← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

٧١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا قعودا حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر ﵁ في نفر فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه والربيع الجدول الصغير فاحتفرت فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: أبو هريرة؟ فقلت نعم يا رسول الله قال ما شأنك قلت كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفرت كما يحتفر الثعلب وهؤلاء الناس ورائي قال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه فقال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة وذكر الحديث بطوله رواه مسلم الربيع النهر الصغير وهو الجدول بفتح الجيم كما فسره في الحديث وقوله: احتفزت روى بالراء وبالزاي ومعناه بالزاي تضامنت وتصاغرت حتى أمكنني الدخول

стр. 1997

[الشَّرْحُ] هذا الحديث الذي نقله المؤلف في باب التبشير والتهنئة بالخير فيه أيضا البشارة فإن النبي ﷺ كان جالسا في أصحابه في نفر منهم ومعه أبو بكر وعمر فقام النبي ﷺ ثم أبطأ عليهم فخشوا أن يكون أحد من الناس اقتطعه دونهم لأن النبي ﷺ مطلوب من جهة المنافقين ومن جهة غيرهم من أعداء الدين فقام الصحابة ﵃ فزعين فكان أول من فزع أبو هريرة ﵁ حتى أتى حائطا لبني النجار فجعل يطوف به لعله يجد بابا فلم يجد ولعله أراد بابا مفتوحا فلم يجد لأنه من المعلوم أن الحيطان لابد أن يكون لها أبواب ولكن لعله أن يكون وجد بابا مغلقا ولكنه وجد فتحة صغيرة في الجدار فضم جسمه حتى دخل فوجد النبي ﷺ فقال له أبو هريرة قال نعم فأعطاه نعليه ﵊ وقال له اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا به قلبه فبشره بالجنة فخرج أبو هريرة ﵁ ومعه نعلا رسول الله

стр. 1998

صلى الله عليه وسلم وكأن الرسول ﷺ أعطاه النعلين أمارة وعلامة أنه صادق لأن هذه بشارة عظيمة أن من شهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه دخل الجنة لأن الذي يقول هذه الكلمة مستيقنا بها قلبه لابد أن يقوم بأوامر الله ويجتنب نواهي الله لأنه يقول لا معبود بحق إلا الله وإذا كان تلك الكلمة العظيمة فإنه لابد أن يعبد الله وحده لا شريك له أما من قالها بلسانه ولم يوقن بها قلبه والعياذ بالله فإنها لا تنفعه فهاهم المنافقون يشهدون أن لا إله إلا الله لكنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ويقومون ويصلون لكنهم يصلون صلاة المنافقين فالصلاة ثقيلة عليهم وأثقلها صلاة العشاء والفجر ويأتون للرسول ﵊ يقولون نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا ولكن الله يقول: وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ لم تستقين قلوبهم بلا إله إلا الله ولا بمحمد رسول الله ولهذا لم تنفعهم أما من استيقن بها قلبه هو الذي يبشر بذلك ولكن لا يمكن أن يوجد إنسان صادق يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويترك الفرائض ولهذا لا يكون هذا الحديث دليلا على أن تارك الصلاة لا يكفر لا ليس فيه دلالة لأن تارك الصلاة

стр. 1999

يكفر ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأنه يقولها من غير يقين: إذ كيف يقولها من يقين ويترك الصلاة ويحافظ على تركها والعياذ بالله؟ ولكن قد يرد على القلب وساوس من الشيطان في الله وهذه الوساوس لا تضر المؤمن شيئا فإن النبي ﷺ قال: هذا صريح الإيمان ليس معنى ذلك أن الوساوس نفسها صريح الإيمان لكن الوساوس دليل على خالص الإيمان لأن الشيطان يأتي إلى القلب الخالص الصريح الخالي من الشك ويوقع عليه الوساوس لعله يشك أو لعله يفسد إيمانه فيأتي الشيطان إلى القلب العامر بالإيمان فإذا دافعه الإنسان وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأخذ الله ويمجده وأعرض عن هذا الوساوس زالت عنه والشيطان لا يأتي إلى قلب خراب ليفسده لأن القلب الخراب خراب ويذكر أن ابن مسعود أو ابن عباس ﵄ جاء إليه

стр. 2000

ناس يقولون نحن لا نوسوس في الصلاة فقال ابن عباس أو ابن مسعود وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟ معنى هذا أن قلوبهم خربة والقلوب الخربة لا يأتي الشيطان لها لأنها انتهت إلى ما يريده الشيطان إنما يأتي الشيطان للقلوب السليمة المخلصة من أجل أن يلقى عليها الوساوس والشكوك فدع عنك هذه الوساوس والشكوك والتجئ إلى ربك وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد هو الأول والآخر والظاهر والباطن فسيزول عنك ذلك بإذن الله ففي هذا الحديث بشارة بالخير وهو أن من شهد أن لا إله إلا الله موقنا بها قلبه فليبشر بالجنة ٧١١ - وعن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعد شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على

