← История

История · id 926

الخلافة الأموية من كتاب الأخبار الطوال المنسوب للدينوري

عبد العزيز بن عبد الله البريدي

Полный текст (620 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في أخبار العراق والفتن، وقد اتضح ذلك عند مقارنة أخباره بما جاء عند ابن جرير الطبري. وقد عد له ابن النديم مجموعة من الكتب فقال: (وله من الكتب: كتاب الردة، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب أهل النهروان والخوارج، كتاب الغارات، كتاب الحريث بن راشد وبني ناجية، كتاب مقتل علي ﵁، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة، كتاب الشورى ومقتل عثمان ﵁، كتاب المستورد بن علفة، كتاب مقتل الحسين ﵁، كتاب وفاة معاوية ﵁ وولاية ابنه يزيد ووقعة الحرة وحصار بن الزبير، كتاب المختار بن أبي عبيد، كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة، كتاب مرج راهط وبيعة مروان ومقتل الضحاك بن قيس، كتاب مصعب وولايته العراق، كتاب مقتل عبد الله بن الزبير ﵁، كتاب مقتل سعيد بن العاص، كتاب حديث يا حميرا ومقتل بن الأشعث، كتاب بلال الخارجي، كتاب نجدة أبي قبيل، كتاب حديث الأزارقة، كتاب حديث روستقبان، كتاب شبيب الخارجي وصالح بن مسرح، كتاب مطرف بن المغيرة، كتاب دير الجماجم وخلع عبد الرحمن بن الأشعث، كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر، كتاب خالد بن عبد الله القسري ويوسف بن عمرو وموت هشام وولاية الوليد، كتاب يحيى كتاب الضحاك الخارجي) (١). وكتب أبي مخنف هذه تشبه إلى حد كبير الموضوعات التي تناولها صاحب الكتاب والتي أطال الحديث فيها، ولعله اعتمد في رواياته على أهل الأخبار من الكوفيين.

стр. 37

أما في تاريخ الأمويين: - الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كِبَار، من أقيال اليمن، أبو عمرو الهمداني، الشعبي، الإمام، علامة عصره، رأى عليًّا وصلى خلفه، وروى عن عدد كبير من الصحابة، توفي سنة أربع ومائة (١). وقد ذكره صاحب الكتاب في روايتين وكلها لا تصح عنه، وأكثر الأباطيل التي تروى عن الشعبي تأتي عن المجالد بن سعيد (٢) وهو كوفي شيعي، وعنه الهيثم بن عدي. - الهيثم بن عدي: الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي، أبو عبد الرحمن المنبجي الكوفي، الأخباري، قال عنه ابن معين والبخاري: ليس بثقة كذاب. وقال ابن المديني: هو أوثق من الواقدي ولا أرضاه في شيء. وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي. قال أبو داود: كذاب، قال السعدي: ساقط قد كشف قناعه. وروي عن جاريته أنها قالت: سيدي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا اعتبارًا (٣)،

стр. 38

مات سنة ست ومئتين وكان يغمز عليه في نسبه (١). وقد أكثر منه صاحب الكتاب، مع أنه لم يصرح باسمه إلا في مواضع قليلة، وقد وجدت ذلك في المقارنة مع كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، والهيثم متهم بالكذب، وهو من الشعوبيين (٢)، ويبدو أنه نهج نهجه في الشعوبية، وفي العهد العباسي يأخذ من الهيثم عن أبيه. وأبو الهيثم: هو عدي بن عبد الرحمن بن زيد الطائي، شامي نزل العراق، قال الذهبي: (حديثه عزيز الوقوع وما علمت به بأسًا) (٣). - علي بن حمزة الكسائي: وهو شيخ القراءة والعربية، اختار قراءة اشتهرت وصارت إحدى القراءات السبع، كان من أعلم الناس بالنحو والغريب والقرآن، كان ذا منزلة رفيعة عند الرشيد، وأدب ولده الأمين، مات الكسائي بالري ١٨٩ هـ (٤). فقد جاء برواية واحدة عنه بقوله: (قال علي بن حمزة الكسائي: ولاني الرشيد تأديب محمد وعبد الله) (٥). وهذه الرواية عبارة عن رؤيا، وقد جاء بتفسيرها ما يفيد أن الأمين سوف يحكم ثم جاءت بأوصاف مشينة له، ولم أقف على من تابع صاحب الكتاب على هذه الرواية، وهو غير موثوق.

стр. 39

- الأصمعي: وقد تقدمت ترجمته، صرح صاحب الكتاب باسمه في مواضع وذلك في خلافة هارون الرشيد، وهو حديث بين الأصمعي وبين الرشيد عن خلافة الأمين والمأمون يحكي حكم المنجمين على خلافة الأمين والتعريض بفشله إن حكم، وظاهر هذه الرواية أنها من مفترياته وعجائبه ولم أجد من يتابعه عليها. * منهج صاحب الكتاب وأسلوبه: لم يكن صاحب الكتاب من أهل التاريخ ويبدو أنه متطفل عليه، ويتضح هذا من منهجه الذي سلكه في كتابه، فقد عاث في الأخبار وعبث فيها من تقديم وتأخير وحذف وإضافة، وتفرد وتحريف. وقد بدأ صاحب الكتاب بقوله: أنه وجد في ما كتبه أهل العلم بالأخبار الأولى، ثم ساق حديثه عن الأخبار وأكثر أخباره يبدأ بـ (قالوا)، ولم يذكر السند في ذلك إلا نادرًا، وأنه يختار رواية واحدة ولعلها هي التي يريدها، مما يوحي أن صاحب الكتاب كان لديه فكرة ومذهب يريد أن يثبتها، فقام بقراءة بعض من كتب التاريخ والأدب ثم صاغها بأسلوبه. وقد تعامل مع المصادر التي أخذ منها مادته تعاملًا غريبًا، وذلك بتحريف الروايات تحريفًا يخدم مذهبه وميوله، وهذا يظهر مدى خبثه وسوء تدينه (١). وفي جملة منهج صاحب الكتاب أنه عرض تاريخ الفرس وأشاد بملكهم، ثم جاء على تاريخ العرب المسلمين واختار منه أشنعه، ومن ذلك الحروب والفتن التي قامت بينهم، وجعلها مادته الأساسية في كتابه بعد أن ربط الأحداث

