← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أقسم على الله لأبره. فما هو الميزان؟ الميزان تقوى الله ، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] ، فمن كان أتقى لله فهو أكرم عند الله، ييسر الله له الأمر، يجيب دعاءه، ويكشف ضره، ويبر قسمه. وهذا الذي أقسم على الله لن يقسم بظلم لأحد، ولن يجترئ على الله في ملكه، ولكنه يقسم على الله فيما يرضي الله ثقة بالله ، أو في أمور مباحة ثقة بالله . وقد مر علينا في قصة الربيع بنت النضر وأخيها أنس بن النضر؛ فإن الربيع كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى الرسول ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أن تكسر ثنية الربيع؛ لأنها كسرت ثنية الجارية الأنثى، فقال أخوها أنس: يا رسول الله، تكسر ثنية الربيع؟ قال: ((نعم، كتاب الله القصاص، السن بالسن)) قال: والله لا تكسر ثنية الربيع. قال ذلك ثقة بالله ، ورجاءً لتيسيره وتسهيله. فأقسم هذا القسم، ليس رداً لحكم الرسول، ولكن ثقة بالله ، فهدى الله أهل الجارية ورضوا بالدية أو عفوا فقال النبي ﷺ : ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) ؛ لأنه يقسم على الله في شيء يرضاه الله ، إحساناً في ظنه بالله .

стр. 1262

أما من أقسم على الله تألياً على الله، واستكباراً على عباد الله، وإعجاباً بنفسه فهذا لا يبر الله قسمه؛ لأنه ظالم ومن ذلك قصة الرجل العابد الذي كان يمر برجل مسرف على نفسه، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، أقسم أن الله لا يغفر له، لماذا يقسم؟ هل المغفرة بيده؟ هل الرحمة بيده؟ فقال الله جل وعلا: ((من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟)) استفهام وإنكار ((فإني قد غفرت له وأحبطت عملك)) ؛ نتيجة سيئة والعياذ بالله، لم يبر الله بقسمه، بل أحبط عمله، لأنه قال ذلك إعجاباً بعمله، وإعجاباً بنفسه، واستكباراً على عباد الله . أما حديث أسامة بن زيد، فهو أن النبي ﷺ يقول: ((قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين)) ، يعني أكثرهم؛ أكثر ما يدخل الجنة الفقراء؛ لأن الفقراْء في الغالب أقرب إلى العبادة والخشية لله من الأغنياء (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: ٦، ٧] ، والغني يرى أنه مستغن بماله، فهو أقل تعبداً من الفقير، وإن كان من الأغنياء من يعبد الله أكثر من الفقراء، لكن الغالب, ((وأصحاب الجد محبوسون)) يعني أصحاب الحظ والغنى محبوسون لم يدخلوا الجنة بعد؛ الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء ((غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) .

стр. 1263

فقسم الرسول ﷺ الناس إلى أقسام ثلاثة: أهل النار دخلوا النار ـ أعاذنا الله وإياكم منها ـ، والفقراء دخلوا الجنة، والأغنياء من المؤمنين موقوفون محبوسون، إلى أن يشاء الله , أما أهل النار فأخبر الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق أن عامة من دخلها النساء؛ أكثر من يدخل النار النساء؛ لأنهن أصحاب فتنة، ولهذا قال لهن الرسول ﷺ يوم عيد من الأعياد: ((يا معشر النساء، تصدقن، ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل النار)) قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: ((لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)) . ((تكثرن اللعن)) : أي السب والشتم؛ فلسانهن سليط، وكيدهن عظيم. ((وتكفرن العشير)) : أي المعاشر وهو الزوج، لو أحسن إليها الدهر كله، ثم رأت سيئة واحدة قالت: ما رأيت خيراً قط، تكفرن النعمة ولا تقر بها. وفي هذا الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان أن يحترز من فتنة الغنى، فإن الغنى قد يطغي، وقد يؤدي بصاحبه إلى الأشر، والبطر، ورد الحق، وغمط الناس، فاحذر نعمتين: الغنى والصحة. والفراغ أيضاً سبب للفتنة، فهذه الثلاث: الغنى والصحة. والفراغ، مما يغبن فيها كثير من الناس، ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) ،

стр. 1264

والفراغ في الغالب يأتي من الغنى؛ لأن الغنى منكف عن كل شيء ومتفرغ، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنة المحيا والممات وفتنة المسح الدجال. * * * ٨/٢٥٩ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلى فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج فقال: أي رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لاففتننه، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها. فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، قال: أين الصبي؟ فجاؤوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال فلان الراعي، فاقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة،

стр. 1265

فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها. قال: ومروا بجارية هم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل: فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهنالك تراجعا الحديث فقالت: مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله فقلت، اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟ ! قال: إن ذلك الرجل كان جباراً فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها)) متفق عليه. ((والمومسات)) بضم الميم الأولى وإسكان الواو وكسر الميم الثانية وبالسين المهملة، وهن الزواني. والمومسة: الزانية. وقوله: ((دابة فارهة)) بالفاء: أي حاذقة نفيسة. ((والشارة)) بالشين المعجمة وتخفيف الراء: وهي الجمال الظاهر في الهيئة والملبس. ومعنى ((تراجعا الحديث)) أي: حدثت الصبي وحدثها، والله أعلم.

стр. 1266

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن نبينا ﷺ أنه قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) . أولاً: عيسى بن مريم ﷺ ، وعيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل، بل آخر الأنبياء قبل محمد ﷺ ، فإنه لم يكن بينه وبين النبي ﷺ نبي، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: ٦] ، فليس بين محمد ﷺ وبين عيسى بن مريم نبي. وأما ما يذكر عند المؤرخين من وجود أنبياء في العرب كخالد بن سنان وغيره، فهذا كذب ولا صحة له. وعيسى بن مريم كان آية من آيات الله ، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) [المؤمنون: ٥٠] كان آية في منشئه، وآية في وضعه. أما في منشئه فإن أمه مريم ﵂ حملت به من غير أب، حيث أرسل الله جبريل إليها فتمثل لها بشراً سويا، ونفخ في فرجها فحملت بعيسى ﷺ . والله على كل شيء قدير، فالقادر على أن يخلق الولد من المني قادر على أن يخلقه من هذه النفخة، كما قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: ٥٩] . لا يستعصي على قدرة الله شيء، إذا أراد شيئاً قال له: كن فكان، فحملت وولدت، وقيل: إنه لم يبق في بطنها كما تبقى الأجنة، ولكنها

