← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

٧/٢٧٩ ـ وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تضربوا إماء الله)) فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ذئرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون ازواجهن، فقال رسول الله ﷺ : ((لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم)) رواه أبو داود بإسناد صحيح. قوله: ((ذئرن)) هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون، أي: اجترأن، قوله: ((أطاف)) أي: أحاط. ٨/٢٨٠ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] ذكر رحمه الله تعالى فيما نقله فيما يتعلق بأمر النساء أن النبي ﷺ قال: ((لا تضربوا إماء الله)) يريد بذلك النساء، فيقال: أمة الله كما يقال عبد الله، ويقال: إماء الله كما يقال عباد الله، ومن ذلك الحديث الصحيح: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) . نهاهم عن ضرب النساء، فكفوا عن ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله

стр. 1332

عنهم كانوا من الطراز الأول والجيل الأول المفضل، الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله قالوا: سمعنا وأطعنا، فكفوا عن ضرب النساء. والنساء قاصرات عقل وناقصات دين. فلما نهى النبي ﷺ عن ضربهن، اجترأن على أزواجهن، كما قال عمر ابن الخطاب ﵁: يا رسول الله إن النساء ذئرن على أزواجهن، يعني اجترأن وتعالين على الرجال، فلما سمع النبي ﷺ ما قال عمر؛ أجاز ضربهن، فأفرط الرجال في ذلك وجعلوا يضربونهن حتى وإن لم يكن ذلك من حقهم فطافت النساء بآل النبي ﷺ ، أي ببيوته، وجعلن يتجمعن حول بيوت النبي ﷺ يشكون أزواجهن. فقال النبي ﷺ يخاطب الناس يخبرهم بأن هؤلاء الذين يضربون أزواجهن ليسوا بخيارهم، أي ليسوا بخيار الرجال، وهذا كقوله: ((خيركم خيركم لأهله)) فدل هذا على أن الإنسان لا يفرط ولا يفرط في ضرب أهله؛ إن وجد سبباً يقتضي الضرب فلا بأس. وقد بين الله مراتب ذلك في كتابه فقال: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النساء: ٣٤] . المرتبة الثالثة: الضرب، وإذا ضربوهن فليضربوهن ضرباً غير مبرح. ثم ذكر المؤلف حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) فقوله ﷺ : ((الدنيا متاع)) يعني شيء يتمتع به، كما يتمتع المسافر بزاده ثم ينتهي، وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها وعقلها فهذا خير متاع

стр. 1333

الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره وماله وولده. وإذا كانت صالحة في العقل أيضاً، فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته وفي تربية أولادها، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته، وإن وكل إليها لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا. ولهذا قال النبي ﷺ ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) ، يعني عليك بها، فإنها خير من يتزوجه الإنسان؛ فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة، لكن يجملها خلقها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.

стр. 1334

٣٥ ـ باب حق الزوج على المرأة قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: ٣٤] . وأما الأحاديث فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق في الباب قبله. ١/٢٨١ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح)) متفق عليه. وفي راوية لهما: ((إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح)) . وفي رواية قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)) .

стр. 1335

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمة الله تعالى ـ: باب حق الزوج على المرأة. لما ذكر ﵀ حقوق الزوجة على زوجها؛ ذكر حقوق الزوج على زوجته، ثم استدل بقوله الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) . ثم بين سبب هذه القوامة والولاية التي جعلها الله، فقال: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) حيث فضل الرجل على المرأة في العقل والدين والقدرة والقوة وغير ذلك من وجوه الفضائل، والشريعة كلها عدل، تعطي كل أحد ما يستحقه بمقتضى فضله، فإذا كان الله قد فضل الرجال على النساء؛ فإنهم هم القوامون عليهن، وفي هذا لا يدرين الواقع على فضل جنس الرجال على النساء، وأن الرجال أكمل وأفضل وأولى بالولاية من المرأة، ولهذا لما قيل للنبي ﷺ : مات كسرى وتولى الأمر بعده امرأة قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وهذا الحديث إن كان يعني هؤلاء الفرس الذين نصبوا عليهم امرأة؛ فهو يعنيهم ولكن غيرهم مثلهم، وإن كان عاماً فهو عام، لن يفلح قوم ولوا على أمرهم امرأة، فالرجل هو صاحب القوامة على المرأة، وفي هذا دليل على سفه أولئك الكفار من الغربيين وغير الغربيين، الذين صاروا أذناباً للغرب يقدسون

стр. 1336

المرأة أكثر من تقديس الرجل؛ لأنهم يتبعون لأولئك الأراذل من الكفار الذين لم يعرفوا لصاحب الفضل فضله، فتجدهم مثلاً في مخاطباتهم يقدمون المرأة على الرجل فيقول أحدهم: أيها السيدات والسادة، وتجد المرأة في المكان الأعلى عندهم والرجل دونها. . ولكن هذا ليس بغريب على قوم يقدسون كلابهم، حتى إنهم يشترون الكلب بالآلاف ويخصصون له من الصابون وآلات التطهير وغير ذلك ما يضحك السفهاء فضلاً عن العقلاء، مع أن الكلب لو غسلته بالأبحر السبعة، ما صار طاهراً؛ لأنه نجس العين، لا يطهر أبداً. فالحاصل أن الرجال هم القوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، وهذا وجه آخر للقوامة على النساء، وهو أن الرجل هو الذي ينفق على المرأة، وهو المطالب بذلك، وهو صاحب البيت، وليس المرأة هي التي تنفق. وهذه إشارة إلى أن أصحاب الكسب الذين يكسبون ويعملون هم الرجال، أما المرأة فصناعتها بيتها، تبق في بيتها تصلح أحوال زوجها، وأحوال أولادها، وأحوال البيت، هذه وظيفتها، أما أن تشارك الرجال بالكسب وطلب الرزق ثم بالتالي تكون هي المنفقة عليه؛ فهذا خلاف الفطرة وخلاف الشريعة، فالله تعالى يقول: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) فصاحب الإنفاق هو الرجل. قال الله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه ُ) فالصالحات قانتات أي مديمات للطاعة، الصالحة تقنت ليس

