← История

История · id 926

الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري

عبد العزيز بن عبد الله البريدي

Полный текст (620 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصل هذا الكتاب هذا الكتاب عبارة عن رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، قسم التاريخ، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، بإشراف الدكتور عبد العزيز السلومي، وقد نوقشت في ١٣/ ٦/ ١٤٤٠ هـ. وأجيزت بتقدير ممتاز.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فلقد أعز الله هذه الأمة؛ حيث بعث لها خير رسله محمد ﷺ ، وجعل صحبه خير صحب وقرنه خير قرن، فقامت على يده دولة الإسلام واجتمع الناس على خير هدى وخير دين، ثم تعاقب بعده الخلفاء، وانطلق المسلمون في أنحاء المعمورة فاتحين، وقضى الله بهم على عروش الكفر ومللها، وانتشر الإسلام وعم الخير والعدل. وهذا كله سبب في وجود العداء الذي يهدف للنيل من هذه الأمة، واختلف نوع العداء بحسب العدو، فإن قدر على حمل السلاح حمله وقاتل به، ولكن هذا لم يفلح صاحبه في زمن قوة المسلمين وعزتهم، وبقي نوع آخر وهو الذي استخدمه العدو ووجد فيه نجاحًا، ويتمثل هذا في الأخبار والروايات الكاذبة والمضللة والتي يقصد منها النيل من تاريخ هذا الصرح العظيم ولم يكن إلا عن طريق تشويه رجاله الذين هم عدته وقوامه، فَسُطِّرَ حول العظماء أباطيل

стр. 3

وأباطيل فلا تكاد تسمع عن عظيم من عظماء المسلمين إلا وحوله شيء يذهب فعله وجميل صنعه. ومن أمثلة ذلك حقبة تاريخ بني أمية، التي لم تُعْطَ حقها من التاريخ، بل قد تعرضت لهجمات من جهات عدة؛ تمثلت ببعض من أعقبهم من بني العباس، ثم من الشيعة والشعوبيين (١)؛ وكل ذلك جاء لأن كتابة تاريخها تأخر إلى ما بعد سقوطها فأصبح مدعاةً للنيل منها. وهي في حقيقتها دولة مباركة قامت في القرن المفضل وقد أعقبت دولة الخلافة الراشدة التي هي خير الدول، فكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أدركوها وقد بدأت بمعاوية ﵁ وهو صحابي جليل، فلذلك انعدم وجود دولة بعدها تأخذ مميزاتها. ويكفي من ذلك دخول بني أمية وحكمهم في قول الرسول ﷺ : «خيركم قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» (٢). ثم اقرأ قول ابن كثير ﵀ عنهم: (فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية، ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في

стр. 4

عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه) (١). فانطلاقًا من قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (٢). وقع اختياري على كتاب الأخبار الطوال، ليكون محط بحثي وتنقيبي عن حقيقة ما أورده صاحب الكتاب حتى لا نسيء الظن بمن سبقنا. فهو كتاب تاريخي قديم، يشتمل على معظم تاريخ الشعوب القديمة والعهد الإسلامي. ومن هذا الكتاب خصصت جزئية معينة لتكون موضوع بحثي، وهي المتعلقة بأخبار الدولة الأموية، وقد وضعت لها عنوانًا وهو «الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري - دراسة نقدية مقارنة». وهذا الكتاب كغيره من الكتب التي تحتاج إلى تنقيح وعناية؛ كي يتبين غثها من سمينها، فهو مليء بالفتن والشرور إلى حد أنه صور حقبة الأمويين كلها بالفتن والشرور، ولم يأتِ على الخير إلا يسيرًا. وكثيرٌ من الكتب التاريخية تحمل بين طيَّاتها مثل هذا الكتاب، والحاجة إلى نقدها تكمن في كثرة ما تحمل من أخبار عن الأحداث والأعلام لا تمت لها بصلة، ويتم تداولها على أنها حقائق مُسَلَّمَة تجرى على ألسنة الرواة والوعاظ وغيرهم مما يوقع الشك في نزاهة تلك الأجيال. ومن أهم المصادر التي اعتمدت عليها في هذا البحث: كتب الحديث ومنها صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، وكتب التاريخ

стр. 5

ومنها تاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ الطبري، ومن كتب الأنساب كتاب أنساب الأشراف للبلاذري لاحتوائه على كثير من الأخبار، ومن كتب الطبقات والتراجم كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، وسير أعلام النبلاء للذهبي والإصابة وتقريب التهذيب لابن حجر. • الدراسات السابقة التي عنيت بهذا الكتاب: مرحلة الكتاب الأولى: يعتبر المستشرق البارون روزن هو أول من قام بدراسة لمخطوطة الكتاب وقد نشرت في قائمة المخطوطات العربية في معهد اللغات الشرقية بمدينة بطرسبرج لننجراد، سنة ١٨٧٧ م، وبعده شرع المستشرق الروسي جرجاس في تحقيق المخطوطة على أمل أن ينشر الكتاب في شباط ١٨٨٧ م ولكنه توفي قبل تمامه، وقد قام روزن بنشر ما حققه جرجاس بدون أي إضافات عام ١٨٨٨ م، ثم مات هو أيضًا قبل أن يتم طبع الكتاب، فتابع تلميذه المستشرق كراتشكو فسكي، والذي جمع للمخطوط ثلاث نسخ وهي: الأولى: نسخة لننجراد، وهي للناسخ المشهور كمال الدين في سنة ٦٥٥ هـ. الثانية: نسخة جامعة ليدن رقم ١١٢٢، نسخة في المدينة المنورة عام ١٠٠٠ هـ. الثالثة: نسخة كتبت عام ١٠٦١ هـ، وهي مأخوذة من النسخ السابقة. وقد اعتمد كراتشكو فسكي على النسخة الأولى؛ لأنه كان يرى أنها الأصل وأنها الأقرب إلى عصر المؤلف، وأكمل عمله بمساعدة المؤسسة العالمية للنشر بريل في مدينة ليدن، والتي نشرت الكتاب عام ١٨٨٨ م، وقد

стр. 6

أضاف عليه تحقيقاته وتعليقاته ونشرها عام ١٩١٢ م، وقد وصلت نسخ قليلة من الكتاب الذي طبعته مؤسسة ليدن إلى المشرق، حيث قامت مطبعة السعادة بالقاهرة بإعادة طبع الكتاب كما أعده جرجاس بدون أي إضافات، وبعد موت كراتشكو فسكي في سنة ١٩٥٧ م، وُجِدَ في مكتبة رفاعة الطهطاوي بمدينة سوهاج نسخة خطية لكتاب الأخبار الطوال مسجلة برقم ٧٣، وهي أقدم من المخطوطات الثلاث التي عرفها الغرب، ويرجع تاريخها إلى ٥٧٩ هـ (١). ثم قام الأستاذ/ عبد المنعم عامر بتحقيق الكتاب وراجعه الدكتور/ جمال الدين الشيال، وتم نشره بالقاهرة سنة ١٩٦٠ م، وله السبق في إخراج هذا المخطوط إخراجًا يليق به، فهو أول من قارن بين النسخ التي حققها المستشرقون الروس، وبين نسخة سوهاج والتي كانت بحوزة رفاعة الطهطاوي، وبَيَّنَ في هامشه سواقط المخطوطات، ثم شرح كلماته الغريبة، وله تعليقات جيدة على الهامش، وهو جهد كبير يشكر عليه. وهذه النسخة الأخيرة هي التي اعتمدتُ عليها في دراسة الكتاب، وسبب الاعتماد عليها أنها أول النسخ المحققة، وأنها عنيت بتصحيح الألفاظ وأضافت بعض الشروح على الألفاظ وفيها أيضًا مقارنة بين النسخ، ومما يزيد في أهميتها فقد اعتمد عليها بعض المحققين الذين سبقوني، ومنهم الدكتور/ عمر فاروق الطباع، والدكتور/ عصام علي الحاج. - الأخبار الطوال طبعه وصحح ألفاظه محمد سعيد الرافع صاحب المكتبة الأزهرية، وقد وضع عناوينه محمد الخضري بك، وكانت الطبعة الأولى سنة ١٣٣٠ هـ بمطبعة دار السعادة بمصر. وهذه الطبعة ليس فيها ما يميزها سوى إضافة العناوين.