стр. 1267

حملته وشب سريعاً، ثم وضعته. وكان آية في وضعه، فجاءها المخاض إلى جذع النخلة، فقالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) [مريم: ٢٣] هي لم تتمن الموت لكنها تمنت أنه لم يأتها هذا الشيء حتى الموت (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) [مريم: ٢٤] ، أي: عين تمشي تحت النخلة. ثم قال: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) [مريم: ٢٥] ، تهز الجذع وهي امرأة قد أتاها المخاض، فتتساقط من هزها الرطب، رطباً جنيا لا يفسد إذا وقع على الأرض، وهذا خلاف العادة؛ فالعادة أن المرأة عند النفاس تكون ضعيفة، والعادة عند هز النخلة ألا تهز من أسفل، بل تهز من فوق، لأنها جذع لا تهتز لو هزها الإنسان، والعادة أيضاً أن الرطب إذا سقط؛ فإنه يسقط على الأرض ويتمزق، لكن الله قال: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) [مريم: ٢٥، ٢٦] ، الله أكبر! فذلك من آيات الله . فالله على كل شيء قدير. ولما وضعت الولد أتت به قومها تحمله، تحمل طفلاً وهي لم تتزوج، فقالوا لها يعرضونها بالبغاء، قالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) [مريم: ٢٨] ، يعني كأنهم يقولون: من أين جاءك الزنى ـ نسأل الله العافية ـ وأبوك ليس امرأ سوء وأمك ليست بغية؟ وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا زنى فقد يبتلى نسله بالزنى والعياذ بالله، كما جاء في الحديث في الأثر: ((من زنى زنى أهله)) . فهؤلاء قالوا: ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، فألهمها الله

стр. 1268

عزَّ وجلَّ فأشارت إلى الطفل، أشارت إليه فكأنهم سخروا بها، قالوا: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً) [مريم: ٢٩] ، هذا غير معقول! ولكنه التفت إليهم وقال هذا الكلام البليغ العجيب. قال: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) [مريم: ٣٠ ـ٣٣] سبع جمل ـ والله أكبر ـ من طفل في المهد. ولكن لا تتعجب فإن قدرة الله فوق كل شيء، أليست جلودنا وأيدينا وأرجلنا وألسنتنا يوم القيامة تشهد علينا بما فعلنا؟ بلى. تشهد. أليست الأرض تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها؟ بلى. الأرض تشهد بما عملت عليها من قول أو فعل (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة: ٤، ٥] . إذا هذا كلام عيسى بن مريم، تكلم بهذه الكلمات العظيمة، سبع جمل وهو في المهد. أما الثاني: فهو صاحب جريج، وجريج رجل عابد، انعزل عن الناس، والعزلة خير إذا كان في الخلطة شر، أما إذا لم يكن في الخلطة شر؛ فالاختلاط بالناس أفضل، قال النبي ﷺ : ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على

стр. 1269

أذاهم)) . لكن إذا كانت الخلطة ضرراً عليك في دينك، فانجُ بدينك، كما قال النبي ﷺ : ((يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر)) يعني يفر بدينه من الفتن. فهنا جريج انعزل عن الناس، وبنى صومعة ـ يعني مكاناً يتعبد فيه لله فجاءته أمه ذات يوم وهو يصلي فنادته، فقال في نفسه: أي ربي أمي وصلاتي هل أجيب أمي وأقطع الصلاة، أو استمر في صلاتي؟ فمضى في صلاته. وجاءته مرة ثانية، وقالت له مثل الأولى، فقال مثل ما قال، ثم استمر في صلاته، فجاءته مرة ثالثة فدعته، فقال مثل ما قال ثم استمر في صلاته، فأدركها الغضب، وقالت ((اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات)) أي الزواني؛ حتى ينظر في وجوه الزواني والعياذ بالله. والإنسان إذا نظر في وجوه الزواني افتتن؛ لأن نظر الرجل إلى المرأة فتنة. فكيف إذا كانت والعياذ بالله زانية بغية؟ ! فأشد فتنة؛ لأنه ينظر إليها على أنها تمكنه من نفسها فيفتتن. ويستفاد من هذه الجملة من هذا الحديث أن الوالدين إذا نادياك وأنت تصلي، فإن الواجب إجابتهما، لكن بشرط ألا تكون الصلاة فريضة، فإن

стр. 1270

كانت فريضة فلا يجوز أن تجيبهما، لكن إذا كانت نافلة فأجبهما. إلا إذا كانا ممن يقدرون الأمور قدرها، وأنهما إذا علما أنك في صلاة عذراك فهنا أشر إليهما بأنك في صلاة؛ إما بالنحنحة، أو بقول: سبحان الله، أو برفع صوتك في آية تقرؤها، أو دعاء تدعو به، حتى يشعر المنادي بأنك في صلاة، فإذا علمت أن هذين الأبوين: الأم والأب عندهما مرونة؛ يعذرانك إذا كنت تصلي ألا تجيب؛ فنبههم على أنك تصلي. فمثلاً إذا جاءك أبوك وأنت تصلي سنة الفجر، قال: يا فلان؛ وأنت تصلي، فإن كان أبوك رجلاً مرناً يعذرك فتنحنح له، أو قل: سبحان الله، أو ارفع صوتك بالقراءة أو بالدعاء أو بالذكر الذي أنت فيه، حتى يعذرك. وإن كان من الآخرين الذين لا يعذرون، ويريدون أن يكون قوله هو الأعلى فاقطع صلاتك وكلمهم، وكذلك يقال في الأم. أما الفريضة فلا تقطعها لأحد، إلا عند الضرورة، كما لو رأيت شخصاً تخشى أن يقع في هلكة؛ في بئر، أو في بحر أو في نار، فهنا اقطع صلاتك للضرورة، وأما لغير ذلك فلا يجوز قطع الفريضة. ويستفاد من هذه القطعة أن دعاء الوالد إذا كان بحق؛ فإنه حريّ بالإجابة، فدعاء الوالد على ولده إذا كان بحق؛ فهو حري أن يجيبه الله، ولهذا ينبغي لك أن تحترس غاية الاحتراس من دعاء الوالدين، حتى لا تعرض نفسك لقبول الله دعاءهما فتخسر. وفي الحديث أيضاً دليل على أن الشفقة التي أودعها الله في الوالدين،

