← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

رجل فسرقه، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يد السارق ـ انظر ماذا سرق؟ سرق رداء، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يده ـ فقال: يا رسول الله؛ أنا لا أريد ردائي، يعني أنه رحم هذا السارق وشفع فيه ألا تقطع يده، فقال النبي ﷺ : ((هلاّ كان ذلك قبل أن تأتيني به)) . يعني لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به، لكان ذلك لك، لكن إذا بلغت الحدود السلطان؛ فلابد من تنفيذها، وتحرم فيها الشفاعة. القسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتدٍ على أخيه، أعرف مثلاً أن هذا الرجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم. والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢] . ومن ذلك أيضاً أن يأتي رجل لشخص فيقول: يا فلان؛ أنا أريد أن أشتري دخاناً من فلان وقد سُمْتُه بكذا وكذا، وأبى عليّ إلا بكذا وكذا أكثر مما سمتُه به، فأرجوك أن تشفع لي عنده ليبيعه عليّ بهذا السعر الرخيص،

стр. 1227

فهنا لا تجوز الشفاعة؛ لأن هذه إعانة على الإثم والعدوان. القسم الثالث: الشفاعة في شيء مباح فهذه لا بأس بها، ويكون للإنسان فيها أجر، مثل أن يأتي شخص لآخر فيسوم منه بيتاً ويقول له هذا الثمن قليل، فيذهب السائم إلى شخص ثالث، ويقول: يا فلان اشفع لي عند صاحب البيت لعله يبيعه عليّ، فيذهب ويشفع له، فهذا جائز؛ بل هو مأجور على ذلك، ولهذا كان النبي ﷺ إذا أتاه صاحب حاجة يلتفت إلى أصحابه ويقول: ((اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)) أو ((ما أحب)) . فهنا يأمر ﵊ أصحابه بأن يشفعوا لصاحب الحاجة. ومثل ذلك أيضاً لو وجب لك حق على شخص، ورأيت أنك إذا تنازلت عنه هكذا ربما استخفّ بك في المستقبل وانتهك حرمتك، فهنا لا حرج أن تقول مثلاً لبعض الناس: اشفعوا له عندي؛ حتى تظهر أنت بمظهر القوي ولا تجبن أمامه ويحصل المقصود. فالحاصل أن الشفاعة في غير أمر محرم من الإحسان إلى الغير كما قال تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [النساء: ٨٥] .

стр. 1228

٣١ ـ باب الإصلاح بين الناس قال الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس) [النساء: ١١٤] ، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: الآية١] ، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: ١٠] [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الإصلاح بين الناس. الإصلاح بين الناس: هو أن يكون بين شخصين معاداة وبغضاء، فيأتي رجل موفق فيصلح بينهما، ويزيل ما بينهما من العداوة والبغضاء، وكلما كان الرجلان أقرب صلة بعضهما من بعض؛ فإن الصلح بينهما أوكد، يعني أن الصلح بين الأب وابنه أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، والصلح بين الأخ وأخيه أفضل من الصلح بين العم وابن أخيه، وهكذا كلما كانت القطيعة أعظم؛ كان الصلح بين المتابغضين وبين المتقاطعين أكمل وأفضل وأوكد. واعلم أن الصلح بين الناس من أفضل الأعمال الصالحة، قال الله (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي إلا نجوى من أمر بصدقة. والنجوى: الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، فأكثر المناجاة بين

стр. 1229

الناس لا خير فيها إلا من أمر بصدقة أو معروف. والمعروف: كل ما أمر به الشرع، يعني: أمر بخير. أو إصلاح بين الناس: بين الرجل وصاحبه مفسدة، فيأتي شخص موفّق فيصلح بينهما، ويزيل ما بين الرجل وصاحبه من العداوة والبغضاء. ثم قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] ، فبين سبحانه في هذه الآية أن الخير حاصل فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهذا خير حاصل لا شك فيه، أما الثواب فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) . فأنت يا أخي المسلم إذا رأيت بين شخصين عداوة وبغضاء وكراهة، فاحرص على أن تسعى بينهما بالصلح حتى لو خسرت شيئاً من مالك فإنه مخلوف عليك. ثم اعلم أن الصلح يجوز فيه التورية أي أن تقول لشخص: إن فلاناً لم يتكلم فيك بشيء، إن فلاناً يحب أهل الخير وما أشبه ذلك، أو تقول: فلان يحبك إن كنت من أهل الخير، وتضمر في نفسك جملة ((إن كنت من أهل الخير)) لأجل أن تخرج من الكذب. وقال الله : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] ، هذه جملة عامة ((الصلح خير)) في جميع الأمور. ثم قال تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ) [النساء: ١٢٨] ، إشارة إلى أن

стр. 1230

الإنسان ينبغي له عند الإصلاح أن يتنازل عما في نفسه، وأن لا يتبع نفسه؛ لأنه إذا اتبع نفسه فإن النفس شحيحة، ربما يريد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً، وإذا أراد الإنسان أن يأخذ بحقه كاملاً؛ فإن الصلح يتعذر؛ لأنك إذا أردت أن تأخذ بحقك كاملاً وأراد صاحبك أن يأخذ بحقه كاملاً؛ لم يكن إصلاحاً. لكن إذا تنازل كل واحد منكما عما يريد وغلب شحّ نفسه؛ فإنه يحصل الخير ويحصل الصلح، وهذا هو الفائدة من قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) بعد قوله: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) ، وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩] ، فأمر الله بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين. والحاصل أن الإصلاح كله خير، فعليك يا أخي المسلم إذا رأيت شخصين متنازعين متباغضين متعاديين؛ أن تصلح بينهما؛ لتنال الخير الكثير، وابتغ في ذلك وجه الله وإصلاح عباد الله حتى يحصل لك الخير الكثير كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] . أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين. * * * ١/٢٤٨ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقه، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى

