← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي ﷺ اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول ﵊ أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه ﷺ كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس

стр. 1892

٦٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه. البضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة ووالأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي ﷺ بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول ﵊ أن الإيمان

стр. 1893

شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول ﵊ لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله إلا استجاب له كذلك أخبر النبي ﵊: أن لله تسعة وتسعون

стр. 1894

اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي ﷺ هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي ﷺ التي أتاه الله تعالي يقول الرسول ﷺ عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله ﵎: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ

стр. 1895

والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس

стр. 1896

يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي ﵊ عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت

стр. 1897

أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها

стр. 1898

المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق ٦٨٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه [الشَّرْحُ] ثم ذكر النووي ﵀ في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان أشد حياء من العذراء في خدرها

стр. 1899

العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله ﷺ أشد حياء منها ولكنه ﷺ إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي ﵊ وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله لا يستحي من الحق قالت عائشة ﵂ نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي ﷺ عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي

стр. 1900

ولهذا لما جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﵊ جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي ﵊ ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي ﵊ يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي ﵊ قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي

стр. 1901

احتلمت؟ قال: نعم إذا & هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح & أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق

стр. 1902

باب حفظ السر قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ٦٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يقضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها رواه مسلم [الشَّرْحُ] قال الإمام النووي ﵀ (باب حفظ السر) والسر هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك ولا يحل لك أن تفشي هذا السر أو أن تبينه لأحد سواء قال لك لا تبينه لأحد أو علم بالقرينة الفعلية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد أو علم بالقرينة الحالية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد. مثال الأول: اللفظ أن يحدثك بحديث ثم يقول لا تخبر أحدا هو معك أمانة ومثال الثاني: القرينة الفعلية أن يحدثك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت

стр. 1903

يخشى أن يكون أحد يسمع لأن معنى التفاته أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ومثال الثالث: القرينة الحالية أن يكون هذا الذي حدثك به أو أخبرك به من الأمور التي يستحي من ذكرها أو يخشى من ذكرها أو ما أشبه ذلك فلا يحل لك أن تبين وتفشي هذا السر ثم استدل المؤلف ﵀ لذلك بقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً يعني إذا عاهدتم على شيء بلسان الحال أو بلسان المقال فإنه يجب عليكم أن توفوا بالعهد ومن العهود الشروط التي تقع بين الناس في الشراء والإجارة والاستئجار والرهن وغير ذلك فإن هذه الشروط من العهد وكذلك ما يجرى بين المسلمين والكفار من العهد فإنه يجب على المسلمين أن يوفوا به والمعاهدين من الكفار بين الله في سورة التوبة أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام قسم: لا يزالون يوفون بالعهد فهؤلاء يجب أن نوفي بعهدهم. وقسم ثان: نقضوا العهد فهؤلاء لا عهد بيننا وبينهم لأنهم نقضوا العهد قال الله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

стр. 1904

وقسم ثالث لم ينقضوا العهد ولم يتبين لنا أنهم سيستمرون في الوفاء به بل نخاف منهم أن يخونوا وينقضوا العهد فهؤلاء قال الله فيهم ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ & يعني قل لهم لا عهد بيننا وبينكم حتى يكون الأمر صريحا فالمهم أن جميع ما يشترط بين الناس فإنه من المعهود ومن ذلك التزام الموظفين بأداء عملهم فإن الموظف قد التزم بالشروط التي تشترطها الحكومة على الموظفين من الحضور في أول الدوام وعدم الخروج إلا بعد انتهاء الدوام والنصح في العمل وما أشبه ذلك مما هو معروف في ديوان الخدمة فالواجب الوفاء بهذه العهود وإلا فاترك الوظيفة وكن حرا فيما تعمل لأن الوظيفة لم تلزم بها بل أنت الذي أتيت وتوظفت فيجب أن تلتزم بما تقتضيه شروط هذه الوظيفة من كل شيء وإلا فدعها وكن حرا فيما تريد ولا أحد يحاسبك إلا الله ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة أشر هذه لغة قليلة لأن اللغة الكثيرة حذف الهمزة فخير وشر الأكثر فيهما في اللغة حذف الهمزة لا يقال أخير ولا أشر إلا قيلا وإنما يقال خير وشر قال