стр. 40

ببعضها، وأطال فيها وأقصر عن غيرها من الأمجاد، وأهمل الترتيب الزمني لها؛ لكي لا يرتبط به، ليثبت من خلال ذلك أن هذا هو تاريخهم. * المآخذ على كتاب الأخبار الطوال: ١ - عدم اهتمامه بتسجيل سنوات الأحداث، مما يوحي أنه لم يعترف بالنظام الحولي الذي اعتمده السواد الأعظم من المؤرخين، ولعله عدل عن ذلك لكي لا يضطر لذكر الأحداث التي لا يريدها، وقد تسبب ذلك في خلط الأحداث ببعضها البعض من تقديم وتأخير، وكثر وهمه في أوقات الأحداث وأسماء الرجال (١). ٢ - عدم ترَضِّيه عن جميع الصحابة. ٣ - ذكره رواية واحدة للخبر، مع حذفه للسند، ولعلَّها التي يريدُ أن تكونَ. ٤ - رواية المنكرات عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وغيره من التابعين والخلفاء، ومن ذلك تصويره الصحابة رضوان الله عليهم في جهادهم بصور لا تليق بهم مثل الإغارة عند الحاجة إلى طعام وعلف لدوابهم ومن ذلك قوله: (وأقام رستم بدير الأعور معسكرًا أربعه أشهر، وأرادوا مطاولة العرب ليضجروا، وكان المسلمون إذا فنيت أزوادهم وأعلافهم جردوا الخيل، فأخذت على البر حتى تهبط على المكان الذي يريدون، ويغيرون، فينصرفون بالطعام والعلف والمواشي) (٢). وقوله: (فقال أهل الحيرة للمثنى: إن بالقرب منا قرية فيها سوق عظيم، تقوم في كل شهر مرة، فتأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، فإن قدرت

стр. 41

على الغارة على تلك السوق أصبت أموالًا رغيبة يعنون سوق بغداد، وكانت قريه تقوم بها سوق في كل شهر) (١). وأنهم ما خرجوا جهادًا في سبيل الله، وإنما كان خروجهم لكثرة ما يسمعون من توافر الذهب والفضة في أرض العدو. كقوله: (وأرسل بذلك إلى عمر ﵁، وكتب إليه بالفتح، فتباشر الناس بذلك، وأكبوا على الرسول، يسألونه عن أمر البصرة، فقال: إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلًا، فرغب الناس في الخروج) (٢). وأنهم لا يفرقون بين الملح والكافور بقوله: (فدخلها المسلمون، فأصابوا فيها غنائم كثيرة، ووقعوا على كافور كثير، فظنوه ملحًا، فجعلوه في خبزهم، فأمرّ عليهم) (٣). وكل ذلك منه لتشويه الفتح الإسلامي العربي. * * *

стр. 42

الفصل الأول «أحداث خلافة معاوية ﵁ -» - أولًا: صلح الحسن ﵁ ووصول معاوية ﵁ للخلافة. - ثانيًا: خبر زياد بن أبيه مع معاوية ﵁. - ثالثًا: مواقف الشيعة من صلح الحسن ﵁. - رابعًا: مقتل حجر بن عدي. - خامسًا: وفاة زياد وولاية العراق، ووفاة معاوية ﵁ ووصيته.

стр. 43

أولًا: صلح الحسن بن علي ﵁ - ووصول معاوية بن أبي سفيان ﵁ للخلافة * خطبة الحسن بن علي ﵄ بعد وفاة أبيه: [١]- (قالوا: ولما بلغ معاوية قَتْلَ عَلِيٍّ تَجَهَّزَ، وقدم أمامه عبد الله بن عامر بن كريز (١)، فأخذ على عين التمر (٢)، ونزل الأنبار (٣) يريد المدائن (٤)، وبلغ ذلك الحسن بن علي، وهو بالكوفة (٥)، فسار نحو المدائن لمحاربة عبد الله بن عامر بن كريز، فلما انتهى إلى ساباط (٦) رأى من أصحابه فشلًا وتواكلًا عن الحرب، فنزل ساباط، وقام فيهم خطيبًا، ثم قال: أيها الناس، إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأيًا فلا تردوا عليّ رأيي، إن الذي تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة، وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست أرى أن أحْمِلكم على ما تكرهون.

стр. 44

فلما سمع أصحابه ذلك نظر بعضهم إلى بعض، فقال من كان معه ممن يرى رأي الخوارج: كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله، فَشَدَّ عليه نفر منهم، فانتزعوا مصلاه من تحته، وانتهبوا ثيابه حتى انتزعوا مطرفه عن عاتقه، فدعا بفرسه، فركبها، ونادى: أين ربيعة وهمدان؟ فتبادروا إليه، ودفعوا عنه القوم. ثم ارتحل يريد المدائن، فَكَمِنَ له رجل ممن يرى رأي الخوارج، يُسمَّى الجراح بن قبيصة (١) من بني أسد بمظلم ساباط، فلما حاذاه الحسن قام إليه بمغوَل (٢) فطعنه في فخذه، وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل (٣) وعبد الله ابن ظبيان (٤)، فقتلاه. ومضى الحسن ﵁ مثخنًا حتى دخل المدائن، ونزل القصر الأبيض (٥)، وعُولِجَ حتى برئ، واستعد للقاء ابن عامر) (٦). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٧)، والطبري (٨)، ...............................

стр. 45

والبلاذري (١) مطولًا، وأوردها الحاكم في المستدرك مطولًا (٢). • نقد النص: ذكر في هذه الرواية أن معاوية ﵁ لَمَّا سَمِعَ بموت عليٍّ ﵁ تجهز، وهذا يعني أن المبادرَ بالخروج معاوية ﵁، فهذا الخبر غير صحيح؛ لأن الْمُبَادِر بالخروج لقتال أهل الشام، هم أهل العراق مع الحسن ﵁، وأنه كان كارهًا لذلك وسوف أورد بعض الآثار التي تؤيد ذلك. - روى ابن سعد بسنده: «بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسنَ ابن علي، ثم قالوا له: سِرْ إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله وارتكبوا العظيم وابتزوا الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يُمَكِّنَ الله منهم، فسار الحسن إلى أهل الشام» (٣) (قال المحقق: إسناده لا بأس به) (٤). وعنه أيضا: (أن الحسن بن علي قام بعد وفاة علي ﵄ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كل ما هو آتٍ قريب، وإن أمر الله واقع، وإن كره الناس، وإني والله ما أحببتُ أن أَلِيَ مِنْ أمر أمة محمد ما يزن مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دمٍ، قد علمت ما يضرني بما ينفعني فألحقوا بطيتكم) (٥). (قال المحقق: إسناده صحيح) (٦).