стр. 2001

أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني ولا أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتله فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي فقال مالك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قلت أن يغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن املأ عيني منه إجلالا به ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ما أرجع به رسل ربي رواه مسلم قوله: شنوا روي بالشين المعجمة وبالمهملة أي: صبوة قليلا قليلا والله سبحانه أعلم

стр. 2002

[الشَّرْحُ] ثم ذكر المؤلف ﵀ في سياق الأحاديث الواردة في التبشير والتهنئة بالخير حديث عمرو بن العاص ﵁ تلك القصة العظيمة أنه حضره بعض أصحابه وهو في سياق الموت فبكى بكاء شديدا وحول وجهه نحو الجدار ﵁ وهو في سياق الموت سيفارق الدنيا فقال له ابنه: علام تبكى وقد بشرك النبي ﷺ بالجنة؟ فقال: يا بني إني كنت على أطباق ثلاث، أطباق يعني أحوال ومنه قوله تعالى: لتركبن طبقا عن طبق يعني حالا بعد حال ثم ذكر هذه الأطباق الثلاث أنه كان يبغض النبي ﷺ بغضا شديدا وأنه لم يكن على وجه الأرض أحد يبغضه كما كان يبغضه هو وأنه يود أنه لو تمكن منه فقتله وهذا أشد ما يكون من الكفر حتى ألقى الله الإسلام في قلبه فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: ابسط يدك فلأبايعك على الإسلام وكان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا فمد يده ولكن عمرو بن العاص كف يده، ليس استكبارا ولكن استثباتا لما سيذكره فقال له: مالك قال: يا رسول الله إني أشترط يعني على الإسلام قال: ماذا تشترط أن يغفر لي

стр. 2003

هذا أكبر همه ﵁ يشترط أن الله يغفر له ظن أن الله لن يغفر له لما كان له من سابقه في محاربة الدين فقال له النبي ﷺ : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قلبه وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ثلاثة أشياء أما الإسلام فإنه يهدم ما كان قبله بنص الكتاب العزيز قال الله : ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ والهجرة: إذا هاجر الإنسان من بلده التي يعيش فيها وهي بلد كفر هدمت ما قبلها والحج يهدم ما قبله لقول النبي ﷺ : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه فبايع ﵁ وأحب النبي ﷺ حبا شديدا حتى كان أحب الناس إليه وحتى أنه لا يستطيع أن يحد النظر فيه جلالا له ﵊ سبحان مقلب القلوب بالأمس كان يبغضه بغضا شديدا حتى يتمنى أنه يقدر عليه فيقتله والآن ما يستطيع أن يرفع طرفه إليه إجلالا له ولا يستطيع أن يصفه لأنه لا يحيط به

стр. 2004

حيث إنه لم يدركه إدراكا جيدا مهابة له ﷺ يقول ﵁ إنه لو مات على الطبق الأول لكان من أهل النار يقول ولو مت على تلك الحال يعني الطبق الثاني لرجوت أن أكون من أهل الجنة انظر الاحتياط فقد جزم أنه لو مات على الحال الأولى لكان من أهل النار أما الحال الثانية فإنه لشدة خوفه قال لو مت على هذا الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ولم يقل لكنت من أهل الجنة لأن الشهادة بالجنة أمرها صعب نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها ثم إنه بعد ذلك تولى أمورا ﵁ تولى إمارات وقيادات وحصل ما حصل في قصة حرب معاوية وغيره وكان عمرو بن العاص معروفا أنه من أدهى العرب وأذكى العرب فيقول أخشى من هذا الذي حدث به بعد الطبق الأوسط أن يكون أحاط بعمله ثم أوصى ﵁ أنه إذا مات لا تتبعه نائحة والنائحة هي المرأة التي تنوح على الميت وتبكي عليه بكاء يشبه نوح الحمام وأمر ﵁ إذا دفنوه أن يبقوا عند قبره قدر ما تنحر جذور ويقسم لحمها حتى يراجع رسل ربه وهم الملائكة الذين يأتون إلى الميت إذا دفن إذا دفن الميت فإنه يأتيه ملكان ويجلسانه