стр. 7

- الأخبار الطوال من إعداد وتحقيق وفهرسة الدكتور/ عمر فاروق الطباع، طُبِعَ الكتاب في شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت، ونشرته دار القلم، في عام ١٤١٥ هـ وقد عني المحقق بالكتاب، ووضع مقدمة مختصرة عن حياة المؤلف، وأشار إلى مصادر ثقافته ثم مؤلفاته، ومنهجه في كتابه الأخبار، وقد عرّف بالأماكن وعني بشرح الكلمات عناية فائقة، وقد أفدت من كتابه في ترجمة المؤلف وفي بيان بعض الكلمات والأماكن. ولم تكن هذه الدراسة مستوفية، بحيث إن المحقق لم يتعرض لمنهج المؤلف في الكتاب. - كتاب الأخبار الطوال تحقيق الدكتور: عصام محمد الحاج علي؛ حيث عني بترجمة المؤلف، وأبدع في ذلك، فقد وضع تمهيدًا فيه ترجمة للمؤلف وبيّن مصادره، ثمّ وثّق نصوصه بالمقارنة ببعض كتب التاريخ، ووضع له حواشي، وأشار إلى شيء يسير من أوهامه، وهذا جهدٌ كبيرٌ لم يسبق له في هذا الكتاب. ويلاحظ عليه أنه لم ينتقد مذهب المؤلف، بل إنه مدحه ووصفه بأنه دَوَّنَ الأحداث بأمانة وصدق (١)، ويبدو أنه كان معجبًا بطرحه، ثم إنه تجاوز الحد وأفحش في وضع بعض العناوين، ومن ذلك وصفه حمل يزيد بن معاوية نساء الحسين إلى المدينة بقوله: (إرسال السبايا إلى المدينة) (٢)، مع أن صاحب الكتاب لم يذكر كلمة [سبايا]. وقد أفدت من هذا الكتاب في ترجمة أبي حنيفة، وعند مقارنة الأخبار بالمصادر الأخرى، وفي تصحيح بعض الأسماء التي وقع فيها صاحب الكتاب.

стр. 8

وكل هذه الدراسات التي سبقت هذه الدراسة، لم يكلِّف القائمون عليها أنفسهم بالبحث عن نسبة الكتاب لأبي حنيفة الدينوري، ويمكن أن يُحسب لهذه الدراسة السبق في التحقق من نسبة الكتاب لأبي حنيفة. أما عن جزء الكتاب المخصص للدراسة: فهو الجزء الخاص بأخبار الدولة الأموية، والذي تبدأ أحداثه بتنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ﵁، وحتى نهاية الدولة الأموية بمقتل آخر خلفائها مروان بن محمد. • خطة البحث: يشتمل البحث على مقدمة، وتمهيد، وسبعة فصول: المقدمة: وفيها أهمية الموضوع وسبب الاختيار ومنهج الدراسة والجزء المخصص لها. التمهيد: ترجمة أبي حنيفة الدينوري، التحقق من نسبة الكتاب إليه، أهمية الكتاب، ثم الحديث عن أصل صاحب الكتاب وميوله و مصادره، ثم المآخذ على الكتاب. • الفصل الأول: «أحداث خلافة معاوية ﵁». وفيه من المباحث صلح الحسن ﵁ مع معاوية ﵁، خبر زياد بن أبيه مع معاوية ﵁، مواقف الشيعة من الصلح، مقتل حجر بن عدي، خبر وفاة زياد وخبر وفاة معاوية ﵁ ووصيته. • الفصل الثاني: «أحداث خلافة يزيد بن معاوية». بيعة يزيد وموقف الحسين ﵁ وعبد الله بن الزبير ﵁ منها، دعوة أهل الكوفة للحسين ﵁ ومقتل مسلم بن عقيل، خروج الحسين ﵁ للكوفة

стр. 9

وموقف الصحابة منه، خروج الحسين وأحداث الطريق، معركة كربلاء ومقتل الحسين ﵁. • الفصل الثالث: «بقية أحداث خلافة يزيد بن معاوية إلى وفاته». وفيه من المباحث ما بعد كربلاء، مواجهة عبد الله بن الزبير ﵁ مع يزيد، مقدمات وأسباب معركة الحرة، معركة الحرة، اتجاه جيش الشام إلى مكة ومصيره. • الفصل الرابع: «الحرب على الخوارج وخبر العراق والشام بعد يزيد ابن معاوية». وفيه من المباحث بداية المواجهة مع الخوارج، تولي المهلب بن أبي صفرة الحرب على الخوارج، خبر العراق بعد يزيد بن معاوية، وصول مروان ابن الحكم للخلافة ووفاته، أخبار متفرقة. • الفصل الخامس: «فتنة المختار وأخبار إمارة عبد الله بن الزبير ﵁». وفيه من المباحث المختار بن عبيد وبداية دعوته، غلبة المختار ومواجهة أهل الشام، المختار بن عبيد وقتلة الحسين ﵁، مصعب بن الزبير وقضائه على المختار، أخبار مصعب بن الزبير، ثم مقتله، ومقتل عبد الله بن الزبير ﵁. • الفصل السادس: «الحجاج وابن الأشعث، وخلافة هشام بن عبدالملك». وفيه من المباحث فتنة ابن الأشعث والقضاء عليه، أخبار الحجاج ووفاة عبد الملك، أخبار متفرقة عن الخليفة الوليد بن عبد الملك، والخليفة عمر بن عبد العزيز، بداية الدعوة العباسية، ظهور أبي مسلم الخراساني. • الفصل السابع: «خلافة الوليد بن يزيد ونهاية الدولة الأموية». وفيه من المباحث هشام بن عبد الملك وولاته، خلافة الوليد بن يزيد وآثار مقتله، بني أمية بعد الوليد بن يزيد، نصر بن سيار والكرماني في خراسان،

стр. 10

أخبار متفرقة، انتصار الدعوة العباسية ومقتل الخليفة مروان بن محمد. الخاتمة: وفيها النتائج. أما عن المنهج المتبع في هذه الدراسة: - عرَّفت في هذا البحث بأبي حنيفة الدينوري ثم حققت في نسبة الكتاب إليه. - قمت بتجزئة النصوص ووضعت لها أرقامًا لكي يسهل نقدها، وليس لذلك علاقة في بداية الحدث أو نهايته. - قمت بتعديل أوهام صاحب الكتاب في زمن بعض الأحداث. - عرفت بالأماكن والأعلام، وصححت أخطاء المؤلف بأسماء بعض الأعلام. - رددت ما استطعت من الشبهات والأكاذيب التي أوردها صاحب الكتاب، عن الصحابة والتابعين، وخصوصًا ما يمس العقيدة، وخاصية القرن المفضل. - وبما أن صاحب الكتاب لم يسند أخباره في الغالب، فقد قمت بمقارنتها بالمصادر الأخرى التي أوردت الخبر مسندًا ثم نقدت السند والمتن، وإن لم أجد ذلك كان النقد على المتن. - قمت بتصحيح بعض المقطوعات الشعرية المحرفة التي أوردها صاحب الكتاب. - تجاوزت كثيرًا عن الأخبار التي ليس فيها قدح وإساءة، حفاظًا على النسق القصصي وإكمال الحدث، ومن ذلك ما انفرد به المؤلف. - استطردت في مناقشة كثير من المسائل الشائكة تاريخيًّا، وقد جعلت ذكرها من قبل صاحب الكتاب سببًا لذلك.