стр. 1271

قد يوجد ما يرفع هذه الشفقة؛ لأن هذه الدعوة عظيمة من هذه المرأة؛ أن تدعو على ولدها أن لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات، لكن شدة الغضب والعياذ بالله أوجب لها أن تدعو بهذا الدعاء. وفي قصته من الفوائد غير ما سبق أن الإنسان إذا تعرف إلى الله تعالى في الرخاء؛ عرفه في الشدة، فإن هذا الرجل كان عابداً يتعبد لله ، فلما وقع في الشدة العظيمة، أنجاه الله منها. لما جاء إليه هؤلاء الذين كادوا له هذا الكيد العظيم، ذهبت هذه المرأة إلى جريج لتفتنه ولكنه لم يلتفت إليها، فإذا راعي غنم يرعاها ثم يأوي إلى صومعة هذا الرجل، فذهبت إلى الراعي فزنى بها والعياذ بالله، فحملت منه. ثم قالوا: إن هذا الولد ولد زنى من جريج ـ رموه بهذه الفاحشة العظيمة ـ فأقبلوا عليه يضربونه وأخرجوه من صومعته وهدموها، فطلب منهم أن يأتوا بالغلام الذي من الراعي، فلما أتوا به، ضرب في بطنه، وقال: من أبوك؟ ـ وهو في المهد ـ فقال: أبي فلان، يعني ذلك الراعي. فأقبلوا إلى جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا له: هل تريد أن نبني لك صومعتك من ذهب؟ لأنهم هدموها ظلماً، قال: لا، ردوها على ما كانت عليه من الطين، فبنوها له. ففي هذه القصة أن هذا الصبي تكلم وهو في المهد، وقال: إن أباه فلان الراعي، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن ولد الزنى يلحق الزاني؛ لأن جريجاً قال: من أبوك؟ قال: لأبي فلان الراعي، وقد قصها

стр. 1272

النبي ﷺ علينا للعبرة، فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق الولد فإنه يلحقه، وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم. وأكثر العلماء على أن ولد الزنى لا يلحق الزاني؛ لقوله النبي ﷺ : ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) لكن الذين قالوا بلحوقه قالوا هذا إذا كان له منازع كصاحب الفراش، فإن الولد لصاحب الفراش، وأما إذا لم يكن له منازع واستلحقه فإنه يلحقه؛ لأنه ولده قدراً، فإن هذا الولد لا شك أنه خلق من ماء الزاني فهو ولده قدراً، ولم يكن له أب شرعي ينازعه، وعلى هذا فيلحق به. قالوا: وهذا أولى من ضياع نسب هذا الولد؛ لأنه إذا لم يكن له أب ضاع نسبه، وصار ينسب إلى أمه. وفي هذا الحديث دليل على صبر هذا الرجل ـ جريج ـ حيث إنه لم ينتقم لنفسه، ولم يكلفهم شططاً فيبنون له صومعته من ذهب، وإنما رضي بما كان رضي به أولاً من القناعة وأن تبني من الطين. وأما الثالث الذي تكلم في المهد، فهو هذا الصبي الذي مع أمه يرضع، فمر رجل على فرس فارهة وعلى شارة حسنة، وهو من أكابر القوم وأشرافهم، فقالت أم الصبي: اللهم اجعل ابني هذا مثله، فترك الصبي الثدي وأقبل على أمه بعد أن نظر إلى هذا الرجل، فقال: اللهم لا تجعلني

стр. 1273

مثله. وحكى النبي ﷺ ارتضاع هذا الطفل من ثدي أمه بأن وضع إصبعه السبابة في فمه يمص، تحقيقاً للأمر ﷺ . فقال اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبلوا بجارية؛ امرأة يضربونها ويقولون لها: زنيت، سرقت؛ وهي تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقالت المرأة أم الصبي وهي ترضعه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فأطلق الثدي، ونظر إليها، وقال: اللهم اجعلني مثلها. فتراجع الحديث مع أمه؛ طفل قام يتكلم معها، قالت: إني مررت أو مرّ بي هذا الرجل ذو الهيئة الحسنة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت أنت: اللهم لا تجعلني مثله، فقال: نعم؛ هذا رجل كان جباراً عنيداً فسألت الله ألا يجعلني مثله. أما المرأة فإنهم يقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. أي اجعلني طاهراً من الزنى والسرقة مفوضاً أمري إلى الله، في قولها: حسبي الله ونعم الوكيل. وفي هذا آية من آيات الله؛ أن يكون هذا الصبي يشعر وينظر ويتأمل ويفكر، وعنده شيء من العلم؛ يقول: هذا كان جباراً عنيداً. وهو طفل، وقال لهذه المرأة: اللهم اجعلني مثلها علم أنها مظلومة وأنها بريئة مما اتهمت به، وعلم أنها فوضت أمرها إلى الله ، فهذا أيضاً من آيات الله أن يكون عند هذا الصبي شيء من العلم. والحاصل أن الله على كل شيء قدير، فقد يحصل من

стр. 1274

الأمور المخالفة للعادة ما يكون آية من آياته إما تأييداً لرسوله أو تأييداً لأحد من أوليائه.

стр. 1275

٣٣ ـ باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين، والإحسان إليهم، والشفقة عليهم، والتواضع معهم، وخفض الجناح لهم فال الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] ، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] . [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب ملاطفة اليتامى والضعفة والبنات، ونحوهم ممن هم محل الشفقة والرحمة؛ وذلك أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف والإحسان، وقد حث الله على الإحسان في عدة آيات من كتابه، وبين أنه يحب المحسنين، والذين هم في حاجة إلى الإحسان يكون الإحسان إليهم أفضل وأكمل؛ فمنهم اليتامى. واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه؛ سواء كان ذكر أو أنثى، ولا عبرة بوفاة الأم، يعني أن اليتيم هو الصغير الذي مات أبوه قبل بلوغه وإن كان له أم، وأما من ماتت أمه، وأبوه موجود فليس بيتيم، خلافاً لما يفهمه عوام الناس؛ حيث يظنون أن اليتيم هو الذي ماتت أمه وليس كذلك، بل اليتيم هو الذي مات أبوه. ويسمى يتيماً هو الانفراد؛ لأن هذا الصغير انفرد عن