стр. 1231

عن الطريق صدقة)) متفق عليه. ومعنى ((تعدل بينهما)) : تصلح بينهما بالعدلِ. [الشَّرْحُ] سبق لنا ما ذكره المؤلف من الآية الكريمة الدالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس)) ، والسُلامى هي العظام والمفاصل؛ يعني كل يوم تطلع الشمس؛ فعلى كل مفصل من مفاصلك صدقة. قال العلماء من أهل الفقه والحديث: وعدد السلامى في كل إنسان ثلاثمائة وستون عضواً أو مفصلاً، فعلى كل واحد من الناس أن يتصدق كل يوم تطلع فيه الشمس بثلاثمائة وستين صدقة، ولكن الصدقة لا تختص بالمال؛ بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام؛ لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله . ثم بيّن ﷺ هذه الصدقة فقال: ((تعدل بين اثنين صدقة)) يعني رجلان يتخاصمان إليك فتعدل بينهما؛ تحكم بينهما بالعدل، وكل ما وافق الشرع فهو عدل، وكل ما خالف الشرع فهو ظلم وجور. وعلى هذا فنقول: هذه القوانين التي يحكم بها بعض الناس وهي مخالفة لشريعة الله ليست عدلاً؛ بل هي جور وظلم وباطل، ومن حكم بها

стр. 1232

معتقداً أنها مثل حكم الله أو أحسن منه؛ فإنه كافر مرتد عن دين الله؛ لأنه كذب قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠] ، يعني لا أحد أحسن من الله حكماً، لكن لا يفهم هذا إلا من يوقن، أما الذي أعمى الله بصيرته، فإنه لا يدري بل قد يزين له سوء عمله فيراه حسناً والعياذ بالله. ومن العدل بين اثنين: العدل بينهما بالصلح، لأن الحاكم بين الاثنين سواء أكان منصوباً من قبل ولي الآمر، أو غير منصوب قد لا يتبين له وجه الصواب مع أحد الطرفين، فإذا لم يتبين له، فلا سبيل له إلا الإصلاح، فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع. وقد سبق لنا أنه لا صلح مع المشاحة، يعني أن الإنسان إذا أراد أن يعامل أخاه بالمشاحة، فإنه لا يمكن الصلح، كما قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) [النساء: ١٢٨] يشير إلى أن الصلح ينبغي للإنسان أن يبعد فيه عن الشحّ، وأن لا يطالب بكامل حقه؛ لأنه إن طالب بكامل حقه، طالب الآخر بكامل حقه ولم يحصل بينهما صلح؛ بل لابد أن يتنازل كل واحد منهم عن بعض حقه. فإذا لم يكن الحكم بين الناس بالحق، بل اشتبه على الإنسان إما من حيث الدليل، أو من حيث حال المتخاصمين، فليس هناك إلا السعي بينهما بالصلح. قال ﵊: ((تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعاً صدقة)) .

стр. 1233

هذا أيضاً من الصدقات؛ أن تعين الرجل في دابته فتحمله عليها إذا كان لا يستطيع أن لا يركبها بنفسه، أو تحمل له عليها متاعه، تساعده على حمل المتاع على الدابة فهذا صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة؛ يعني إذا رأيت ما يؤلم المشاة فأمطته أي: أزلته فهذه صدقة، سواء كان حجراً، أم زجاجاً، أم قشر بطيخ، أم ثياباً يلتوي بعضها على بعض، أو ما أشبه ذلك. والحاصل أن كل ما يؤذي أَزِلْه عن الطريق، فإنك بذلك تكون متصدقاً، وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق صدقة؛ فإن إلقاء الأذى في الطريق سيئة. ومن ذلك من يلقون قمامتهم في وسط الشارع، أو يتركون المياه تجري في الأسواق فتؤذي الناس، مع أن في ترك المياه مفسدة أخرى، وهي استنفاد الماء؛ لأن الماء مخزون في الأرض، قال الله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: ٢٢] ، والمخزون ينفد. ولهذا نرى أن الذي يترك المياه ويسرف في صرفها ولا يبالي في ضياعها مسيء إلى كل الأمة؛ لأن الماء مشترك، فإذا أسأت في تصريفه وأنفقته ولم تبال به كنت مسرفاً، والله لا يحب المسرفين، وكنت مسيئاً لتهديد الأمة قي نقص مائها أو زواله، وهذا ضرر عام. والحاصل أن الذين يلقون في الأسواق ومسار الناس ما يؤذيهم هم مسيئون، والذين يزيلون ذلك هم متصدقون. ((وتميط الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة)) ، وهذه ـ ولله الحمد ـ من أعم ما يكون. الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: طيبة بذاتها، طيبة بغاياتها.

стр. 1234

أما الطيبة بذاتها فالذكر: لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الذكر قراءة القرآن. وأما الكلمة الطيبة في غايتها فهي الكلمة المباحة كالتحدث مع الناس، إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم، فإن هذا الكلام وإن لم يكن طيباً بذاته لكنه طيب في غاياته، في إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله ، فالكلمة الطيبة صدقة وهذا من أعم ما يكون. ثم قال ((وفي كل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة)) . كل خطوة: خطوة ـ بالفتح ـ يعني خطوة واحد تخطوها إلى الصلاة ففيها صدقة. عد الخطى من بيتك إلى المسجد تجدها كثيرة ومع ذلك كل خطوة فهي صدقة لك، إذا خرجت من بيتك مسبغاً الوضوء، لا يخرجك من بيتك إلى المسجد إلا الصلاة، فإن كل خطوة صدقة، وكل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة. وهذا فضل عظيم. أسبغ الوضوء في بيتك، واخرج إلى المسجد، لا يخرجك إلا الصلاة، وأبشر بثلاث فوائد: الأولى: صدقة، والثانية: رفع درجة، والثالثة: حطّ خطيئة. كل هذا من نعم الله ، والله الموفق. * * * ٢/٢٤٩ ـ وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً، أو يقول خيراً)) متفق عليه. وفي رواية مسلم زيادة، قالت ((ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) . [الشَّرْحُ] هذا الحديث الذي ذكره المؤلف حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً

стр. 1235

أو يقول خيراً)) فالإنسان إذا قصد الإصلاح بين الناس وقال للشخص: إن فلاناً يثني عليك ويمدحك ويدعو لك وما أشبه ذلك من الكلمات، فإن ذلك لا بأس به. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، هل المراد أن يكذب الإنسان كذباً صريحاً، أو أن المراد أن يوري، بمعنى أن يظهر للمخاطب غير الواقع، لكنه له وجه صحيح، كأن يعني بقوله مثلاً: فلان يثني عليك أي: على جنسك وأمثالك من المسلمين، فإن كل إنسان يثني على المسلمين من غير تخصيص. أو يريد بقوله: إنه يدعو لك؛ أنه من عباد الله، والإنسان يدعو لكل عبد صالح في كل صلاة، كما قال النبي ﷺ : ((إنكم إذا قلتم ذلك)) ـ يعني قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ ((فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض)) .