стр. 11

- أكملت بعض الأحداث الناقصة التي أوردها صاحب الكتاب. - عند الإحالة للهامش أشير إلى اسم المؤلف والكتاب، وتركت باقي المعلومات في الجزء المخصص للتعريف الكامل بالمصادر والمراجع. وأخيرًا، أحمد الله وأشكره وأثني عليه الخير كله على أن منّ عليَّ بإتمام هذا البحث. ثم أشكر كل من كان له فضل عليَّ بعد الله في إتمام هذا البحث، ومن ذلك الوالدين، والمشرف على رسالتي الدكتور عبدالعزيز بن عبد الله السلومي، ومن قدَّم لي بعض الاستشارات البحثية ومنهم الدكتور خالد بن محمد الغيث. كما أشكر عضوي لجنة المناقشة الدكتور محمد بن صامل السلمي والدكتور حسام الحزوري على تفضلها بمناقشة هذه الرسالة. * * *

стр. 12

تمهيد ترجمة أبي حنيفة الدينوري: * نسبه ونشأته: هو أحمد بن داود بن وَنَنْد، أبو حنيفة الدينوري، ولد في مدينة الدينور من أعمال الجبال من أرض فارس، ونشأ في أسرة من أصل فارسي، وقد عاش معظم حياته في تلك المدينة (١). ولا يوجد تحديدًا لزمن ولادته، أما وفاته فهي بالدينور (٢) سنة ٢٨٢ (٣). وقد اختلف في أصل أبي حنيفة فقد قيل إنه فارسي كما سبق، وقول آخر أنه كردي؛ لأن الدينور التي ينسب إليها كانت في إقليم الجبال ذات الأغلبية الكردية، والتي أقام بها حسنويه الكردي مملكته (٤). وهو قول المؤرخين الأكراد ومنهم: محمد أمين زكي (٥) فقد ترجم لأبي حنيفة في كتابه مشاهير الأكراد (٦). وقد ذكر الدكتور أحمد محمود الخليل (٧) أن أصل أبي حنيفة الدينوري كردي، وقد أرجع ذلك إلى أمور منها:

стр. 13

- أن الدينور كانت تقع جغرافيًّا في قلب منطقة كانت مصايف ومشاتي الأكراد، أي أن المنطقة كانت مسكونة بالأكراد على الدوام ويتضح هذا بالخريطة التي رسمها ابن حوقل (١). - أن المنطقة التي تقع فيها الدينور هي جزء من منطقة غربي إيران حاليًّا وتسمى (كردستان). - أن اليعقوبي (٢) ذكر في كتابه البلدان بلاد الجبل وإقليم الجبال بأنها دار الأكراد، وتقع دينور في قلب إقليم الجبل. ثم إنه نقل عن المؤرخ الكردي عبدالرقيب يوسف وذكر قوله: إن أبا حنيفة عالم كردي (٣). * رحلاته: أمضى أبو حنيفة حياته بالرحلات، وقد وصل إلى العراق وإلى بيت المقدس ثم إلى المدينة وشواطئ الجزيرة العربية من جهة الخليج، فعاش في هذه البلدان فترات مختلفة، ثم انتقل إلى أصفهان سنة ٢٣٥ هـ وعمل برصد الكواكب (٤). * شيوخه: لم أقف على ترجمة مستوفية عن شيوخ أبي حنيفة الدينوري وأول من ذكر شيوخه ابن النديم في الفهرست حيث ذكر أنه أكثر من البصريين والكوفيين

стр. 14

ولم يسم أحدًا من شيوخه إلا السكيت (١) وابنه يعقوب (٢) ولم يكن ذلك دقيقًا ولا يمكن الاعتماد عليه ولم أقف على رواية له عنهم، ولما تتبعت رواياته في كتابه النبات وفي كتاب المجالسة وجوهر العلم وجدت جملة من الشيوخ الذين يروي عنهم أبو حنيفة الدينوري ومنهم: الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن أصمع الباهلي، البصري، صاحب اللغة والنحو والغريب، والأخبار، وهو صدوق سني، مات سنة ست عشرة ومئتين (٣). وقد أكثر الرواية عن الأصمعي في كتابه النبات، وهو لم يدركه وإنما أخذ العلم من طلابه، ومما يدل على ذلك ما ذكره صاحب كتاب المجالسة (٤) عندما ساق السند من أبي حنيفة إلى الأصمعي بواسطة هؤلاء الطلاب، ومنهم الرياشي والمازني وزكريا بن يحيى وابن خبيق والزيادي. الرياشي: عباس بن الفضل الرياشي، أبو الفضل البصري، روى عن الأصمعي والطيالسي وغيرهم. قال الخطيب البغدادي: (قدم بغداد وحدَّث بها وكان ثقة وكان من الأدب وعلم النحو بمحل عالٍ) (٥)، قتله الزنج في البصرة

стр. 15

سنة سبع وخمسين ومئتين (١). المازني: بكر بن محمد المازني، أبو عثمان، شيخ العربية، أخذ من أبي عبيدة والأصمعي، كان شيعيًّا أماميًّا يقول بالإرجاء، يذكر أنه سُئل: لماذا قلت روايتك عن الأصمعي؟ فقال: رميت عنده بالقدر ومذهب الاعتزال. مات سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئتين (٢). زكريا بن يحيى: زكريا بن يحيى بن خلاد المنقري، البصري، أبو يعلى، حدَّث ببغداد، مكثر عن الأصمعي وهو مجهول الحال (٣). ابن خبيق: عبد الله بن خبيق الأنطاكي الزاهد، له كلام حسن في التصوف وحسن المعاملة، مات سنة ستين ومئتين (٤). الزيادي: إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه، نشأ في العراق، كان نحويًّا لغويًّا راويةً، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٥). وقد أكثر منه أبو حنيفة الدينوري في كتابه النبات. أبو نصر: أحمد بن حاتم، النحوي صاحب الأصمعي، وقد روى عنه كتب اللغة والأدب، كان ثقة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئتين (٦). روى عنه الدينوري في كتاب النبات. أبو عمرو: عمرو بن أبي عمرو الشيباني اللغوي، كان ثبتًا واسع الرواية،

стр. 16

توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين (١). * علمه وأقوال العلماء فيه، وعلاقته بكتاب الأخبار الطوال المنسوب له: قال كمال الدين الأنباري (٢): (وأما أبو حنيفة أحمد بن داود، فكان ذا علوم كثيرة، منها النحو، واللغة، والهندسة، والحساب، والهيئة، وكان ثقة فيما يرويه) (٣). هنا لم يذكر أن له علمًا في التاريخ وقد ذكر شيئًا من كتبه، ولم يذكر كتاب الأخبار الطوال. قال عنه أبو يعلى الخليلي (٤): (أبو حنيفة الدينوري كبير المحل في اللغة، عالم، جامع، سمع الحديث وكان يعرف له كتاب القبلة، وكتاب النبات، سمعت عبد الله بن محمد الحافظ، يقول: سمعت شيخ الدينور، أحمد بن جعفر بن حمدان، وغيره، يبجلونه، ويعدلونه، وهو مشهور يعتمد على قوله وروايته) (٥). هنا ترجم له في علماء الحديث، وأثنى عليه، ولم يذكر أن له كتابا اسمه الأخبار الطوال.