стр. 46

وروى البلاذري «وكانت بيعته الّتي أخذ على النّاس أن يحاربوا مَنْ حارب، ويُسَالِمُوا مَنْ سالم. فقال بعض من حضر: والله ما ذكر السِّلْم إلا ومِنْ رأيه أن يصالح معاوية» (١). ويقول ابن كثير ﵀ معلقًا على بيعة الحسن ﵁: «ولم يكن في نيّة الحسن أن يقاتل أحدًا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعًا عظيمًا لم يُسْمَع بمثله» (٢). وأما عن قوله: إن معاوية ﵁ جعل عبد الله بن عامر ﵁ في المقدمة. فهذا لا يصح أيضًا؛ لأن عبد الله بن عامر ﵁ بعثه معاوية ﵁ لمفاوضة الحسن ﵁ على الصلح كما سيأتي بيان ذلك في خبر الصلح مع الحسن ﵁. وقد ذكر البلاذري (٣) أن الذي كان على مقدمة معاوية ﵁ هو بسر بن أرطأة (٤). وفي هذه الرواية نُهِبَ الحسن ﵁، واختلفت المصادر في سبب نهْبِه ﵁ والاعتداء عليه إلى سببين هما: - الأول: أن سبب ذلك هو ما شاع في الجيش أن قيس بن سعد ﵁ (٥) قد

стр. 47

قُتِلَ، وقد كان يتولى مقدمة الحسن ﵁ (١). - الثاني: أن السبب هو الخطبة (٢)؛ لأن الحسن ﵁ كشف عن نيته الصلح مع معاوية ﵁، وهذا يتعارض مع عزم العسكر على مكاشفة أهل الشام؛ ولذلك فعلوا ما فعلوا به ﵁، ولعل هذا هو الأقرب، والله أعلم. ثم ذكر صاحب الكتاب زيادةً وتحريفًا في الخطبة لا يصح عن الحسن ﵁ وهي قوله: (وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست أرى أن أَحْمِلَكُم على ما تكرهون). وهذا يعني أن الحسن ﵁ يريد القتال لو وَجَدَ مَنْ يسانده في ذلك، وهذه الزيادة انفرد بها صاحب الكتاب. وهذا مخالف لما جاءت به المصادر التي أوردت هذه الخطبة مثل البلاذري والأصفهاني، فقد ورد فيها قول الحسن ﵁: (إني أرجو أن أكون أنصح خَلْقِهِ لِخَلْقِهِ، وما أنا محتمل على أحد ضغينة ولا حقدًا، ولا مريد به غائلة ولا سوءًا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليّ، غفر اللّه لي ولكم) (٣). ثم إنه ذكر أن الذين انتهبوا الحسن ﵁ هم من الخوارج، وقد انفرد بهذا

стр. 48

أيضًا، وظاهر الأمر أن مَنْ فعل هذا هم جيشه وشيعته وهو السبب الذي جعله يَنْفُرُ منهم، ومما يدل على هذا ما قاله الحسن ﵁ لأهل العراق: (يا أهل العراق، لو لم تذهل (١) نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي أو قال: ردائي عن عاتقي) (٢)، ويتجلّى ذلك في اعتراضهم على صلحه كما سيأتي، ولعل صاحب الكتاب أراد أن ينفي التهمة عن الشيعة في هذا الحدث، وإنما جاء ذكر الخوارج في الرجل الذي طعنه (٣). وأما حادثة الطعن التي تعرض لها الحسن ﵁ وهي المحاولة الثانية (٤)، أما الأولى فهي بعد ما استُخْلِفَ فقد روى ابن سعد بسنده عن أبي جميلة (٥) أنه قال: (إن الحسن بن علي لَمَّا استُخْلِف حين قُتِلَ عليٌّ، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر- وزعم حصين (٦) أنه بلغه أن الذي طعنه رجلٌ من بني أسد- وحسن ساجد، قال حصين: وعمي أدرك ذاك. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وَرِكِهِ فمرض منها أشهرًا ثم برئ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم وضيفانكم أهل البيت الذين قال الله: ﴿إِنَّمَا

стр. 49

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) قال: فما زال يقول ذاك حتى ما يرى أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءً) (٢). [قال المحقق إسناده صحيح حيث توبع] (٣). وقد أشار إليها الطبري حيث روى بسنده عن الزهري (٤) أنه قال: (بايع أهل العراق الحسن ﵁ بن عليٍّ ﵁ بالخلافة، فطفق يشترط عليهم الحسن: إنّكم سامعون مطيعون، تُسَالِمون من سَالَمْت، وتحاربون من حاربت، فارتاب أهل العراق في أمره حين اشترط عليهم هذا الشّرط، وقالوا: ما هذا لكم بصاحبٍ، وما يريد هذا القتال، فلم يلبث الحسن ﵁ بعد ما بايعوه إلا قليلا حتّى طُعِنَ طعنةً أشوته، فازداد لهم بغضًا، وازداد منهم ذعرًا) (٥). وقد دلَّ ذلك على أن أهل العراق عرفوا نية الحسن ﵁ في الصلح من أول خلافته، ولذلك حاول بعضهم اغتياله قبل الوصول إلى الصلح الذي لا يرغبون فيه. [٢]- (وأقبل معاوية حتى وافى الأنبار، وبها قيس بن سعد بن عبادة من قبل الحسن فحاصره معاوية، وخرج الحسن فوافق عبد الله بن عامر، فنادى عبد الله بن عامر: يا أهل العراق، إني لَمْ أَرَ القتال، وإنما أنا مقدمة معاوية، وقد وافى الأنبار في جموع أهل الشام فأقرءوا أبا محمد -يعني الحسن- مني السلام، وقولوا له: أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك. فلما سمع ذلك

стр. 50

الناس انخذلوا وكرهوا القتال، وترك الحسن الحرب، وانصرف إلى المدائن، وحاصره عبد الله بن عامر بها) (١). انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية. • نقد النص: جاء في هذه الرواية أن عبد الله بن عامر ﵁ حاصر الحسن ﵁، ولم أقف على رواية تثبت ذلك، ولعل صاحب الكتاب يريد توكيد المحاصرة؛ ليفهم أن الحسن ﵁ أُرغم على الصلح وهو لا يريده. * وقوع الصلح بين الحسن ومعاوية ﵄: [٣]- (ولما رأى الحسن من أصحابه الفشل أرسل إلى عبد الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاوية على أن يسلم له الخلافة، وكانت الشرائط: ألا يأخذ أحدًا من أهل العراق بإحنة (٢)، وأن يُؤمِّن الأسود والأحمر، ويَحْتَمِل ما يكون من هفواتهم، ويَجْعَل له خراج الأهواز مُسَلَّمًا في كل عام، ويحمل إلى أخيه الحسين بن على في كل عام ألفي ألف، ويُفَضِّلُ بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس. فكتب عبد الله بن عامر بذلك إلى معاوية، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه له العهود المركبة والأَيْمَان المغلظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء الشام، ووجه به إلى عبد الله بن عامر، فأوصله إلى الحسن ﵁، فرضي به) (٣).

