فقط. ومن نماذج روايات ابن زولاق فى هذا الجانب أن مدينة تنيس الواقعة فى شمال الدلتا، اشتهرت باسمها فى العصور الوسطى بما كان يحاك بها من ثياب الكتان الرقيقة والأقمشة الرفيعة والرقاق من الدبيقى والقصب والمخمل، وما كان يحاك بها كذلك من ثياب النساء المزر كشة مما ليس فى غيرها من بلدان العالم، وعمت شهرة ثيابها فكانت تصدر إلى سائر الآفاق، حتى قيل عنها فى صدر الإسلام: ليس فى الدنيا ملك جاهلى ولا إسلامى يلبس خواصه وحرمه غير ثيابها. كذلك أشاد ابن زولاق بفضل مصر على غيرها بما اشتهرت به من صناعة الورق وصناعة المعادن. كذلك أشاد فى رؤيته لفضائل مصر بموقعها المتميز الذى تتمتع به وبما كان له من أثر فى نشاط مصر التجارى. ***

стр. 9

مكانة ابن زولاق بين المؤرخين يعتبر ابن زولاق رائد المؤرخين المصريين فى العصور الوسطى بماله من مشاركة ملموسة فى الحياة الثقافية والفكرية بمصر فى القرن الرابع الهجرى والتى تجلت فيما قدمه لمدرسة التاريخ بمصر آنئد من مؤلفاته. وقد ظل ابن زولاق لفترات طويلة تجاوزت عصره، من أبرز وجوه مصر الفكرية لدى مؤرخى مصر وغيرهم، وقد تجلى ذلك حين اعتمدت المؤلفات المتأخرة على كتاباته إلى حد بعيد. فاستعان ابن عثمان (ت ٦١٥ هـ) بمؤلفات ابن زولاق فى كتابه مرشد الزوار (١). كما نقل عنه ياقوت (ت ٦٢٦ هـ) معظم مادته الخاصة ببعض مدن مصر نقلا حرفيا وأودعها كتابه معجم البلدان، وذلك بمناسبة الحديث عن: أدفو، والإسكندرية، وأسوان، وبوصير، ودمياط، وسردوس، والعريش، والفيوم، ومريوط، ومنف، والهرمين. والأخبار التى أوردها ياقوت فى المواضع المذكورة مأخوذه بالحرف عن كتاب فضائل مصر وأخبارها. كما أفاد القزوينى (ت ٦٨٢ هـ) من كتاب فضائل مصر وذلك بمناسبة الحديث عن عين شمس، والهرمين، ومنف (٢). أما ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) فقد أفاد من أخبار القضاة ومن التاريخ الكبير (٣). كذلك نقل عنه النويرى (ت ٧٣٢ هـ) فى كتابه نهاية الأرب نقلا حرفيا فى الفصل الذى عقده بعنوان «مصر وما يختص بها من الفضائل» (٤). _________ (١) مرشد الزوار، ص ١٥٤،١٦٥،٢٣٧،٢٣٩،٢٤٠،٢٤١،٢٥٥،٢٥٦،٢٥٧، ٢٦٦،٢٦٧،٢٦٨،٤١٣،٥٢٥ (٢) آثار البلاد ص ٢٥٥،٢٦٧،٢٧٤ (٣) ابن خلكان ج ٥ ص ٤١٦، ج ٦ ص ١٦٢، ج ٧ ص ٢٩ (٤) النويرى ج ١ ص ٣٤٤ - ٣٥٧

стр. 10

كما استعان ابن الزيات (ت ٨١٤ هـ) بمؤلفات ابن زولاق (١). وأفاد المقريزى (ت ٨٤٥ هـ) فى مواضع متعددة من كتابه الخطط بعدد من مصنفات ابن زولاق كفضائل مصر، والدلائل على أمراء مصر، وأخبار الماذرائيين، وسيرة المعز لدين الله، وسيرة الإخشيد (٢). كما استعان ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) بكتابات ابن زولاق وأودع كثيرا منها فى كتابه رفع الإصر (٣). وأفاد ابن تغرى بردى (ت ٨٧٤ هـ) من كتابات ابن زولاق عند ما تناول محاسن مصر (٤). وتعتبر معظم النقول الخاصة بفضائل مصر لدى ابن ظهيرة محمد بن محمد القدسى (٥) (ت ٨٨٨ هـ) مأخوذة بالحرف عن كتاب فضائل مصر لابن زولاق، وأشار إلى كتابات ابن زولاق عن فضائل مصر فى الفصل الذى عقده تحت عنوان «ذكر ما ورد فى فضل مصر» واستهله بقوله: «قال العلامة الحسن ابن إبراهيم الشهير بابن زولاق فيما لخصه من كتابه الكبير فى تاريخ مصر: هذا كتاب جمعت فيه جملا من عيون أخبار مصر وفضائلها وصفتها. . .» وغير ذلك كثير. كما أفاد نور الدين السخاوى المتوفى بعد سنة ٨٨٧ هـ من كتابات ابن زولاق كذلك (٦). _________ (١) الكواكب السيارة ص ٤،١٩،٣٠،٤٥،٥٠،٦٠،٧٣،٧٧،٢٠٠ (٢) المقريزى: الخطط ج ١ ص ٢٨،٥٨،٧٤،٧٦،٨٢،٣٣١، ج ٢ ص ٢٥ (٣) انظر على سبيل المثال ص ٥٥،١٢٨،١٥٢،٣٠٩،٣٣٣ من كتاب رفع الإصر. (٤) النجوم الزاهرة ج ١ ص ٤٥،٤٧ (٥) هو مؤلف الفضائل الباهرة الذى لم يهتد إليه محققو الكتاب. (٦) تحفة الأحباب ص ١١،١٠٤