стр. 1236

وقال بعضهم: إن التورية تعد كذباً؛ لأنها خلاف الواقع، وإن كان المتكلم قد نوى بها معنى صحيحاً، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : ((إن إبراهيم ﵊ يعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات في ذات الله)) وهو لم يكذب ﵊، لكنه ورّى. وعلى كل حال فالإنسان المصلح ينبغي له أن يتحرز من الكذب، وإذا كان ولابد فليتأول؛ ليكون بذلك مورياً، والإنسان إذا كان مورياً فلا إثم عليه فيما بينه وبين الله، والتورية جائزة عند المصلحة. أما اللفظ الثاني ففيه زيادة عن الإصلاح بين الناس، وهو الكذب في الحرب. والكذب في الحرب هو أيضاً نوع من التورية مثل أن يقول للعدو: إن ورائي جنوداً عظيمة وما أشبه ذلك من الأشياء التي يرهب بها الأعداء. وتنقسم التورية في الحرب إلى قسمين: قسم في اللفظ، وقسم في الفعل. مثل ما فعل القعقاع بن عمرو ﵁ في إحدى الغزوات؛ فإنه أراد أن يرهب العدو فصار يأتي بالجيش في الصباح، ثم يغادر المكان، ثم يأتي به في صباح يوم آخر وكأنه مدد جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد

стр. 1237

جديد جاء ليساعد المحاربين المجاهدين، فيتوهم العدو أن هذا مدد جديد فيرهب ويخاف، وهذا جائز للمصلحة. أما المسألة الثالثة فهي أن يحدث الرجل زوجته وتحدث المرأة زوجها، وهذا أيضاً من باب التورية، مثل أن يقول لها: إنك من أحب الناس إليّ، وإني أرغب في مثلك، وما أشبه ذلك من الكلمات التي توجب الألفة والمحبة بينهما. ولكن مع هذا لا ينبغي فيما بين الزوجين أن يكثر الإنسان من هذا الأمر؛ لأن المرأة إذا عثرت على شيء يخالف ما حدثها به، فإنه ربما تنعكس الحال وتكرهه أكثر مما كان يتوقع، وكذلك المرأة مع الرجل. * * * ٣/٢٥٠ ـ وعن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: ((أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟)) فقال أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب) ، متفق عليه. معنى ((يستوضعه)) : يسأله أن يضع عنه بعض دينه. ((ويسترفقه)) : يسأله الرفق. ((والمتألي)) : الحالف.

стр. 1238

[الشَّرْحُ] هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في بيان الصلح بين اثنين متنازعين فإذا رأى شخص رجلين يتنازعان في شيء وأصلح بينهما، فله أسوة برسول الله ﷺ ، وقد فعل خيراً كثيراً، كما سبق الكلام فيه على قول الله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ١١٤] . فالنبي ﷺ لما سمع نزاع رجلين وقد علت أصواتهما، خرج إليهما ﷺ لينظر ماذا عندهما، وفيه دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يتدخل في النزاع بين اثنين، إذا لم يكن ذلك سراً بينهما؛ لأن هذين الرجلين قد أعلنا ذلك، وكانا يتكلمان بصوت مرتفع، أما لو كان الأمر بين اثنين على وجه السر والإخفاء؛ فلا يجوز للإنسان أن يتدخل بينهما؛ لأن في ذلك إحراجاً لهما، فإن إخفاءهما للشيء يدل على أنهما لا يحبان أن يطلع عليه أحد من الناس، فإذا أقحمت نفسك في الدخول بينهما؛ أحرجتهما وضيقت عليهما، وربما تأخذهما العزة بالإثم فلا يصطلحان. والمهم أنه ينبغي للإنسان أن يكون أداة خير، وأن يحرص على الإصلاح بين الناس وإزالة العداوة والضغائن حتى ينال خيراً كثيراً، والله الموفق.

стр. 1239

٣٢ ـ باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين قال الله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَوةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (الكهف: ٢٨) . [الشَّرْحُ] قال رحمه الله تعالى: باب فضل ضعفاء المسلمين وفقرائهم والخاملين منهم. المراد بهذا الباب: تسلية من قدّر الله عليه أن يكون ضعيفاً في بدنه، أو ضعيفاً في عقله، أو ضعيفاً في ماله، أو ضعيفاً في جاهه أو غير ذلك مما يعدّه الناس ضعفاً؛ فإن الله قد يجعل الإنسان ضعيفاً من وجه لكنه قوي عند الله ، يحبه الله ويكرمه، وينزله المنازل العالية، وهذا هو المهم. المهم أن تكون قوياً عند الله ، وجيهاً عنده، ذا شرف يكرمك الله به. ثم ذكر قول الله تعالى مخاطباً نبيه ﷺ في قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَوة وَالْعَشِيّ) [الكهف: ٢٨] . اصبر نفسك أي: احبسها مع هؤلاء القوم الذين يدعون الله بالغداة: أول النهار والعشي: آخر النهار، والمراد بالدعاء هنا: دعاء المسألة ودعاء العبادة.

стр. 1240

فإن دعاء المسألة يعتبر دعاء؛ كقوله تعالى في الحديث القدسي: ((من يدعوني فأستجيب له)) . وقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] . ودعاء عبادة، وهو أن يتعبد الإنسان لربه بما شرعه؛ لأن العابد يدعو بلسان الحال، ولسان المقال. فالصلاة مثلاً عبادة تشتمل على قراءة القرآن، وذكر الله، وتسبيحه، ودعائه أيضاً، والصوم عبادة وإن كان في جوهره ليس فيه دعاء، لكن الإنسان لم يصم إلا رجاء ثواب الله، وخوف عقاب الله، فهو دعاء بلسان الحال. وقد تكون العبادة دعاءً محضاً يدعو الإنسان ربه بدعاء فيكون عابداً له، وإن كان مجرد دعاء؛ لأن الدعاء يعني افتقار الإنسان إلى الله، وإحسان ظنه به، ورجاءه، والخوف من عقابه. فقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) ، يدعون ربهم: أي يسألونه حاجاتهم، ويعبدونه؛ لأن العابد داعٍ بلسان الحال، بالغداة: أول النهار، والعشي: آخر النهار، ولعل المراد بذلك: يدعون ربهم دائماً، لكنهم يخصون الغداة والعشي بدعائه الخاص، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) يعني لا يريدون عرضاً من الدنيا، إنما يريدون وجه الله .