стр. 17

قال أبو حيان (١): (والذي أقوله وأعتقده وآخذ به واستهام عليه أني لم أجد في جميع من تقدّم وتأخر ثلاثة لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها لما بلغوا آخر ما يستحقه كلّ واحد منهم، أحدهم هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة وبسببه جشّمنا هذه الكلفة، أعني أبا عثمان عمرو بن بحر، والثاني أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، له في كلّ فنّ ساق وقدم ورواء وحكم، وهذا كلامه في «الأنواء» يدلّ على حظّ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك، فأما كتابه في «النبات» فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدويّ وعلى طباع أفصح عربيّ، ولقد قيل لي: إن له في القرآن كتابًا يبلغ ثلاثة عشر مجلدًا ما رأيته، وأنه ما سبق إلى ذلك النمط، هذا مع ورعه وزهده وجلالة قدره. وقد وقف الموفّق (٢) عليه وسأله وتحفّى به) (٣). وقال عنه (أبو حنيفة هذا من كبار الناس وعلمائهم، وكان ثقةً مأمونًا زاهدًا حكيمًا، وكان بدويّ الكلام، رفيع الطبقة) (٤)، ونجد أن أبا حيان التوحيدي لم يذكر أن له كتابًا اسمه الأخبار الطوال.

стр. 18

قال عبد القادر الحنفي (١): (أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري، صاحب كتاب النبات أحد العلماء المشهورين في اللغة ذكره أبو القاسم مسلمة بن قاسم الأندلسي في الذيل الذي ذيَّل به على تاريخه الكبير في أسماء المحدثين، وقال: فقيه حنفي الفقه وله من المصنفات كتاب الفصاحة، وكتاب الأنواء، وكتاب القبلة، وكتاب الدور، وكتاب الوصايا، وكتاب الجبر والمقابلة، وكتاب إصلاح المنطق .... ) (٢). وضعه المؤلف في تراجم طبقات الحنفية ومن أهل الحديث ولم يذكر أن له كتاب اسمه الأخبار الطوال. قال عنه الذهبي: (صدوق، كبير الدائرة، طويل الباع، ألَّف في النحو واللغة والهندسة، والهيئة والوقت، وأشياء) (٣). هنا نجد أن الإمام الذهبي وصفه بالصدوق، وذكر شيئًا من كتبه ولم يذكر له كتاب الأخبار الطوال. ذكره ابن قطلوبغا في الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٤). * إنتاجه العلمي: ذكرت المصادر أن لأبي حنيفة مجموعة من الكتب، ويبدو أنها اعتمدت على ما جمعه ابن النديم (٥) في الفهرست؛ حيث قال: (وله من الكتب كتاب

стр. 19

النبات يفضله العلماء في تأليفه، كتاب الفصاحة، كتاب الأنواء، كتاب القبلة والزوال، كتاب حساب الدور، كتاب الرد على رصد الأصفهاني، كتاب البحث في حساب الهند، كتاب البلدان، كتاب كبير، كتاب الجمع والتفريق، كتاب الجبر والمقابلة، كتاب الأخبار الطوال، كتاب الوصايا، كتاب نوادر الجبر، كتاب الشعر والشعراء، كتاب ما يلحن فيه العامة) (١)، وقد تبعه في نسبة كتاب الأخبار الطوال الحموي (٢) والقفطي (٣)، وكل هذه الكتب التي ذكرها ابن النديم لم أقف على أثر لها إلا أجزاء وجدت من كتاب النبات، وكتاب الأنواء الذي وجدت له نقولات في بعض الكتب، وكتاب الأخبار الطوال المنسوب له. - التحقق من نسبة كتاب الأخبار الطوال للدينوري: ومما سبق من ذكر العلماء لأبي حنيفة، وأنه بهذه المنزلة الرفيعة، فهو يستحق ذلك بفضل ما جمعه من العلم، والذي يهمني من كتبه ما فيه موضوع بحثي وهو كتاب الأخبار الطوال، ففي ترجمة أبي حنيفة السابقة رأيت كثيرًا من التناقضات فبعض العلماء ينسبون كتاب الأخبار الطوال إلى أبي حنيفة والأغلب لا ينسبه، ومنهم من وثقه وجعله من كبار الحنفية، وترجموا له في علماء الحديث، وهذا أمر يثير الغرابة، فكيف يفعل هذا برجل قام بتأليف مثل هذا الكتاب المليء بالفتن والخرافات؟!. وقد عرضت على مشرفي هذه التراجم وما حصل عندي من الحيرة

стр. 20

والشك في أمر هذا الكتاب ومؤلفه، والذي لفت نظري إلى فرضية أن الكتاب منسوب إلى أبي حنيفة الدينوري وليس له على الحقيقة، ثم بدأت أجمع الأدلة التي تثبت التباعد بينه وبين كتاب الأخبار الطوال ومما وجدت: - يعتبر ابن النديم أول من نسب الكتاب لأبي حنيفة، وهو غير موثوق؛ لأن جميع من ترجم لأبي حنيفة قبله لم يذكروا أن له كتابًا اسمه الأخبار الطوال، ومنهم ابن حوقل المتوفى سنة ٣٦٧ هـ حينما عرف بعلماء الدينور فقال: (وأبو حنيفة صاحب كتاب الأنواء وهو كتاب في غاية الحسن والجمال وله كتاب النبات في وجوه اللغة وغير ذلك من التآليف) (١). وقد ترجم له أبو حيان التوحيدي وهو معاصر لابن النديم كما سبق وكلاهما في بغداد، ولم يذكر أن لأبي حنيفة كتابًا باسم الأخبار الطوال، مع أنه أطال في الترجمة وذكر شيئًا من أخباره مما لم يذكره غيره، ثم ترجم له الخليلي المتوفى سنة ٤٤٦ هـ، ولم يذكر أن له كتابًا اسمه الأخبار الطوال، وهو معاصر لابن النديم أيضًا، ويبدو أنه زار الدينور بعد وفاة أبي حنيفة، أو أنه التقى بعلمائها وسمع ثناءهم عليه، فلو عرفوا له كتاب الأخبار لم يثنوا عليه؛ لأن من يطلع على الكتاب لا يعدل صاحبه كما فعلوا. وهذا يجعلنا نتساءل: كيف عرف ابن النديم أن لأبي حنيفة كتاب اسمه الأخبار الطوال، ولم يعرف أحد ممن كان قبله أو ممن عاصره؟ بل إنه قد انفرد في نسبته طيلة الفترة التي أعقبت ذكره للكتاب، ولم أقف على من نسب الكتاب إلى أبي حنيفة غيره حيث ظل هذا الكتاب غائبًا بعد ابن النديم إلى أن جاء ذكره من قبل القزويني المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، في كتابه التدوين في أخبار قزوين فقد أتى

стр. 21

بخبر من كتاب الأخبار الطوال ونسبه إلى أبي حنيفة الدينوري (١). وبذلك لا نستبعد أن ابن النديم ساهم بالجزء الأكبر من نسبة هذا الكتاب لأبي حنيفة الدينوري. ونستدل على ذلك بأشياء منها: ١ - انفراد ابن النديم بنسبة الكتاب لمده تزيد على ما يقارب قرنين من الزمان. ٢ - أن صاحب كتاب الأخبار الطوال لا يشك أحد أنه من الشيعة؛ ولذلك أصبح من الضروري أن يكون الشخص المنسوب له الكتاب شيعيًّا، ولهذا جاء ابن النديم بأمر يبرهن به على تشيع المؤلف، فذكر تتلمذ أبي حنيفة الدينوري على يد السكيت وابنه، وقد انفرد بهذا أيضًا حيث قال: (أخذ عن البصريين والكوفيين وأكثر أخذه من السكيت وابنه) (٢) وابن السكيت قد عرف بالتشيع، ولم أقف على رواية له عنهما. ٣ - أن ابن النديم غير موثوق، قد صدر عنه أشياء تجعلنا نشكك في مصداقيته، فقد ذكر ابن حجر أنه من الراوفض المعتزلة وأنه غير موثوق، ذكر عن الشافعي شيئًا ظاهره الافتراء، وثق كثيرًا من الضعفاء من أمثال الواقدي وضعف كثيرًا من الثقات (٣). ٤ - وجد ابن النديم عوامل ساعدت على إظهار كتاب الأخبار الطوال ونسبته إلى أبي حنيفة الدينوري، ومنها أن زمن تأليفه لكتاب الفهرست الذي