стр. 51

ذكر نحوًا منها: ابن سعد (١) مطولًا، وخليفة بن خياط مختصرًا (٢)، والبلاذري (٣) والطبري (٤) مطولًا. • نقد النص: وقد انفرد صاحب الكتاب بهذه الرواية في ذكره أن الحسن ﵁ شرط لأخيه الحسين ﵁ معه وبذكره الأيمان المغلظة، وهذه الرواية تحكي أن الصلح تم بين الحسن ﵁، ومعاوية ﵁، وذكرت بعض هذه المصادر السابقة شروط هذا الصلح، ولم تتفق على شيء معين ثابت يمكن الأخذ به، وقد جعلت الاعتماد على المال هو الأساس؛ لتسليم الحسن ﵁ الخلافة لمعاوية ﵁، وأن الحسن ﵁ أخذ لنفسه ولمن معه ما يستطيع من معاوية ﵁. وما ذكرته هذه الرواية إلا مثالًا لذلك التصور، وأما عن حقيقة الأمر فهو مخالف لما تذكره بعض الروايات التي سيقت بأهواء مضللة جانبت الصواب فيه وعَدَلَتْه عن هدفه السامي، فهو أمر عظيم، وفعل جسيم، كان رائده الحسن ﵁. وسوف أورد جملة من الشواهد والآثار التي من خلالها نتعرف على حقيقة هذا الصلح: ١ - أنه من دلائل نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه قد أخبر عن هذا الصلح، وأثنى على الحسن ﵁، فقد روى البخاري في صحيحه أن الرسول ﷺ قال: «ابني هذا سيّدٌ، ولعلّ اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٥). ٢ - روى البخاري في صحيحه هذا الصلح، وبيَّن كيفيته، من طريق

стр. 52

الحسن البصري (١) حيث قال: «استقبل واللّه الحسن بن عليٍّ معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنّي لأرى كتائب لا تولّي حتّى تقتل أقرانها، فقال له معاوية وكان واللّه خير الرّجلين: أي عمرو، إنْ قَتَلَ هَؤلاءِ هؤلاءِ، وهؤلاء هؤلاء مَنْ لِي بأمور النّاس؟ مَنْ لي بنسائهم؟ مَنْ لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريشٍ من بني عبد شمسٍ: عبد الرّحمن بن سمرة (٢)، وعبد الله بن عامر بن كريزٍ، فقال: اذهبا إلى هذا الرّجل، فاعرضا عليه، وقولا له: واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه وتكلّما، وقالا له: فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن عليٍّ: إنَّا بنو عبد المطّلب، قد أصبنا من هذا المال، وإنّ هذه الأمّة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فَمَنْ لي بهذا، قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلّا قالا: نحن لك به، فصالحه» (٣). قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث: «قال المهلب (٤): قوله ﷺ : «إن ابني هذا سيد» يدل أن السيادة إنما يستحقها من انتفع به الناس؛ لأنه علَّق السيادة بالإصلاح بين الناس ونفعهم، هذا معنى السيادة. وقوله: (إنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء) يدل على نظر معاوية في العواقب ورغبته في صرف الحرب. وقوله:

стр. 53

(وكان والله خير الرجلين) يريد معاوية خير من عمرو بن العاص. وقوله: (اذهبا إلى هذا الرجل واطلبا إليه وأعرضا عليه) يدل على أن معاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض على الحسن المال وبذله ورغبه فيه حقنًا للدماء وحرصًا على رفع سيف الفتنة، وعرفه ما وعد به النبى ﷺ من سيادته، وأن الله يصلح به بين فئتين من المسلمين، فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبْنَا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة إنفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة (وإن هذه الأمة قد عاثت فى دمائها) يقول: قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال، فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقالا: نفرض لك من المال فى كل عام كذا ومن الأقوات والثياب ما تحتاج إليه لكل ما ذكرت، فصالحاه على ذلك. وفيه من الفقه: أن الصلح على الانخلاع من الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز للمختلع والمال له طيب، وكذلك هو جائز للمصالح الدافع المال إذا كان كل واحد منهما له سبب فى الخلافة يستند إليه، وعقد من الإمارة يعول عليه» (١). وقد علق ابن حجر ﵀ على هذا الصلح في شرحه لحديث البخاري السابق بقوله: «وفي هذه القصّة من الفوائد علمٌ من أعلام النّبوّة، ومنقبةٌ للحسن بن عليٍّ، فإنّه تَرَكَ الْمُلْك لا لقلّةٍ ولا لذلّةٍ ولا لعلّةٍ، بل لرغبته فيما عند اللّه؛ لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدّين ومصلحة الأمّة، وفيها ردٌّ على الخوارج الّذين كانوا يكفّرون عليًّا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النّبيّ ﷺ للطّائفتين بأنّهم من المسلمين» (٢).

стр. 54

وقد ذكر ابن تيمية كلامًا عن الصلح بعد أن ساق الحديث السابق أيضًا فقال: «فأصلح اللّه بالحسن بين أهل العراق وأهل الشّام فجعل النّبيّ ﷺ الإصلاحَ به من فضائل الحسن، مع أنّ الحسن نزل عن الأمر وسلّم الأمر إلى معاوية، فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النّبيّ ﷺ على ترك ما أمر به، وفَعْلِ ما لم يؤمر به، ولا مدحه على تَرْكِ الأولى وفِعْلِ الأدنى، فعلم أنّ الّذي فعله الحسن هو الّذي كان يحبّه اللّه ورسوله لا القتال» (١). ٣ - إن ما تم بين الحسن ﵁ ومعاوية ﵁ كان سرًّا في تفاصيله، وأصح ما خرج منه هو ما ذكره البخاري في حديثه السابق، ومما يؤيد ذلك ما أخرجه ابن سعد بسنده عن عمرو بن دينار (٢) أنه قال: «إن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي عليٌّ بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرًّا» (٣) (قال المحقق: إسناده صحيح) (٤). ٤ - جاءت الآثار أن الحسن ﵁ سلم الأمر لمعاوية ﵁ وبايعه، وأمر أصحابه أن يبايعوا له؛ حيث روى ذلك ابن سعد بسنده عن هلال بن خباب (٥) أنه قال: «جمع الحسن بن علي رءوس أصحابه في قصر المدائن، فقال: يا أهل العراق، لو لم تذهل (٦) نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي،

стр. 55

ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني أن تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا قال: ثم نزل فدخل القصر» (١)، (قال المحقق: إسناده حسن) (٢). هذا ما تم عليه الصلح بين الصحابيين الجليلين الحسن ومعاوية ﵄ بطريقة تسمو بقدرهما وبقدر من معهما من ذلك الجيل العظيم، بعيدًا عن جميع الروايات التي شوهت صورة هذا الصلح، وجاءت به بطريقة هشة لا تحاكي إلا من رواها. نستخلص مما سبق من النصوص التي وردت عن صلح الحسن ﵁ ما يلي: - أورد البخاري في حديثه عن الصلح ذكر المال ولم يورد تفاصيله. - غموض أكثر التفاصيل الدقيقة في الصلح وسريته. - أن الصلح كان من نية الحسن ﵁ من بداية خلافته؛ لأنه لم يكن غائبًا عنه حديث الرسول ﷺ فيه. - أن الحسن ﵁ بذكائه استطاع أن يُلْزِمَ أتباعه بالصلح؛ حينما شَرَطَ عليهم المسالمة في أول بيعته، فلما جاء الصلح ذكرهم ببيعتهم له؛ ولذلك تابعه أصحابه للعهد الذي قد تم بينه وبينهم، ولم يخالف إلا قليل منهم لا يكاد يذكر. * صُلْحُ قيس بن سعد ﵁. [٤]- (وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح، ويأمره بتسليم الأمر إلى معاوية، والانصراف إلى المدائن، فلما وصل الكتاب بذلك إلى قيس بن سعد قام في الناس، فقال: أيها الناس، اختاروا أحد الأمرين: القتال بلا إمام، أو