стр. 2005

في قبره ويسألانه ثلاثة أسئلة يقولان من ربك وما دينك ومن نبيك أما المؤمن الذي ثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة جعلنا الله منهم بمنه وكرمه فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمدا ﷺ يثبته الله في هذا المقام الضنك أما المنافق والعياذ بالله أو المرتاب الذي عنده الشك فيقول هاها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته لأن الإيمان ما دخل إلى قلبه ولا وقر في قلبه فهو يسمع ويقول لكن نسأل الله العافية لم يلج الإيمان قلبه فيضرب بمرزبة والمرزبة هي المطرقة العظيمة من الحديد يضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان وقال النبي ﷺ : ولو سمعها الإنسان لصعق ولو يسمع الناس من يعذب في قبره لصعقوا لأنه يصيح صيحة لا نظير لها في الدنيا لأن الصياح في الدنيا مهما كان لا يموت منه أحد لكن هذه صيحة عظيمة ليس لها نظير فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق فأمر عمرو بن العاص ﵁ أهله أن يقيموا عليه قدر ما

стр. 2006

تنحر الجزور ويقسم لحمها ليستأنس بهم وهذا يدل على أن الميت يحس بأهله وقد ثبت عن النبي ﵊ أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا من دفنه قرع النعال الخفي يسمعه الميت إذا انصرفوا من دفنه وقد ثبت عن النبي ﷺ في حديث حسن أنه كان إذا دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل فيستحب إذا دفن الميت أن يقف الإنسان على قبره ويقول: اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له لأن النبي ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا وإذا دعا ثلاثا نسأل الله تعالى أن تثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة المهم أن ابن عمرو بن العاص قال له: بشرك النبي ﷺ بالجنة وهذا من باب البشارة بالخير والتهنئة به

стр. 2007

باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون &﴾ وأما الأحاديث ٧١٢ - فمنها حديث زيد بن أرقم ﵁ الذي سبق في باب إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ قام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فحمد الله واثني عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي رواه مسلم وقد سبق بطوله

стр. 2008

[الشَّرْحُ] قال النووي رحمه الله تعالى: (باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه) وذلك أن الإنسان إذا سافر فينبغي لذويه وأقاربه وأصحابه أن يودعوه وأن يوصوه بتقوى الله فإن الله تعالى يقول: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وكان النبي ﷺ إذا بعث جيشا أو سرية وأمر عليهم أميرا قال له: أوصيك بتقوى الله ومن معك من المسلمين خيرا وذلك أن الإنسان يحتاج إلى من يساعده ويعينه على طاعة ربه لا سيما عند السفر لأن السفر محل الشغل والتقصير لاسيما فيما سبق من الزمان لما كانت الأسفار بعيدة على المطايا وعلى الأقدام فالناس يحتاجون إلى وصية وإلى تثبيت وإلى إعانة ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآيات الواردة في ذلك فذكر قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ وهذه الوصية هو قول الله عز وجل

стр. 2009

في إبراهيم: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ ولم يتردد فاسلم لله وانقاد له ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ يعني: وصى بهذه الوصية وهي أن يسلموا لله ظاهرا وباطنا فلإسلام الظاهر يكون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والإسلام الباطن يكون بالإيمان بالله وملائكته وكتبه إلى آخره ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ يعني أن إبراهيم ويعقوب كلا منهما وصى بها بنيه قائلا: ﴿إن الله اصطفى لكم الدين﴾ أي اختاره لكم ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ المعنى استدينوا الإسلام واثبتوا عليه إلى الممات ولا ترتدوا عنه ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهذا غاية التوحيد وهو من نصح يعقوب ﵇ لبنيه حيث أراد أن يعرف حالهم قبل أن يفارق الدنيا ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أما إبراهيم فهو أبوه يعني جده وإسحاق أبوه من صلبة وأما إسماعيل فهو عمه لكن أطلق عليه لفظ الآباء من باب التغليب لأن

стр. 2010

العم صنو الأب كما قال النبي ﷺ لعمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه يعني شريكه في الأصل والجذر والصنو هو عبارة عن النخلتين يكون أصلهما واحدا وهما قرينتان وقوله: ﴿إلها واحدا﴾ من باب التوكيد ﴿ونحن له مسلمون﴾ فهذه الوصية ينبغي للإنسان أن يوصى بها من أراد سفرا وأن يوصى بها أهله وأن يتعاهدهم عليها لأنها هي التي عليها بناء كل شيء فلا دين بدون إخلاص ولا عبادة بدون إخلاص ولا اتباع بدون إخلاص كل شيء مبناه على الإخلاص لله ٧١٣ - وعن أبي سليمان مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين

стр. 2011

كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم متفق عليه زاد البخاري في رواية له: وصلوا كما رأيتموني أصلى قوله: رحيما رفيقا روي بفاء وقاف، وروي بقافين [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في باب توديع الصاحب والمسافر ما نقله عن مالك بن الحويرث ﵁ قال أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون وهذا في عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة وكانوا شبابا فأقاموا عند النبي ﷺ عشرين ليلة جاءوا من أجل أن يتفقهوا في دين الله قال مالك وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا يعني اشتقنا إليهم فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم زاد البخاري وصلوا كما رأيتموني أصلي

стр. 2012

فهذا الحديث فيه فوائد: منها: أن النبي ﷺ كان مشهورا بالرحمة والرفق فكان أرحم الناس بالناس وكان أرفق الناس بالناس ﵊ رحيما رفيقا حتى إن الجارية من أهل المدينة البنت الصغيرة كانت تمسك بيده ليذهب معها ليقضي حاجتها وحتى العجوز كذلك فكان ﵊ أرحم الناس بالناس وأرفق الناس بالناس. ومنها: أن الإنسان ينبغي له أن يكون شعوره شعور الآخرين لا يكون أنانيا إذا تمت له الأمور نسى من سواه فإن رسول الله ﷺ كان مقيما في أهله مستريح البال مطمئن القلب مرتاح النفس لكن هؤلاء الناس الشببة الذين جاءوا يتعلمون الدين كانت الفطرة والعادة والطبيعة أن الإنسان يشتاق إلى أهله فلما رأى أنهم اشتاقوا إلى أهلهم وسألهم من خلفوا وراءهم واخبروه أمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم فينبغي عليك أن تشعر بشعور الآخرين وأن تجعل نفسك مكانهم حتى تعاملهم بما تحب أن تعامل به نفسك ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يقيم في أهله ما أمكنه ولا ينبغي أن يتغرب عنهم ولا أن يبتعد عنهم حتى إن الرسول ﵊ أمر المسافر إذا سافر وقضى حاجته أن يرجع إلى أهله لأن

стр. 2013

بقاء الإنسان في أهله فيه خير كثير فيه الألفة والمودة والمحبة والتربية ومراعاة أحوالهم والتأديب والتوجيه لهم فلهذا كان الذي ينبغي للإنسان ألا يفارق أهله إلا عند الحاجة ومتى انتهت حاجته رجع إليهم ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مأمور بأن يعلم أهله ولهذا قال: ارجعوا إلى أهليكم وعلموهم يعلمونهم ما تعلموه من رسول الله ﷺ فالإنسان ينبغي له أن يعلم أهله ما يحتاجون إليه إما أن يجعل جلسة خاصة لهم أو إذا جلسوا على الطعام أو على الشراب أو في انتظار النوم أو ما أشبه ذلك يعلمهم ومن فوائد الحديث أيضا أن الإنسان لا يقتصر على التعليم فقط قال: علموهم ومروهم فيعلمهم ويأمرهم وأهم ما يأمر به: الصلاة وقد نص الرسول عليه الصلاة السلام عليها فقال: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فلابد من تعليم الأهل ولابد من أمرهم وتأديبهم وتوجيههم ومن فوائدة الحديث: وجوب الأذان وأنه فرض كفاية، لقوله: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم

стр. 2014

ومنها: أنه لا يصح الأذان قبل الوقت فلو أذن الإنسان قبل الوقت ولو بتكبيرة واحدة من الأذان، فإن آذانه لا يصح ويجب عليه أن يعيده بعد دخول الصلاة، لقوله إذا حضرت الصلاة والصلاة لا تحضر إلا إذا دخل وقتها وبهذا نعرف أن قول الرسول ﵊ لأبي محذورة إذا أذنت بالأول من الصبح فقل الصلاة خير من النوم مرتين المراد به الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت لأنه قال الأول لصلاة الصبح خلافا لما فهمه بعض الناس من أن المراد بذلك الأذان الذي يكون قبل الفجر لأن الأذان الذي يكون قبل الفجر ليس أذانا لصلاة الفجر فقد بين الرسول ﵊ أن الأذان الذي يكون قبل الفجر هو لإيقاظ النائم وإرجاع القائم فقال: إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر هكذا قال النبي ﷺ فبين في هذا الحديث أن الأذان الذي يكون