стр. 1276

كاسب، وهو صغير لا يستطيع الكسب. وقد أوصى الله في عدة آيات باليتامى، وجعل لهم حقاً خاصاً؛ لأن اليتيم قد انكسر قلبه بموت أبيه، فهو محل للعطف والرحمة قال الله : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) [النساء: ٩] . وكذلك البنات والنساء محل العطف والشفقة والرحمة؛ لأنهن ضعيفات. ضعيفات في العقل، وفي العزيمة، وفي كل شيء فالرجال أقوى من النساء في الأبدان والعقول والأفكار والعزيمة وغير ذلك، ولهذا قال الله : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء: ٣٤] . وكذلك أيضاً المنكسرون؛ يعني الذين أصابهم شيء فانكسروا من أجله، وليس هو كسر العظم بل كسر القلب، يعني مثلاً أصابته جائحة اجتاحت ماله، أو مات أهله أو مات صديق له فانكسر قلبه، والمهم أن المنكسر ينبغي ملاطفته، ولهذا شرعت تعزية من مات له ميت إذا أصيب بموته؛ يُعزّى ويلاطف ويبين له أن هذا أمر الله، وأن الله إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون وما أشبه ذلك. وكذلك ينبغي خفض الجناح لهم ولين الجانب، قال الله تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] ، اخفض جناحك يعني تطامن لهم وتهاون لهم، وقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) يعني حتى لو شمخت نفسك وارتفعت في الهواء كما يرتفع الطير فاخفض جناحك، ولو كان عندك من

стр. 1277

المال ولك من الجاه والرئاسة ما يجعلك تتعالى على الخلق، وتطير كما يطير الطير في الجو فاخفض الجناح، اخفض الجناح حتى يكونوا فوقك، (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا أمر للرسول ﵊ وهو أمر للأمة كلها. فيجب على الإنسان أن يكون لين الجانب لإخوانه المؤمنين، ويجب عليه أيضاً أنه كلما رأى إنساناً أتبع لرسول الله ﷺ فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول ﵊ أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، لا لأنه فلان بن فلان لكن لأنه اتبع الرسول ﵊، كل من اتبع الرسول ﵊ فهو حبيبنا؛ وهو أخونا، وهو صديقنا، وهو صاحبنا، وكل من كان أبعد عن اتباع الرسول فإننا نبتعد عنه بقدر ابتعاده عن اتباع الرسول، هكذا المؤمن يجب أن يكون خافضاً جناحه لكل من اتبع الرسول ﵊، اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. وقال الله تعالى لرسوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] ، فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يعني صباحاً ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجهه. يريدون وجه الله في دعائهم له وعبادتهم له وذكرهم له وتسبيحهم له. (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٢٨] ، يعني لا

стр. 1278

تبعد عنهم، لا تعد دائماً عنهم عيناك: أي لا تتجاوز عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. مثلاً إذا كان هناك رجلان؛ أحدهما مقبل على طاعة الله يدعو ربه بالغداة والعشي، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم، ويحسن إلى الناس، وآخر غني كبير عنده أموال وقصور وسيارات وخدم، أيهم أحق أن نصبر أنفسنا معه؟ الأول أحق أن نصبر أنفسنا معه، وأن نجالسه، وأن نخالطه وأن لا نتعداه نريد زينة الحياة الدنيا. الحياة كلها عرض زائل، وما فيها من النعيم أو من السرور فإنه محفوف بالأحزان والتنكيد، ما من فرح في الدنيا إلا ويتلوه ترح وحزن. قال- أظنه- ابن مسعود ﵁ ما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ حزناً وترحاً، وصدق ﵁: لو لم يكن من ذلك إلا أنهم سيموتون تباعاً واحداً بعد الثاني، كلما مات واحد حزنوا عليه، فتتحول هذه الأفراح والمسرات إلى أحزان وأتراح فالدنيا كلها ليست بشيء. إذاً لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، بل كن معهم وكن ناصراً لهم، ولا يهمنك ما متعنا به أحداً من الدنيا، وهذا كقوله : (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣١، ١٣٢] ، أسأل الله أن يحسن لي ولكم العافية، وأن يجعل العاقبة لنا ولإخواننا المسلمين حميدة.

стр. 1279

وقال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى: ٩، ١٠] . [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما ساقه من الآيات الكريمة في باب الحنو على الفقراء واليتامى والمساكين وما أشبههم، قال: وقول الله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: ٦، ١١] ، الخطاب في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ) للنبي ﷺ . يقرر الله تعالى في هذه الآيات أن الرسول ﷺ كان يتيماً، فإنه ﵊ عاش من غير أم ولا أب، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات هو في السنة الثامنة من عمره ﷺ ، ثم كفله عمه أبو طالب. فكان يتيماً وكان ﷺ يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، يعني على شيء يسير من الدراهم؛ لأنه ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم، فكل الأنبياء الذين أرسلوا أول أمرهم كانوا رعاة غنم، من أجل أن يعرقوا ويتمرنوا على الرعاية وحسن الولاية، واختار الله لهم أن تكون رعيتهم غنماً؛ لأن راعي الغنم يكون عليه السكينة والرأفة والرحمة؛ لأنه يرعى مواشي ضعيفة بخلاف رعاة الإبل، رعاة الإبل أكثر ما يكون فيهم الجفاء والغلظة؛ لأن الإبل كذلك غليظة قوية جبارة. فنشأ ﷺ يتيماً، ثم إن الله أكرمه فيسر له زوجة صالحة، وهي أم المؤمنين خديجة ﵂؛ تزوجها وله خمس وعشرون من العمر ولها أربعون سنة، وكانت حكيمة عاقلة صالحة، رزقه

стр. 1280

الله أولاده كلهم من بنين وبنات إلا إبراهيم فإنه من كان سريته مارية القبطية، المهم أن الله يسرها له وقامت بشئونه، ولم يتزوج سواها ﷺ حتى ماتت. أكرمه الله بالنبوة فكان أول ما بدىء بالوحي أن يرى الرؤيا في المنام، فإذا رأى الرؤيا في المنام جاءت مثل فلق الصبح في يومها بينة واضحة؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فدعا إلى الله وبشر وأنذر وتبعه الناس، وكان هذا اليتيم الذي يرعى الغنم كان إماماً لأمه هي أعظم الأمم، وكان راعياً لهم ﵊ راعياً للبشر ولهذه الأمة العظيمة. قال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] ، آواك الله بعد يتمك، ويسر لك من يقوم بشئونك حتى ترعرعت، وكبرت، ومنّ الله عليك بالرسالة العظمى. (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) [الضحى: ٧] وجدك ضالاً: يعني غير عالم، كما قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) [العنكبوت: ٤٨] وقال تعالى: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [النساء: ١١٣] ، وقال الله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ) [الشورى: ٥٢] ، ولكن صار بهذا الكتاب العظيم عالماً كامل الإيمان ﵊، وجدك ضالاً أي غير عالم ولكنه هداك. بماذا هداه؟ هداه الله بالقرآن. (وَوَجَدَكَ عَائِلاً) يعني فقيراً (فَأَغْنَى) أغناك، وفتح الله عليك الفتوح