стр. 1241

(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يعني لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم؛ بل كن دائماً ناظراً إليهم، وكن معهم في دعائهم وعبادتهم وغير ذلك، وهذا كقوله تعالى: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: ١٣١) فقوله تعالى: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يعني: اجعل عينيك دائماً فيهم. وهنا قال: (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: لا تنظر إلى أهل الدنيا وما متعوا به من النعيم، ومن المراكب، والملابس، والمساكن، وغير ذلك. فكل هذا زهرة الدنيا، والزهرة آخر مآلها الذبول واليبس والزوال، وهي أسرع أوراق الشجرة ذبولاً وزوالاً، ولهذا قال: زهرة، وهي زهرة حسنة في رونقها وجمالها وريحها ـ إن كانت ذات ريح ـ لكنها سريعة الذبول، وهكذا الدنيا، زهرة تذبل سريعاً، نسأل الله أن يجعل لنا حظاً ونصيباً في الآخرة. يقول (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، أي: رزق الله بالطاعة، كما قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢) وكان النبي ﷺ إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا قال ((اللهم إن العيش عيش الآخرة)) كلمتان عظيمتان، فالإنسان إذا نظر إلى الدنيا ربما تعجبه

стр. 1242

فيلهو عن طاعة الله، فينبغي أن يذكر نعيم الآخرة عند ذلك، ويقارن بينه وبين هذا النعيم الدنيوي الزائل، ثم يوطن نفسه ويرغبها في هذا النعيم الأخروي الذي لا ينقطع، ويقول: ((اللهم إن العيش عيش الآخرة)) . وصدق الرسول ﷺ فعيش الدنيا مهما كان زائل، ومهما كان فمحفوف بالحزن، ومحفوف بالآفات، ومحفوف بالنقص، وكما يقول الشاعر في شعره الحكيم: لا طيب للعيش ما دامت منغصةً لذاته بادكارِ الموت والهم والعيش مآله أحد أمرين: إما الهرم حتى يعود الإنسان إلى سن الطفولة، والضعف البدني مع الضعف العقلي، ويكون عالة حتى على أهله. وإما الموت، فكيف يطيب العيش للإنسان العاقل؟ ولولا أنه يؤمل ما في الآخرة؛ وما يرجوه من ثواب الآخرة، لكانت حياته عبثاً. ومهما يكن من أمر فقد أمر الله نبيه ﷺ أن يصبر نفسه مع هؤلاء الذين يدعون الله بالغداة والعشي يريدون وجهه، والآية ليس فيها أمر بالضعفاء خاصة، وإن كان سبب النزول هكذا، لكن العبرة بالعموم. الذين يدعون الله ويعبدونه سواء أكانوا ضعفاء أم أقوياء، فقراء أم أغنياء كن معهم دائماً. لكن الغالب أن الملأ والأشراف يكونون أبعد عن الدين من الضعفاء

стр. 1243

والمستضعفين، ولهذا فالذين يكذبون الرسل هم الملأ، قال الملأ من قوم صالح: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) [االأعراف: ٧٥] ، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم مع أهل الحق ودعاة الحق وأنصاره إنه جواد كريم. * * * ١/٢٥٢ ـ عن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ((ألا أخبركم يأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لا بره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍ جواظٍ مستكبر)) متفق عليه. ((العتل)) : الغليظ الجافي: ((والجواظ)) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن حارثة بن وهب ﵁ في باب ضعفاء المسلمين وأذلاءهم أن النبي ﷺ قال: ((ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره)) يعني هذه من علامات أهل الجنة؛ أن الإنسان يكون ضعيفاً متضعفاً، أي: لا يهتم بمنصبه أو جاهه، أو يسعى إلى علو المنازل في الدنيا، ولكنه ضعيف في

стр. 1244

نفسه متضعف، يميل إلى الخمول وإلى عدم الظهور؛ لأنه يرى أن المهم أن يكون له جاه عند الله ، لا أن يكون شريفاً في قومه أو ذا عظمة فيهم، ولكن يرى أن الأهم كله أن يكون عند الله ذا منزلة كبيرة عالية. ولذلك تجد أهل الآخرة لا يهتمون بما يفوتهم من الدنيا؛ إن جاءهم من الدنيا شيء قبلوه، وإن فاتهم شيء لم يهتموا به؛ لأنهم يرون أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الأمور بيد الله، وإن تغيير الحال من المحال، وأنه لا يمكن رفع ما وقع ولا دفع ما قدر إلا بالأسباب الشرعية التي جعلها الله تعالى سبباً. وقوله: ((لو أقسم على الله لأبره)) يعني لو حلف على شيء ليسره الله له أمره، حتى يحقق له ما حلف عليه، وهذا كثيراً ما يقع؛ أن يحلف الإنسان على شيء ثقة بالله ، ورجاء لثوابه فيبر الله قسمه، وأما الحالف على الله تعالياً وتحجراً لرحمته، فإن هذا يخذل، والعياذ بالله. وهاهنا مثلان: المثل الأول: أن الربيع بنت النضر ﵄ وهي من الأنصار، كسرت ثنية جارية من الأنصار، فرفعوا الأمر إلى رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ أن تكسر ثنية الربيع، لقول الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس) إلى قوله: (وَالسِّنَّ بِالسِّنّ) [المائدة: ٤٥] فقال أخوها أنس بن النضر: والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع، فقال ((يا أنس كتاب الله القصاص)) فقال: والله لا تكسر ثنية الربيع. أقسم بهذا ليس ذلك رداً لحكم الله ورسوله، ولكنه يحاول بقدر ما

стр. 1245

يستطيع أن يتكلم مع أهلها حتى يعفوا ويأخذوا الدية، أو يعفوا مجاناً، كأنه واثق من موافقتهم، لا رداً لحكم الله ورسوله، فيسر الله ؛ فعفى أهل الجارية عن القصاص، فقال النبي ﷺ : ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) . وهنا لا شك أن الحامل لأنس بن النضر هو قوة رجائه بالله ، وأن الله سييسر من الأسباب ما يمنع كسر ثنية أخته الربيع. أما المثل الثاني: الذي أقسم على الله تألياً وتعارضاً وترفعاً فإن الله يخيب آماله، ومثال ذلك الرجل الذي كان مطيعاً لله عابداً، يمر على رجل عاص، كلما مر عليه وجده على المعصية، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، حمله على ذلك الإعجاب بنفسه، والتحجر بفضل الله ورحمته، واستبعاد رحمة الله من عباده. فقال الله تعالى ((من ذا الذي يتألى علي ـ أي يحلف على ـ ألا أغفر لفلان. قد غفرت له، وأحبطت عملك)) ، فانظر الفرق بين هذا وهذا. فقول الرسول ﷺ : ((إن من عباد الله)) ((من)) هنا للتبعيض، ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) وذلك فيمن أقسم على الله ثقة به، ورجاء لما عند الله .