стр. 2015

آخر الليل والذي يسميه الناس الأذان الأول ليس للفجر وليس للصلاة لأن الأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وقد بين الرسول ﵊ أن هذا الأذان ليس لصلاة الفجر بقوله ليرجع قائمكم يعني ليرده ليتسحر ويوقظ نائمكم ليتسحر ومن فوائد هذا الحديث: وجوب صلاة الجماعة لقوله: وليؤمكم أكبركم واللام هنا للأمر فصلاة الجماعة واجبة ومن فوائد الحديث: أن صلاة الجماعة واجبة على المسافرين كما هي واجبة على المقيمين لأن هؤلاء وفد سيرجعون إلى أهليهم فهم مسافرون وأمرهم مع ذلك بالصلاة جماعة وعلى هذا كان الإنسان في البلد وهو مسافر فإنه يجب عليه أن يحضر الجماعة في المساجد بعض العامة إذا قلت له: صل قال: أنا مسافر والمسافر ما عليه صلاة جماعة هذا خطأ يجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المساجد ولو كنت مسافرا فأنت وأهل البلد سواء قال النبي ﵊ لرجل: أتسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب

стр. 2016

ومن فوائد هذا الحديث: تقديم الكبير في الإمامة لقوله: وليؤمكم أكبركم وهذا لا ينافي قوله ﵊: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله لأن هؤلاء الشباب وكلهم وفدوا في وقت واحد والظاهر أنه ليس بينهم فرق بين في قراءة القرآن وأنهم متقاربون ليس بعضهم أقرأ من بعض ولهذا قال: وليؤمكم أكبركم لأنهم متساوون في القراءة أو متقاربون فإذا تساووا في القراءة والسنة والهجرة فإنه يرجع إلى الأكبر سنا وفيه أيضا اعتبار الكبر في السن وأن الكبير في السن مقدم على غيره إذا لم يكن لغيره ميزة يفضل بها هذا الكبير في السن ومن فوائده أيضا: أنه ينبغي للإنسان أن يوجه الناس لكل أمر وإن كان يظن أنه معلوم، ولهذا قال: صلوا صلاة كذا في حين كذا مع أنهم قد صلوا مع النبي ﵊ وصلوا معه عشرين ليلة وهم يعلمون ذلك لكن من أجل التنبيه قال: صلوا الظهر مثلا في صلوا العصر في وقت كذا صلوا المغرب في وقت كذا صلوا العشاء في وقت كذا، صلوا الفجر في وقت كذا

стр. 2017

ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يعلم الناس بالقول وبالفعل فعلم الذي صلى بغير طمأنينة بالقول قال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع إلى آخره أما هؤلاء فقال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا تعليم بالفعل وكما فعل ﵊ حينما صنع له المنبر فصعد عليه وجعل يصلي بالناس وهو على المنبر فيركع وهو على المنبر فإذا أراد السجود نزل من المنبر وهو مستقبل القبلة ثم سجد وقال لما سلم: إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ومن فوائد هذا الحديث: أنه على الإنسان أن يعرف كيف كان النبي ﷺ يصلي فيقرأ من كتب العلم التي كتبها من يوثق في عمله كيف كان الرسول ﷺ يصلي حتى ينفذ أمر الرسول في قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي

стр. 2018

٧١٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن وقال: لا تنسانا يا أخي من دعائك فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا وفي رواية قال: أشركنا يا أخي في دعائك رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ٧١٥ - وعن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول للرجل إذا أراد سفرا ادن مني حتى أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ٧١٦ - وعن عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يودع الجيش يقول: استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح ٧١٧ - وعن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أريد سفرا فزودني فقال: زودك الله التقوى

стр. 2019

قال: زدني قال: وغفر ذنبك قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت رواه الترمذي وقال حديث حسن [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في هذا الباب فيما يستحب من وداع الصاحب والدعاء له وطلب الدعاء منه فذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه أراد أن يعتمر فاستأذن النبي ﷺ فأذن له. وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك وفي رواية: أشركنا يا أخي في دعائك وذكر أن الترمذي أخرجه وقال إنه حسن صحيح ولكن الحقيقة أنه ضعيف وأنه لا يصح عن النبي ﷺ وطلب الدعاء من الغير ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يطلب من الغير الدعاء لصالح المسلمين جميعا أي شيء عام فهذا لا بأس به، وقد دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا فأنشأ الله سحابة فانتشرت وتوسعت وأمطرت ولم ينزل النبي ﷺ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي

стр. 2020

المطر أسبوعا كاملا وفي الجمعة الثانية دخل رجل آخر أو الأول فقال: يا رسول الله غرق المال وتهدم البناء فادع الله يمسكها عنا فرفع النبي ﷺ يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير إلى النواحي فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت وتمايز السحاب حتى خرج الناس يمشون في الشمس فإذا طلبت من شخص صالح مرجو الإجابة شيئا عاما للمسلمين فهذا لا بأس به لأنك لم تسأل لنفسك مثال ذلك: لو أن رجلا جاء إليك يطلب منك الشفاعة لتغيث رجلا ملهوفا أو تقضى عنه دينه أو ترفع الظلم عن رجل ضعيف من المسلمين فإن هذا لا بأس به لأن المصلحة لغيره القسم الثاني: أن يطلب الدعاء من الرجل الصالح من أجل أن ينتفع الرجل بهذا الدعاء ولا يهمه هو أن ينتفع لكن يحب من هذا الرجل الذي طلب منه الدعاء أن يلجأ إلى الله وان يسأل الله وأن يعلق قلبه بالله وأن يعلم أن الله سميع الدعاء المهم أن يكون قصده مصلحة هذا الرجل فهذا لا بأس به أيضا لأنك لم تسأله لمحض نفعك ولكن لنفعه هو فأنت تريد أن يزداد هذا الرجل الصالح خيرا بدعاء الله عز