стр. 11

كذلك استعان السيوطى (ت ٩١١ هـ) فى كتابه حسن المحاضرة بما كتبه ابن زولاق عن فضائل مصر (١). وكذلك ابن إياس (ت ٩٣٠ هـ) (٢). وهكذا ظلت مدرسة التاريخ المصرى تعتمد على كتابات ابن زولاق فى كل مراحلها حين يزمع مؤرخوها الحديث عن فضائل مصر أو غيرها من أخبار الفاطميين. *** _________ (١) حسن المحاضرة ج ١ ص ٢٠،٦٠،١٥٨، ج ٢ ص ٣٣١ (٢) بدائع الزهور ج ١ ص ٤،٧،١٤٧

стр. 12

النسخ الخطية للكتاب هذا وقد استندت فى تحقيق نص ابن زولاق إلى المخطوطات الآتى ذكرها، مع مقارنتها بأهم المصادر المتعلقة بموضوع النص. ١ - نسخة كتبت بخط نسخى سنة ١٠٢٣ هـ، كتبها شمس الدين بن أبى بكر بن أبى الخير بن شهاب الصهرجتى. وتقع فى ٧٠ ورقة ومسطرتها ١٥ سطرا، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية، برقم ٢٣ تاريخ حليم، وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (ح). ٢ - نسخة كتبت بخط نسخى بدون تاريخ، وتقع فى ٤٨ ورقة، ومسطرتها ٢٣ سطرا، وهى محفوظة بالمكتبة الأزهرية، برقم ٢٧١٧ تاريخ، وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (ز). وقد أشرت فى تعليقاتى إليهما معا الأصلين. وقد اهتديت فى عملى أيضا بنسخة أخرى رجعت إليها لما ما، ولم أشر إلى موطن الرجوع لأنها عبارة عن مختارات مختصرة من إحدى النسختين السابقتين، وتقع هذه النسخة فى ٢٣ ورقة، ومسطرتها ١٩ سطرا، وهى محفوظة بالمكتبة الأزهرية برقم ١١٥٣ مجاميع.

стр. 13

صفحة العنوان من نسخة الأزهر رقم ١١٥٣ مجاميع تاريخ

стр. 14

الصفحة الأولى من النسخة (ح) المحفوظة بدار الكتب برقم ٢٣ تاريخ حليم

стр. 15

فضائل مصر وأخبارها وخواصّها لابن زولاق الحسن بن إبراهيم بن الحسين الليثى ٣٠٦ - ٣٨٧ هـ

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي (١): هذا كتاب جمعت فيه جملا (٢) من أخبار مصر وفضائلها وصفتها، اختصرته من كتابي الكبير في تاريخ مصر وأخبارها، ولم أذكر في هذا الكتاب إسناد الخبر ليقرب على من أراده وبالله التوفيق. [ذكر المواضع التي وقع فيها ذكر مصر في القرآن] (٣) فأول ما أبتدئ من ذلك أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ذكر مصر في ثمانية وعشرين موضعا في القرآن (٤): من ذلك قوله : ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [سورة يونس:٩٣] وقوله مخبراً عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [سورة الزخرف:٥١] وقوله : ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [سورة المؤمنين:٥٠]. قال ابن عباس وسعيد بن المُسَيَّب ووهب بن منبه وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي مصر. وقوله : ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ﴾

стр. 17

﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [سورة الشعراء:٥٧،٥٨] وقوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٣٧] يعني مصر. وقوله : ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٥] والرُّبا (١) لا تكون إلا بمصر. وقوله : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [سورة الدخان:٢٥ - ٢٨] يعني قوم فرعون، وأن بني إسرائيل ورثوا مصر. وقوله : ﴿اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [سورة البقرة:٦١] وقوله ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [سورة القصص:٥،٦] وقوله : ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء﴾ [سورة يوسف:٥٦] وقوله مخبراً عن نبيه موسى ﵇ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة يونس:٨٨] وقوله : ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [سورة الفجر:٧] قال محمد بن كعب القرظي: [هي] الإسكندرية (٢). وقوله مخبرا عن نبيه موسى ﵇: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: ١٢٩] وقوله : ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [سورة غافر:٢٦] يعنى أرض مصر. وقوله : ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة القصص:١٩] وقوله : ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [سورة القصص:٢٠] يعني أرض منف (٣) وقوله في موضع آخر: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [سورة يس:٢٠] وقوله : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾

стр. 18

﴿فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ [سورة القصص:٤] وقوله مخبرا عن ابن يعقوب أخي يوسف ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ [سورة يوسف:٨٠] يعني مصر. وقال عبد الله بن عباس وقد ذكر مصر: وسميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن. وذكر الله ملك مصر في أربعة مواضع بالملك. وهو قوله ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [سورة يوسف:٥٠]. وقوله : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [سورة يوسف:٥٤]. وقوله ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [سورة يوسف:٧٦] وقوله : ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [سورة يوسف:٧٢]. ***