стр. 22

انتهى منه سنة ٣٧٧ هـ (١) كان متزامنًا مع سيطرة البويهيين (٢) على بغداد (٣)، وهم الذين عرفوا بتشيعهم وبفارسيتهم، فأصبح الكتاب غرضًا لإظهار زمن عزة الفرس وملكهم والإشادة بتاريخهم، وبما أن ابن النديم فيما يذكر أنه ورّاق، يبيع الكتب (٤) فقد أصبح من الضروري إيجاد مثل هذا الكتاب. - أن من يطلع على كتاب الأخبار الطوال يعرف حق المعرفة أن مصنفه ينتمي إلى الشعوبيين الفرس فقد تتبع واهتم بتاريخهم واعتنى بمآثرهم وأشاد بملوكهم وأطال في ذلك ثم تَنقَّص المسلمين العرب فقد جاء بروايات تحط من قدرهم، وأبو حنيفة الدينوري ليس بفارسي كما سبق في أصله، ثم إن لصاحب الكتاب ميول شيعية؛ وذلك لأنه تقصى أخبار علي بن أبي طالب ﵁ وابنيه الحسن ﵁ والحسين ﵁، وأنه أكثر في كتابه من القدح في الصحابة، وقام بانتقاء أخبار تخدم ميوله ومذهبه. ولم أقف على من اتهم أبو حنيفة الدينوري بالتشيع أو رماه به من جميع المتقدمين.

стр. 23

بل يذكر عنه أنه من كبار الحنفية (١). - قمت بالترجمة لأغلبية الشيوخ الذين روى عنهم أبو حنيفة في كتابه النبات، وكانت الجملة فيهم من أفاضل أهل اللغة، ولم أقف على لزومه وتتبعه للفسَّاق والمنحرفين بهذا الفن من الشيعة وغيرهم. - كتاب الأخبار الطوال لا يحتوي على مقدمة، فقد بدأ الكتاب بقول: (بسم الله الرّحمن الرّحيم، فوضت أمري إلى الله. قال أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ﵀: وجدت فيما كتب أهل العلم بالأخبار الأولى؛ أن آدم ﵇ كان مسكنه الحرم) (٢). ويغلب على الظن- إن كان للكتاب مقدمة - فإنها تكون قد حُذِفَت، ويبدو أنها تحوي معلومات عن المؤلف الحقيقي للكتاب، فلذلك ذكر اسم أبي حنيفة الدينوري في أوله للتأكيد على أنه ألَّف الكتاب، ويؤيد هذا ختم الكتاب أيضًا باسمه بقوله: (وهذا آخر كتاب الأخبار الطوال على ما جمعه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري رحمه الله تعالى ورضي عنه) (٣). * منهج الدينوري في كتابه النبات يختلف بالكلية عن منهج هذا الكتاب، فقد كان منهجه في كتاب النبات: ١ - لا يكاد يذكر علمًا أو قولًا إلا ذكر من أين أخذه مع أنه يحذف السند، لكنه في جملة قوله ينسب القول إلى صاحبه مباشرة، وذلك مثل قوله: (وقال أبو عمرو)، (وقال أبو زياد)، (وقال بعض الرواة) (٤).

стр. 24

ولم يذكر في كتاب النبات الأسلوب الأعم، الذي اعتمد في كتاب الأخبار الطوال، وهي كلمة: (قالوا) إلا قليلًا لا يكاد يذكر، بل كان يستخدم قوله: (قال بعض الرواة)، (أخبرني بعض الأعراب) (١). ٢ - كتابه النبات كان غاية في الإتقان زاخرًا بالعلم والمعرفة، وقد أُثْنِيَ عليه فيه. قال عنه ابن الساعي: (وكتاب النبات لم يصنَّف مثله في معناه) (٢)، على العكس من كتاب الأخبار الطوال الذي يكثر فيه الخلط والوهم والتقديم والتأخير. ٣ - في كتاب النبات يرجح ويضعف ويأتي بالقول والقول الآخر، ومن أساليبه: فزعم آخرون، وزعم فلان، أما كتاب الأخبار الطوال فصاحبه يعتمد على رواية واحدة يبني عليها قوله. ٤ - وفي كتاب النبات يستشهد بالأبيات الشعرية ويبين في كل مرة بحرها من الشعر، وهذا لم يكن في الأخبار الطوال. ومن أمثلة ذلك قوله من كتابه النبات: (ومما يشبه الحناء ويقويه على التسويد الصبيب، وقد أكثروا فيه فزعم أنه نقاعة أو طبيخ شجرة تكون بالحجاز يصبغ بها، ولم يبينوا أكثر من هذا، وزعم آخرون أنه طبيخ شجرة تشبه الذاب، وزعم آخرون أنه ماء شجرة السمسم، وزعم آخرون أنه نقاعة حناء تصب على حناء فتعجن بها، كل ذلك قد سمعتُ، والاختلاف فيه ليس من قبل الصبيب، هذه المياه كلها صبيب، ولكن من قبل الأشياء التي أخذ صبيبها فالصبيب واحد وما استل منه شتى، والشاهد على ذلك قول العجاج يصف فحلًا من الإبل فقال (من الرجز):

стр. 25

في هامة أعيت صدام الصدم … كأن نضحًا من صبيب الحمحم حيث انتهت من عنق مورم) (١) مما سبق رأينا أن أبا حنيفة الدينوري يأتي بجميع الآراء التي تكلمت عن النبات الذي يريد إيضاحه، ثم يبين رأيه ويبرهن عليه، وكل ذلك من حرصه وتثبته على بيان الأمر على حقيقته، وهو اسم لنبات والأمر فيه واسع، فكيف ينسب له كتاب كتب بصيغة الحكم في أمر عظيم يخوض صاحبه في أعراض الصحابة والتابعين؟!! لاشك أن ذلك من التناقض الذي لا يمكن أن يجمعه شخص واحد. - اتفق العلماء على نسبة كتاب النبات إلى أبي حنيفة الدينوري، واختلفوا في نسبة كتاب الأخبار الطوال إليه. - من يطلع على كتاب الأخبار الطوال يجده مليئًا بالقدح والتنقص من الصحابة، وهذا خلل واضح في عقيدة المؤلف، وأبو حنيفة قد شهد له رجال من أهل بلده الدينور بالصلاح وحسن الرواية، ووصفوه بالصدق، ولم أقف على أحد من المتقدمين اتهمه في عقيدته. ومما يروى عنه في صحة عقيدته ما ذكره الزمخشري عنه: (قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب الأنواء: المنكر هو نسبة الأمر إلى الكواكب وأنها هي المؤثرة، فأما من نسب الأثر إلى خالق الكواكب، وزعم أنه ضربها أمارة، ونصبها أعلامًا على ما يحدثه ويجدده في كل أوان بمشيئته الربانية فلا جناح عليه) (٢). أفبعد هذا العلم والعقيدة يُنسب إليه كتابٌ فيه قدح في الصحابة؟!!