стр. 1905

الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ حذف الهمزة في خير وشر لكن يأتي ذكرها أحيانا بناء على الأصل. فهنا إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه يعني بذلك الزوجة فيصبح ينشر سرها أو هي أيضا تصبح تنشر سره فيقول فعلت في امرأتي البارحة كذا وفعلت كذا والعياذ بالله فالغائب كأنه يشاهد كأنه بينهما في الفراش والعياذ بالله يخبره بالشيء السر الذي لا تحب الزوجة أن يطلع عليه أحد أو الزوجة كذلك تخبر النساء بأن زوجها يفعل بها كذا وكذا وكل هذا حرام ولا يحل وهو من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة فالواجب أن الأمور السرية في البيوت وفي الفرش وفي غيرها تحفظ وألا يطلع عليها أحدا أبدا فإن من حفظ سر أخيه حفظ الله سره فالجزاء من جنس العمل

стр. 1906

٦٨٨ - وعن ثابت عن أنس ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت ما حبسك فقلت بعثني رسول الله ﷺ لحاجة قالت ما حاجته؟ قلت إنها سر قالت لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت. رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصرا [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب حفظ السر فيما نقله عن ثابت عن أنس خادم رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ مر به وهو يلعب مع الصبيان فسلم عليهم يعني سلم على الصبيان وهم يلعبون لأن رسول الله ﷺ كان أحسن الناس خلقا فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ثم دعا أنس بن مالك ﵁ وأرسله في حاجة فأبطأ على أمه وأمه هي أم سليم امرأة أبي طلحة فلما جاء إليها سألته ما الذي أبطأ بك قال بعثني النبي ﷺ في حاجة يعني أرسلني بها قالت ما حاجته قال ما كنت لأخبر بسر رسول الله

стр. 1907

صلى الله عليه وسلم فقالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله ﷺ قال أنس لثابت وكان ملازما له لو كنت مخبرا أحدا بذلك & لأخبرتك به أي بالحاجة التي أرسله النبي ﷺ بها ففي هذا الحديث فوائد أولا: حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه الجم وأنه على شرفه ومكانته وجاهه عند الله وعند خلقه يتواضع حتى يسلم على الصبيان وهم يلعبون في السوق ومن منا يفعل ذلك إلا من شاء الله ثانيا: من فوائد هذا الحديث أنه يسن للإنسان أن يسلم على من مر به ولو كان من الصبيان لأن السلام دعاء تدعو لأخيك به تقول السلام عليك ورده دعاء لك يقول عليك السلام ولأنك إذا سلمت على الصبيان عودتهم التربية الحسنة حتى ينشئوا عليها ويعيشوا عليها ويكون لك أجر في كل ما اهتدوا بل فيه فكل شيء يهتدي فيه بك الناس من أمور الخير لك فيه أجر ثالثا: جواز إرسال الصبي بالحاجة لكن بشرط أن يكون مأمونا أما إذا كان غير مأمون بأن يكون الصبي كثير اللعب ولا يهتم بالحوائج فلا تعتمد عليه رابعا: ما ذكره الفقهاء ﵏ أن الصبي إذا جاءك