стр. 19

باب ما روى عن رسول الله ﷺ في ذكر مصر قوله ﷺ : «ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لكم منهم ذمة ورحما» (١). وقوله ﷺ : «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض» قال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ فقال: لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة (٢). وقوله ﷺ : «ستفتح عليكم مصر، فاستوصوا بقبطها خيراً، فإن لكم منهم صهراً وذمة». (٣) وفي الحديث الآخر: «ستفتح عليكم بعدي مدينة يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً» (٤). وقوله ﷺ : «إن الله سيفتح عليكم مصر من بعدي فانتجعوها فإن من فاته الملك لم يفته الخير بأصحابي، إن مصر هي الربانية وهي المشيعة» (٥). وقوله ﷺ : وذكر مصر فقال: «ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مئونته» (٦).

стр. 20

وقوله ﷺ : «أوصيكم بأهل البلدة السوداء، السحم الجعاد فإن لهم ذمة ورحماً» (١). وقوله ﷺ : «مصر أطيب الأرضين تراباً وعجمها أكرم العجم أنساباً» (٢). وقوله ﷺ : «أهل مصر في رباط إلى يوم القيامة». وقوله ﷺ : «الله الله في أهل المدرة السوداء، السحم الجعاد، فإن لهم نسباً وصهراً (٣). وقوله ﷺ : «من أعيته المكاسب فعليه بمصر، وعليه بالجانب الغربي». وقوله ﷺ : «قسمت البركة عشرة أجزاء فجعلت تسعة في مصر، وجزء بالأمصار» (٤). وقوله ﷺ : «اتقوا الله في القبط، لا تأكلوهم أكل الخضر» (٥). وقوله ﷺ : وقد أوصى بقبط مصر «إنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة» (٦). وقوله ﷺ : «تكون فتنة أسلم الناس فيها-أو خير الناس فيها-الجند الغَربِيّ» (٧) قال عمرو بن الحَمِق: فلذلك قدمت [عليكم] مصر. وقوله ﷺ : «الإسكندرية إحدى العروسين». وقوله ﷺ : «مصر خزائن الله في الأرض والجيزة غيضة من غياض الجنة» (٨).

стр. 21

وقوله ﷺ : «حين أتى بعسل بنها فدعا فيه بالبركة» (١). وقوله ﷺ : «وقد أتى بثوب من ثياب المعافر، فقال أبو سفيان: لعن الله هذا الثوب ولعن من عمله، فقال له رسول الله ﷺ : «لا تلعنهم، فإنهم منى وأنا منهم» يعني بقوله-معافر مصر. وقوله ﷺ في أهل مصر: «فإن لهم ذمة ورحماً» وفي حديث آخر «صهراً ورحما» فأما رحمهم: فهاجر أم إسماعيل بن إبراهيم ﵇ منهم. وأما ذِمّتهم: فأم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم. فأما هاجر: فمن قرية يقال لها أم دنين. وأما مارية-أم إبراهيم-فمن قرية يقال لها حفن. ***

стр. 22

[فصل في آثار موقوفة] (١) قال عبد الله بن عمرو: قبط مصر أخوال قريش؛ مرتين. وقال عبد الله بن عمرو: أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة، وبقريش خاصة (٢). ذكر دعاء الأنبياء ﵈ لمصر (٣) وقد ذكرنا دعاء رسول الله ﷺ لها وخير نسائه بها قال عبد الله بن عمرو: لما خلق الله آدم ﵇ مثل له الدنيا شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وأنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك. فلما رأى مصر رآها أرضاً سهلة، ذات نهر جارٍ، مادته من الجنة، تنحدر فيه البركة، وتمزجه الرحمة، ورأى جبلا من جبالها مكسواً نوراً، لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنة، تسقى بماء الرحمة، فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات، وقال: يأيها الجبل المرحوم، سفحك جنة، وتربتك مسك، يدفن فيها غراس الجنة، أرض حافظة مطيعة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعزّ (٤).

стр. 23

يا أرض مصر فيك الخبايا والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلا، كثَّر الله زرعك، ودر ضرعك، وزكى نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري وتتكبري، أو تخوني، فإذا فعلت ذلك عراك شر، ثم يعود خيرك. فكان آدم ﵇ أول من دعا لها بالرحمة والخصب والبركة والرأفة (١). وأما دعاء نوح ﵇ لها فقال عبد الله بن عباس: دعا نوح ﵇، لأبنه بيصر بن حام أبو مصر فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض الطيبة المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد (٢). وقال عبد الله بن عمرو: لما قسم نوح ﵇ الأرض بين ولده جعل لحام مصر وسواحلها، والغرب وشاطئ النيل، فلما دخلها بيصر بن حام، وبلغ العريش، قال: اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا بها على لسان نبيك نوح، وجعلتها لنا منزلاً، فاصرف عنا وباءها، وطيب لنا ثراها، واجر لنا ماءها (٣) وأنبت كلأها، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك فيها، إنك على كل شيء قدير، وإنك لا تخلف الميعاد. وجعلها «بيصر» لابنه «مصر» وسماها به. والقبط: ولد مصر بن بيصر بن حام بن نوح. وأوصى رسول الله ﷺ بهم، وبمصر، كسائر وصاياه، وقال: «قبط مصر قريش العجم» (٤). ذكر وصف العلماء لمصر ودعائهم لها قال سعيد بن أبي هلال: اسم مصر في الكتب السالفة «أم البلاد». وقال عبد الله بن عمرو: أهل مصر أكرم الأعاجم وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة، وبقريش خاصة (٥).