стр. 26

- أن آخر حدث سجله صاحب كتاب الأخبار الطوال هو موت المعتصم؛ حيث ختم كتابه بقوله: (ومات المعتصم بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين، وصلَّى عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي داود، وكان المعتصم أوصى إليه بالصلاة عليه، وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية أشهر وسبعه عشر يومًا، وكان قد بلغ من السن تسعًا وثلاثين سنة)، وأبو حنيفة قد عاش إلى سنة ٢٨٢ هـ، فلو كان هو صاحب الكتاب فلماذا يتوقف عن تسجيل الأحداث قبل الوفاة بخمسين سنة. - إن حادثة نسبة كتاب الأخبار الطوال إلى أبي حنيفة لم تكن فريدة من نوعها، بل قد اتهم أحد معاصريه وهو عبد الله بن مسلم الدينوري (١) وهو المشهور بابن قتيبة، فقد نسب إليه كتاب الإمامة والسياسة وقد برأه العلماء منه (٢). ونجد أن كتاب الإمامة والسياسة وكتاب الأخبار الطوال كلها تاريخية مما يدل على أن الناسب قد اعتقد بفكرةٍ ومذهبٍ ولم يستطع تمريرها إلا من خلال نسبة الكتاب لأحد الأعلام، وخصوصًا هذان العالمان، ويبدو أن السبب في التركيز عليهما أنهما تناولا شيئًا من أنواع العلوم، ثم لكونهما من الدينور وهي بعيدة عن الأمصار الإسلامية المشهورة؛ لذلك أصبح من السهل إلصاق التهم بهما، فالذي ينسب إليه كتاب الإمامة والسياسة رجل من أهل المغرب (٣)،

стр. 27

والذي ألف كتاب الأخبار الطوال شيعي كما سيأتي في الحديث عن أصله، وهذا ديدن بعض الشيعة الذين ينسبون الأحاديث والأخبار ويسخرونها لأهدافهم ومعتقداتهم، وأحاديثهم ورواياتهم في الكتب كثيرة، ودليل ذلك التركيز على الموضوعات التي يهتم بها الشيعة في محتوى الكتابين. - شذ كتاب الأخبار الطوال المنسوب لأبي حنيفة الدينوري بأنه وصل كاملًا من غير أي نقص فيه، بينما لا نجد لكتب أبي حنيفة الدينوري أثر إلا ما كان من كتاب النبات (١) الذي وجدت أجزاء منه، منها الجزء الثالث والنصف الأول من الجزء الخامس مع أنه من أشهر كتبه، وما وجد في الكتب نقلًا من كتاب الأنواء، وأما باقي الكتب التي نسبت إليه ليس لها أثر، وهذا يثير الغرابة ويجعلنا نتساءل: لماذا يصل كتاب الأخبار الطوال المنسوب إليه كاملًا من بين كتبه مع ضعف في شهرته مقارنة بكتاب النبات. - عند الترجمة لأبي حنيفة الدينوري لم يذكر العلماء أن له علم بالأخبار حتى الذين نسبوا إليه الكتاب. وقد أشار إلى وفاة أبي حنيفة جملة من المؤرخين، ووصفوه باللغوي ولم يصفوه بالأخباري ولم يذكروا أن له كتابًا في الأخبار، وذلك سنة إحدى وثمانين ومئتين، منهم ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ فقد قال: (وفيها توفّي أبو حنيفة أحمد بن داود الدّينوريّ اللّغويّ صاحب كتاب النّبات وغيره) (٢). وصاحب كتاب المختصر في أخبار البشر بقوله: (وفيها توفي أبو حنيفة

стр. 28

أحمد بن داود الدينوري، صاحب كتاب النبات) (١). ومثله ابن الوردي (٢) في تاريخه. بل إن ابن كثير جعله من الأعيان بقوله: (وفيها توفّي من الأعيان أحمد بن داود أبو حنيفة الدّينوريّ اللّغويّ صاحب كتاب النّبات) (٣). فلو أن ابن كثير اطلع على كتاب الأخبار الطوال المنسوب لأبي حنيفة، لم يصفه من الأعيان. * أهمية الكتاب: رغم أن كتاب الأخبار الطوال من كتب التاريخ التي تزخر بها مكتباتنا الإسلامية، ويعد من الكتب الأولى التي كتبت عن التاريخ العام مع كونه مختصرًا، فإنه لم يكن له تأثير واضح في الكتب التاريخية التي جاءت بعده، وذلك لاقتصاره على الاتجاه الشعوبي، فلم ينزله المؤرخون منزلة رفيعة كما فعلوا بتاريخ خليفة بن خياط (٤). وهو في ظاهره من كتب التاريخ العامة، وفي حقيقته عبارة عن أخبار منتقاة بعناية تعكس شخصية المؤلف واهتماماته، والتي سخَّر لها كتابه هذا، فقد اعتنى بالحروب والفتن التي وقعت بين المسلمين عبر تاريخهم في القرنين الأول والثاني، ولكن من وجهة نظر غير سليمة. * محتوى كتاب الأخبار الطوال: بدأ بذكر تاريخ الأمم الماضية من الأنبياء وغيرهم، وركز على تاريخ

стр. 29

الفرس وملوكهم، وأشاد بهم وبملكهم وذكر شيئًا من مآثرهم، ثم أتى على جزء من تاريخ العرب والروم وعلاقتهم بالفرس، ثم أشار لظهور الرسول ﷺ وربط تاريخ ذلك بتاريخ زعماء الفرس، ولم يعط هذا الحدث أيّ اهتمامٍ يُذْكر، وأما في عهد الخلفاء الراشدين فقد تتبع الفتوحات مع الفرس ثم أطال الحديث عمَّا حدث بين علي ﵁ ومعاوية ﵁، أما في خلافة بني أمية فقد انتهج المؤلف في هذا الجزء نهجًا يثير الغرابة، وقد تمثل ذلك في تسجيله لأحداث هذه الدولة، حيث قام بحصر أخبار الفتن والحروب وعرضها بشكل مطوَّل، ومن ذلك قتل مسلم بن عقيل، وقتل الحسين ﵁، ومعركة الحرة، وفتنة المختار، وفتنة الخوارج، وفتنة بن الأشعث، وفي المقابل يُغْفل ويهمل الجوانب المشرقة في هذه الحقبة من التاريخ، مثل الفتوحات وغيرها من الإصلاحات التنظيمية والعمرانية. ثم أتى على الدعوة العباسية وخص أبا مسلم بشيء من العناية وأشاد به. وأما في معرض الحديث عن الدولة العباسية فلم يأتِ إلا بشيء يسير من الأحداث، ثم رتب ولايتهم ترتيبًا حوليًّا على غير عادته وذكر تاريخ ولاياتهم ووفياتهم، وكان هذا الجزء أقصر ما في كتابه. * أصل المؤلف وميوله وعصره: بعد عرض الأدلة والبراهين التي تبين من خلالها أن أبا حنيفة الدينوري لم يؤلف هذا الكتاب وهو أبعد ما يكون عنه، بقي أن أتعرف على اسم صاحب الكتاب والفترة التي عاشها، وهذا أيضًا لم أجد ما يسعفني من معلومات لكي أستند إليها، فليس في كتابه شيء يمكن من خلاله التعرف على اسمه، ومن جهة معرفة زمانه أيضًا لم يأت المؤلف بأي من صيغ السماع المباشر مثل: حدثنا، أو حدثني، أو أخبرنا، أو أخبرني، أو أنبأنا، أو أنبأني، أو سمعتُ، أو قال لي فلان،

стр. 30

ولو أنه أتى بهذه الصيغ لعرفت من عاصره، ومن أخذ منهم مباشرة. والذي وجدت في كتابه صيغ تحتمل السماع مثل قوله: (قال الهيثم)، (قال الأصمعي)، (قال الشعبي). ولم أجد إلا شيئًا واحدًا يفيدنا بزمنه وهو توقفه عن الكتابة في سنة ٢٢٧ هـ، وهذا نستأنس به، ولا يمكن أن نعتمد عليه أيضًا؛ لأننا لا نملك ما يسانده. ولعلّ مؤلف الكتاب حرص على عدم إظهار اسمه وزمنه، فأخفى كل ما يدلّ عليه، وربما نحله مباشرة أو بعد زمن على رجل مشهور وهو (أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري)، والمتهم في ذلك هو ابن النديم، فهو ورّاق شيعي، وبعده تناقله المصنفون من غير تحقيق. والذي أجزم به أن الكتاب ظهر في زمن البويهيين، وهم شيعة فرس وقد بينت ذلك مفصلًا فيما سبق وذلك عند الحديث عن ابن النديم ونسبة الكتاب. ولذلك لا أستطيع أن أنسب الكتاب لأحد دون برهان. لكن لا يخفى على من يطَّلع على هذا الكتاب أن صاحبه كان من الفرس، ويثبت ذلك تتبعه لسير ملوك الفرس والعناية الفائقة بتاريخهم والإشادة بهم وبحكمهم، وبغلبتهم على سائر الأقوام في ذلك الزمان، ثم يتحول إلى أبي مسلم الخراساني ويشيد بجهوده في سبيل الدعوة العباسية ويجعل له كل الفضل والأثر في قيام الدولة العباسية. وهذا مما لاشك فيه أنه مذهب الشعوبيين الذين أخذوا على عاتقهم مدح الفرس وتنقص العرب. ومما يدل على فارسيته أنه أورد في كتابه في كثير من المواضع كلمات فارسية منها قوله: (ويقال إن ذلك المكان بموضع من الماء يسمى داى مرج،