стр. 56

الدخول في طاعة معاوية، فاختاروا الدخول في طاعة معاوية) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢)، والطبري (٣)، وابن أبي شيبة (٤). ومما ورد في صلح قيس بن سعد ﵁ مع معاوية ﵁. فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أسامة (٥) عن هشام (٦) عن أبيه (٧) أنه قال: (كان قيس بن سعد بن عبادة مع عليٍّ على مقدّمته ومعه خمسة آلافٍ قد حلقوا رءوسهم بعدما مات عليٌّ، فلمّا دخل الحسن في بيعة معاوية أَبَى قيسٌ أن يدخل، فقال لأصحابه: «ما شئتم، إن شئتم جالدتُ بكم أبدًا حتّى يموت الأعجل، وإنّ شئتم أخذتُ لكم أمانًا»، فقالوا: خذ لنا أمانًا، فأخذ لهم أنّ لهم كذا وكذا، وألَّا يعاقبوا بشيءٍ، وأنّي رجلٌ منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصّةً شيئًا، فلمّا ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كلّ يومٍ جزورًا حتّى بلغ) (٨). دلّت هذه الآثار أن قيسًا ﵁ كان في مقدمة الحسن ﵁، فخيّر أصحابه بين القتال أو الدخول في البيعة مع الحسن ﵁ فاختاروا الدخول في البيعة، وقد رَفَضَ البيعة في أول الأمر، ثم دخل بعد ذلك معهم وبايع وانصرف إلى المدينة.

стр. 57

* دخول معاوية ﵁ الكوفة: [٥]- (فسار (١) حتى وافى المدائن، وسار الحسن بالناس من المدائن حتى وافى الكوفة، ووافاه معاوية بها، فالتقيا، فوكد عليه الحسن ﵁ تلك الشروط والأيمان. ثم سار الحسن بأهل بيته حتى وافى مدينة الرسول ﷺ (٢). ذكر نحوًا منها: ابن سعد (٣)، والبلاذري (٤)، والطبري (٥). ذكرت هذه المصادر السابقة أن الحسن ﵁ ومعاوية ﵁ اجتمعوا بالكوفة، وأن الحسن ﵁ خطب الناس بعد أن سلم الأمر، وقد انفرد صاحب الكتاب بذكر تأكيد الشروط والإيمان. وكان صلح الحسن ﵁ مع معاوية ﵁ في سنة إحدى وأربعين للهجرة، ويسمى ذلك عام الجماعة (٦)، وذلك لاجتماع كلمة المسلمين على رجل واحد (٧). * تعيين معاوية ﵁ المغيرة بن شعبة ﵁ على الكوفة: [٦]- (وأخذ معاوية أهل الكوفة بالبيعة، فبايعوا، واستعمل عليهم المغيرة بن شعبة (٨)، وسار منصرفًا في جموعه إلى الشام، فمكث المغيرة بن

стр. 58

شعبة على الكوفة من قبل معاوية تسع سنين حتى مات بها) (١). ذكر نحوًا منها فيما يخص تولية المغيرة، ابن سعد (٢) والبلاذري (٣) والطبري (٤). أما ما ذُكِرَ عن ولاية المغيرة أنها تسع سنين فهذا هو الصحيح، ولكن ولايته على الكوفة لم تستمر حتى وفاته، فقد روى الطبري (٥) بسنده أن المغيرة ﵁ طلب من معاوية ﵁ أن يعزله فعزله، وكانت وفاته سنة خمسين (٦)، وقد رجَّح ذلك ابن الأثير فقال: (بهذه السّنة في شعبان كانت وفاة المغيرة بن شعبة، في قول بعضهم، وهو الصّحيح) (٧)، وكذلك ذكر ابن كثير (٨) أن الصحيح والمشهور من وفاته سنة خمسين.

стр. 59

ثانيًا: خبر زياد بن أبيه مع معاوية ﵁ - [٧]- (وكان زياد بن أبيه (١) إنما يُعرَفُ بزياد بن عبيد، وكان عبيدٌ مملوكًا لرجل من ثقيف، فتزوج سمية، وكانت أَمةٌ للحارث بن كلدة، فأعتقها، فولدت له زيادًا، فصار حرًّا، ونشأ غلامًا لقنًا (٢) ذهنا (٣)، عاقلًا أديبًا، فأخرجه المغيرة بن شعبة معه إلى البصرة حين وليها من قبل عمر بن الخطاب، فاستكتبه المغيرة) (٤). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٥) ابن عبد البر (٦)، وابن عساكر (٧) مطولًا. * بين زياد ومعاوية ﵁: [٨]- (فلما وَلِيَ علي بن أبي طالب ولّى زيادًا أرض فارس فلما توجه إلى صفين كتب معاوية إلى زياد يتوعده، فقام زياد في الناس، فقال: إن ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق كتب إليَّ يتوعدني، وبيني وبينه ابن عم رسول الله ﷺ في

стр. 60

تسعين ألف مدجج من شيعته، أما والله لئن رامني ليجدني ضرَّابًا بالسيف) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) والطبري (٣). • نقد النص: هذه الرواية لم أقف على مَنْ أوردها بسند صحيح، وزيادة على ذلك نكارة متنها، ومنه الأوصاف التي طالت والدي معاوية ﵃، ومن ذلك وصف أبي سفيان ﵁ (٤) برأس النفاق، ووصف هند بنت عتبة (٥) ﵂ بآكلة الأكباد، وذلك نكاية لها لما روي عنها أنها أكلت كبد حمزة بن عبد المطلب ﵁ (٦). وهنا وقفة وتساؤل: هل تصح هذه الألقاب عنهما؟. أما عن أبي سفيان ﵁ ووصفه برأس النفاق، فليس لهذا الوصف أساس من الصحة وفيه اتهام لإسلام أبي سفيان ﵁، وهو من أسلم وحسن إسلامه؛ بل ذهبت عيناه بالجهاد في سبيل الله، ومما يُذْكَرُ في حسن بلائه ما رُوِيَ عن سعيد بن المسيب (٧) عن أبيه قال: (فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت

стр. 61

رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال: فنظرت فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد) (١). ثم إن رأس النفاق هو عبد الله بن أُبي ابن سلول (٢)، وأن هذه الرواية قد ورد ما يخالفها في نفس الموضع، فعند الطبري (رئيس الأحزاب) (٣)، وهو كذلك في غزوة الخندق قبل إسلامه. أما عن أمه هند وقصتها المزعومة مع كبد حمزة ﵁، فسوف أذكر الطرق التي جاءت بهذا الخبر ومنها: ذكر الواقدي (٤) في مغازيه (٥) أن وحشي عندما قتل حمزة ﵁ شق بطنه وأخذ كبده وأحضرها لهند بنت عتبة، فمضغتها ثم لفظتها، فهذه الرواية بهذا السند لا تصح؛ لأن الواقدي ضعيف، وهي أيضًا لا تصح عن وحشي؛ لأنه لم يفعل بحمزة غير القتل، وقد أجاب عن ذلك عندما سُئِلَ، وحديثه في صحيح البخاري (٦)، وذكر قصة هند بنت عتبة ابن إسحاق (٧) من طريقين مرسلين (٨)، والمرسل ضعيف، وأخرجها الإمام أحمد في مسنده (٩) وفي سندها عطاء بن

стр. 62

السائب (١)، قال ابن كثير: وهذا إسناد فيه ضعف من جهة عطاء بن السائب، وصوب قوله الألباني (٢). وابن سعد (٣) بسنده عن هوذة بن خليفة (٤) عن عوف (٥)، قال يحيى بن معين (هوذة عن عوف ضعيف) (٦)، والبيهقي (٧) وفي سنده ابن لهيعة (٨) وهو ضعيف. وفي مسند عمر بن عبد العزيز للباغندي (٩) وفي سندها عبد الله بن سلمة بن أسلم (١٠) وهو ضعيف، وبذلك لم أقف على خبر صحيح يثبت فعل هند بن عتبة بحمزة ﵁.

стр. 63

* صلح معاوية ﵁ مع زياد: [٩]- (فلما قُتِلَ عليٌّ، واسْتدفَّ (١) الأمر لمعاوية تحصن زياد بقلعة مدينة اصطخر (٢)، وكتب معاوية له أمانًا على أن يأتيه، فإن رضي ما يعطيه، وإلا رده إلى متحصنه بتلك القلعة) (٣). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٤) والطبري (٥) مطولًا. يُفْهَمُ من هذه الرواية والتي قبلها أن زياد بن أبيه كان مع علي ﵁ وابنه الحسن ﵁، فلما صار الأمر إلى معاوية ﵁، اعتزل وتحصن بقلعته، فأرسل إليه معاوية ﵁ أمانًا وصالحه. ومما ذكره الطبري في إحدى رواياته. فقال: حدّثني عمر (٦)، قال: حدّثنا عليٌّ (٧)، عن مسلمة بن محاربٍ (٨)، قال: (أقام زيادٌ في القلعة أكثر من سنةٍ، فكتب إليه معاوية: علامَ تهلك نفسك؟ إليّ فأعلمني علم ما صار إليك ممّا

стр. 64

اجتبيت من الأموال، وما خرج من يديك، وما بقي عندك، وأنت آمنٌ، فإن أحببت المقام عندنا أقمت، وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت فخرج زيادٌ من فارس) إلى قوله: (فسأل معاوية زيادًا عمّا صار إليه من أموال فارس، فأخبره بما حمل منها إلى عليٍّ ﵁، وما أنفق منها في الوجوه الّتي يحتاج فيها إلى النّفقة، فصدّقه معاوية على ما أنفق، وما بقي عنده، وقبضه منه، وقال: قد كنت أمين خلفائنا) (١). هذا أحسن ما رُوِيَ عمَّا حدث بين معاوية ﵁ وبين زياد، والملاحظ ثناء معاوية ﵁ على زياد في آخر الخبر وهو قوله: (قد كنت أمين خلفائنا)؛ وذلك لأن عمر ﵁ وعلي ﵁ قد ولوه (٢). وقد ذكر ابن كثير (٣) أن معاوية ﵁ كتب لزياد يسأله القدوم عليه، وذلك في أحداث سنة اثنتين وأربعين. * خبر ادعاء معاوية ﵁ لزياد: [١٠]- (فسار إلى معاوية، وترقت به الأمور إلى أن ادعاه معاوية، وزعم للناس أنه ابن أبي سفيان، وشهد له أبو مريم السلولي (٤) وكان في الجاهلية خمارًا بالطائف، أن أبا سفيان وقع على سمية بعد ما كان الحارث أعتقها، وشهد رجل من بني المصطلق، اسمه يزيد، أنه سمع أبا سفيان يقول: إن زيادًا

стр. 65

من نطفة أقرها في رحم أمه سمية، فتم ادعاؤه إياه، وكان في ذلك ما كان) (١). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٢) مطولًا، والطبري (٣) مختصرًا، وابن عبد البر (٤) مطولًا. • نقد النص: تَذْكُرُ هذه الرواية أن معاوية ﵁ ادّعى زيادًا ونسبه إلى أبيه، وجعله أخًا له، ويُرْمَى بِثِقَلِ هذا الادّعاء على معاوية ﵁، وهذا لم يثبت ولا يصح عنه، لأني لم أقف على نص صريح صحيح يثبت ذلك. وأما الآثار الضعيفة التي أوردت هذا الخبر مسندًا، فهي على النحو التالي: - وردت رواية عند الطبري (٥) عن عمر بن شبة (٦) بصيغة التمريض (زعموا) وساق قصة في عبد الله بن عامر ﵁ (٧)، أنه قدح في نسب زياد إلى أبي سفيان، فغضب لذلك معاوية ﵁. - وأخرى عند الطبري (٨) أيضًا وفي سندها عبد الرحمن بن صالح (٩)، وعمرو بن هاشم (١٠) وكلاهما فيه علة، وتحدثتْ أن زيادًا طلب من أهل

стр. 66

الكوفة أن يلحقوا نسبه بمعاوية ﵁ ورفضوا طلبه وذهب إلى البصرة وشهد له رجل بذلك. - وذُكِر هذا الخبر مُسْنَدًا عند ابن عبد البر (١)، وفي سنده هشام بن السائب الكلبي (٢)، وأبيه (٣)، وكلاهما ضعيفان، وفيه أن عمر ﵁ بعث زيادًا إلى اليمن لإصلاح فساد في اليمن، فلما رجع ألقى خطبة تعجب منه عمر ﵁ ومدحه، فقال أبو سفيان ﵁ لمن حوله: إني أعرف أبوه، فقال له علي ﵁: من هو يا أبا سفيان؟ فتمثل بأبيات بَيَّنَ فيها أنه ولده وأن عدم الإقرار به خوفًا من عمر ﵁، ثم بعد أن انضم زياد إلى علي ﵁، كتب إليه يحذره من معاوية ﵁ ويقول له: إن اعتراف أبي سفيان ﵁ بك كان فلتة منه لا تستحق بها نسبًا ولا ميراثًا، ففرح زياد بهذا واعتبره شهادة من علي ﵁ له. - وذكر ابن عساكر (٤) قصة أبي مريم السلولي مع أبي سفيان في الجاهلية، وأنه جاء له بسُمَيَّة، وذلك من طريق أحمد بن عبيد الله بن كادش (٥)، وهو ممن اعترف بوضع الأحاديث. وأما ما يخص أبا سفيان ﵁ وتبرير من اتهمه بالزنا أن ذلك كان في