стр. 2021

وجل وأن يتقرب إلى الله بالدعاء وأن يحصل على الأجر والثواب القسم الثالث: أن يطلب الدعاء من الغير لمصلحة نفسه هو فهذا أجازه بعض العلماء وقال لا بأس أن تطلب من الرجل الصالح أن يدعو لك لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال لا ينبغي إذا كان قصدك مصلحة نفسك فقط لأن هذا قد يدخل في المسألة المذمومة لأن النبي ﷺ بايع أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا وكذلك لأنه ربما يعتمد هذا السائل الذي سأل غيره أن يدعو له ربما يعتمد على دعاء هذا الغير وينسى أن يدعو هو لنفسه فيقول: أنا قلت لفلان وهو رجل صالح ادع الله لي وإذا استجاب الله هذا الدعاء فهو كاف فيعتمد على غيره وكذلك لأنه ربما يلحق المسئول غرور في نفسه وأنه رجل صالح يطمع الناس إلى دعائه فيحصل في هذا شر على المسئول وعلى كل حال فإن هذا القسم الثالث مختلف فيه فمن العلماء من قال: لا بأس أن تقول للرجل الصالح يا فلان ادع الله لي ومنهم من قال لا ينبغي والأحسن ألا تقول ذلك لأنه ربما يمن عليك بهذا وربما تذل أمامه بسؤالك ثم إنه من الذي يحول بينك

стр. 2022

وبين ربك ادع الله بنفسك لا أحد يحول بينك وبين الله لماذا تذهب تفتقر إلى غيرك وتقول: ادع الله لي وأنت ليس بينك وبين ربك واسطة؟ قال الله تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم وقال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾

стр. 2023

باب الاستخارة والمشاورة قال الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وقال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ أي يتشاورون بينهم فيه ٧١٨ - عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال: ويسمى حاجته رواه البخاري [الشَّرْحُ] قال النووي ﵀: (باب

стр. 2024

الاستخارة والمشاورة) والاستخارة مع الله، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير والإنسان خلق ضعيفا فقد تشكل عليه الأمور وقد يتردد فيها فماذا يصنع؟ لنفرض أنه هم بسفر وتردد هل هو خير أم شر أو هم أن يشتري سيارة أو بيتا أو أن يصاهر رجلا يتزوج ابنته أو ما أشبه ذلك ولكنه متردد فماذا يصنع؟ نقول: له طريقتان: الطريق الأول: استخارة رب العالمين الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون الطريق الثاني: استشارة أهل الري والصلاح والأمانة واستدل المؤلف ﵀ على المشاورة بآيتين من كتاب الله هما قوله تعالى: وشاوروهم في الأمر وهذا خطاب للنبي ﷺ . قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وكان النبي ﷺ وهو أسد الناس رأيا وأصوبهم صوابا يستشير أصحابه في بعض الأمور التي تشكل عليه وكذلك خلفاؤه من بعده كانوا يستشيرون أهل الري والصلاح ولا بد من هذين الشرطين فيمن تستشيره أن يكون ذا رأى

стр. 2025

وخبرة في الأمور وتأن وتجربة وعدم تسرع وأن يكون صالحا في دينه لأن من ليس بصالح في دينه ليس بأمين حتى وإن كان ذكيا وعاقلا ومحنكا في الأمور إذا لم يكن صالحا في دينه فلا خير فيه وليس أهلا لأن يكون من أهل المشورة لأنه إذا كان غير صالح في دينه فإنه ربما يخون والعياذ بالله ويشير بما فيه الضرر أو يشير بما لا خير فيه فيحصل بذلك من الشر والفساد ما الله به عليم ولنفرض أنه رجل من أهل الفسق والمجون والفجور فلا يجوز أن تستشيره لأن هذا يوقعك في هلاك كذلك ولو كان رجلا صالحا دينا أمينا لكنه مغفل ما يعرف الأمور أو متسرع لا خبرة له فهذا أيضا لا تحرص على استشارته لأنه ربما إذا كان مغفلا لا يدري عن الأمور يأخذ الأمور بظواهرها ولا يعرف شيئا مما وراء الظواهر وكذلك إذا كان متسرعا فإنه ربما يحمله التسرع على أن يشير عليك بما لا خير فيه فلابد من أن يكون ذا خبرة وذا رأي وصلاح في الدين وقال الله تبارك تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ يعني أمرهم المشترك الذي هو للجميع كالجهاد مثلا فإنه شورى بينهم فإذا أراد ولى الأمر أن يجاهد أو أن يفعل شيئا عاما للمسلمين فإنه يشاورهم