стр. 1337

معناها: الدعاء بالقنوت؛ بل القنوت دوام الطاعة كما قال تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨] أي مديمين لطاعته (قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) يعني: يحفظن سر الرجل وغيبته وما يكون داخل جدرانه من الأمور الخاصة، وتحفظه بما حفظ الله، أي بما أمر الله تعالى بحفظه فهذه هي الصالحة، فعليك بالمرأة الصالحة؛ لأنها خير لك من امرأة جميلة ليست بصالحة. ثم ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح)) . ولعن الملائكة يعني أنها تدعو على هذه المرأة باللعنة، واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإذا دعاها إلى فراشه ليستمتع بها بما أذن الله له فيه فأبت أن تجيء، فإنها تلعنها الملائكة والعياذ بالله، أي تدعو عليها باللعنة إلى أن تصبح. اللفظ الثاني: أنها إذا هجرت فراش زوجها، فإن الله تعالى يغضب عليها حتى يرضى عنها الزوج، وهذا أشد من الأول؛ لأن الله إذا سخط؛ فإن سخطه أعظم من لعنة الإنسان، نسأل الله العافية. ودليل ذلك أن الله تعالى ذكر في آية اللعان أنه إذا لاعن الرجل يقول: (أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النور: ٧] ، وهي إذا لاعنت تقول الرجل تقول: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: ٩] ، وهذا يدل على أن الغضب أشد، وهو كذلك.

стр. 1338

وأيضاً قال في الحديث: ((إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)) أي الزوج، وهناك قال: ((حتى تصبح)) ، أما هنا فعلّقه برضى الزوج، وهذا قد يكون أقل، وقد يكون أكثر يعني: ربما يرضى الزوج عنها قبل طلوع الفجر، وربما لا يرضى إلا بعد يوم أو يومين، المهم ما دام الزوج ساخطاً عليها فالله ساخط عليها. وفي هذا دليل على عظم حق الزوج على زوجته، ولكن هذا في حق الزوج القائم بحق الزوجة، أما إذا نشز ولم يقم بحقها؛ فلها الحق أن تقتص منه وألا تعطيه حقه كاملاً؛ لقول الله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤] ولقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل: ١٢٦] . لكن إذا كان الزوج مستقيماً قائماً بحقها فنشزت هي ومنعته حقه؛ فهذا جزاؤها إذا دعاها إلى فراشه فأبت أن تأتي. والحاصل أن هذه الألفاظ التي وردت في هذا الحديث هي مطلقة، لكنها مقيدة بكونه قائماً بحقها، أما إذا لم يقم بحقها فلها أن تقتص منه وأن تمنعه من حقه مثل ما منعها من حقها؛ لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) وقوله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) . وفي هذا الحديث دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من أن الله في السماء هو نفسه جل وعلا فوق عرشه، فوق سبع سموات، وليس المراد بقوله: ((في السماء)) أي ملكه في

стр. 1339

السماء؛ بل هذا تحريف للكلم عن مواضعه. وتحريف الكلم عن مواضعه من صنيع اليهود والعياذ بالله الذين حرفوا التوراة عن مواضعها وعما أراد الله بها، فإن ملك الله في السماء وفي الأرض، كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض) [آل عمران: ١٨٩] ، وقال أيضاً: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْه) [المؤمنون: ٨٨] ، وقال أيضاً: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض ِ) [الشورى: ١٢] . كل السموات والأرض كلها بيد الله ، كلها ملك الله، ولكن المراد أنه هو نفسه فوق سماواته على العرش استوى، ولذلك نجد أن المسألة فطرية لا تحتاج إلى دراسة وتعب حتى يقرّ الإنسان أن الله في السماء، بمجرد الفطرة يرفع الإنسان يديه إلى ربه إذا دعا ويتجه قلبه إلى السماء، واليد ترفع أيضاً نحو السماء. بل حتى البهائم ترفع رأسها إلى السماء، حدثني أحد الأساتذة في الجامعة عندنا عن شخص اتصل عليه من القاهرة إبان الزلزلة التي أصابت مصر يقول: إنه قبل الزلزلة بدقائق، هاجت الحيوانات في مقرها الذي يسمونه: ((حديقة الحيوانات)) هاجت هيجاناً عظيماً، ثم بدأت ترفع رأسها إلى السماء. سبحان الله، بهائم تعرف أن الله في السماء، وأوادم من بني آدم ينكرون أن الله في السماء والعياذ بالله، فالبهائم تدري وتعرف. نحن نشاهد بعض الحشرات إذا طردتها أو آذيتها وقفت ثم رفعت

стр. 1340

قوائمها إلى السماء نشاهدها مشاهدة، فهذا يدل على أن كون الله في السماء أمر فطري لا يحتاج إلى دليل أو تعب أو عنت، حتى الذين ينكرون أن الله في السماء ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ لو جاءوا يدعون أين يرفعون أيديهم؟. . إلى السماء، فسبحان الله! أفعالهم تكذب عقيدتهم، هذه العقيدة الباطلة الفاسدة التي يخشى عليهم من الكفر بها. وهذه جارية، أمة مملوكة في عهد النبي ﷺ ، أراد سيدها أن يعتقها، فقال له النبي ﷺ : ((ادعها)) ، فجاءت الجارية، فقال لها النبي ﷺ : ((أين الله)) قالت: الله في السماء. قال: ((من أنا)) قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) . سبحان الله! إن هؤلاء الذين يعتقدون أن الله ليس في السماء يقولون: من قال إن الله في السماء فهو كافر والعياذ بالله، نسأل الله لنا ولهم الهداية. المهم أن من عقيدتنا التي ندين الله بها أن الله فوق كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وأنه على العرش استوى، وأن العرش على السموات مثل القبة، كأنه قبة أي خيمة مضروبة على السموات والأرض، والسموات والأرض بالنسبة للعرش ليست بشيء. وجاء في بعض الآثار: أن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، حلقة الدرع حلقة ضيقة لا يدخل فيها مفتاح، إذا ألقيت في فلاة من الأرض ماذا تشغل من مساحة