стр. 1246

ثم قال ﷺ : ((ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر)) ؛ هذه علامات أهل النار. ((عتل)) : يعني أنه غليظ جاف، قلبه حجر والعياذ بالله؛ كالحجارة أو أشد قسوة. ((جواظ مستكبر)) الجواظ فيه تفاسير متعددة، قيل إنه الجموع المنوع، يعني الذي يجمع المال ويمنع ما يجب فيه. والظاهر أن الجواظ هو الرجل الذي لا يصبر، فجواظ يعني جزوع لا يصبرعلى شيء، ويرى أنه في قمة أعلى من أن يمسه شيء. ومن ذلك قصة الرجل الذي كان مع الرسول ﷺ في غزوة، وكان شجاعاً لا يدع شاذة ولا فاذة للعدو إلا قضى عليها، فقال النبي ﷺ : ((إن هذا من أهل النار)) ، فعظم ذلك على الصحابة، وقالوا: كيف يكون هذا من أهل النار وهو بهذه المثابة؟ ثم قال رجل: والله لألزمنه يعني لأ لازمه حتى أنظر ماذا يكون حاله، فلزمه فأصاب هذا الرجل الشجاع سهم من العدو. فعجز عن الصبر وجزع ثم أخذ بذبابة سيفه فوضعه في صدره ثم اتكأ عليه حتى خرج السيف من ظهره والعياذ بالله، فقتل نفسه. فجاء الرجل للرسول ﷺ فقال: يا رسول الله أشهد أنك لرسول الله، قال ((ويم؟)) قال: لأن الرجل الذي قلت إنه من أهل النار، فعل كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار)) . فانظر إلى هذا الرجل جزع وعجز أن يتحمل فقتل

стр. 1247

نفسه. فالجواظ هو الجزوع الذي لا يصبر، دائماًُ في أنين وحزن وهمّ وغمّ، معترضاً على القضاء والقدر، لا يخضع له، ولا يرضى بالله رباً. وأما المستكبر فهو الذي جمع بين وصفين: غمط الناس، وبطر الحق؛ لأن النبي ﷺ قال ((الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) وبطر الحق: يعني رده، وغمط الناس: يعني احتفارهم، فهو في نفسه عال على الحق، وعال على الخلق، لا يلين للحق ولا يرحم الخلق والعياذ بالله. فهذه علامات أهل النار. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار، وأن يدخلنا وإياكم الجنة. إنه جواد كريم. * * * ٢/٢٥٣ ـ وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: مر رجل على النبي ﷺ ، فقال لرجل عنده جالس: ((ما رأيك في هذا؟)) فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ : ((ما رأيك في هذا)) فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : ((هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)) متفق عليه.

стр. 1248

قوله ((حري)) : هو بفتح الحاء وكسر الراء وتشديد الياء: أي حقيق. وقوله: ((شفع)) بفتح الفاء. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: مر رجل عند رسول الله ﷺ ، فقال لرجل: ((ما تقول في هذا؟)) قال: رجل من أشراف الناس، حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، ثم مر رجل آخر، فسأل عنه فقال: هذا رجل من ضعفاء المسلمين، حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله. فهذان رجلان أحدهما من أشراف القوم، وممن له كلمة فيهم، وممن يجاب إذا خطب، ويسمع إذا قال، والثاني بالعكس، رجل من ضعفاء الناس ليس له قيمة، إن خطب فلا يجاب، وإن شفع فلا يشفع، وإن قال فلا يسمع. فقال النبي ﷺ : ((هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)) أي: خير عند الله من ملء الأرض من مثل هذا الرجل الذي له شرف وجاه في قومه؛ لأن الله ليس ينظر إلى الشرف، والجاه، والنسب، والمال، والصورة، واللباس، والمركوب، والمسكون، وإنما ينظر إلى القلب والعمل، فإذا صلح القلب فيما بينه وبين الله ، وأناب إلى الله، وصار ذاكراً لله تعالى خائفاً منه، مخبتاً إليه، عاملاً بما يرضي الله ، فهذا هو الكريم عند الله، وهذا هو الوجيه عنده، وهذا هو الذي لو

стр. 1249

أقسم على الله لأبره. فيؤخذ من هذا فائدة عظيمة وهي أن الرجل قد يكون ذا منزلة عالية في الدنيا، ولكنه ليس له قدر عند الله، وقد يكون في الدنيا ذا مرتبة منحطة وليس له قيمة عند الناس وهو عند الله خير من كثير ممن سواه ـ نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الوجهاء عنده، وأن يجعل لنا ولكم عنده منزلة عالية، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. * * * ٣/٢٥٤ ـ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((احتجت الجنة النار فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها)) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((احتجت الجنة والنار)) يعني: تحاجا فيما بينهما، كل واحدة تدلي بحجتها، وهذا من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نؤمن بها حتى وإن استبعدتها العقول وقال الإنسان: كيف تتحاج الجنة