стр. 1281

حتى كان يقسم ويعطي الناس، وقد أعطى ذات يوم رجلاً غنماً بين جبلين، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ﵊. ثم تأملوا قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) ما قال فآواك بل قال: (فَآوَى) (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) ولم يقل فهداك (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ولم يقل فأغناك. لماذا؟ لمناسبتين؛ إحداهما لفظية، والثانية معنوية. أما اللفظية: فلأجل تناسب رؤوس الآيات كقوله تعالى: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ١ ـ٥] كل آخر الآيات ألفات، فقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] ، لو قال فآواك اختلف اللفظ، ووجدك ضالاً فهداك اختلف اللفظ، ووجدك عائلاً فأغناك اختلف اللفظ، لكن جعل الآيات كلها على فواصل حرف واحد. المناسبة الثانية معنوية: وهي أعظم، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) هل آواه الله وحده أو آواه وآوى أمته؟ والجواب: الثاني، آواه الله وآوى على يديه أمما لا يحصيهم إلا الله ، ووجدك ضالاً فهدى. هل هداه وحده؟ لا؛ هدى به أمما عظيمة إلى يوم القيامة، ووجدك عائلاً فأغنى. هل أغناه الله وحده؟ لا؛ أغناه الله وأغنى به. كم حصل للأمة الإسلامية من الفتوحات العظيمة. (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) [الفتح: ٢٠] ، فأغناهم الله بمحمد ﷺ . إذاً ألم يجدك يتيماً فآواك وآوى بك، ووجدك ضالاً فهداك وهدى

стр. 1282

بك ووجدك عائلاً فأغناك وأغنى بك، هكذا حال الرسول ﵊. ثم قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) اذكر نفسك حين كنت يتيماً، فلا تقهر اليتيم، بل سهل أمره؛ إذا صاح فسكته، إذا غضب فأرضه، إذا تعب فخفف عليه، وهكذا. (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) السائل: يظهر من سياق الآيات أنه سائل المال الذي يقول أعطني مالاً، فلا تنهره لأنه قال: (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ، فلما أغناك لا تنهر السائل. تذكر حالك حينما كنت فقيراً، فلا تنهر السائل. ويحتمل أن يُراد بالسائل سائل المال وسائل العلم، حتى الذي يسأل العلم لا تنهره. بل الذي يسأل العلم القه بانشراح صدر؛ لأنه لولا أنه محتاج ولولا أن عنده خوف الله ما جاء يسأل، فلا تنهر اللهم إلا من تعنت فهذا لا حرج أن تنهره. لو كنت تخبره ثم يقول لكل شيء: لماذا هذا حرام؟ ولماذا هذا حلال؟ لماذا حرم الله الربا وأحل البيع؟ لماذا حرم الله الأم من الرضاع؟ وأشياء كثيرة من قبيل هذا. فهذا الذي يتعنت انهره ولا حرج أن تغضب عليه. كما فعل الرسول ﵊ حين تشاجر رجل من الأنصار والزبير بن العوام، في الوادي حيث يأتي السيل، وكان الزبير ﵁ حائطه قبل حائط الأنصاري فتنازعا؛ الأنصاري يقول للزبير: لا تحبس

стр. 1283

الماء عني والزبير يقول: أنا أعلى فأنا أحق، فتشاجرا وتخاصما عند الرسول ﵊ فقال النبي ﷺ : ((اسق يا زبير ثم أرسله إلى جارك)) ، وهذا حكم. فقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله! كلمة لكن الغضب حمله عليها والعياذ بالله، والزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول ﵊. قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فغضب الرسول ﷺ وقال: ((اسق يا زبير حتى يصل إلى الجدر ثم أرسله إلى جارك)) فالحاصل أن السائل للعلم لا تنهره، بل تلقه بصدر رحب وعلّمه حتى يفهم، خصوصاً في وقتنا الآن، فكثير من الناس الآن يسألك وقلبه ليس معك. تجيبه بالسؤال ثم يفهمه خطأ ثم يذهب يقول للناس: أفتاني العالم الفلاني بكذا وكذا، ولهذا ينبغي ألا تطلق الإنسان الذي يسألك حتى تعرف أنه عرف. (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) نعمة الله عليك حدث بها، قل الحمد لله؛ رزقني الله علماً رزقني الله مالاً، ورزقني الله ولداً وما أشبه ذلك.

стр. 1284

والتحدث بنعمة الله نوعان: تحديث باللسان، وتحديث بالأركان. تحديث باللسان: كأن تقول: أنعم الله علي؛ كنت فقيراً فأغناي الله، كنت جاهلاً فعلمني الله، وما أشبه ذلك. والتحديث بالأركان: أن ترى أثر نعمة الله عليك، فإن كنت غنياً فلا تلبس ثياب الفقراء بل البس ثياباً تليق بك، وكذلك في المنزل، وكذلك في المركوب، في كل شيء دع الناس يعرفون نعمة الله عليك، فإن هذا من التحديث بنعمة الله ، ومن التحديث بنعمة الله إذا كنت قد أعطاك الله علماً أن تحدث الناس به تعلم الناس؛ لأن الناس محتاجون. وفقني الله والمسلمين لما يحب ويرضى. * * * وقال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: ١ـ٣] [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في سياق الآيات التي فيها الحث على الرفق باليتامى ونحوهم من الضعفاء، قال: وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) . (أَرَأَيْت) يقول العلماء: إن معناها أخبرني، يعني أخبرني عن حال هذا الرجل وماذا تكون. والدين: الجزاء؛ يعني يكذب بالجزاء وباليوم الآخر ولا يصدق به، وعلامة ذلك أنه يدع اليتيم يعني يدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه. (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا يحث الناس على طعام المسكين، وهو بنفسه لا يفعله أيضاً، ولا يطعم المساكين، فحال هذا