стр. 1341

هذه الفلاة؟ لا شيء. قال: ((وإن فضل العرش على الكرسي، كفضل الفلاة على هذه الحلقة)) ، إذا الله أكبر من كل شيء ومحيط بكل شيء ولهذا قال الله : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أحاط بها، فما بالك بالرب . فالرب فوق كل شيء، هذه عقيدتنا التي نسأل الله تعالى أن نموت عليها ونبعث عليها، هذه العقيدة التي يعتقدها أهل السنة والجماعة بالاتفاق. * * * ٢/٢٨٢ ـ وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بأذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه)) متفق عليه. وهذا لفظ البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل لامرأة أن تصوم وزجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه)) . هذا من حقوق الزوج على زوجته، أنه لا يحل لها أن تصوم إلا بإذنه ما دام حاضراً في البلد، أما إذا كان غائباً؛ فلها أن تصوم ما شاءت، لكن إذا

стр. 1342

كان في البلد فلا تصوم. وظاهر الحديث أنها لا تصوم فرضاً ولا نفلاً إلا بإذنه، أما النفل فواضح أنها لا تصوم إلا بإذنه؛ لأن حق الزوج عليها واجب والنفل تطوع لا تأثم بتركه وحق الزوج تأثم بتركه، وذلك أن الزوج ربما يحتاج إلى أن يستمتع بها، فإذا كانت صائمة وأراد الاستمتاع بها صار في نفسه حرج، وإلا فله أن يستمتع بها ويجامعها وهي صائمة صوم تطوع إذا لم يأذن فيه من قبل ولو أفسد صومها ولا إثم عليه. لكن من المعلوم أنه سيكون في نفسه حرج، لهذا قال النبي ﷺ : ((لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)) . أما صيام الفرض فإن كان قد بقي من السنة مدة أكثر مما يجب عليها، فلا يحل لها أن تصوم إلا بإذن زوجها إذا كان شاهداً، يعني مثلاً عليها عشرة أيام من رمضان، وهي الآن في رجب، وقالت: أريد أن أصوم القضاء، نقول: لا تصومي القضاء إلا بإذن الزوج؛ لأن معك سعة من الوقت، أما إذا كان بقي في شعبان عشرة أيام فلها أن تصوم إن لم يأذن؛ لأنه لا يحل للإنسان الذي عليه قضاء من رمضان أن يؤخر إلى رمضان الثاني، وحينئذ تكون فاعلة لشيء واجب فرض في الدين، وهذا لا يشترط فيه إذن الزوج ولا غير. فصوم المرأة فيه تفصيل: أما التطوع فلا يجوز إلا بإذن الزوج، وأما الفرض فإن كان الوقت متسعاًَ، فإنه لا يجوز إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يسع إلا مقدار ما عليها من الصوم، فإنه لا يشترط إذن الزوج، هذا إذا كان

стр. 1343

حاضراً، أما إذا كان غائباً فلها أن تصوم. وهل مثل ذلك الصلاة؟ يحتمل أن تكون الصلاة مثل الصوم، وأنها لا تتطوع في الصلاة إلا بإذنه، ويحتمل أن لا تكون مثل الصوم؛ لأن وقت الصلاة قصير بخلاف الصوم، الصوم كل النهار، والصلاة ليست كذلك، الصلاة ركعتان إذا كانت تطوعاً، والفريضة معروف أنه لا يشترط إذنه. والظاهر أن الصلاة ليست كالصوم، فلها أن تصلي ولو كان زوجها حاضراً، إلا أن يمنعها فيقول: آنا محتاج إلى استمتاع، لا تصلين الضحى مثلاً لا تتهجدين الليلة. على أنه لا يجوز للزوج أن يحرم زوجته الخير، إلا إذا كان هناك حاجة بأن غلبت عليه الشهوة، ولا يتمكن من الصبر، وإلا فعليه أن يكون عوناً لها على طاعة الله، وعلى فعل الخير؛ لأنه يكون مأجوراً بذلك كما أنها مأجورة أيضاً على الخير. وأما إدخال أحد بيته بغير إذنه فظاهر. فلا يجوز أن تدخل أحداً بيته إلا بإذنه، لكن الإذن في إدخال البيت نوعان: الإذن الأول: إذن العرف: يعني جرى به العرف مثل دخول امرأة الجيران والقريبات والصاحبات والزميلات وما أشبه ذلك، هذا جرى العرف به، وأن الزوج يأذن به، فلها أن تدخل هؤلاء إلا إذا منع وقال: لا تدخل عليك فلانة، فهنا يجب المنع، ويجب أن لا تدخل. والإذن الثاني: إذن لفظي، بأن يقول لها: أدخلي من شئتي ولا حرج عليك إلا من رأيتي منه مضرة فلا تدخليه، فيتقيد الأمر بإذنه.

стр. 1344

وفي هذا دليل على أن الزوج يتحكم في بيته أن يمنع حتى أم الزوجة إذا شاء أن يمنعها وحتى أختها وخالتها وعمتها، لكنه لا يمنعها من هؤلاء إلا إذا كان هناك ضرر عليه وعلى بيته؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله لا يكون فيها خير تكون ضرراً على ابنتها وزوجها، تأتي إلى ابنتها وتحقنها من العداوة والبغضاء بينها وبين الزوج، حتى تكره زوجها، ومثل هذه الأم لا ينبغي أن تتصل بابنتها؛ لأنها تفسدها على زوجها، فهي كالسحرة الذين يتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه. * * * ٣/٢٨٣ ـ وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)) متفق عليه. ٤/٢٨٤ ـ وعن أبي على طلق بن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور)) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٥/٢٨٥ ـ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1345

٦/٢٨٦ ـ وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)) رواه الترمذي، وقال حديث حسن. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)) . الخطاب للأمة جميعاً يبين فيه الرسول ﷺ أن كل إنسان راع ومسؤول عن رعيته. والراعي هو الذي يقوم على الشيء ويرعى مصالحة فيهيئها له، ويرعى مفاسده فيجنبه إياها، كراعي الغنم ينظر ويبحث عن المكان المربع حتى يذهب بالغنم إليه، وينظر في المكان المجدب فلا يتركها في هذا المكان. هكذا بنو آدم كل إنسان راع، وكل مسؤول عن رعيته، فالأمير راع ومسؤول عن رعيته، والأمراء يختلفون في نفوذهم وفي مناطق أعمالهم، قد يكون هذا الأمير أميراً على قرية صغيرة، فتكون مسئوليته صغيرة، وقد يكون أميراً على مدينة كبيرة فتكون مسئوليته كبيرة، وفد يكون مسؤولاً عن أمة، كالأمير الذي ليس فوقه أمير في منطقته، كالملك مثلاً هنا، وكالرؤساء في البلاد الأخرى، وكأمراء المؤمنين في عهد عمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وكالخلفاء في زمن بني أمية وبني العباس وغيرهم. فالرعاة تتنوع رعيتهم أو تتنوع رعايتهم ما بين مسؤولية كبيرة واسعة،