стр. 24

وقال أبو قبيل: إن الله أعطى أهل مصر قوة البراذين-يعني عمل الأرض (١). وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس، لما سكنت إلا مصر. فقيل له: فلم؟ فقال: لأنها معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه (٢). وقال أبو بصرة الغفاري: مصر خزائن الأرض كلها (٣). وقال أبو رُهم السماعي: لا تزال مصر معافاة [من الفتن]، مدفوعاً عن أهلها الأذى، ما لم يغلب عليها غيرهم، فإذا كان ذلك لعبت بهم الفتن يميناً وشمالاً (٤). وقال أبو بصرة الغفاري: مصر سلطان الأرض كلها (٥). وفي التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها، فمن أرادها بسوء قصمه الله (٦). وقال عبد الله بن عمرو: من أراد أن ينظر إلى مثل الفردوس في الدنيا فلينظر إلى [أرض] مصر حين يخضر زرعها وتطرد أنهارها وتنور ثمارها (٧). وقال كعب الأحبار: من أراد أن ينظر إلى [شبه] الجنة فلينظر إلى مصر حين تزخرف (٨).

стр. 25

ولما قدم عبد الرحمن بن غنم الأشعري إلى مصر، قال له عبد الله بن عمرو: ما أقدمك إلى بلادنا؟ وقد كنت تحدثنا أن مصر أسرع الأرضين خراباً فأراك قد اتخذت بها الرباع! فقال: إن مصر قد أوفت خرابها على يد بخت نصر، فلم يدع فيها إلا السباع والضباع، فهي اليوم أطيب الأرضين ترابا وأبعدها خرابا، ولا يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة (١). قال عبد الله بن عمرو: البركة عشر بركات: ففي مصر تسع، وفي الأمصار بركة واحدة، ولا تزال بمصر بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة (٢). وقال عبد الله بن عمرو: خلقت الدنيا على صورة طائر برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر مصر والشام، والجناح الأيمن العراق. وخلف العراق أمة يقال لها واق، وخلف واق أمة يقال لها واق الواق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله، والجناح الأيسر السند، وخلف السند الهند، وخلف الهند أمة. يقال لها [ناسك، وخلف ناسك أمة يقال لها] منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله ، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس (٣). وقال شفى الأصبحي وذكر أهل مصر فقال: لا يريدهم أحد بسوء إلا أهلكه الله (٤). وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة (٥). وقال الأعمش سليمان بن مهران في قوله : ﴿خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [سورة البقرة:٦١] قال: هي مصر التي عليها صالح بن علي (٦).

стр. 26

وقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضي العراق: سألت أحمد بن المدبِّر عن مصر فقال: كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها، ولو عمرها السلطان، لوفت له بخراج الدنيا (١). قال: وقلت لبعض ولاة مصر: متى عهدت مصر تسعين ألف ألف دينار؟ قال: في الوقت الذي أرسل فرعون مصر بويبة قمح إلى أسفل الأرض والصعيد فلم يجد لها موضعاً تبذر فيه، لشغل سائر البلاد بالعمارة (٢). ذكر من ولد بمصر من الأنبياء ومن كان بها منهم ﵈ كان بمصر إبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف بن يعقوب، وأثنا عشر سبطا (٣). وولد بها جماعة: موسى، وهارون، ويوشع بن نون، ودانيال (٤)، وأرميا، ولقمان، وعيسى بن مريم، ولدته أمه بأهناس (٥). وبها النخلة التي قال الله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [سورة مريم:٢٥] وهو قوله : ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [سورة مريم:٢٢] وبمصر منشؤه، ولما سار إلى الشام، أخذ على سفح المقطم ماشيا بجبة صوف، مربوط الوسط بشريط، وأمه تمشى خلفه. فالتفت إلى أمه فقال: يا أُمَّه، هذه مقبرة أمة محمد، وفي حديث آخر: أمة الفارقليط (٦).