стр. 1908

بحاجة وقال هذه من أبي هذه من أمي وما أشبه ذلك فلك أن تقبلها وإن كان هو بنفسه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء لكن إذا جاءك على أنه مرسل وقال هذا من أبي جاءك مثلا بتمر جاءك ببطيخ جاءك بثوب بأي شيء إذا جاءك فاقبله ولا تقل هذا صبى ربما سرقها ربما كذا ربما كذا أخذا بالظاهر. خامسا: مراعاة الوالدة والأهل وأن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجة وخاف أن يبطئ عليهم أن يخبرهم إذا لم تفت الحاجة بذلك يعني إذا خرجت من أهلك فينبغي أن تقول خرجت للجهة الفلانية حتى يطمئنوا ولا تنشغل خواطرهم والإنسان لا يدري ربما يذهب إلى الجهة الفلانية ويصاب بحادث أو مرض أو غيره فإذا لم يكن معلوما بقى أمره مشكلا عند أهله فينبغي إذا أردت أن تذهب إلى شيء غير معتاد أن تخبرهم بوجهتك أما الشيء المعتاد مثل الخروج إلى المسجد وما أشبهه فلا بأس مثلا إذا أردت أن تذهب إلى بلدك قلت لهم اليوم أذهب إلى المكان الفلاني أو تريد أن تذهب في نزهة فأخبرهم حتى يطمئنوا سادسا أنه لا يجوز للإنسان أن

стр. 1909

يبدى سر شخص حتى لأمه وأبيه فلو أن إنسانا أرسلك في حاجة ثم قال لك أبوك ما الذي أرسلك به لا تخبره ولو كان أباك أو قالت أمك ما الذي أرسلك به لا تخبرها ولو كانت أمك لأن هذا من أسرار الناس ولا يجوز إبداؤها لأحد سابعا: حسن تربية أم سليم لابنها حيث قالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله ﷺ وإنما قالت له ذلك مع أنه لم يخبرها ولم يخبر غيرها تأييدا له وتثبيتا له وإقامة للعذر له لأنه أبى أن يخبرها بسر رسول الله ﷺ فقالت لا تخبرن به أحدا كأنها تقول أنا أوافقك على هذا فاستمسك به ثامنا: إظهار محبة أنس لثابت لأنه ملازم له ولهذا تجده يروى عنه كثيرا ولهذا قال له لو كنت مخبرا أحدا لأخبرتك هذا يدل على المحبة بين أنس وبين تلميذه ثابت وهكذا أيضا ينبغي أن تكون المودة بين التلاميذ ومعلمهم متبادلة لأنه إذا لم يكن بين التلميذ والمعلم مودة فإن التلميذ لا يقبل كل ما قاله معلمه كذلك المعلم لا ينشط لتعليم تلميذه ولا يهتم به كثيرا فإذا صارت المودة بينهم متبادلة حصل بهذا خيرا كثيرا

стр. 1910

باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد) العهد: ما يعاهد الإنسان به غيره وهو نوعان عهد مع الله فإن الله قال في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا فقد أخذ الله العهد على عباده جميعا أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا لأنه ربهم وخالقهم

стр. 1911

وعهد مع عباد الله ومنه العهود التي تقع بين الناس بين الإنسان وبين أخيه المسلم بين المسلمين وبين الكفار وغير ذلك من العهود المعروفة فقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد فقال : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ يعني أن الوفاء بالعهد مسئول عنه الإنسان يوم القيامة يسأل عن عهده هل وفي به أم لا وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ يعني ولا تخلفوا العهد وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ والإنسان إذا عاهد ولم يف فقد قال ما لا يفعل فمثلا لو قلت لشخص عاهدتك ألا أخبر بالسر الذي بيني وبينك أو عاهدتك ألا أخبر بما صنعت في كذا وكذا ثم نقضت وأخبرت فهذا من القول بما لا يفعل: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ وقوله: ﴿كبر مقتا عند الله﴾ يعني كبر بغضا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فإن الله يبغض هذا الشيء ويحب الموفين بالعهد إذا عاهدوا

стр. 1912

٦٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان متفق عليه. زاد في رواية لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ٦٩٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه ٦٩١ - وعن جابر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي ﷺ فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ﵁ فنادى من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا فأتيته وقلت له أن النبي ﷺ قال لي كذا فحثى لى حثية فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال لي خذ مثيلها متفق عليه.