стр. 1346

ومسؤولية صغيرة، ولهذا قال: ((الأمير راع)) يعني هو مسؤول عن رعيته، الرجل راع لكن رعيته محصورة؛ هو راع في أهل بيته، في زوجته، في ابنه، في بنته، في أخته، في عمته، في خالته، كل من في بيته، راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، يجب عليه أن يرعاهم أحسن رعاية؛ لأنه مسؤول عنهم. كذلك المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، يجب عليها، يجب أن تنصح في البيت، في الطبخ، في القهوة، في الشاي، في الفرش، لا تطبخ أكثر من اللازم، ولا تجهز الشاي أكثر مما يحتاج إليه، يجب عليها أن تكون امرأةً مقتصدة؛ فإن الاقتصاد نصف المعيشة، غير مفرطة فيما ينبغي. مسؤولة أيضاً عن أولادها في إصلاحهم وإصلاح أحوالهم وشؤونهم، كإلباسهم الثياب، وخلع الثياب غير النظيفة، وتغيير فراشهم الذي ينامون عليه، وتغطيتهم في الشتاء وهكذا، مسؤولة عن كل هذا، مسؤولة عن الطبخ وإحسانه ونضجه، وهكذا مسؤولة عن كل ما في البيت. كذلك العبد مسؤول وراع في مال سيده، ومسؤول عن رعيته، يجب عليه أن يحفظ مال سيده، وأن يتصرف فيه بما هو أحسن، وألا يفرط فيه، وألا يتعدى الحدود وهكذا، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته. أما بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف؛ ـ ما عدا الأخير منها ـ فكلها أحاديث تحتاج إلى نظر في صحتها، لكن مجمل ما تدل عليه عظم حق الزوج على زوجته، وأن حق الزوج على زوجته عظيم، يجب عليها أن تقوم به، كما يجب عليه أن يقوم بحقها، كما قال الله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٢٨] .

стр. 1347

٨/٢٨٨ ـ وعن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في نقله عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)) . والمعنى أن النبي ﷺ يخبر بأنه ما ترك فتنة أضر على الرجال من النساء، وذلك أن الناس كما قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران: ١٤] . كل هذه مما زين للناس في دنياهم، وصار سبباً لفتنتهم فيها، لكن أشدها فتنة النساء، ولهذا بدأ الله بها فقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) [آل عمران: ١٤] . وإخبار النبي ﷺ بذلك يريد به الحذر من فتنة النساء، وأن يكون الناس منها على حذر؛ لأن الإنسان بشر إذا عرضت عليه الفتن، فإنه يخشى عليه منها. ويستفاد منه سد كل طريق يوجب الفتنة بالمرأة، فكل طريق يوجب

стр. 1348

الفتنة بالمرأة؛ فإن الواجب على المسلمين سده، ولذلك وجب على المرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب، فتغطي وجهها، وكذلك تغطي يديها ورجليها عند كثير من أهل العلم، ويجب عليها كذلك أن تبتعد عن الاختلاط بالرجال؛ لأن الاختلاط بالرجال فتنة وسبب للشر من الجانبين، من جانب الرجال ومن جانب النساء. ولهذا قال النبي ﷺ : ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)) وما ذلك إلا من أجل بعد المرأة عن الرجال، فكلما بعدت فهو خير وأفضل. وقد كان النبي ﷺ يأمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، ولكنهن لا يختلطن مع الرجال، بل يكون لهن موضع خاص، حتى إن النبي ﷺ كان إذا خطب الرجال وانتهى من خطبتهم، نزل فذهب إلى النساء فوعظهن وذكرهن، وهذا يدل على أن النساء كنّ في مكان منعزل عن الرجال. وكان هذا والعصر عصر قوة في الدين وبُعد عن الفواحش، فكيف بعصرنا هذا؟ فإن الواجب توقي فتنة النساء بكل ما يستطاع، ولا ينبغي أن يغرنا ما يدعو إليه أهل الشر والفساد من المقلدين للكفار، من الدعوة إلى اختلاط المرأة بالرجال؛ فإن ذلك من وحي الشيطان والعياذ بالله، هو الذي يزين ذلك في قلوبهم، وإلا فلا شك أن الأمم التي كانت تقدم النساء وتجعلهن

стр. 1349

مع الرجال مختلطات، لا شك أنها اليوم في ويلات عظيمة من هذا الأمر، يتمنون الخلاص منه فلا يستطيعون. ولكن مع الأسف فإن بعض الناس منا ومن أبنائنا ومن أبناء جلدتنا يدعون إلى التحلل من مكارم الأخلاق، وإلى جلب الفتن إلى بلادنا، في توسع النساء، ومحاولة توظيفهن مع الرجال جنباً إلى جنب، نسأل الله تعالى أن يعصمنا والمسلمين من الشر والفتن إنه جواد كريم.

стр. 1350

٣٦ـ باب النفقة على العيال قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣] ، وقال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَئهَا) [الطلاق: ٧] ، وقال تعالى (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] . [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى ـ: باب النفقة على العيال. العيال: هم الذين يعولهم الإنسان من زوجة أو قريب أو مملوك، وقد سبق الكلام على حقوق الزوجة، أما الأقارب فلهم حق، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] . فالقريب له حق في أن ينفق عليه، يعني أن تبذل له من الطعام والشراب والكسوة والسكنى ما يقوم بكفايته، كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المولود له هو الأب، عليه أن ينفق على أولاده وعل زوجاته، وعلى من أرضعت ولده ولو كانت في غير حباله؛ لأنه قال: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من أجل الإرضاع، أما إذا كانت في حباله فلها النفقة من أجل الزوجية.