стр. 27

وممن كان بها من الصديقين والصديقات: مؤمن آل فرعون، وقد كرر الله ذكره في القرآن. وذكره علي بن أبي طالب ﵇، وقال: اسمه حزقيل، والخضر، وقيل: إنه ابن فرعون لصلبه (١)، آمن بموسى، ولحق به، وجعله الله نبيا (٢). وكان بها وزراء فرعون، الذين وصفهم الله بالعقل، وفضلهم على قوم نمرود حين قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [سورة الشعراء:٣٦] وقال وزراء النمرود: ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ (٣) [سورة العنكبوت:٢٤] وممن أخرجت مصر من الأفاضل السحرة الذين أحضرهم (٤) فرعون لموسى، وكانت عدتهم اثني عشر ألفا، تحت يد كل ساحر عشرون عريفاً، تحت يد كل عريف ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتي ألف واثنين وثلاثين ألف ساحر، آمنوا كلهم في ساعة واحدة، ولا يعلم من آمن في ساعة واحدة أكثر من هذا (٥). ومن فضائل مصر ونبل أهلها أنه لم يفتن بعبادة العجل أحد من أهلها (٦). وكان بمصر من الصديقات: آسية، امرأة فرعون، وأم إسحاق ومريم ابنة عمران، وما شطة بنت [امرأة] فرعون التي مشطها فرعون بأمشاط الكتان، لما آمنت بموسى ﵇. وقال النبي ﷺ : شممت ليلة أسرى بى في الجنة رائحة ما شممت أطيب منها، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ فقال: هذه رائحة ماشطة بنت [امرأة] فرعون (٧).

стр. 28

وممن صاهر أهل مصر من الأنبياء ﵈: إبراهيم الخليل، تزوج بهاجر أم إسماعيل، وتزوج يوسف بنت صاحب عين شمس، وتزوج زليخا بعد أن عجزت وعمِيت، فدعا الله فردها إلى حالها الأول، ورزق منها الولد، وتسرى رسول الله ﷺ مارية القبطية، التي أهداها إليه المقوقس من مصر، وولدت منه إبراهيم (١). ولما اجتمع الحسين بن علي مع معاوية، قال له الحسين: إن أهل حفن بصعيد مصر، وهى قرية مارية أم إبراهيم، فاسقط عن أهلها الخراج إكراماً لرسول الله ﷺ ، فأسقطه (٢). ومصر بلد الحكمة والعلم، ومنها خرج الحكماء الذين عمرو الدنيا بكلامهم وحكمتهم وتدبيرهم (٣). فمنهم ذو القرنين، وهو الإسكندر (٤) من قرية يقال لها لوبية (٥)، ملك الأرض كلها، وذكره الله في القرآن، وبه سميت الإسكندرية وبنى الإسكندرية الأخرى ببلاد الخزر، وبنى ببلاد الروم إسكندرية [أخرى] وبنى سمرقند والأبراج والمناظر ببلاد السكش (٦) على بحيرة طامش (٧) في آخر

стр. 29

العمارة، وفعل بالعراق أفاعيل عظاما. وقتل دارا بن دارا، وخرب (١) العراق، وكتب إلى معلمه أرسطوطاليس يشاوره في قتل من بقى منهم (٢). فكتب إليه: لا تفعل، لكن ول كل رئيس [منهم] ناحية من بلده، فإنهم يتنافسون [في] الرياسة، ولا يجمعهم بلد أبدا (٣). ففعل، فلبثوا على ذلك دهرا طويلا، فلما قدم أزدشير واجتمعوا عليه بعد تعب عظيم وحروب كثيرة. قالوا: إن كلمة فرقتنا أربعمائة سنة لكلمة مشئومة (٤). وذو القرنين ذكره الله في كتابه وما فعله في سد يأجوج ومأجوج، وذكره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: لم يكن بذي قرنين، ولكنه ضرب على قرنيه، وكان عبدا صالحا، فبلغ مغرب الشمس ومطلعها (٥). وقيل إنما سمى ذو القرنين لأنه بلغ قرني الشمس (٦). وقال ابن عباس، وذكر علياً ﵇ فقال: مثله كمثل ذي القرنين. وروى أن ذا القرنين كان طول أنفه ثلاث أذرع، وقيل كان له قرنان من ذهب مجوفين (٧). وروى أنه من الأعاجم، واسمه مَرزَبا بن مَرزَبَة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح (٨). وروى عقبة بن عامر الجهني (٩) عن رسول الله ﷺ أن ذا القرنين غلام من

стр. 30

الروم وانه أتى ساحل البحر من أرض مصر فابتنى مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ منها أتاه ملك فرفعه فعرج به. وروى خالد بن معدان الكلاعي أن رسول الله ﷺ ذكر ذا القرنين فقال: ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب (١). قال خالد: وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة! (٢) ومن مصر جماعة الحكماء كهرمس (٣)، وهو المثلث بالنعمة: نبي، وحكيم، وملك، وهو الذي ضرب الرصاص ذهبا، وهو الذي بنى الهرمين الكبيرين. وقيل: هو إدريس النبي ﵇ (٤) ومنهم تلميذاه أغاثيمون (٥)، وفيثاغورس (٦) ولهما العلوم الموروثة، وصناعة الكيمياء والنجوم والسحر، وعلم النيرنجات (٧) والطلسمات، ومنهم أرسطاطاليس، صاحب المنطق، والآثار العلوية، والحس والمحسوس، والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان، والسماع الطبيعي، ورسالة نبت (٨) الذهب ويقال إن ليعقوب بن إسحاق الكندي ألف كتاب مستخرجة من كتب أرسطاطاليس.