стр. 31

سمى بأمه؛ لأن الأم بلسان الفرس تسمى داي) (١)، (مرد ومرد، أي رجل ورجل) (٢). (قالوا: ولما نظرت الفرس إلى العرب قد أقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون، تنادوا ديوان آمدند، ديوان آمدند) (٣)، (وقال لبهرام: أيها الاسبهبد) (٤) (فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مارمار أي حية قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز أي عضها) (٥). ثم إنه قد أتى بروايتين فيهما انتقاصٌ للأمين؛ لكي يُعْلي بهما من شأن المأمون، الذي لا يخفي ميوله إلى الفرس وإيثارهم في دولته. أما عن مذهبه فهو من غلاة الشيعة الذين أخذوا على عاتقهم الحطّ من قدر الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ذلك تصويره للصلح الذي تم بين الصحابيين الجليلين أبي موسى الأشعري ﵁ وعمرو بن العاص ﵁ بأن عمرًا ﵁ خدع أبا موسى ﵁ بقوله: (قالوا: ثم إن عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل أبي موسى وإجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: صحبت رسول الله ﷺ قبلي، وأنت أكبر سنًّا مني) (٦). وجاء برواية مكذوبة على لسان أبي موسى ﵁ الأشعري وفيها مقارنة بين معاوية ﵁ وبين أبرهة الصباح بقوله: (قال أبو موسى: اتق الله يا عمرو، أما ما ذكرت من شرف معاوية، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة، لكان أحق

стр. 32

الناس بها أبرهة بن الصباح، فإنه من أبناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها) (١). وأنه تتبع سيرة علي بن أبي طالب ﵁ وبنيه الحسن ﵁ والحسين ﵁ وما جرى بينهم وبين معاوية ﵁ وابنه يزيد. ولذلك نجد أن بعض المتأخرين الذين اطلعوا على كتاب الأخبار نقدوا مؤلفه وبينوا أصله ومذهبه: قد وصفه أغا بزرك الطهراني (٢) بقوله: (وهو من أبناء الفرس يستظهر إمامته) (٣). ووصفه عبد المنعم عامر بقوله: (تجري في عروقه دماء الفرس، وتنصهر في نفسه عزة العرب وأمجاد الإسلام) (٤). ووصفه العلامة، إحسان إلهي ظهير (٥)، بأنه شيعي (٦). ووصفه الدكتور محمد بن صامل السلمي (٧) بقوله: (تبين أنه تنزعه عرق فارسية، مع ميول شيعية) (٨).

стр. 33

* مصادر صاحب كتاب الأخبار الطوال: اعتمد صاحب الكتاب على مصادر كثيرة في كتابه ولكنها غامضة، وذلك لأنه لا يذكر السند ولم يصرح بمن أخذ عنه إلا في القليل من المواضع، وممن صرح بالأخذ منهم: في التاريخ القديم: - عبيد بن شرية: عبيد بن شرية، ويقال: ابن سارية الجرهمي، أدرك الرسول ﷺ ولم يسمع منه شيئًا، ووفد على معاوية ﵁ ويقال: وافاه بالحيرة، فسأله عن أخبار الماضين وملوك العرب وأمره بتدوين ذلك، وله من الكتب كتاب الأمثال، وكتاب الملوك وأخبار الماضين (١). وقد ذكره صاحب الكتاب ويبدو أنه أخذ من كتبه في أخبار العرب وأنسابهم. - ابن المقفع: عبد الله بن المقفع، أحد البلغاء والفصحاء، من مجوس فارس ثم أسلم، وكان يتهم بالزندقة، وهو الذي عرَّب كليلة ودمنه، توفي مقتولًا سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: بعد الأربعين (٢). وقد ذكر صاحب الكتاب ابن المقفع في أحد رواياته وأنه أخذ برأيه حيث روى عنه ما نصه: (ويروى أن ابن المقفع كان يقول: يزعم جهال العجم ومن لا علم له أن جم الملك هو سليمان بن داود، وهذا غلط، فبين سليمان وبين جم أكثر من ثلاثة آلاف سنة) (٣). وهذا يدل على أن ابن المقفع له علم بالتاريخ، فقد ذكر ابن النديم له كتابًا

стр. 34

اسمه (التاج في سيرة أنوشِرْوان) (١)، وصاحب الكتاب يبدو أنه أخذ منه في تاريخ ملوك الفرس فقد أشاد بهذا الملك وذكر إنجازاته ومنها الإصلاحات المالية. - ابن الكيس النميري: وقد اختلف في اسمه فقيل: زيد بن عبد الله وقيل: زيد بن الكيس النمري العوفي الوائلي، وقيل: عبيد بن مالك، من الخزرج، كان يقارب دغفلًا في العلم بأنساب العرب، وله كتاب في النسب (٢). * تاريخ الخلفاء الراشدين: - زيد بن وهب: زيد بن وهب الجهني، أبو سليمان الكوفي، ثقة جليل إمام حجة، رحل إلى النبي ﷺ فقبض وهو في الطريق، روى عن كثير من الصحابة، شهد مع علي ﵁ مشاهده كلها، مات سنة ثمانين وقيل: ثلاث وثمانين وقيل: ست وتسعين (٣). ذكر له صاحب الكتاب رواية واحدة في حرب علي ﵁ مع معاوية ﵁، وهي من طريق أبي مخنف (٤)، وهنا نجد أنه لا يذكر اسم أبي مخنف في رواياته مع أنه اعتمد عليه كثيرًا، ولعل السبب في ذلك لما اشتهر عن أبي مخنف من الضعف، وأنه أراد أن يحيل القارئ إلى الثقة ويترك الضعيف. - نصر بن مزاحم المنقري: ووجدت أن أغلب مادته في أحداث علي ﵁ ومعاوية ﵁ يتوافق مع ما ذكره نصر بن مزاحم المنقري وذلك بعد الرجوع إلى كتاب نصر المسمى (وقعة صفِّين).

стр. 35

وهو نصر بن مزاحم بن سيار المنقري، أبو الفضل من طبقة أبي مخنف، له من الكتب كتاب الجمل، وكتاب صفين، ومقتل حجر بن عدي، ومقتل الحسين ﵁ والمختار بن أبي عبيد (١). وهو كوفي قال ابن حجر: رافضي جلد، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢). - أبو مخنف الأزدي: هو أحد المؤرخين الكبار والرواة المشهورين، سجل له في الكتب العديد من الروايات. وأبي مخنف هذا هو لوط بن يحيى بن مخنف بن سليمان بن الحارث الأزدي الكوفي، كان راوية أخباريًّا صاحب تصانيف في الفتوح وحروب الإسلام، مات سنة سبع وخمسين ومائة (٣). قال عنه ابن عدي في الكامل: (حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالح، ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم) (٤). (قال عنه يحيى ليس بثقه، وقال مرة ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث وقال الدار قطني: ضعيف) (٥). وأبو مخنف هذا مختص بأمر العراق وفتوحاتها، وأخبارها، يزيد على غيره (٦). وصاحب الكتاب اعتمد على روايات أبي مخنف وأكثر منها، وخصوصًا