стр. 1250

والنار وهما جمادان؟! فإننا نقول إن الله على كل شيء قدير، وقد أخبر الله أن الأرض يوم القيامة تحدث أخبارها بما أوحى الله إليها به، فإذا أمر الله شيئاً بشيء؛ فإن هذا المأمور سيستجيب على كل حال، الأيدي يوم القيامة والألسن والأرجل والجلود كلها تشهد، مع أنها جماد، وتشهد على صاحبها مع أنها أقرب الناس إليه؛ لأن الله على كل شيءِ قدير. فالجنة احتجت على النار، والنار احتجت على الجنة. النار احتجت بأن فيها الجبارين والمتكبرين. الجبارون أصحاب الغلظة والقسوة، والمتكبرون أصحاب الترفع والعلو، والذين يغمطون الناس ويردون الحق، كما قال النبي ﷺ في الكبر: ((إنه بطر الحق وغمط الناس)) . فأهل الجبروت وأهل الكبرياء هم أهل النار والعياذ بالله، وربما يكون صاحب النار لين الجانب للناس، حسن الأخلاق، لكنه جبار بالنسبة للحق، مستكبر عن الحق، فلا ينفعه لينه وعطفه على الناس، بل هو موصوف بالجبروت والكبرياء ولو كان لين الجانب للناس؛ لأنه تجبر واستكبر عن الحق. أما الجنة فقالت: إن فيها ضعفاء الناس وفقراء الناس. فهم في

стр. 1251

الغالب الذين يلينون للحق وينقادون له، وأما أهل الكبرياء والجبروت؛ ففي الغالب أنهم لا ينقادون. فقضى الله بينهما فقال: ((إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء)) وقال للنار: ((إنك النار عذابي أعذب بك من أشاء)) إنك الجنة رحمتي: يعني أنها الدار التي نشأت من رحمة الله، وليست رحمته التي هي صفته؛ لأن رحمته التي هي صفته وصف قائم به، لكن الرحمة هنا مخلوق، أنت رحمتي يعني خلقتك برحمتي، أرحم بك من أشاء. وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء كقوله تعالى: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) [العنكبوت: ٢١] فأهل الجنة هم أهل رحمة الله ـ نسأل الله أن يجعلني وإياك منهم ـ وأهل النار هم أهل عذاب الله. ثم قال : ((ولكليكما عليَّ ملؤها)) تكفل وأوجب على نفسه أن يملأ الجنة ويملأ النار، وفضل الله ورحمته أوسع من غضبه، فإنه إذا كان يوم القيامة ألقى من يلقى في النار، وهي تقول هل من مزيد، يعني أعطوني. أعطوني. زيدوا. فيضع الله عليها رجله، وفي لفظ عليها قدمه، فينزوي بعضها على بعض، ينضم بعضها إلى بعض من أثر وضع الرب عليها قدمه، وتقول: قط قط، يعني: كفاية كفاية، وهذا ملؤها. أما الجنة فإن الجنة واسعة، عرضها السَّمَوَاتِ والأرض يدخلها أهلها ويبقى فيها فضل زائد على أهلها، فينشى الله تعالى لها أقواماً فيدخلهم الجنة بفضله ورحمته؛ لأن الله تكفل لها بملئها.

стр. 1252

ففي هذا دليل على أن الفقراء والضعفاء هم أهل الجنة؛ لأنهم في الغالب هم الذين ينقادون للحق، وأن الجبارين المتكبرين هم أهل النار والعياذ بالله؛ لأنهم مستكبرون على الحق وجبارون. لا تلين قلوبهم لذكر الله، ولا لعباد الله. نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية. * * * ٤/٢٥٥ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)) ذكر المؤلف هذا الحديث في باب المستضعفين والفقراء من المسلمين، وذلك لأن الغالب أن السمنة إنما تأتي من البطنة أي: من كثرة الأكل، وكثرة الأكل تدل على كثرة المال والغنى، والغالب على الأغنياء البطر والأشر وكفر النعمة، حتى إنهم يوم القيامة يكونون بهذه المثابة، يؤتى بالرجل العظيم السمين يعني كثير اللحم والشحم. عظيم كبير الجسم لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة، والبعوضة معروفة من أشد الحيوانات امتهاناً وأهونها وأضعفها، وجناحها كذلك.

стр. 1253

وفي هذا الحديث إثبات الوزن يوم القيامة، وقد دل على ذلك كتاب الله ، قال الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء: ٤٧) . وقال جل وعلا: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [الزلزلة: ٧، ٨] . وقال النبي ﷺ : ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) . فالوزن يوم القيامة وزن عدل ليس فيه ظلم، يجازى فيه الإنسان على حسب ما عنده من الحسنات والسيئات. قال أهل العلم: فمن رجحت حسناته على سيئاته فهو من أهل الجنة، ومن رجحت سيئات على حسناته استحق أن يعذب في النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته كان من أهل االأعراف، الذين يكونون بين الجنة والنار لمدة، على حسب ما يشاء الله ، وفي النهاية يدخلون الجنة. ثم إن الوزن حسي بميزان له كفتان، توضع في إحداهما السيئات وفي الأخرى الحسنات، وتثقل الحسنات، وتخف السيئات إذا كانت الحسنات أكثر، والعكس بالعكس.

стр. 1254

ثم ما الذي يوزن؟ ظاهر هذا الحديث أن الذي يوزن الإنسان، وأنه يخف ويثقل بحسب أعماله. وقال بعض العلماء: بل الذي يوزن صحائف الأعمال، توضع صحائف السيئات في كفة، وصحائف الحسنات في كفة، وما رجح فالعمل عليه. وقيل: بل الذي يوزن العمل؛ لأن الله تعالى قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) [الزلزلة: ٧] ، فجعل الوزن للعمل، وقال تعالى: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا) (الانبياء: ٤٧) ، وقال النبي ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) ، فقوله ﷺ : كلمتان ثقيلتان في الميزان يدل على أن الذي يوزن هو العمل، وهذا هو ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة، وربما يوزن هذا وهذا، أي توزن الأعمال وتوزن صحائف الأعمال. وفي هذا الحديث التحذير من كون الإنسان لا يهتم إلا بنفسه أي بتنعيم جسده، والذي ينبغي للعاقل أن يهتم بتنعيم قلبه، ونعيم قلب الإنسان بالفطرة وهي التزام دين الله ، وإذا نعم القلب نعم البدن ولا عكس.