стр. 1351

وقوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى؛ كالجد ومن فوقه، فعليه أن ينفق على أولاد أولاده، وإن نزلوا. لكن يشترط لذلك شروط: الشرط الأول: أن يكون المنفق قادراً على الإنفاق؛ فإن كان عاجزاً فإنه لا يجب عليه الإنفاق، لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَهَا) أي: إلا ما أعطاها، (آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) [الطلاق: ٧] . الشرط الثاني: أن يكون المنفق عليه عاجزاً عن الإنفاق على نفسه، فإن كان قادراً على الإنفاق على نفسه فنفسه أولى، ولا يجب على أحد أن ينفق عليه؛ لأنه مستغن، وإذا كان مستغنياً، فإنه لا يستحق أن ينفق عليه. الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] ، فإن كان قريباً لا يرث؛ فلا يجب عليه الإنفاق. فإذا تمت الشروط الثلاثة؛ فإنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه ما يحتاج إليه من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، ونكاح، وإن كان قادراً على بعض الشيء دون بعض؛ وجب على القريب الوارث أن يكمل ما نقص؛ لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] . ثم ذكر المؤلف ثلاث آيات: الآية الأولى قول الله ﵎: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: من الآية٢٣٣] ، والآية الثانية: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) [الطلاق: ٧] ، والآية

стр. 1352

الثالثة قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] . فقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي شيء يكون قد أنفقتموه لله (فَهُوَ يُخْلِفُه) أي يعطيكم خلفه وبدله وهو خير الرازقين. * * * ١/٢٨٩ ـ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجر الذي أنفقته على أهلك)) رواه مسلم. ٢/٢٩٠ ـ وعن أبي عبد الله ـ ويقال له: أبو عبد الرحمن ـ ثوبان ابن بجدد مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ ((أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)) رواه مسلم. ٣/٢٩١ ـ وعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أتفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بنيّ؟ فقال: ((نعم لك أجر ما أنفقت عليهم)) متفق عليه ٤/٢٩٢ ـ وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ في حديثه الطويل الذي

стр. 1353

قدمناه في أول الكتاب في باب النية أن رسول الله ﷺ قال له: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيَ امرأتك)) متفق عليه. ٥/٢٩٣ ـ وعن أبي مسعود البدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إذا انفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة)) متفق عليه. ٦/٢٩٤ ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) حديث صحيح رواه أبو داود وغيره. ورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)) . ٧/٢٩٥ ـ وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) متفق عليه. ٨/٢٩٦ ـ وعنه عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ

стр. 1354

بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله)) رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في باب النفقة على الأهل، كلها تدل على فضيلة الإنفاق على الإنفاق على الأهل، وأنه أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وأفضل من الإنفاق في الرقاب، وأفضل من الإنفاق على المساكين؛ وذلك لأن الأهل ممن ألزمك الله بهم، وأوجب عليك نفقتهم، فالإنفاق عليهم فرض عين، والإنفاق على من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية. وقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع، والفرض أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: ((ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه)) . لكن الشيطان يرغب الإنسان في التطوع ويقلل رغبته في الواجب، فتجده مثلاً يحرص على الصدقة ويدع الواجب، يتصدق على مسكين أو ما أشبه ذلك ويدع الواجب لأهله، يتصدق على مسكين أو نحوه ويدع الواجب لنفسه؛ كقضاء الدين مثلاً، تجده مديناً يطالبه صاحب الدين بدينه وهو لا يوفي، ويذهب يتصدق على المساكين وربما يذهب للعمرة أو

стр. 1355

لحج التطوع وما أشبه ذلك ويدع الواجب، وهذا خلاف الشرع وخلاف الحكمة، فهو سفه في العقل وضلال في الشرع. والواجب على المسلم أن يبدأ بالواجب الذي هو محتم عليه، ثم بعد ذلك ما أراد من التطوع بشرط ألا تكون مسرفاً ولا مقطراً، فتخرج عن سبيل الاعتدال؛ لقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: ٦٧] . يعني لا إقتار ولا إسراف، بل قواماً، ولم يقل بين ذلك فقط، بل بين ذلك قواماً، قد يكون الأفضل أن تزيد أو أن تنقص أو بين ذلك بالوسط. على كل حال هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجب على الإنسان أن ينفق على من عليه نفقته، وأن إنفاقه على من عليه نفقته أفضل من الإنفاق على الغير. وفي هذه الأحاديث أيضاً التهديد والوعيد على من ضيع عمن يملك قوته، وهو شامل للإنسان وغير الإنسان، فالإنسان يملك الأرقة مثلاً، ويملك المواشي من إبل وبقر وغنم فهو آثم إذا ضيع من يلزمه قوته من آدميين أو غير آدميين، ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم)) ، واللفظ الثاني في غير مسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)) وفي هذا دليل على وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليه.

стр. 1356

٣٧ـ باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد قال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: ٩٢] ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) [البقرة: ٢٦٧] . ١/٢٩٧ ـ عن أنس ﵁ قال: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل عليك: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وإن أحب مالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ ((بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)) . فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. متفق عليه. قوله ﷺ : ((مال رابح)) روي في الصحيحين ((رابح)) و ((رايح)) بالباء الموحدة وبالياء المثناة، أي: رايح عليك نفعه، و ((بيرحاء)) حديقة نخل، وروي بكسر الباء وفتحها.

стр. 1357

[الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الإنفاق مما يجب ومن الجيد. لما ذكر ﵀ وجوب الإنفاق على الزوجة وعلى الأقارب، ذكر أنه ينبغي للإنسان أن يكون ذا همة عالية، وأن ينفق من أطيب ماله ومما يحب من ماله، وهناك فرق بين الأطيب وبين الذي يحب، الغالب أن الإنسان لا يحب إلا أطيب ماله، لكن أحياناً يتعلق قلبه بشيء من ماله وليس أطيب ماله فإذا أنفق من الطيب الذي هو محبوب لعامة الناس ومما يحبه هو بنفسه وإن لم يكن من الطيب؛ كان ذلك دليلاً على أنه صادق فيما عامل الله به. .ولهذا سميت الصدقة صدقة لدلالتها على صدق باذلها، فالإنسان ينبغي له أن ينفق الطيب من ماله، وينبغي له أن ينفق مما يحب، حتى يصدق في تقديم ما يحبه الله على ما تهواه نفسه. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآيتين من كتاب الله، فقال: قال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) البر يعني الخير الكثير، ومنه سمي البر للخلاء الواسع، فالبر هو الخير الكثير، يعني لن تنال الخير الكثير ولن تنال رتبة الأبرار حتى تنفق مما تحب. والمال كله محبوب لكن بعضه أشد محبة من بعض، فإذا أنفقت مما تحب؛ كان ذلك دليلاً على أنك صادق، ثم نلت بذلك مرتبة الأبرار. وقال تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) [البقرة: ٢٦٧] ، الخبيث من كل شيء بحسبه، فالخبيث من