стр. 1913

[الشَّرْحُ] نقل المؤلف ﵀ في باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: آية المنافق ثلاث آيته يعني علامته ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان يعني أن هذه من علامات المنافقين إذا رأيت الرجل يكذب وإذا حدث ويخلف إذا وعد ويخون إذا أؤتمن فهذه من علامات المنافقين لأن أصل المنافق مبني على التورية والستر يستر الخبيث ويظهر الطيب يستر الكفر ويظهر الإيمان. والكاذب كذلك يخبر بخلاف الواقع والواعد الذي يعد ويخلف كذلك وكذلك الذي يخون إذا أؤتمن فهذه علامات النفاق والعياذ بالله. وفي هذا التحذير من الكذب وأنه من علامات المنافقين فلا يجوز للإنسان أن يكذب لكن إن اضطر إلى التورية وهي التأويل فلا بأس مثل أن يسأله أحد عن أمر لا يحب أن يطلع عليه غيره فيحدث بشيء خلاف الواقع لكن يتأول فهذا لا بأس به وأما إخلاف الوعد فحرام يجب الوفاء بالوعد سواء وعدته

стр. 1914

مالا أو وعدته إعانة تعينه في شيء أو أي أمر من الأمور إذا وعدت فيجب عليك أن تفي بالوعد وفي هذا ينبغي للإنسان أن يحدد المواعيد ويضبطها فإذا قال لأحد إخوانه أواعدك في المكان الفلاني فليحدد الساعة الفلانية حتى إذا تأخر الموعود وانصرف الواعد يكون له عذر حتى لا يربطه في المكان كثيرا وقد اشتهر عند بعض السفهاء أنهم يقولون أنا واعدك ولا أخلفك وعدي إنجليزي يظنون أن الذين يوفون بالوعد هم الإنجليز ولكن الوعد الذي يوفى به هو وعد المؤمن ولهذا ينبغي لك أن تقول إذا وعدت أحدا وأردت أن تؤكد إنه وعد مؤمن حتى لا يخلفه لأنه لا يخلف الوعد إلا المنافق. وإذا أؤتمن خان يعني إذا ائتمنه الناس على أموالهم أو على أسرارهم أو على أولادهم أو على أي شيء من هذه الأشياء فإنه يخون والعياذ بالله فهذه أيضا من علامات النفاق وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ففيه أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها المراد به أن هذه الأربع لا تجتمع إلا في المنافق الخالص وإن كان المؤمن قد يحصل له واحدة

стр. 1915

منها لكنه لا يكون منافقا خالصا بل يكون فيه خصلة من نفاق حتى يدعها وهذه الأربع هي: إذا أؤتمن خان إذا حدث كذب وسبق الكلام على هاتين الجملتين والثالثة: قال ك إذا عاهد غدر وهو قريب من قوله فيما سبق إذا وعد أخلف أي إذا عاهد أحدا غدر به ولم يف بالعهد الذي عاهده عليه. والرابعة: إذا خاصم فجر والخصومة: هي المخاصمة عند القاضي ونحوه فإذا خاصم فجر والفجور في الخصومة على نوعين أحدهما: أن يدعي ما ليس له والثاني: أن ينكر ما يجب عليه مثال الأول: ادعى شخص على آخر فقال عند القاضي أنا أطلب من هذا الرجل ألف ريال وهو كاذب وحلف على هذه الدعوى وأتى بشاهد زور فحكم له القاضي فهذا خاصم ففجر لأنه ادعى ما ليس له وحلف عليه مثال الثاني: أن يكون عند شخص ألف ريال فيأتيه صاحب

стр. 1916

الحق فيقول: أوفني حقي فيقول ليس لك عندي شيء فإذا اختصما عند القاضي ولم يكن للمدعى بينة حلف هذا المنكر الكاذب في إنكاره أنه ليس في ذمته له شيء فيحكم القاضي ببراءته فهذه خصومه فجور والعياذ بالله وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال من حلف على يمين صبر ليقتطع بها حق امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان نعوذ بالله وهذه الخصال الأربع إذا اجتمعت في المرء كان منافقا خالصا لأنه استوفى خصال النفاق والعياذ بالله وإذا كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها وفي هذا الحديث: دليل على التحذير البليغ من هذه الصفات الأربع: الخيانة في الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر بالعهد، والفجور في الخصومة وفيه أيضا دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال نفاق لقوله كان فيه خصلة من النفاق هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الإنسان يكون فيه خصلة نفاق وخصلة