стр. 1255

قد ينعم البدن ويؤتى الإنسان من الدنيا ما يؤتى من زهرتها، ولكن قلبه في جحيم والعياذ بالله. وإذا شئت أن تتبين هذا فاقرأ قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: ٩٧] ، لم يقل فلننعمن أبدانهم، بل قال: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة) ً وذلك بما يجعل الله في قلوبهم من الأنس، وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب وغير ذلك، حتى إن بعض السلف قال: لو يعلم الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف: يعني من انشراح الصدر، ونور القلب والطمأنينة والسكون. أسأل الله أن يشرح قلبي وقلوبكم للإسلام، وينورها بالعلم والإيمان إنه جواد كريم. * * * ٥/٢٥٦ ـ وعنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ـ أو شاباً ـ ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات. قال: ((أفلا كنتم آذنتموني)) فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره فقال: ((دلوني على قبره)) فدلوه فصلى عليها، ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم)) متفق عليه) .

стр. 1256

قوله ((تقم)) هو بفتح التاء وضم القاف: أي تكنس. ((والقمامة)) الكناسة. ((وآذنتموني)) بمد الهمزة: أي أعلمتموني. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كان تقم المسجد أو شاباًّ، وأكثر الروايات على أنها امرأة سوداء، يعني ليست من نساء العرب كانت تقم المسجد: يعني تنظفه وتزيل القمامة، فماتت في الليل فصغر الصحابة ﵃ شأنها، وقالوا: لا حاجة إلى أن نخبر النبي ﷺ في هذا الليل، ثم خرجوا بها فدفنوها، ففقدها النبي ﷺ فقالوا: إنها ماتت فقال: ((أفلا كنتم آذنتموني)) يعني أعلمتموني حين ماتت، ثم قال: ((دلوني على قبرها)) فدلوه، فصلى عليها، ثم قال ﷺ : ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)) . ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها أن النبي ﷺ إنما يعظم الناس بحسب أعمالهم، وما قاموا به من طاعة الله وعبادته. ومن الفوائد جواز تولي المرأة لتنظيف المسجد، وأنه لا يحجر ذلك على الرجال فقط؛ بل كل من احتسب ونظف المسجد فله أجره؛ سواء باشرته المرأة، أو استأجرت من يقم المسجد على حسابها. ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية تنظيف المساجد، وإزالة القمامة عنها، وقد قال النبي ﷺ : ((عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها

стр. 1257

الرجل من المسجد)) ، القذاة: الشيء الصغير، يخرجه الرجل من المسجد فإنه يؤجر عليه. وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب، فالمساجد بيوت الله ينبغي العناية بها وتنظيفها، ولكن لا ينبغي زخرفتها وتنقيشها بما يوجب أن يلهو المصلون بما فيها من الزخرفة، فإن النبي ﷺ قال: ((لتزخرفنها ـ يعني المساجد ـ كما زخرفها اليهود والنصارى)) . ومن فوائد هذا الحديث أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولهذا قال: ((دلوني على قبرها)) فإذا كان لا يعلم الشيء المحسوس فالغائب من باب أولى، فهو ﷺ لا يعلم الغيب، وقد قال الله له: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (الأنعام: ٥٠) وقال له: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (االأعراف: ١٨٨) . ومن فوائد هذا الحديث مشروعية الصلاة على القبر لمن لم يصل عليه قبل الدفن؛ لأن النبي ﷺ خرج فصلى على القبر حيث لم يصلّ عليها قبل الدفن، ولكن هذا مشروع لمن مات في عهدك وفي عصرك، أما من مات

стр. 1258

سابقاً فلا يشرع أن يصلي عليه، ولهذا لا يشرع لنا أن نصلي على النبي ﷺ على قبره، أو على قبر أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو غيرهم من الصحابة، أو غيرهم من العلماء والأئمة. وإنما تشرع الصلاة لمن مات في عهدك، فمثلاً إذا مات إنسان قبل ثلاثين سنة وعمرك ثلاثون سنة؛ فإنك لا تصلي عليه صلاة الميت؛ لأنه مات قبل أن تخلق وقبل أن تكون من أهل الصلاة، أما من مات وأنت قد كنت من أهل الصلاة، من قريب أو أحد تحب أن تصلي عليه فلا بأس. فلو فرض أن رجلاً مات قبل سنة أو سنتين، وأحببت أن تصلي على قبره وأنت لم تصل عليه من قبل فلا بأس. ومن فوائد هذا الحديث: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته، وأنه كان يتفقدهم ويسأل عنهم، فلا يشتغل بالكبير عن الصغير؛ كل ما يهم المسلمين فإنه يسأل عنه ﷺ . ومن فوائد هذا الحديث جواز سؤال المرء ما لا تكون به منّة في الغالب؛ لأن الرسول ﷺ قال: ((دلوني على قبرها)) وهذا سؤال، لكن مثل هذا السؤال ليس فيه منّة، بخلاف سؤال المال فإن سؤال المال محرم، يعني لا يجوز أن تسأل شخصاً مالاً وتقول أعطني عشرة ريالات أو مائة ريال، إلا عند الضرورة. أما سؤال غير المال مما لا يكون فيه منّة في الغالب؛ فإن هذا لا بأس به، ولعل هذا مخصص لما كان الرسول ﷺ يبايع أصحابه عليه حيث كان يبايعهم ألا يسألوا الناس شيئاً.

стр. 1259

وربما يؤخذ من هذا الحديث جواز إعادة الصلاة على الجنازة، لمن صلى عليها من فبل إذا وجد جماعة؛ لأن الظاهر أن الذين خرجوا مع النبي ﷺ صلوا معه، وعلى هذا فتشرع إعادة صلاة الجماعة إذا صلى عليها جماعة آخرون مرة ثانية. وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقالوا: كما أن صلاة الفريضة تعاد إذا صليتها ثم أدركتها مع جماعة أخرى، فكذلك صلاة الجنازة، وبناءً على ذلك لو أن أحداً صلى على جنازة في المسجد، ثم خرجوا بها للمقبرة، ثم قام أناس يصلون عليها جماعة؛ فإنه لا حرج ولا كراهة في أن تدخل مع الجماعة الآخرين فتعيد الصلاة؛ لأن إعادة الصلاة هنا لها سبب ليست مجرد تكرار بل لها سبب، وهو وجود الجماعة الأخرى. فإذا قال قائل: إذا صليت على القبر فأين أقف؟ فالجواب أنك تقف وراءه تجعله بينك وبين القبلة، كما هو الشأن فيما إذا صليت عليه قبل الدفن. * * * ٦/٢٥٧ ـ وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)) رواه مسلم. ٧/٢٥٨ ـ وعن أسامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن

стр. 1260

أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء)) متفق عليه. ((والجد)) بفتح الجيم: الحظ والغنى، وقوله: ((محبوسون)) أي: لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)) . وأشعث من صفات الشعر، وشعره أشعث يعني ليس له ما يدهن به الشعر، ولا ما يرجله، وليس يهتم بمظهره، وأغبر يعني أغبر اللون، أغبر الثياب، وذلك لشدة فقره. مدفوع بالأبواب: يعني ليس له جاه، إذا جاء إلى الناس يستأذن لا يأذنون له، بل يدفعونه بالباب؛ لأنه ليس له قيمة عند الناس لكن له قيمة عند رب العالمين، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: والله لا يكون كذا لم يكن، والله ليكونن كذا لكان. لو أقسم على الله لأبره، لكرمه عند الله ومنزلته. فبأي شيء يحصل هذا؟ فربما يكون رجل أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله ما أبره، ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو

стр. 1261

أقسم على الله لأبره. فما هو الميزان؟ الميزان تقوى الله ، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] ، فمن كان أتقى لله فهو أكرم عند الله، ييسر الله له الأمر، يجيب دعاءه، ويكشف ضره، ويبر قسمه. وهذا الذي أقسم على الله لن يقسم بظلم لأحد، ولن يجترئ على الله في ملكه، ولكنه يقسم على الله فيما يرضي الله ثقة بالله ، أو في أمور مباحة ثقة بالله . وقد مر علينا في قصة الربيع بنت النضر وأخيها أنس بن النضر؛ فإن الربيع كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى الرسول ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أن تكسر ثنية الربيع؛ لأنها كسرت ثنية الجارية الأنثى، فقال أخوها أنس: يا رسول الله، تكسر ثنية الربيع؟ قال: ((نعم، كتاب الله القصاص، السن بالسن)) قال: والله لا تكسر ثنية الربيع. قال ذلك ثقة بالله ، ورجاءً لتيسيره وتسهيله. فأقسم هذا القسم، ليس رداً لحكم الرسول، ولكن ثقة بالله ، فهدى الله أهل الجارية ورضوا بالدية أو عفوا فقال النبي ﷺ : ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) ؛ لأنه يقسم على الله في شيء يرضاه الله ، إحساناً في ظنه بالله .

стр. 1262

أما من أقسم على الله تألياً على الله، واستكباراً على عباد الله، وإعجاباً بنفسه فهذا لا يبر الله قسمه؛ لأنه ظالم ومن ذلك قصة الرجل العابد الذي كان يمر برجل مسرف على نفسه، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، أقسم أن الله لا يغفر له، لماذا يقسم؟ هل المغفرة بيده؟ هل الرحمة بيده؟ فقال الله جل وعلا: ((من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟)) استفهام وإنكار ((فإني قد غفرت له وأحبطت عملك)) ؛ نتيجة سيئة والعياذ بالله، لم يبر الله بقسمه، بل أحبط عمله، لأنه قال ذلك إعجاباً بعمله، وإعجاباً بنفسه، واستكباراً على عباد الله . أما حديث أسامة بن زيد، فهو أن النبي ﷺ يقول: ((قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين)) ، يعني أكثرهم؛ أكثر ما يدخل الجنة الفقراء؛ لأن الفقراْء في الغالب أقرب إلى العبادة والخشية لله من الأغنياء (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: ٦، ٧] ، والغني يرى أنه مستغن بماله، فهو أقل تعبداً من الفقير، وإن كان من الأغنياء من يعبد الله أكثر من الفقراء، لكن الغالب, ((وأصحاب الجد محبوسون)) يعني أصحاب الحظ والغنى محبوسون لم يدخلوا الجنة بعد؛ الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء ((غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)) .

стр. 1263

فقسم الرسول ﷺ الناس إلى أقسام ثلاثة: أهل النار دخلوا النار ـ أعاذنا الله وإياكم منها ـ، والفقراء دخلوا الجنة، والأغنياء من المؤمنين موقوفون محبوسون، إلى أن يشاء الله , أما أهل النار فأخبر الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق أن عامة من دخلها النساء؛ أكثر من يدخل النار النساء؛ لأنهن أصحاب فتنة، ولهذا قال لهن الرسول ﷺ يوم عيد من الأعياد: ((يا معشر النساء، تصدقن، ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل النار)) قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: ((لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)) . ((تكثرن اللعن)) : أي السب والشتم؛ فلسانهن سليط، وكيدهن عظيم. ((وتكفرن العشير)) : أي المعاشر وهو الزوج، لو أحسن إليها الدهر كله، ثم رأت سيئة واحدة قالت: ما رأيت خيراً قط، تكفرن النعمة ولا تقر بها. وفي هذا الحديث دليل على أنه يجب على الإنسان أن يحترز من فتنة الغنى، فإن الغنى قد يطغي، وقد يؤدي بصاحبه إلى الأشر، والبطر، ورد الحق، وغمط الناس، فاحذر نعمتين: الغنى والصحة. والفراغ أيضاً سبب للفتنة، فهذه الثلاث: الغنى والصحة. والفراغ، مما يغبن فيها كثير من الناس، ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) ،

стр. 1264

والفراغ في الغالب يأتي من الغنى؛ لأن الغنى منكف عن كل شيء ومتفرغ، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنة المحيا والممات وفتنة المسح الدجال. * * * ٨/٢٥٩ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلى فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج فقال: أي رب أمي وصلاتي؛ فاقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لاففتننه، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها. فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، قال: أين الصبي؟ فجاؤوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال فلان الراعي، فاقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة،

стр. 1265

فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه فجعل يرتضع، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها. قال: ومروا بجارية هم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل: فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهنالك تراجعا الحديث فقالت: مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله فقلت، اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها، ويقولون: زنيت سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟ ! قال: إن ذلك الرجل كان جباراً فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها)) متفق عليه. ((والمومسات)) بضم الميم الأولى وإسكان الواو وكسر الميم الثانية وبالسين المهملة، وهن الزواني. والمومسة: الزانية. وقوله: ((دابة فارهة)) بالفاء: أي حاذقة نفيسة. ((والشارة)) بالشين المعجمة وتخفيف الراء: وهي الجمال الظاهر في الهيئة والملبس. ومعنى ((تراجعا الحديث)) أي: حدثت الصبي وحدثها، والله أعلم.
следующие страницы →