стр. 1285

والعياذ بالله أسوأ حال؛ لأنه لو كان يؤمن بيوم الدين حقيقة لرحم من أوصى الله برحمتهم، وحض على طعام المسكين. وفي سورة الفجر يقول الله تعالى: (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: ١٧، ١٨] ، وهذه أبلغ مما في سورة الماعون لأنه قال: (لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) وإكرامه أكثر من الوقوف بدون إكرام ولا إهانة، فاليتيم يجب أن يكرم. وتأمل قوله: (بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) فالمسكين حظه الإطعام ودفع حاجته، أما اليتيم فالإكرام. فإن كان غنياً فإنه يكرمه ليتمه ولا يطعم لغناه، وإن كان فقيراً ـ أي اليتيم ـ فإنه يكرم ليتمه ويطعم لفقره، ولكن أكثر الناس لا يبالون بهذا الشيء. واعلم أن الرفق بالضعفاء واليتامى والصغار يجعل في القلب رحمة وليناً وعطفاً وإنابة إلى ، لا يدركها إلا من جرب ذلك، فالذي ينبغي لك أن ترحم الصغار وترحم الأيتام وترحم الفقراء، حتى يكون في قلبك العطف والحنان والرحمة و ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) . نسأل الله أن يعمنا والمسلمين برحمته وفضله إنه كريم جواد. * * *

стр. 1286

١/٢٦٠ وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فانزل الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢] رواه مسلم [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: ((كنا مع النبي ﷺ ستة نفر)) وهذا في أول الإسلام في مكة؛ لأن سعيد بن أبي وقاص ﵁ من السابقين إلى الإسلام؛ أسلم وأسلم معه جماعة. ومن المعلوم أن من أول الناس إسلاماً أبا بكر ﵁، بعد خديجة وورقة بن نوفل، وكان هؤلاء النفر ستة منهم ابن مسعود ﵁، وكان راعي غنم فقيراً، وكذلك بلال بن أبي رباح وكان عبداً مملوكاً، وكانوا مع الرسول ﵊؛ يجلسون إليه ويستمعون له وينتفعون بما عنده، وكان المشركون العظماء في أنفسهم، يجلسون إلى النبي ﷺ فقالوا له: اطرد عنا هؤلاء، قالوا هذا احتقاراً لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي ﷺ . فوقع في نفس النبي ﷺ ما وقع، وفكر في الأمر، فأنزل الله تعالى:

стр. 1287

(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه) [الأنعام: ٥٢] ، نهاه الله أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراء، وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع، لكن لهم قيمة عند الله؛ لأنهم يدعون الله بالغداة والعشي، يعني صباحاً ومساءً، يدعونه دعاء مسألة فيسألونه رضوانه والجنة، ويستعيذون به من النار. ويدعونه دعاء عبادة فيعبدون الله، وعبادة الله تشتمل على الدعاء، ففي الصلاة مثلاً يقول الإنسان: رب اغفر لي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وما أشبه ذلك، ثم إن العابد أيضاً إنما يعبد لنيل رضا الله . وفي قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) تنبيه على الإخلاص وأن الإخلاص له أثر كبير في قبول الأعمال ورفعة العمال عند الله ، فكلما كان الإنسان في عمله أخلص؛ كان أرضى لله وأكثر لثوابه، وكم من إنسان يصلي وإلى جانبه آخر يصلي معه الصلاة، ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض، وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر. فالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته، وألا يقصد بعبادته شيئاً من أمور الدنيا؛ لا يقصد إلا رضا الله وثوابه حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى في آخر الآية: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) يعني ليس عليك شيء منهم ولا عليهم

стр. 1288

شيء منك، حساب الجميع على الله، وكل يجازى بعمله. (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام ٥٢] ، الفاء هذه التي في (فتكون) تعود على قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ) لا على قوله: (مَا عَلَيْك) ، فعندنا هنا في الآية فاءان: الفاء الأولى (فَتَطْرُدَهُمْ) وهذه مرتبة على قوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، و (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مرتبة على قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ) يعني فإن طردتهم فإنك من الظالمين. ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جليسه من أهل الخير الذين يدعون الله صباحاً ومساءً يريدون وجهه، وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر، والأشراف، والأمراء، والوزراء، والحكام؛ بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة؛ مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر، أو يبين لهم ما خفي عليهم من حال الأمة، فهذا طيب وفيه خير. أما مجرد الأنس بمجالستهم، ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر، أو مع الوزراء، أو مع الأمراء، أو مع ولاة الأمور، فهذا غرض لا يحمد عليه العبد، إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله؛ من غني وفقير، وحقير وشريف. فالمدار كله على رضا الله ، وعلى محبة من أحب الله. وقد ذاق طعم الإيمان من والى من والاه الله، وعادى من عاداه الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن

стр. 1289

يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. * * * ٢/٢٦١ ـ وعن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان ﵁، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ ، فأخبره فقال: ((يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) فأتاهم فقال: يا إخوتاه آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم. قوله ((مأخذها)) أي: لم تستوف حقها منه. وقوله: ((يا أخي)) روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتخفيف الياء، وروي بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في قضية الضعفاء والمساكين، وأنه تجب ملاطفتهم والرفق بهم والإحسان إليهم، أن أبا سفيان مر بسلمان وصهيب وبلال، وهؤلاء الثلاثة كلهم من الموالي، صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فمر بهم فقالوا: ما

стр. 1290

فعلت أسيافنا بعدو الله ما فعلت يعني: يريدون أنهم لم يشفوا أنفسهم مما فعل بهم أسيادهم من قريش، الذين كانوا يعذبونهم ويؤذونهم في دين الله ، فكأن أبا بكر ﵁ لامهم على ذلك، وقال: أتقولون لسيد قريش مثل هذا الكلام. ثم إن أبا بكر أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له: ((لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)) ، يعني أغضبت هؤلاء النفر ـ مع أنهم من الموالي وليسوا بشيء في عداد الناس وأشرافهم ـ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فذهب أبو بكر ﵁ إلى هؤلاء النفر وسألهم: آغضبتكم؟ فقالوا: لا، قال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر. فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يترفع على الفقراء والمساكين ومن ليس لهم قيمة في المجتمع؛ لأن القيمة الحقيقية هي قيمة الإنسان عند الله، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] ، والذي ينبغي للإنسان أن يخفض جناحه للمؤمنين ولو كانوا غير ذي جاه؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به نبيه ﷺ حيث قال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: ٨٨] . وفي هذا دليل على ورع أبي بكر ﵁، وعلى حرصه على إبراء ذمته، وأن الإنسان ينبغي له ـ بل يجب عليه ـ إذا اعتدى على أحد بقول أو فعل أو بأخذه مال أو سب أو شتم أن يستحله في الدنيا؛ قبل أن يأخذ ذلك منه في الآخرة؛ لأن الإنسان إذا لم يأخذ حقه في الدنيا فإنه يأخذه يوم القيامة، ويأخذ من أشرف شيء وأعز شيء على الإنسان يأخذه