стр. 1917

فسوق وخصلة عدالة وخصلة عداوة وخصلة ولاية يعني أن الإنسان ليس بالضرورة أن يكون كافرا خالصا أو مؤمنا خالصا بل قد يكون فيه خصال من الكفر وهو مؤمن وخصال من الإيمان ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا مال البحرين يعني مال الإحساء وما جاورها كلها تسمى البحرين في ذلك العهد يقول لو قد جاء لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا: يقول بيديه ﵊ وهذا وعد من رسول الله ﷺ لجابر بن عبد الله أن يعطيه من مال البحرين هكذا وهكذا وهكذا. فلما توفي الرسول ﵊ قبل أن يأتي مال البحرين وكان الخليفة أبا بكر الصديق ﵁ بإجماع الصحابة بايعوه كلهم على أنه هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ فجاء مال البحرين في خلافة أبي بكر فقال ﵁ من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين عدة: يعني وعد أو دين يعني على الرسول ﵊ لأنه ربما يكون الرسول اشترى من أحد شيئا فلزمه دين أو وعد أحدا شيئا وفعلا توفي الرسول ﵊ ودرعه مرهونة عند رجل يهودي

стр. 1918

في المدينة بثلاثين صاعا من شعير اشتراها لأهله ﵊ فهو ﷺ ليس عنده مال ولم يبعث جابيا للمال ولا يبقى عنده المال إلا بمقدار ما يفرقه على المسلمين فالمهم أن أبا بكر نادى: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتنا فجاء جابر ﵁ إلى أبي بكر وقال إن النبي ﷺ قال لو جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فقال خذ فأخذ بيديه فعدها فإذا هي خمسمائة فقال خذ مثيلها لأن الرسول قال هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات فأعطاه أبو بكر ﵁ العدة التي وعده إياها رسول الله ﷺ وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز تخصيص بعض المسلمين بشيء من بيت المال لأن النبي ﷺ خصص جابرا ولكن بشرط ألا يكون ذلك لمجرد الهوى بل للمصلحة العامة أو الخاصة وفيه دليل على كرم النبي ﷺ حيث يحثو المال حثيا ولا يعده عدا لأنه قال بيديه وهذا يدل على الكرم وأن المال لا يساوي عنده شيئا صلوات الله وسلامه عليه بخلاف الذي جمع مالا

стр. 1919

وعدده يعدد الهلل قبل الريالات من حرصه على المال. وفي هذا دليل أيضا على النبي ﷺ لا يعلم الغيب لأنه وعد وتوفى قبل أن يفي بالوعد لأن المال لم يأت وفيه أيضا دليل على فضيلة أبي بكر ﵁ لمبايعة الصحابة له. وفيه دليل أيضا على قبول دعوى المدعى إذا لم يكن له منازع يرد دعواه وكان هذا المدعى ثقة أما إذا كان له منازع فإن البينة على المدعى واليمين على من أنكر وفي هذه القصة لا منازع لجابر ﵁ لأن أبا بكر هو المسئول عن بيت المال وقد عرض على الناس من كان له عدة أو دين فليأتنا فجاء جابر ولم يقل له أبو بكر أين البينة على أن الرسول ﷺ وعدك ما طلب منه البينة لأنه واثق به ولا منازع له وفيه دليل أيضا على اعتبار الشيء بنظيره وأن الإنسان إذا وزن شيئا في إناء وكان وزنه مثلا مائة كيلو فله أن يملأ هذا الإناء مرة ثانية بشيء آخر ويعتبره مائة كيلو إذا تساوى الموزون في الخفة والثقيل لأن أبا بكر ﵁ لما عد الحثية الأولى اعتبر الحثية الثانية والثالثة بمثلها في العدد

стр. 1920

فإذا فرضنا أن شخصا وجب عليه خمسمائة صاع مثلا ثم كان في إناء عشرة أصواع وأراد أن تعتبر الباقي بهذا الإناء فإن ذلك لا بأس به لأنه إذا تساوى الشيء فإنه لا بأس أن تعتبر هذا الاعتبار لفعل أبي بكر الصديق ﵁ والله الموفق