стр. 2026

ولكن كيف تكون المشورة المشورة تكون إذا حدث له أمر يتردد فيه جمع الإمام من يرى أنهم أهل للمشورة برأيهم وصلاحهم واستشارهم أما الاستخارة فهي مع الله يستخير الإنسان ربه إذا هم بأمر وهو لا يدري عاقبته ولا يدري مستقبله فعليه بالاستخارة والاستخارة معناها طلب خير الأمرين وقد أرشد النبي ﷺ إلى ذلك بأن يصلي الإنسان ركعتين من غير الفريضة في غير وقت النهي إلا في أمر يخشى فواته قبل خروج وقت النهي فلا بأس أن يستخير ولو في وقت النهي أما ما كان فيه الأمر واسعا فلا يجوز أن يستخير وقت النهي فلا يستخير بعد صلاة العصر وكذلك بعد الفجر حتى ترتفع الشمس مقدار رمح وكذلك عند زوالها حتى تزول لا يستخير إلا في أمر قد يفوت عليه يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يسلم وإذا سلم قال: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان هذا الأمر ويسميه

стр. 2027

خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله يعني إما أن تقول هذا أو هذا فاقدره لي ويسره لي وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به وينتهي ثم بعد ذلك إن انشرح صدره بأحد الأمرين بالأقدام أو الإحجام فهذا المطلوب يأخذ بما ينشرح به صدره فإن لم ينشرح صدره لشيء وبقى مترددا أعاد الاستخارة مرة ثانية وثالثة ثم بعد ذلك المشورة إذا لم يتبين له شيء بعد الاستخارة فإنه يشاور أهل الرأي والصلاح ثم ما أشير عليه به فهو الخير إن شاء الله، لأن الله تعالى قد لا يجعل في قلبه بالاستخارة ميلا إلى شيء معين حتى يستشير فيجعل الله تعالى ميل قلبه بعد المشورة وقد اختلف العلماء هل المقدم المشورة أو الاستخارة؟ والصحيح أن المقدم الاستخارة فقدم أولا الاستخارة لقول النبي ﷺ : إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين.. إلى آخره ثم إذا كررتها ثلاث مرات ولم يتبين لك الأمر فاستشر ثم ما أشير عليك به فخذ به وإنما قلنا: إنه يستخير ثلاث مرات لأن من عادة النبي ﷺ أنه

стр. 2028

إذا دعا دعا ثلاثا والاستخارة دعاء وقد لا يتبين للإنسان خير الأمرين من أول مرة بل قد يتبين في أول مرة أو في الثانية أو في الثالثة وإذا لم يتبين فليستشر

стр. 2029

باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق الرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة ٧١٩ - عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري قوله: خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر ٧٢٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى متفق عليه [الشَّرْحُ] ثم ذكر النووي ﵀ (باب استحباب مخالفة الطريق في العيد والجمعة وغيرها من العبادات)

стр. 2030

ومعنى مخالفة الطريق: أن يذهب إلى العبادة من طريق ويرجع من الطريق الآخر فمثلا يذهب من الجانب الأيمن ويرجع من الجانب الأيسر وهذا ثابت عن النبي ﷺ في العيدين كما رواه جابر ﵁ كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق يعني خرج من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء لم كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك؟ فقيل: ليشهد له الطريقان يوم القيامة لأن الأرض يوم القيامة تشهد على ما عمل فيها من خير وشر كما قال الله ﵎: يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها تشهد الأرض فتقول عمل على فلان كذا وعمل على فلان كذا فإذا ذهب من طريق ورجع من آخر شهد له الطريقان يوم القيامة بأنه أدى صلاة العيد وقيل من أجل إظهار الشعيرة شعيرة العيد حتى تكتظ الأسواق هنا وهناك ومعلوم أن الناس لا يخرجون كلهم من طريق واحد ويرجعون من طريق واحد تجد هذا يخرج من هذا الطريق وهذا من هذا هذا من هذا فإذا انتشر الناس في طرق المدينة صار في هذا إظهار لهذه الشعيرة لأن صلاة العيد من شعائر الدين والدليل