стр. 1291

من الحسنات؛ من الأعمال الصالحة التي هو في حاجة إليها في ذلك المكان. قال النبي ﵊: ((ماذا تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من ليس له درهم ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع. فقال: ((المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار)) . * * *

стр. 1292

٥/٢٦٤ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف)) متفق عليه. وفي رواية في ((الصحيحين)) ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) . [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا وكافل اليتيم هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى، يعني بالأصبع السبابة والوسطى؛ والأصبع السبابة هي التي بين الوسطى والإبهام، وتسمى السبابة لأن الإنسان يشير بها عند السب، فإذا سب شخصاً قال هذا وأشار بها. وتسمى السباحة لأن الإنسان يشير بها أيضاً عند التسبيح، ولهذا يشير الإنسان بها في صلاته إذا جلس بين السجدتين ودعا: رب اغفر لي وارحمني؛ كلما دعا رفعها، يشير إلى الله ؛ لأن الله في السماء

стр. 1293

جل وعلا، وكذلك أيضاً يشير بها في التشهد إذا دعا: السلام عليك أيها النبي السلام علينا، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، في كل جملة دعائية يشير بها إشارة إلى علو الله تعالى وتوحيده. وفرج بينهما ﵊ يعني: قارن بينهما وفرج، يعني أن كافل اليتيم مع النبي ﵊ في الجنة قريب منه، وفي هذا حث على كفالة اليتم، وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن. واليتيم حده البلوغ، فإذا بلغ الصبي؛ زال عنه اليتم، وإذا كان قبل البلوغ فهو يتيم؛ هذا إن مات أبوه، وأما إذا ماتت أمه دون أبيه فإنه ليس بيتيم. وكذلك الحديث الذي بعده فيه أيضاً ثواب من قام بشئون اليتيم وإصلاحه. أما الحديث الثالث: فإن الرسول ﵊ يقول: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة التمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف)) . يعني المسكين؛ ليس (الشحاذ) الذي (يشحذ) الناس، ترده اللقمة واللقمتان: يعني إذا أعطيته لقمة أو لقمتين أو تمرة أو تمرتين ردته، بل المسكين حقيقة هو الذي يتعفف كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: ٢٧٣] ، هذا هو المسكين حقيقة؛ لا يسأل فيُعطى ولا يتفطن له فيعطى. كما يقول العامة: عاف كاف، ما

стр. 1294

يدرى عنه، هذا هو المسكين الذي ينبغي للناس تفقده وإصلاح حاله، والحنو عليه، والعطف عليه. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للمسكين أن يصبر وأن ينتظر الفرج من الله، وأن لا يتكفف الناس أعطوه أو منعوه؛ لأن الإنسان إذا علق قلبه بالخلق وكل إليهم، كما جاء في الحديث: ((من تعلق شيئاً وكل إليه)) وإذا وكلت إلى الخلق نسيت الخالق، بل اجعل أمرك إلى الله ، وعلق رجاءك وخوفك وتوكلك واعتمادك على الله فإنه يكفيك، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق: ٣] ، كل ما أمر الله به فهو بالغك، لا يمنعه شيء ولا يرده شيء. فالمسكين يجب عليه الصبر، ويجب عليه أن يمتنع عن سؤال الناس لا يسأل إلا عند الضرورة القصوى؛ إذا حلت له الميتة حل له السؤال، أما قبل ذلك مادام يمكنه أن يتعفف ولو أن يأكل كسرة من خبز أو شقاً من تمرة فلا يسأل، ولا يزال الإنسان يسأل الناس، ثم يسأل الناس، ثم يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم، والعياذ بالله؛ لأنه قد قشر وجهه للناس في الدنيا، ولهذا ذم أولئك القوم الذين يترددون على الناس يسألونهم وهم أغنياء؛ الذين إذا ماتوا وجد عندهم الآلاف، توجد عندهم الآلاف من الذهب والفضة والدراهم القديمة والأوراق.

стр. 1295

وهم إذا رأيتهم قلت: هؤلاء أفقر الناس، ثم يؤذون الناس بالسؤال، أو يسألون الناس وليس عندهم شيء لكن يريدون أن يجعلوا بيوتهم كبيوت الأغنياء وسياراتهم كسيارات الأغنياء، ولباسهم كلباس الأغنياء فهذا سفه، ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) اقتنع بما أعطاك الله؛ إن كنت فقيراً فعلى حسب حالك، وإن كنت غنياً فعلى حسب حالك. أما أن تقلد الأغنياء وتقول: أنا أريد سيارة فخمة، وأريد بيتاً فارهاً، وأريد فرشاً، ثم تذهب تسأل الناس سواء سألتهم مباشرة قبل أن تشتري هذه الأشياء التي أردت، أو تشتريها ثم تذهب تقول: أنا علي دين وما أشبه ذلك فكل هذا خطأ عظيم، اقتصر على ما عندك، وعلى ما أعطاك ربك ، واسأل الله أن يرزقك رزقاً لا يطغيك، رزقاً يغنيك عن الخلق وكفى. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسلامة. * * * ٦/٢٦٥ ـ وعنه عن النبي ﷺ : ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)) متفق عليه.