стр. 1358

المال يطلق على الرديء، ويطلق على الكسب الرديء، ويطلق على الحرام. فمن إطلاقه على الرديء قوله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) هذا بقية الآية التي أولها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) والخارج من الأرض منه الطيب ومنه الرديء، قال: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) أي: لا تقصدوا الخبيث وهو الرديء تنفقون منه، (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) يعني لو كان الحق لكم ما أخذتم الرديء إلا على إغماض وعلى كره، فكيف ترضون لغيركم أن تعطوه الرديء وأنتم تأبون أن تأخذوه؟ ! وهذا من باب الاستدلال على الإنسان بما يقر ويعترف به؛ لأنه لا يرضى أن يأخذ الرديء بدلاً عن الطيب فكيف يرضى أن يعطي الرديء بدلاً عن الطيب؟ ! فالخبيث بمعنى الرديء ومن ذلك أيضاً تسمية النبي ﷺ البصل والكراث الشجرة الخبيثة؛ لأنها رديئة منتنة كريهة، حتى إن الإنسان إذا أكل منها وبقيت رائحتها في فمه فإنه يحرم عليه أن يدخل المسجد، لا للصلاة ولا لغير الصلاة؛ لأن المسجد معمور بالملائكة فإذا دخل المسجد آذى الملائكة، والملائكة طيبون، والطيبون للطيبات، تكره الخبائث من الأعمال والأعيان، فإذا دخلت المسجد وأنت ذو رائحة كريهة آذيت الملائكة.

стр. 1359

وكان الرجل في عهد الرسول ﷺ إذا دخل المسجد وقد أكل كراثاً أو بصلاً طردوه طرداً إلى البقيع، والبقيع تعرفون المسافة بينه وبين المسجد النبوي وأنها بعيدة، يطرد إلى البقيع ولا يقرب المسجد. ونأسف فإن بعض الناس، نسأل الله لنا ولهم الهداية والعصمة، يشرب الدخان أو الشيشة ويأتي إلى المسجد ورائحة الدخان والشيشة في فمه أو على ثيابه، مع أن هذه رائحة كريهة كلٌ يكرهها، حتى إن بعض الناس لا يستطيع أن يصلي جنب مثل هؤلاء، وهؤلاء يحرم عليهم أن يدخلوا المسجد والروائح الكريهة بفيهم. وكذلك من به إصنان، والإصنان رائحة كريهة تفوح من إبطيه، أو تفوح من أذنيه، أو تفوح من رأسه وتؤذي، فإنه لا يجوز أن يصلي ما دامت الرائحة المؤذية فيه، لا يجوز أن يدخل المسجد بل يبتعد. والحمد لله، فإن هذه من المصائب والبلاوي، فهذا ابتلي بمثل هذا لا يقول كيف أحرم نفسي المسجد، فهذا من الله ، فاحرم نفسك المسجد ولا تؤذي الناس والملائكة، وحاول بقدر ما تستطيع أن تتخلص من هذه الرائحة؛ أما بالتنظيف التام، أو بأن تضع رائحة طيبة تغطي الرائحة الكريهة، وبهذا يمكن أن تعالج هذه الروائح فلا يشم منك إلا الرائحة الطيبة. ومن إطلاق الخبيث على الكسب الرديء قول النبي ﷺ : ((كسب

стр. 1360

الحجام خبيث)) الحجام الذي يخرج الدم يخرج بالحجامة، هذا كسبه خبيث، يعني رديء وليس المراد أنه حرام، قال ابن عباس ﵁ وعن أبيه: لو كان كسب الحجام حراماً ما أعطاه النبي ﷺ أجرته، فقد احتجم النبي ﷺ ، وأعطى الحجام أجره، ولو كانت حراماً ما أعطاه؛ لأن الرسول لا يقر على الحرام ولا يعين على الحرام، لكن هذا من باب أنه كسب رديء دنيء ينبغي للإنسان أن يتنزه عنه، وأن يحجم الناس إذا احتاجوا إلى حجامته تبرعاً وتطوعاً. ومن إطلاق الخبيث على المحرم قوله تعالى في وصف النبي ﷺ : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧] ، يعني يحرم عليهم الخبائث وهي ضد الطيبات، مثل الميتة، لحم الخنزير، المنخنقة، الخمر، وما أشبه ذلك. ومعنى الآية أنه لا يحرم إلا الخبائث، وليس معناها أن كل خبيث يحرمه؛ لأن المعروف أن الخبيث يطلق على أوصاف متعددة، لكن المعنى أنه ﷺ لا يحرم إلا الخبائث. فالحاصل أن الله نهى أن يقصد الإنسان الرديء من ماله فيتصدق به، وحث على أن ينفق مما يجب ومما هو خير. ثم ذكر المؤلف حديث أبي طلحة زوج أم أنس ﵁، وأبو طلحة

стр. 1361

أكثر الأنصار حقلاً يعني أكثرهم مزارع، وكان له بستان فيه ماء طيب مستقبل المسجد ـ أي مسجد الرسول ﷺ يعني أن المسجد في قبلة هذا البستان، وكان فيه ماء طيب عذب، يأتيه النبي ﷺ ويشرب منه. فلما نزل قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) بادر ﵁، وسابق وسارع وجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ـ وهذا اسم ذلك البستان ـ وإني أضعها: يعني بين يديك صدقة، إلى الله ورسوله: يعني تصرفها إلى الله ورسوله فقال النبي ﷺ متعجباً: بخٍ بخٍ ـ كلمة تعجب يعني ما أعظم هذه الهمة، وما أعلاها ـ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح. وصدق الرسول ﷺ فهذا المال الرابح، فكم من حسنة يربح هذا المال إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؟ صدق النبي ﷺ : ((ذاك مال رابح، ذاك مال رابح. . أرى أن تجعلها في الأقربين)) . أرى أن تجعلها في الأقربين: أي أقاربك، ففعل ﵁، وقسمها في أقاربه وبني عمه. وسيأتي إن شاء الله على بعض ما يستفاد من هذا الحديث، لكن تعجبوا كيف كانت مبادرة الصحابة ﵃، ومسارعتهم إلى الخير، وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء في ماله وتعلقت به نفسه تصدق به؛ لأجل أن يربحه ويلقاه فيما أمامه. لكن ما تتمسك يه فهو إما زائل عنك وإما أن تزول عنه أنت، ولابد