стр. 31

ومنهم أراطس، صاحب البيضة ذات الثماني والأربعين الصورة في تشكيل صورة الفلك والألف كوكب واثنين وعشرين كوكبا من الكواكب الثابتة والمريخ (١). ومنهم أنطوليوس (٢)، صاحب الفلاحة. ومنهم إبرخس، صاحب الرصد والآلة المعروفة بذات الحلق (٣). ومنهم ثاون، صاحب الزيج المنسوب إليه (٤). ومنهم أسطنس، ودروثيوس، ووالنس، أصحاب كتب أحكام النجوم، وعنهم انتشر ذلك (٥). ومنهم إيرن، صاحب الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية، وعمل البناكيم والآلات لقياس الساعات (٦). ومنهم فيلون البزنطى، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة (٧). ومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة والمرايا المحرقة وعمل المجانيق ورمي الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر برّاً وبحراً (٨). ومنهم ماريه وقلبطره، أصحاب الطِّلَّسمات، والخواص للطبائع. ومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات وقطع الخطوط. ومنهم ثيودوسيسُ، وهو

стр. 32

صاحب كتاب الأكر، والبراري وأسرار الطبيعة، وقبورهم في الهرمين الكبيرين غربي مصر (١). ومنهم أوسلا، وسيزاورس، وبندقليس، أصحاب الكهانة والزجر (٢). ومنهم سقراط صاحب الحكمة، والكلام على البارئ جل ذكره، وهو صاحب البلاغة (٣). ومنهم أفلاطون، صاحب السياسة والنواميس، والكلام على المدن والملوك (٤). ومنهم بطلميوس، صاحب الرَّصَد، والمساحة، والحساب، وهو صاحب كتاب المجسطي من كتب الأفلاك، وحركة الشمس، والقمر، والكواكب المتحيرة والثابتة، وصورة فلك البروج، وله صفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة في علم النجوم وتسطيح الكرة (٥). ومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب (٦). ومنهم أوطوقيس، وله كتاب الكرة والأسطوانة (٧). ومنهم المشاءون (٨)، أصحاب الرواق. وبمصر من العلوم التي عمرت الدنيا علم الطب اليوناني، وعلم النجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكون، وعلم الكيمياء، والشعر الرومي، وعلم اللغة الرومية وبمصر الطلسمات العشرة (٩).

стр. 33

وبادي (١) الإسكندراني صاحب الزيج، والذين نشروا الطب وشرحوه: جالينوس، صاحب الطب، بمصر تعلّم، ومن كتبها أخذ (٢). ومن مصر أيضا ديسقوريدوس: صاحب الحشائش، وديوجانس، وأركاغانس، وأُرِبَاسيوس، وفريقونوس، وروفس، هؤلاء أصحاب الطب اليوناني (٣). فهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤهم الذين ورثوا الحكمة، من مصر خرجوا، وبها ولدوا، وفي الأرض نشروا علومهم، لا ببغداد، ولا بالكوفة، ولا بالبصرة (٤). وكانت مصر يسير إليها في الزمن الأول طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق، لتكون أذهانهم على الزيادة وقوة الذكاء ودقة الفطنة. فما أكسبت أحداً منهم بلادة، ولا أنقطع له خاطر، وإنما أدرك جالينوس يسيراً من كثير (٥). حكي عنه أنه كان بالإسكندرية وهو يجمع الكتب، حتى مَرّ بوقاد في أتون حمام وهو يزخر (٦) أتونه بدفاتر، فنظر إليها فإذا هي من طلبته، فأعطاه من الثمن فوق ما أراد، فقال له: أين كنت عني وأنا أزخر هذا الأتون منذ كذا وكذا- وذكر مدة طويلة-بهذه الدفاتر؟ (٧) ذكر من ملك مصر من الطوفان إلى أن فتحت بالإسلام ملك مصر ثلاثة وخمسون ملكا (٨)، أولهم بيصر بن حام بن نوح، وآخرهم

стр. 34

هرقل الرومي وكسرى الفارسي، منهم أربعة وثلاثون فرعونا ممن طغى وتكبر وادعى الإلهية، ومنهم من عمر أربعمائة سنة وأقل وأكثر، ولم يكن فيهم أعتى ولا أشد من فرعون موسى (١). قالت عائشة ﵂: أقام فرعون بمصر أربعمائة سنة، وفي حديث آخر: ما صُدِع له رأس. ولم يكن من أولاد الملوك، وإنما أخذ ملك مصر بحيلة (٢). قال عبد الله بن عمرو: اختلف أولاد الملوك بمصر فيمن يكون الملك، فرضوا بمن يحكم بينهم وأن يكون من يطلع من الفج (٣)، فطلع فرعون راكباً على أتان بين عدلى (٤) نطرون، يريد به السوق، فاعترضوه، وسألوه الحكم بينهم، وأخبروه باختلافهم، وأن يختار للملك واحدا منهم، فقال: أكره أن تخالفوني فأعطوه المواثيق أن لا يخالفوه، فقال لهم: قد اخترت نفسي أن أجلس وأوطئ (٥) لكم الأمر، فلما تمكن أخذ يقتلهم واحداً بعد واحد، وكان من خبره ما قصه الله (٦). وقال موسى: يا رب، إن فرعون جحدك (٧) مائتي سنة، وادعى أنه أنت مائتي سنة، فكيف أمهلته؟ فأوحى الله إليه: أمهلته لخلال فيه. إني حببت إليه العدل والسخاء، وحفظت له تربيتك، وفي حديث آخر: إنه عَمَّر بلادي، وأحسن إلى عبادي (٨). وكانت عساكره كثيرة عظيمة، مقدمته خمسمائة ألف سوى الجنبين