стр. 36

في أخبار العراق والفتن، وقد اتضح ذلك عند مقارنة أخباره بما جاء عند ابن جرير الطبري. وقد عد له ابن النديم مجموعة من الكتب فقال: (وله من الكتب: كتاب الردة، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب أهل النهروان والخوارج، كتاب الغارات، كتاب الحريث بن راشد وبني ناجية، كتاب مقتل علي ﵁، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة، كتاب الشورى ومقتل عثمان ﵁، كتاب المستورد بن علفة، كتاب مقتل الحسين ﵁، كتاب وفاة معاوية ﵁ وولاية ابنه يزيد ووقعة الحرة وحصار بن الزبير، كتاب المختار بن أبي عبيد، كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة، كتاب مرج راهط وبيعة مروان ومقتل الضحاك بن قيس، كتاب مصعب وولايته العراق، كتاب مقتل عبد الله بن الزبير ﵁، كتاب مقتل سعيد بن العاص، كتاب حديث يا حميرا ومقتل بن الأشعث، كتاب بلال الخارجي، كتاب نجدة أبي قبيل، كتاب حديث الأزارقة، كتاب حديث روستقبان، كتاب شبيب الخارجي وصالح بن مسرح، كتاب مطرف بن المغيرة، كتاب دير الجماجم وخلع عبد الرحمن بن الأشعث، كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر، كتاب خالد بن عبد الله القسري ويوسف بن عمرو وموت هشام وولاية الوليد، كتاب يحيى كتاب الضحاك الخارجي) (١). وكتب أبي مخنف هذه تشبه إلى حد كبير الموضوعات التي تناولها صاحب الكتاب والتي أطال الحديث فيها، ولعله اعتمد في رواياته على أهل الأخبار من الكوفيين.

стр. 37

أما في تاريخ الأمويين: - الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كِبَار، من أقيال اليمن، أبو عمرو الهمداني، الشعبي، الإمام، علامة عصره، رأى عليًّا وصلى خلفه، وروى عن عدد كبير من الصحابة، توفي سنة أربع ومائة (١). وقد ذكره صاحب الكتاب في روايتين وكلها لا تصح عنه، وأكثر الأباطيل التي تروى عن الشعبي تأتي عن المجالد بن سعيد (٢) وهو كوفي شيعي، وعنه الهيثم بن عدي. - الهيثم بن عدي: الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي، أبو عبد الرحمن المنبجي الكوفي، الأخباري، قال عنه ابن معين والبخاري: ليس بثقة كذاب. وقال ابن المديني: هو أوثق من الواقدي ولا أرضاه في شيء. وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي. قال أبو داود: كذاب، قال السعدي: ساقط قد كشف قناعه. وروي عن جاريته أنها قالت: سيدي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا اعتبارًا (٣)،

стр. 38

مات سنة ست ومئتين وكان يغمز عليه في نسبه (١). وقد أكثر منه صاحب الكتاب، مع أنه لم يصرح باسمه إلا في مواضع قليلة، وقد وجدت ذلك في المقارنة مع كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، والهيثم متهم بالكذب، وهو من الشعوبيين (٢)، ويبدو أنه نهج نهجه في الشعوبية، وفي العهد العباسي يأخذ من الهيثم عن أبيه. وأبو الهيثم: هو عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي، شامي نزل العراق، قال الذهبي: (حديثه عزيز الوقوع وما علمت به بأسًا) (٣). - علي بن حمزة الكسائي: وهو شيخ القراءة والعربية، اختار قراءة اشتهرت وصارت إحدى القراءات السبع، كان من أعلم الناس بالنحو والغريب والقرآن، كان ذا منزلة رفيعة عند الرشيد، وأدب ولده الأمين، مات الكسائي بالري ١٨٩ هـ (٤). فقد جاء برواية واحدة عنه بقوله: (قال علي بن حمزة الكسائي: ولاني الرشيد تأديب محمد وعبد الله) (٥). وهذه الرواية عبارة عن رؤيا، وقد جاء بتفسيرها ما يفيد أن الأمين سوف يحكم ثم جاءت بأوصاف مشينة له، ولم أقف على من تابع صاحب الكتاب على هذه الرواية، وهو غير موثوق.

стр. 39

- الأصمعي: وقد تقدمت ترجمته، صرح صاحب الكتاب باسمه في مواضع وذلك في خلافة هارون الرشيد، وهو حديث بين الأصمعي وبين الرشيد عن خلافة الأمين والمأمون يحكي حكم المنجمين على خلافة الأمين والتعريض بفشله إن حكم، وظاهر هذه الرواية أنها من مفترياته وعجائبه ولم أجد من يتابعه عليها. * منهج صاحب الكتاب وأسلوبه: لم يكن صاحب الكتاب من أهل التاريخ ويبدو أنه متطفل عليه، ويتضح هذا من منهجه الذي سلكه في كتابه، فقد عاث في الأخبار وعبث فيها من تقديم وتأخير وحذف وإضافة، وتفرد وتحريف. وقد بدأ صاحب الكتاب بقوله: أنه وجد في ما كتبه أهل العلم بالأخبار الأولى، ثم ساق حديثه عن الأخبار وأكثر أخباره يبدأ بـ (قالوا)، ولم يذكر السند في ذلك إلا نادرًا، وأنه يختار رواية واحدة ولعلها هي التي يريدها، مما يوحي أن صاحب الكتاب كان لديه فكرة ومذهب يريد أن يثبتها، فقام بقراءة بعض من كتب التاريخ والأدب ثم صاغها بأسلوبه. وقد تعامل مع المصادر التي أخذ منها مادته تعاملًا غريبًا، وذلك بتحريف الروايات تحريفًا يخدم مذهبه وميوله، وهذا يظهر مدى خبثه وسوء تدينه (١). وفي جملة منهج صاحب الكتاب أنه عرض تاريخ الفرس وأشاد بملكهم، ثم جاء على تاريخ العرب المسلمين واختار منه أشنعه، ومن ذلك الحروب والفتن التي قامت بينهم، وجعلها مادته الأساسية في كتابه بعد أن ربط الأحداث

стр. 40

ببعضها، وأطال فيها وأقصر عن غيرها من الأمجاد، وأهمل الترتيب الزمني لها؛ لكي لا يرتبط به، ليثبت من خلال ذلك أن هذا هو تاريخهم. * المآخذ على كتاب الأخبار الطوال: ١ - عدم اهتمامه بتسجيل سنوات الأحداث، مما يوحي أنه لم يعترف بالنظام الحولي الذي اعتمده السواد الأعظم من المؤرخين، ولعله عدل عن ذلك لكي لا يضطر لذكر الأحداث التي لا يريدها، وقد تسبب ذلك في خلط الأحداث ببعضها البعض من تقديم وتأخير، وكثر وهمه في أوقات الأحداث وأسماء الرجال (١). ٢ - عدم ترَضِّيه عن جميع الصحابة. ٣ - ذكره رواية واحدة للخبر، مع حذفه للسند، ولعلَّها التي يريدُ أن تكونَ. ٤ - رواية المنكرات عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وغيره من التابعين والخلفاء، ومن ذلك تصويره الصحابة رضوان الله عليهم في جهادهم بصور لا تليق بهم مثل الإغارة عند الحاجة إلى طعام وعلف لدوابهم ومن ذلك قوله: (وأقام رستم بدير الأعور معسكرًا أربعه أشهر، وأرادوا مطاولة العرب ليضجروا، وكان المسلمون إذا فنيت أزوادهم وأعلافهم جردوا الخيل، فأخذت على البر حتى تهبط على المكان الذي يريدون، ويغيرون، فينصرفون بالطعام والعلف والمواشي) (٢). وقوله: (فقال أهل الحيرة للمثنى: إن بالقرب منا قرية فيها سوق عظيم، تقوم في كل شهر مرة، فتأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، فإن قدرت
следующие страницы →