стр. 67

الجاهلية، فمن شيم العرب وخصوصًا الشرفاء منهم الترفع عن الدناءة، وما يمس المروءة حتى في جاهليتهم، وأبو سفيان من الشرفاء السادة في الجاهلية فقد أنف أن يكَذَّب، وخاف أن تؤخذ عليه، وذلك حينما سأله قيصر الروم عن الرسول ﷺ وقصته رواها البخاري ومسلم (١)، فكيف بالزنا وهو أشد من الكذب؟!! - وأصح ما ورد في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي عثمان النهدي (٢) أنه قال: لمّا ادّعي زيادٌ لقيت أبا بكرة (٣)، فقلت له: ما هذا الّذي صنعتم؟ إنّي سمعت سعد بن أبي وقّاصٍ، يقول: سَمِعَ أذناي من رسول الله ﷺ وهو يقول: «من ادّعى أبًا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنّه غير أبيه، فالجنّة عليه حرامٌ» فقال أبو بكرة: أنا سمعته من رسول الله ﷺ (٤). قلت: هذا الحديث الصحيح هو أصح ما ورد في قصة الادعاء، وهو خير دليل على براءة معاوية ﵁ وزياد؛ لأن المخاطب بـ (أُدعى) يثبت أن الفاعل مجهول، وهذا له وجه آخر وهو أن أبي عثمان سمع بهذا الادعاء، مثل غيره، وجاء معاتبًا أبي بكرة ﵁؛ لأنه عرف المدّعى وجاء لمعاتبة أهله، ولو عرف المدعي وأنه معاوية ﵁، لما أتى إليهم، وبهذا لم يتبين لنا المدعي، وإنما عرفنا المدعى. وأما النووي في شرحه لهذا الحديث فقال: (قال أبو عثمان لأبي بكرة: ما

стр. 68

هذا الّذي صنعتم؟!! وكان أبو بكرة ﵁ ممّن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادًا وحلف ألا يكلّمه أبدًا). وقال أيضًا: (وقوله: ادُّعِيَ ضبطناه بضمّ الدّال وكسر العين -مبنيٌّ لما لم يسمّ فاعله- أي ادّعاه معاوية ووجد بخطّ الحافظ أبي عامرٍ العبدريّ (١) (ادَّعَى) بفتح الدّال والعين على أنّ زيادًا هو الفاعل وهذا له وجهٌ من حيث إنّ معاوية ادّعاه وصدّقه زيادٌ فصار زيادٌ مدعيًا أنه ابن أبي سفيان واللّه أعلم) (٢). لا أدري على أي شيء استند النووي باتهامه معاوية ﵁ في هذا الخبر وسوف نرد على قوله بأمرين، وذلك فيما يخص استدلاله بحلف أبي بكرة ﵁ وبضبط ادعى: الأول: أن هذا الحلف الذي ذكره النووي يستدل به على موقف أبي بكرة ﵁ من أخيه زياد بعد الادعاء، ولكن ليس هذا مكانه، فقد حلف أبو بكرة ﵁ ألا يكلم زيادًا بسبب أنه لم يشهد معه على المغيرة بن شعبة ﵁ عند عمر ﵁ ولم يكن لأجل الادعاء، ونستدل بذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمرٍ (٣)، عن الزّهريّ (٤)، عن ابن المسيّب (٥) قال: شهد على المغيرة بن شعبة

стр. 69

ثلاثةٌ بالزّنا، ونكّل زيادٌ فحدّ عمر الثّلاثة، وقال لهم: «توبوا تقبل شهادتكم»، فتاب رجلان، ولم يتب أبو بكرة، فكان لا تُقبل شهادته، وأبو بكرة أخو زيادٍ لأمّه، فلمّا كان من أمر زيادٍ ما كان، حلف أبو بكرة ألا يكلّم زيادًا أبدًا، فلم يكلّمه حتّى مات) (١). الثاني: أما قوله بضبط أبي عامر العبدري، فإن أبا عامر هذا لم يكن موثوقًا لا في عقيدته ولا روايته. وهو متهم بتساهله بالسماع ويتحدث ولا يصغي، وكان يقول يكفيني حضور المجلس (٢). فمن ذلك لا نستبعد أن التحريف بالكلمة (ادّعى) بفتح الدال وفتح العين، جاء منه. - وخلاصة القول في هذا النسب، أن معاوية ﵁ لا يمكن أن يفعل هذا، وهو يعلم حرمة هذا الفعل، والمانع من ذلك فقهه وعدالته، وقد سمع بهذا الادعاء كثير من الصحابة ولم أقف على من أنكر ذلك على معاوية ﵁ باسمه، وذلك لأنه لم يفعله، ولو فعله لأنكروا عليه، والحديث السابق عن أبي بكرة ﵁ لم يُسَمَّ فيه الفاعل؛ ولذلك حصل الإنكار على الفعل واقتصر عليه، والأمر لا يعدو أن يكون إشاعة أُشيعت نقمة على معاوية ﵁ وزياد للصلح الذي تم بينهما. وقد ذكر هذا الاستلحاق - استلحاق معاوية نسب زيادٍ - بعض العلماء فمنهم من ساق النصوص الواردة في هذا الخبر من غير تمحيص لها، ومنهم من ترك هذا الخبر وتورَّع عن الدخول فيه:

стр. 70

فخليفة بن خياط قال: (كان من أمر معاوية وزياد الذي كان) (١)، والطبري قصر عنه ولم يُولِه عناية تُذْكَر، وهذا على غير عادته، وأما ابن عبد البر فساق الخبر من غير تمحيص للرواة، مع أن ضعف الأسانيد التي ساقها كان واضحًا جليًّا، وقد بسط ابن الأثير القول في ذلك وجعل من نفسه موضحًا لذلك ومبينًا له، بعد أن ساق روايات الطبري التي استقصرها عن بيان الحدث، فقال: (هذا جميع ما ذكره أبو جعفرٍ في استلحاق معاوية نسب زيادٍ، ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك، إنّما ذكر حكايةً جرت بعد استلحاقه، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيّته، فإنّه من الأمور المشهورة في الإسلام لا ينبغي إهمالها) (٢). ثم ساق حديثًا يدين فيه معاوية ﵁ بهذا الحدَث من غير سند يمكن الاعتماد عليه. وقد برَّر ابن العربي (٣) فعل معاوية ﵁ بإلحاق نسب زياد إلى أبيه، إلى أن ذلك من المسائل الفقهية التي يكون فيها الاجتهاد، وهو لم يتحقق من أصل الخبر، وأخذه على جملته ولم يرد إلا بعض الأباطيل فيه، وأما النووي في شرحه فقد سبق قوله. ومن الدراسات الحديثة عن هذا الموضوع: قال محمود شاكر (٤) معلقًا على هذا الخبر: (ويبدو ضعف هذا فكيف