стр. 35

والقلب، ولم يخرج فرعون معه من زاد على الأربعين في السن ولا دون العشرين. وأمر بشاة أن تسلخ، وقال: لا يفرغ منها حتى تحضروني خمسمائة ألف، فلم يفرغ منها حتى أحضروه ذلك أجمع (١). وكان في عسكره سبعون ألف فرس لونا واحدا. وقيل إنه ملك بمصر خمسمائة ألف سنة. واختلف فيه، فقيل: كان من العماليق، وقيل: كان من القبط، ويكنى أبا مرة، وهو الوليد بن مصعب، وهو أول من خضب بالسواد لما شاب، دله عليه إبليس، ولعظم شأنه وعتوه ذكره الله ﵎ في خمس وعشرين سورة من القرآن. وقد ذكرنا ما قالت عائشة، وغرَّقه الله في اليم (٢) بقضية [قضاها] على نفسه، وقد شرحتها في التاريخ الكبير (٣). ومن الفراعنة الذين خربوا الدنيا وغلبوا على مصر: بخت نصر، وهو من قرية من قرى بابل يقال لها: هو. دخل مصر في ستمائة ألف ما بين فارس وراجل، راكبا على فرس يشبه الأسد، وورد أنه كان متقلداً سيفاً طوله عشرة أشبار وعرضه شبر، أخضر النصل (٤) كالسلق ينحدر منه شبه ماء السِّدر (٥)، وغمده من ذهب مرصَّع بالجوهر والياقوت الأحمر، مكتوب عليه كلام بالعجمي تفسيره بالعربي هذه الأبيات: وأنت إن لم ترجُ أو تَتَّقِ … كالميت محمولا على نعشه لا تنجش (٦) … الشر فتصلى به فقلَّ مَن يسلم من نجشه

стр. 36

وأخمِدِ الشر فأن هجته … فاحرص لأعدائك في جَشِّه للبحر أقراشٌ لها صولة … فاحذر على نفسك من قرشه إذا طغى الكبش بشحم الكلى … أدخل رأس الكبش في كرشه وناطح الكبش له ساعة … تأخذه انطح من كبشه فكم نجا من يد أعدائه … وميت مات على فرشه من يفتح القفل بمفتاحه … نجا من التهمة في فّشِّه (١) ونابش الموتى له ساعة … تأخذه أنبش من نبشهِ لله في قدرته خاتم … تجرى المقادير على نقشهِ (٢) واختلف في بخت نصر فقيل: إنه آمن من قبل موته، وقيل: إنه آمن فلم يقبل منه، لما قتل من الأنبياء. وكان ابنه بلطاشم أعتى منه، فأوصته أمه بتقريب دانيال (٣) ﵇ والاستماع منه، فقال لها: هو ساحر وينطق بالكذب، فقالت له قد كان أبوك يكرمه، فأحضر دانيال، وقال له مستهزئا به: ما كان من أمرنا؟ فأخبره، ثم قال له: فما يكون في يومنا هذا وليلتنا هذه؟ فقال: الغيب لله تعالى، ولكنني أرى مما علمني ربي أنك تقتل في هذه الليلة، فأمر بحبسه، وتحرز في ليلته تلك، وأمر الحراس، وقال لهم: من رأيتموه في قصري بعد مضجعي فاقتلوه، ولو ذكر لكم أني أنا هو، ثم دخل مرقده، وغلق على نفسه ليصبح ثم يقتل دانيال. فحركه جوفه فخرج إلى الخلاء، فبادر إليه من يقرب من الحرس، فقال لهم: أنا الملك. فقالوا: ما ندري ما تقول، وبادروا إليه فقتلوه، وأصبح مقتولا، فعظم شأن دانيال ﵇، ثم انصرف إلى بيت المقدس إلى منزله (٤).

стр. 37

وانتهى الأمر في ملك مصر أن تنازعت فيه الروم والفرس، واقتتلوا. وكان المسلمون بالحجاز إذا بلغهم ظهور الروم على الفرس فرحوا فلما اقتتل الفريقان وظهرت الفرس على الروم، بلغ المسلمين فساءهم، فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ﴾ [سورة الروم ١ - ٥] فأخبرهم رسول الله ﷺ بما أنزل عليه فسرهم ذلك (١). ثم اتفق الأمر بين الروم والفرس، وأن تكون مصر بينهم نصفين فيها صاحب لهرقل، وصاحب لكسرى، فكل ما بمصر من بناء بالآجر فهو للفرس، وما فيها من بناء الحجارة للروم (٢). ومنها القبة التي في قصر الشمع هي اليوم مسجد مبنية بالحجر، وكانت بيت نار للفرس، وأتى الله بالإسلام فأزال الجميع (٣). ولما فتح عمرو بن العاص مصر وأجلى من فيها من المشركين إلى الإسكندرية وخرج إلى الإسكندرية ففتحها، واصطلح مع المقوقس خليفة هرقل فصار في جملة عَمرو خلق من الروم والقبط، ففرق عمرو بين الروم والفرس وجعلهم في طرفي البلد، فأسكن الروم الحمراوات، وبهم سميت الحمراء، وأسكن الفرس بني وائل ولهم إلى اليوم مسجد يعرف بمسجد الفارسيين. وكان عمرو بن العاص قد سافر في الجاهلية إلى بيت المقدس مع رفقاء له يرعون إبلاً لهم، فنزل على عمرو راهب في يوم شديد الحر وهو يرعى إبل أصحابه ونام عنده بعد أن سقاه ماء، وخرجت حية تريد الراهب فقتلها عمرو،