стр. 1921

باب المحافظة على ما اعتاده من الخير قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ والأنكاث جمع نكث وهو الغزل المنقوض وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ ٦٩٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل متفق عليه [الشَّرْحُ] قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى (باب المحافظة على ما اعتاده من الخير) يعني أن الإنسان إذا اعتاد فعل الخير فينبغي أن يداوم عليه فمثلا إذا اعتاد

стр. 1922

ألا يدع الرواتب يعني الصلوات النوافل التي تتبع الصلوات الخمس فليحافظ على ذلك وإذا كان يقوم الليل فليحافظ على ذلك وإذا كان يصلى ركعتين من الضحى فليحافظ على ذلك وكل شيء من الخير إذا اعتاده فإنه ينبغي أن يحافظ عليه وكان من هدى النبي ﷺ أن عمله ديمة يعني يداوم عليه فكان إذا عمل عملا أثبته ولم يغيره وذلك لأن الإنسان إذا اعتاد الخير وعمل به ثم تركه فإن هذا يؤدي إلى الرغبة عن الخير لأن الرجوع بعد الإقدام شر من عدم الإقدام فلو أنك لم تفعل الخير ابتداء لكان أهون مما إذا فعلته ثم تركته وهذا شيء مشاهد مجرب وذكر المؤلف ﵀ عدة آيات من القرآن كلها تدل على أن الإنسان ينبغي أن يحافظ على ما اعتاده من الخير فمن ذلك قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا يعني لا تكونوا كالمرأة الغازلة التي تغزل الصوف ثم إذا غزلته وأتقنته نقضته أنكاثا ومزقته بل دوموا على ما أنتم عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أنهم يعملون العمل الصالح لكن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وتركوا العلم فلا تكونوا مثلهم

стр. 1923

وأما الأحاديث التي ذكرها المؤلف فمنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل كلمة فلان يكني بها عن الإنسان البشر الرجل والمرأة يقال لها فلانة وهذه الكلمة يحتمل أنها من كلام الرسول ﷺ وأن الرسول لم يذكر اسمه لعبد الله بن عمرو سترا عليه لأن المقصود القضية دون صاحبها ويحتمل أن الرسول ﷺ عينه لكن أبهمه عبد الله بن عمرو ﵁ وأيا كان فالمهم العمل. والقضية أن رجلا كان يقوم من الليل فلم يثبته ولم يداوم عليه مع أن قيام الليل في الأصل سنة فلو لم يفعله الإنسان لم يلم عليه يعني لو لم يقم من الليل ما لامه ولا قال له: لماذا لم تقم من الليل؟ لأنه سنة لكن كونه يقوم ثم يرجع ويترك هذا هو الذي يلام عليه ولهذا قال الرسول ﷺ : لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ومن ذلك وهو أهم وأعظم أن يبدأ الإنسان بطلب العلم الشرعي ثم إذا فتح الله عليه بما فتح تركه فإن هذا كفر نعمة أنعمها الله عليه فإذا بدأت بطلب العلم فاستمر إلا أن يشغلك عنه شيء على وجه الضرورة وإلا فداوم لأن طلب العلم فرض

стр. 1924

كفاية كل من طلب العلم من طلب العلم فإن الله تعالى يثيبه على ثواب الفرض وثواب الفرض أعظم من ثواب النافلة كما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: ما تقرب إلا عبدي بشيء أحب إلى ما افترضته عليه فطلب العلم فرض كفاية إذا قام به الإنسان قام بفرض عن عموم الأمة وقد يكون فرض عين فيما إذا احتاج الإنسان إليه في نفسه كمن أراد أن يصلى فلا بد أن يتعلم أحكام الصلاة ومن كان عنده مال فلابد أن يتعلم أحكام الزكاة والبائع والمشتري لابد أن يتعلما أحكام البيع والشراء ومن أراد أن يحج فلابد أن يتعلم أحكام الحج هذا فرض عين أما بقية العلوم فهي فرض كفاية فإذا شرع الإنسان في طلب العلم فلا يرجع وإنما يستمر إلا أن يصده عن ذلك شيء ضروري فهذا شيء آخر ولهذا كان المنافقون هم الذين إذا بدأوا بالعمل تركوه في غزوة أحد خرج مع النبي ﷺ نحو ألف رجل وكان ثلثهم تقريبا من المنافقين فرجعوا من الطريق وقالوا: ﴿لو نعلم قتالا لا تبعناكم﴾ قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾

стр. 1925

فالحاصل أنه ينبغي للمسلم إذا من الله عليه بعمل مما يتعبد به لله من عبادات خاصة كالصلاة أو عبادات متعدية للغير كطلب العلم ألا يتقاعس وألا يتأخر ليستمر على ذلك فإن ذلك من هدى النبي ﷺ ومن إرشاده بقوله: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل والله الموفق

стр. 1926

باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿ولو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٦٩٣ - عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة متفق عليه ٦٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: والكلمة الطيبة صدقة متفق عليه وهو بعض حديث تقدم بطوله ٦٩٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخالك بوجه طلق رواه مسلم

стр. 1927

[الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء) يعني: إذا لاقى الإنسان أخاه، فإنه ينبغي له أن يلاقيه بالبشر وطلاقة الوجه & وحسن المنطق لأن هذا من خلق النبي ﷺ ولا يعد هذا تنزلا من الإنسان ولكنه رفعة وأجر له عند الله واتباع لسنة النبي ﷺ فإن النبي ﷺ كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه فالإنسان ينبغي له أن يلقى أخاه بوجه طلق وبكلمة طيبة لينال بذلك الأجر والمحبة واللفة والبعد عن التكبر والترفع على عباد الله ثم ذكر المؤلف آيات منها: قوله تعالى: واخفض جناحك للمؤمنين اخفض جناحك يعني لن وتواضع للمؤمنين لأن المؤمن أهل لأن يتواضع له أما الكفار فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فالذي يتلقى بالبشر وطلاقة الوجه هو المؤمن أما الكافر فإن

стр. 1928

كان يرجى إسلامه إذا عاملناه بطلاقة الوجه والبشر فإننا نعامله بذلك رجاء إسلامه وانتفاعه بهذا اللقاء وأما إذا كان هذا التواضع وطلاقة الوجه لا يزيده إلا تعاليا على المسلم وترفعا عليه فإنه لا يقابل بذلك ثم إن طلاقة الوجه توجب سرور صاحبك لأنه يفرق بين شخص يلقاك بوجه معبس وشخص يلقاك بوجه منطلق لهذا قال النبي ﵊ لأبي ذر: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق فهذا من المعروف لأنه يدخل السرور على أخيك ويشرح صدره ثم إذا قرن ذلك بالكلمة الطيبة حصل بذلك مصلحتان: طلاقة الوجه والكلمة الطيبة التي قال عنها النبي ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة يعني: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية ولو بشق تمرة يعني: ولو أن تصدقوا بنصف تمرة فإن ذلك يقيكم من النار إذا قلبها الله فإن لم يجد فبكلمة طيبة كلمة طيبة مثل أن تقول له: كيف أنت؟ كيف حالك؟ كيف إخوانك؟ كيف أهلك؟ وما أشبه ذلك لأن هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على صاحبك كل

стр. 1929

كلمة طيبة فهي صدقة لك عند الله وأجر وثواب وقد قال النبي ﵊ البر حسن الخلق وقال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا

стр. 1930

باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك ٦٩٦ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا رواه البخاري ٦٩٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول الله ﷺ كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه رواه أبو داود [الشَّرْحُ] قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى: (باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك) والمعنى أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم وخاطب الناس أن يكلمهم بكلام بين لا يستعجل في إلقاء الكلمات، ولا يدغم شيئا في شيء ويكون حقه الإظهار بل يكون كلامه فصلا بينا واضحا حتى يفهم المخاطب بدون مشقة وبدون كلفة
следующие страницы →