стр. 1296

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب: باب الرفق باليتامى والمستضعفين والفقراء ونحوهم، قول رسول الله ﷺ : ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر)) ، والساعي عليهم هو الذي يقوم بمصالحهم ومؤنتهم وما يلزمهم. والأرامل هم الذين لا عائل لهم سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، والمساكين هم الفقراء؛ ومن هذا قيام الإنسان على عائلته وسعيه عليهم، على العائلة الذين لا يكتسبون، فإن الساعي عليهم والقائم بمئونتهم ساع على أرملة ومساكين، فيكون مستحقاً لهذا الوعد ويكون كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذين لا يفطر. وفي هذا دليل على جهل أولئك القوم الذين يذهبون يميناً وشمالاً ويدعون عوائلهم في بيوتهم مع النساء، ولا يكون لهم عائل فيضيعون؛ لأنهم يحتاجون إلى الإنفاق ويحتاجون إلى الرعاية وإلى غير ذلك، وتجدهم يذهبون يتجولون في القرى وربما في المدن أيضاً، بدون أن يكون هناك ضرورة، ولكن شيء في نفوسهم، يظنون أن هذا أفضل من البقاء في أهليهم بتأديبهم وتربيتهم. وهذا ظن خطأ، فإن بقاءهم في أهلهم، وتوجيه أولادهم من ذكور وإناث، وزوجاتهم ومن يتعلق بهم أفضل من كونهم يخرجون يزعمون أنهم يرشدون الناس وهم يتركون عوائلهم الذين هم أحق من غيرهم

стр. 1297

بنصيحتهم وإرشادهم، ولهذا قال الله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤] ، فبدأ بعشيرته الأقربين قبل كل أحد. أما الذي يذهب إلى الدعوة إلى الله يوماً أو يومين أو ما أشبه ذلك، وهو عائد إلى أهله عن قرب فهذا لا يضره، وهو على خير ـ لكن كلامنا في قوم يذهبون أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو سنة ـ عن عوائلهم؛ يتركونهم للأهواء والرياح تعصف بهم، فهؤلاء لا شك أن هذا من قصور فقهم في دين الله . وقد قال النبي عليه الصلاة: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) فالفقيه في الدين هو الذي يعرف الأمور، ويحسب لها، ويعرف كيف تؤتى البيوت من أبوابها، حتى يقوم بما يجب عليه. * * * ٧/٢٦٦ ـ وعنه عن النبي ﷺ قال: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) رواه مسلم. وفي رواية في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة من قوله: ((بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء)) .

стр. 1298

[الشَّرْحُ] ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) . قوله ﵊: ((شر الطعام طعام الوليمة)) يحتمل أن يكون المراد بالوليمة هنا وليمة العرس، ويحتمل أن يكون أعم، وأن المراد بالوليمة كل ما دعي إلى الاجتماع إليه من عرس أو غيره، وسيأتي بيان ذلك في الأحكام إن شاء الله. ثم فسر هذه الوليمة التي طعامها شر الطعام وهي التي يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، يعني يدعى إليها الأغنياء، والغني لا يحرص على الحضور إذا دعي؛ لأنه مستغن بماله، ويمنع منها الفقراء؛ والفقير؛ هو الذي إذا دعي أجاب، فهذه الوليمة ليست وليمة مقربة إلى الله؛ لأنه لا يدعى إليها من هم أحق بها وهم الفقراء؛ بل يدعى إليها الأغنياء. أما الوليمة من حيث هي ـ ولا سيما وليمة العرس ـ فإنها سنة مؤكدة، قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: ((أولم ولو بشاة)) فأمره بالوليمة

стр. 1299

قال: ((ولو بشاة)) يعني ولو بشيء قليل، والشاة قليلة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف ﵁؛ لأنه من الأغنياء. وقوله ﵊: ((ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله)) يدل على أن إجابة دعوة الوليمة واجبة؛ لأنه لا شيء يكون معصية بتركه إلا وهو واجب، ولكن لا بد فيها من شروط: الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلماً؛ فإن لم يكن مسلما ً لم تجب الإجابة، ولكن تجوز الإجابة لا سيما إذا كان في هذا مصلحة، يعني لو دعاك كافر إلى وليمة عرس فلا بأس أن تجيب، لا سيما إن كان في ذلك مصلحة كتأليفه إلى الإسلام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن يهودياً دعاه في المدينة، فأجابه، وجعل له خبزاً من شعير وإهالة سنخة؛ يعني ودكاً قديماً متغيراً. وأما اشتراط العدالة: يعني اشتراط أن يكون الداعي عدلاً فليس بشرط، فتجوز إجابة دعوة الفاسق إذا دعاك مثل أن يدعوك إنسان قليل الصلاة مع الجماعة، أو حليق اللحية، أو شارب دخان، فأجبه كما تجيب من كان سالماً من ذلك. لكن إن كان عدم الإجابة يفضي إلى مصلحة بحيث يخجل هذا الداعي ويترك المعصية التي كان يعتادها حيث الناس لا يجيبون دعوته، فلا تجب دعوته من أجل مصلحته، أما إذا كان لا يستفيد سواء أجبته أو لم

стр. 1300

تجبه، فأجب الدعوة لأنه مسلم. الشرط الثاني: أن يكون ماله حلالاً؛ فإن كان ماله حراماً كالذي يكتسب المال بالربا؛ فإنه لا تجب إجابته لأن ماله حرام، والذي ماله حرام ينبغي للإنسان أن يتورع عن أكل ماله، ولكنه ليس بحرام، يعني لا يحرم عليك أن تأكل من مال من كسبه حرام؛ لأن النبي ﷺ أكل من طعام اليهود وهم يأكلون الربا؛ يأخذونه ويتعاملون به. لكن الورع أن لا تأكل ممن ماله حرام. أما إذا كان في ماله حرام يعني ماله مختلط؛ يتجر تجارة حلالاً ويكتسب كسباً محرماً؛ فلا بأس من إجابته، ولا تتورع عن ماله؛ لأنه لا يسلم كثير من الناس اليوم من أن يكون في ماله حرام، فمن الناس من يغش فيكتسب من حرام، ومنهم من يرابي في بعض الأشياء، ومنهم الموظفون، وكثير من الموظفين لا يقومون بواجب الوظيفة، فتجده يتأخر عن الدوام، أو يتقدم فيخرج قبل وقت انتهاء الدوام، وهذا ليس راتبه حلالاً؛ بل إنه يأكل من الحرام بقدر ما نقص من عمل الوظيفة؛ لأنه ملتزم بالعقد مع الحكومة مثلاً أنه يقوم بوظيفته من كذا إلى كذا، فلو فتشت الناس اليوم لوجدت كثيراً منهم يكون في ماله دخن من الحرام. الشرط الثالث: ألا يكون في الدعوة منكر؛ فإن كان في الدعوة منكر فإنه لا تجب الإجابة، مثل لو علمت أنهم سيأتون بمغنين، أو عندهم (شيش) يشربها الحاضرون، أو عندهم شراب دخان فلا تجب إلا إذا كنت قادراً على تغيير هذا المنكر، فإنه يجب عليك الحضور لسببين:
следующие страницы →