стр. 38

فانتبه الراهب فقال: أحييتني مرتين، والله لأعطينك ديتي مرتين. كم الدية عند العرب؟ فقال: مائة من الإبل فقال: لسنا أصحاب الإبل، ولكن أصحاب دنانير. فقال له الدية ألف دينار. فقال له صِر إلى مصر أعطينك ديتي مرتين، فسار معه عمرو إلى مصر، فانتظر أصحابه ببيت المقدس فأعطاه ذلك، ورأى عمرو طريق مصر وملكها (١). فلما فتح عمر بن الخطاب الشام حسن له عمرو المسير إلى مصر فامتنع عُمر، فلم يزل به عَمرو حتى أنفذه في أربعة آلاف فقاتلوه بالفرما ثم هزمهم إلى قصر الشمع وحاصرهم ستة أشهر. وكتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده بثمانية آلاف منهم أربعة آلاف رجل، وأربعة حسبهم عليه بأربعة آلاف لأنهم كانوا يعدون كذلك، منهم: الزبير ابن العوام، وعبادة بن الصامت، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة (٢). وفتحت مصر وامتنع عمرو من قسمتها وطالبه الزبير بقسمتها، فكتب إلى عمر يستأذنه، فقال: لا تقسمها. ومن هذا زعم الليث بن سعد فقيه مصر أنها فتحت صلحا. وقال مالك: فتحت عنوة، وبلغ قوله الليث فقال: نحن أعلم ببلدنا (٣). ذكر من ملك مصر في الإسلام ملك مصر في الإسلام من الولاة والخلفاء منذ فتحها عمرو بن العاص في سنة عشرين من الهجرة إلى سلخ شعبان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة [خمسة ومائة] أولهم: عمرو بن العاص، وآخرهم جوهر. منهم أربعة عشر من بني هاشم، وعشرة من قريش واثنان من الأنصار، وسبعة وثلاثون من سائر العرب، واثنان وأربعون من الموالي، إلى أن دخلها المعز لدين الله أبو تميم معدّ بن إسماعيل

стр. 39

المنصور بن محمد القائم ابن عبيد الله المهدي. وصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة، وقد عملت في ذلك كتابا. ذكر من دخل مصر من الخلفاء قبل المُعزّ عبد الله بن الزبير في خلافة عثمان في الجيش الذي فتح المغرب (١). ومعاوية بن أبي سفيان بلغ إلى عين شمس، ولم يجسر على دخولها (٢). ومروان بن الحكم (٣)، وابنه عبد الملك (٤)، وعمر بن عبد العزيز (٥)، ومروان بن محمد (٦)، وعبد الله بن محمد السفاح (٧)، وأخوه أبو جعفر (٨)، وعبد الله المأمون (٩)، وأخوه المعتصم (١٠) وابنه هارون الواثق (١١)، وولد المتوكل [ابن] المعتصم بمصر (١٢) في دار الستر بغافق المعروفة اليوم ببشارة. ذكر عمال الخراج بمصر وذكر قضاتها ولي بمصر من عمال الخراج منذ فتحها إلى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. واحد وعشرون، منهم من جمع له الحرب والخراج، ومنهم من انفرد بالخراج

стр. 40

أولهم: عمرو بن العاص، وآخرهم: بلال بن مسعود وعبد الله بن خلف المرصدي (١)، وثمامة بن أبي زاكي. وعلي بن سعد المولى. منهم من ولى مرة واحدة، ومنهم من ولى مرتين وثلاثة وأربعة وخمسة وقد شرحت ذكرهم في التاريخ. وأما قضاتها منذ فتحها إلى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة فهم واحد وستون قاضياً، أولهم قيس بن أبي العاص (٢)، وآخرهم علي بن النعمان (٣)، منهم من أقام خمساً وعشرين سنة وهو بكار بن قتيبة (٤)، ومنهم من بلغ عشرين سنة وأقل من ذلك وأقل ما وليها القاضي يحيى بن أكثم، وليها ثلاثة أيام والمأمون بمصر، ثم صرفه وسيره معه إلى الثغر (٥). ذكر من دخل مصر من أصحاب رسول الله ﷺ ومن توفى بها منهم دخل مصر من أصحاب رسول الله ﷺ نحو ألف، منهم جماعة من أهل بدر، سوى من كان في عسكر عمرو بن العاص، وكلهم أدرك رسول الله ﷺ فمنهم من روى عنه، ومنهم من رآه، ومنهم من أدركه ولم يره، وكان عدة العسكر وقت الفتح أثنى عشر ألفا، وتوفى بمصر من مشهوري أصحاب رسول الله ﷺ جماعة دون من لم يعرف، منهم: عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر (٦)، وأبو بصرة الغفاري (٧)،
следующие страницы →