стр. 1362

من أحد الأمرين، إما أن يتلف أو تتلف أنت، لكن الذي تقدمه هو الذي يبقى، نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على أنفسنا ويعيذنا من البخل والشح. والحقيقة أن مالك الحقيقي هو ما تقدمه، وقد ذبح آل النبي ﷺ شاة وتصدقوا بها إلا كتفها، فقدم النبي ﷺ وقال: ((ما بقي منها؟)) قالت عائشة ﵂: ما بقي إلا كتفها. يعني أنها تصدقت بها كلها إلا كتفها، فقال النبي ﷺ : ((بقي كلها غير كتفها)) ، والمعنى أن الذي أكلتم هو الذي ذهب، وأما ما تصدقتم به فهو الذي بقي لكم. فالحاصل أن الصحابة وذوي الهمم العالية هم الذين يعرفون قدر الدنيا وقدر المال، وأن ما قدموه هو الباقي، وما أبقوه هو الفاني، نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين من الشح والبخل والجبن والكسل، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1363

٣٨ ـ باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهيٍّ عنه قال الله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: ١٣٢] ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) [التحريم: ٦] . ١/٢٩٨ ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ : ((كخ كخ، أرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟)) متفق عليه. وفي رواية: ((أنا لا تحل لنا الصدقة)) ، وقوله: ((كخ كخ)) يقال بإسكان الخاء ويقال بكسرها مع التنوين، وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات، وكان الحسن ﵁ صبياً. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀: باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهي عنه.

стр. 1364

ووجه المناسبة أن المؤلف ﵀، لما ذكر ما يجب للأهل من غذاء الجسم؛ ذكر لهم ما يجب من غذاء الروح على أبيهم ومن له ولاية عليهم، وأولى ما يؤمر به وأوجب وأفضل هي الصلاة، كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: ١٣٢] ، فأمره أن يأمر أهله بالصلاة. والأهل كل من في البيت؛ من زوجة، وابن، وبنت، وعمة، وخالة، وأم، كل من في البيت أهل، أمره أن يأمرهم بالصلاة، وأمره أن يصطبر عليهم يعني يحض نفسه على الصبر، ولهذا جاءت التاء التي فيها زيادة البنية وفيها زيادة المعنى اصطبر؛ لأن أصلها اصتبر عليها. وذكر الله عن إسماعيل أبي محمد ﷺ ، إذ أنه أحد أجداده، أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضياً، فالإنسان مسؤول عن أهله، مسؤول عن تربيتهم، حتى ولو كانوا صغاراً إذا كانوا مميزين، أما غير المميز فإنه يؤمر بما يتحمله عقله. ثم ذكر حديث الحسن بن على بن أبي طالب رصي الله عنهما أنه أخذ تمرةً من الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ ((كخ كخ)) يعني أنها لا تصلح لك، ثم أمره أن يخرجها من فيه، وقال: إننا لا نحل لنا الصدقة. فالصدقة لا تحل لآل محمد؛ وذلك لأنهم أشرف الناس، والصدقات والزكوات أوساخ الناس، ولا يتناسب لأشراف الناس أن يأخذوا أوساخ الناس، كما قال النبي ﷺ لعمه العباس بن عبد المطلب ﵁: ((إنا

стр. 1365

آل محمد لا تحل لنا الصدقة؛ إنما هي أوساخ الناس)) . ففي هذا دليل على أن الإنسان بجب عليه أن يؤدب أولاده عن فعل المحرم، كما يجب عليه أن يؤدبهم على فعل الواجب، والله الموفق. * * * ٢/٢٩٩ ـ وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله ﷺ قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ ((يا غلام، سمّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) فما زالت تلك طعمتي بعد. متفق عليه. ((وتطيش)) تدور في نواحي الصَّحفَةِ. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عمر بن أبي سلمة ﵁، وكان ربيب النبي ﷺ ؛ لأنه ابن زوجته أم سلمة ﵂، أنه كان مع النبي ﷺ في طعام يأكل فجعلت يده تطيش في الصحفة، يعني تذهب يميناً وشمالاً، فقال له النبي ﷺ : ((يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) فهذه ثلاثة آداب علمها النبي ﷺ هذا الغلام وهي: أولاً: قال: ((سمّ الله)) وهذا عند الأكل. فعند ابتداء الأكل يجب أن يقول الإنسان: بسم الله، ولا يحل له أن

стр. 1366

يتركها؛ لأنه إذا تركها شاركه الشيطان في أكله؛ أعدى عدو له يشاركه في الأكل إذا لم يقل بسم الله، ولو زاد: الرحمن الرحيم فلا بأس؛ لأن قول الرسول ﷺ : ((بسم الله)) : يعني أذكر اسم الله. والتسمية الكاملة هي أن يقول الإنسان: بسم الله الرحمن الرحيم كما ابتدأ الله بها كتابه، وكما أرسل بها سليمان ﷺ (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ِ) [النمل: ٣٠] ، فإن اقتصرت على قول بسم الله فلا حرج، وإن زدت الرحمن الرحيم فلا حرج، الأمر في هذا واسع. وأما التسمية على الذبيحة فهي شرط من شروط التذكية، إذا لم تسمِّ على الذبيحة فهي حرام ميتة، كأنما ماتت بغير ذبح. ولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنه الآن يريد أن يذبحها، فالفعل ينافي القول بالنسبة لهذه الذبيحة؛ لأنها ستذبح. هكذا علل بعض العلماء، ولكن لو قالها أيضاً فلا حرج. الأدب الثاني: قوله: ((وكل بيمينك)) : وهذا أمر على سبيل الوجوب، فيجب على الإنسان أن يأكل بيمينه وأن يشرب بيمينه؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يأكل الإنسان بشماله، أو أن يشرب بشماله، وقال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)) وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ

стр. 1367

بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: ٢١] . ولهذا كان القول الراجح وجوب الأكل باليمين، ووجوب الشرب باليمين، وأن الأكل بالشمال أو الشرب بالشمال حرام، ثم إن الأكل بالشمال والشرب بالشمال مع كونه من هدي الشيطان؛ فهو أيضاً من هدي الكفار؛ لأن الكفار يأكلون بشمائلهم ويشربون بشمائلهم. ثم إن بعض الناس إذا كان على الأكل وأراد أن يشرب؛ فإنه يمسك الكأس باليسار ويشرب، ويقول أخشى أن تتلوث الكأس إذا شربت باليمين، فنقول: لتتلوث، فإنها إذا تلوثت فإنما تتلوث بطعام، ولم تتلوث ببول ولا غائط، تلوث بطعام ثم تغسل. وبإمكانك أن تمسك الكأس من الأسفل بين إبهامك والسبابة، وتجعلها كالحلقة ولا يتلوث منه إلا شيء يسير، ولا عذر لأحد بالشرب بالشمال من أجل هذا؛ لأن المسألة على سبيل التحريم، والحرام لا يجوز إلا عند الضرورة والضرورة مثل أن تكون اليد شلاء، لا يمكن أن يرفعها إلى فيه، أو مكسورة لا يمكن أن يرفعها إلى فيه، فهذه ضرورة، أو تكون متجرحة لا يمكن أن يأكل بها أو يشرب. المهم إذا كان ضرورة؛ فلا بأس باليسار، وإلا فلا يحل للمسلم أن يأكل باليسار ولا أن يشرب باليسار. الأدب الثالث: قوله ((وكل مما يليك)) : يعني لا تأكل من حافة غيرك، بل كُلْ من الذي يليك؛ لأنك إذا اعتديت على حافة غيرك فهذا سوء أدب، فكل من الذي يليك.

стр. 1368

إلا إذا كان الطعام أنواعاً، مثل أن يكون هناك لحم في غير الذي يليك فلا بأس أن تأكل، أو يكون هناك قرع، أو ما أشبه ذلك مما يقصد، فلا بأس أن تأكل من الذي لا يليك؛ لأن أنس بن مالك ﵁ قال: أكلت مع النبي ﷺ ((فكان يتتبع الدباّء من حوالي القصعة)) . الدباّء: القرع، يتتبعه يعني يلقطه من على الصحفة ليأكله، هذا لا بأس به. وفي هذا الحديث من الفوائد أن ينبغي على الإنسان أن يؤدب أولاده على كيفية الأكل والشرب، وعلى ما ينبغي أن يقول في الأكل والشرب، كما فعل النبي ﷺ في ربيبه، وفي هذا حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه؛ لأنه لم يزجر هذا الغلام حين جعلت يده في الصحفة، ولكن علمه برفق، وناداه برفق: ((يا غلام؛ سمِّ الله، وكل بيمينك)) . وليعلم أن تعليم الصغار لمثل هذه الآداب لا ينسى، يعني أن الطفل لا ينسى إذا علمته وهو صغير، لكن إذا كبر ربما ينسى إذا علمته، وربما يتمرد عليك بعض الشيء إذا كبر، لكن ما دام صغيراً وعلمته يكون أكثر إقبالاً، ومن اتقى الله في أولاده؛ اتقوا الله فيه، ومن ضيع حق أولاده؛ ضيعوا حقه إذا احتاج إليهم. * * *

стр. 1369

٤/٣٠١ ـ وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)) حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن. ٥/٣٠٢ ـ وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين)) حديث حسن رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. ولفظ أبي داود: ((مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين)) . [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهو أبناء عشر)) وهو حديث حسن له شاهد من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁، وهذا من حقوق الأولاد على آبائهم؛ أن يأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنوات، وأن يضربوهم عليها أي: على التفريط فيها وإضاعتها إذا بلغوا عشر سنين، ولكن بشرط أن يكونا ذوي عقل. فإن بلغوا سبع سنين أو عشر سنين وهم لا يعقلون، يعني فيهم جنون؛

стр. 1370

فإنهم لا يؤمرون بشيء، ولا يضربون على شيء، لكن يمنعون من الإفساد؛ سواء في البيت أو خارج البيت. وقوله: ((اضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)) : المراد الضرب الذي يحصل به التأديب بلا ضرر، فلا يجوز للأب أن يضرب أولاده ضرباً مبرحاً، ولا يجوز أن يضربهم ضرباً مكرراً لا حاجة إليه، بل إذا احتاج إليه مثل ألا يقوم الولد للصلاة إلا بالضرب فإنه يضربه ضرباً غير مبرح، بل ضرباً معتاداً؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بضربهم لا لإيلامهم ولكن لتأديبهم وتقويمهم. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن يدّعون أنهم أصحاب تربية من أن الصغار لا يضربون في المدارس إذا أهملوا، ففي هذا الحديث الرد عليهم، وهو دليل على بطلان فكرتهم، وأنها غير صحيحة؛ لأن بعض الصغار لا ينفعهم الكلام في الغالب، لكن الضرب ينفعهم أكثر، فلو أنهم تركوا بدون ضرب؛ لضيّعوا الواجب عليهم، وفرّطوا في الدروس وأهملوا، فلابد من ضربهم ليعتادوا النظام، ويقوموا بما ينبغي أن يقوموا به، وإلا لصارت المسألة فوضى. إلا أنه كما قلنا لابد أن يكون الضرب للتأديب لا للإيلام والإيجاع، فيضرب ضرباً يليق بحاله، ضرباً غير مبرح، لا يفعل كما يفعل بعض المعلمين في الزمن السابق؛ يضرب الضرب العظيم الموجع، ولا يهمل كما يدعي هؤلاء المربون الذين هم من أبعد الناس عن التربية، لا يقال لهم شيء؛ لأن الصبي لا يمتثل ولا يعرف، لكن الضرب يؤدبه، والله الموفق.
следующие страницы →