стр. 71

قَبِلَ زيادٌ هذا الكلام أمامه؟ وكيف قَبِلَ معاوية؟ وكيف رضي المسلمون بهذه المخالفة الصريحة من الإمام؟ فهل ضاع الإحساس، وضاع الدين، ولا يزال الصحابة أحياء) (١). وذكر الغيث (٢) بعد أن استقصى الاستلحاق، أنه لم يقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد اتهام معاوية ﵁ بذلك، وأن الاتهام موجه لزياد وأنه هو الفاعل، واستدل بحديث (لما ادَّعَى زياد) بضبط أبي عامر العبدري، بفتح الدال والعين، وبترجمة الأصفهاني لزياد بقوله: (زياد بن سُميّة ادّعى أبا سفيان فنسب إليه) (٣)، ثم ختم قوله مؤكدًا ذلك بهجر أبي بكرة ﵁ لأخيه زياد (٤). قلت: وحتى اتهام زياد لم يثبت؛ لأن الضبط ورد ما يخالفه، والأصفهاني لم يسند الخبر، وحلف أبو بكرة ﵁ ليس هذا موضعه، وقد سبق بيانه في نقد هذه الرواية. أما تبرئة زياد من هذا الاستلحاق: - أن هذا الاستلحاق جاء سنة أربع وأربعين للهجرة (٥)، أي بعد دخول زياد في أمر معاوية ﵁، ولم أقف على رواية صحيحة تثبت تورط زياد بهذا الاستلحاق. وهذا الأمر يجعلنا نطرح أسئلة منها لماذا هذا التوقيت؟ ولماذا أثير حول

стр. 72

زياد مسألة النسب؟. وللإجابة عن هذه التساؤلات نقول: إن زيادًا سكن العراق بعد الصلح مع معاوية ﵁، وهو الذي يغلب عليه سمة التشيع، فلم يكن حاله يسرهم بعد أن خرج في نظرهم من ولاء علي ﵁ وأصحابه إلى ولاء معاوية ﵁، وهو بذلك لم يكن يفلت من لَمْزهم وما وجدوا له عيبًا إلا أنه لم ينتسب لأحد يذكر، فأشاعوا نسبه إلى أبي سفيان ﵁ وجعلوه أخًا لمعاوية ﵁، وشاع ذلك في العراق وهذا ما جاء به الحديث الصحيح عن أبي عثمان النهدي يثبت ذلك، ولكنه لم يُسَمَّ فاعله، وقد كانت عادة أهل العراق في ذلك الزمان أن يلقبوا أمراءهم، ومن هذه الألقاب: ببة والقباع والقمر وضرطة الجمل (١) والأحنف، ولهذا لا يستغرب منهم تلقيب زياد بـ (زياد بن أبي سفيان) نكاية بولائه، ومما يدل على ذلك أنه لم ينسب إلى أبي سفيان ﵁ قبل دخوله في أمر معاوية ﵁، ولو كان الفاعل معاوية ﵁ لفعل ذلك وهو في أمس الحاجة إليه وذلك في خلافه مع علي ﵁؛ لأن زيادًا كان ضده، أو على أقل احتمال حينما أراد الصلح معه، ولكن كل ذلك لم يحدث إلا بعد وفاة علي ﵁ وصلحه مع معاوية ﵁. ثم إن هذا الأمر شاع بين الناس، ومن المعروف أن تاريخ الأُمويين لم يسجل إلا في العصر العباسي؛ ولذلك أصبح من الضروري إيجاد قصة لذلك الحدث، فنُسِجَتِ الروايات في ذلك، وبينها تناقض، فتارة يُرْمَى بثقل هذا الادعاء على معاوية ﵁ وتارة إلى زياد.

стр. 73

[١١]- (وأمر معاوية زيادًا أن يسير إلى الكوفة إلى أن يرد عليه أمره، فسار زياد حتى قَدِمَ الكوفة، وعليها المغيرة بن شعبة، فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلي (١) (٢). ذكر الطبري نحوًا منها مطولًا (٣). * تولية زياد البصرة: [١٢]- (ووافاه (٤) كتاب معاوية بولاية البصرة، فسار إليها فلما وافاها قصد المسجد الجامع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قد كانت بيني وبين قوم أحقاد، وقد جعلتها تحت قدمي، ولست أؤاخذ أحدًا بعداوة، ولا أهتك له قناعًا حتى يبدي لي صفحته، فإذا أبداها لم أُنظِرْه، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مسيئًا فليقلع عن إساءته، وأعينونا رحمكم الله بالسمع والطاعة، ثم نزل) (٥). ذكر نحوًا منها: البلاذري (٦)، والطبري (٧) أورد الخبر مطولًا وساق

стр. 74

الخطبة، والجاحظ (١) ذكر الخطبة كاملة، وذكر خليفة بن خياط (٢)، والطبري (٣) أن تولية زياد على البصرة سنة خمس وأربعين للهجرة. * ولاية زياد على العراق: [١٣]- (فلبث على البصرة حَوْلَيْن حتى مات المغيرة، فكتب إليه معاوية بولاية الكوفة مع البصرة، فسار إليها). ذكر خليفة بن خياط (٤) والطبري (٥) أن وفاة المغيرة ﵁ سنة خمسين، وأن معاوية ﵁ جمع لزياد البصرة والكوفة. • نقد النص: هذه الرواية فيها وهم، وذلك في ذكر مدة بقاء زياد واليًا على البصرة عامين، وإنما الصحيح أنها خمس سنين، ثم جُمِعَتْ له البصرة والكوفة بعد وفاة المغيرة بن شعبة ﵁، كما سبق ذلك في خبر مدة بقائه واليًا على الكوفة (٦). * * *

стр. 75

ثالثًا: مواقف الشيعة من صلح الحسن ﵁ - [١٤]- (قالوا: وكان أول من لقي الحسن بن علي ﵁، فنَدَّمَه على ما صنع، ودعاه إلى رد الحرب حجر بن عدي (١)، فقال له: يا ابن رسول الله، لوددت أني مِتُّ قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجَوْر، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدَّنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيسة التي لم تلقَ بنا. فاشتد على الحسن ﵁ كلام حجر، فقال له: إني رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيًا على شيعتنا خاصة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كلّ يومٍ هو في شأن. قال: فخرج من عنده، ودخل على الحسين ﵁ مع عبيدة بن عمرو (٢)، فقالا: أبا عبد الله، شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل، وتركتم الكثير، أطِعْنا اليوم، واعْصِنا الدهر، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وَوَلِّني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف. فقال الحسين: إنا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل
следующие страницы →