стр. 2031

على ذلك أن الناس يؤمرون بالخروج إلى الصحراء إظهارا لذلك وإعلانا له وبعضهم قال إنما خالف الطريق من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق قد يكون في هذا الطريق ما ليس في هذا الطريق من المساكن فيتصدق على هؤلاء وهؤلاء ولكن الأقرب والله أعلم أنه من أجل إظهار تلك الشعيرة حتى تظهر شعيرة صلاة العيد بالخروج إليها من جميع سكك البلد ثم اختلفت العلماء ﵏ هل يلحق في ذلك صلاة الجمعة؟ لأن صلاة الجمعة صلاة العيد قالوا: تلحق بصلاة العيدين، فيأتي إلى الجمعة من طريق ويرجع من طريق آخر ثم توسع بعض العلماء وقالوا: يشرع ذلك أيضا في الصلوات الخمس فيأتي مثلا في صلاة الظهر من طريق ويرجع من طريق آخر وهكذا صلاة العصر وبقية الصلوات قالوا: لأن ذلك حضور إلى الصلاة فيقاس على صلاة العيد وتوسع آخرون فقالوا تشرع مخالفة الطريق في كل تعبد كل عبادة تذهب إليها فاذهب إليها من طريق وارجع منها من طريق آخر حتى عيادة المريض فإذا عدت مريضا فاذهب إليه من

стр. 2032

طريق وارجع من طريق آخر وكذلك إذا شيعت جنازة فاذهب من طريق وارجع من طريق آخر وكل هذه الأقيسة الثلاثة كلها ضعيفة، لا قياس لصلاة الجمعة على العيدين ولا بقية الصلوات على العيدين ولا المشي في العبادة على العيدين وذلك لأن العبادات ليس فيها قياس ولأن هذه الأشياء كانت في عهد الرسول ﵊ كان في عهده الجمعة والصلوات الخمس وعيادة المريض وتشيع الجنائز ولم يحفظ عنه أن كان ﷺ يخالف الطريق في هذا والشيء إذا وجد في عهد الرسول ﷺ ولم يسن فيه شيئا فالسنة ترك ذلك أما في الحج فإن الرسول ﷺ خالف الطريق في دخوله إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها وكذلك في ذهابه إلى عرفه ذهب من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء أيضا في هذه المسألة هل كان النبي ﷺ فعل ذلك على سبيل التعبد أو لأنه أسهل لدخوله وخروجه؟ لأنه كان الأسهل لدخوله أن يدخل من الأعلى ولخروجه أن يخرج من الأسفل فمن من العلماء قال بالأول قال: إنه تدخل من أعلاها

стр. 2033

أي أعلى مكة وتخرج من أسفلها وسنة أن تأتي عرفة من طريق وترجع من طريق آخر ومنهم من قال: إن هذا حسب تيسر الطريق، فاسلك المتيسر سواء من الأعلى أو من الأسفل وعلى كل حال إن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا طيب فإن كان ذلك عبادة فقد أدركته وإن لم يكن عبادة لم يكن عليك ضرر فيه وإن لم يتيسر كما هو الواقع في وقتنا الحاضر حيث إن الطرق قد وجهت توجيها واحدا ولا يمكن للإنسان أن يخالف فلأمر والحمد لله واسع

стр. 2034

باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والخروج من الخلاء والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والبصاق عن اليسار ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب والاستنجاء وفعل المستقذرات وأشباه ذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم) والعكس بالعكس فيما يقصد به الإهانة فإنه يبدأ باليد اليسرى وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أشياء متعددة مثل

стр. 2035

الوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب فالوضوء يبتدئ فيه الإنسان باليمين يبتدئ باليد اليمنى قبل اليد اليسرى وبالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذا إذا كانا عضوين متميزين أما إذا كان عضوا واحدا كالوجه مثلا فإننا لا نقول ابدأ بيمين الوجه قبل يساره بل يغسل الوجه مرة واحدة كما جاءت به السنة نعم لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يغسل وجهه إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمين بما يقال: يبدأ من اليمين وربما يقال: يبدأ من الأعلى وكذلك مسح الأذنين لا تمسح الأذن اليمنى قبل اليسرى بل يمسحان جميعا إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمسح بيديه جميعا فيبدأ باليمنى قبل اليسرى وكذلك في الغسل إذا أراد الإنسان أن يغتسل من الجنابة فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض الماء على رأسه ثلاث مرات حتى يروي ثم يغسل سائر جسده ويبدأ بالشق الأيمن منه قبل الأيسر لقول النبي ﷺ للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها
следующие страницы →