Полный текст (3 784 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
على ذلك أن الناس يؤمرون بالخروج إلى الصحراء إظهارا لذلك وإعلانا له وبعضهم قال إنما خالف الطريق من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق قد يكون في هذا الطريق ما ليس في هذا الطريق من المساكن فيتصدق على هؤلاء وهؤلاء ولكن الأقرب والله أعلم أنه من أجل إظهار تلك الشعيرة حتى تظهر شعيرة صلاة العيد بالخروج إليها من جميع سكك البلد ثم اختلفت العلماء ﵏ هل يلحق في ذلك صلاة الجمعة؟ لأن صلاة الجمعة صلاة العيد قالوا: تلحق بصلاة العيدين، فيأتي إلى الجمعة من طريق ويرجع من طريق آخر ثم توسع بعض العلماء وقالوا: يشرع ذلك أيضا في الصلوات الخمس فيأتي مثلا في صلاة الظهر من طريق ويرجع من طريق آخر وهكذا صلاة العصر وبقية الصلوات قالوا: لأن ذلك حضور إلى الصلاة فيقاس على صلاة العيد وتوسع آخرون فقالوا تشرع مخالفة الطريق في كل تعبد كل عبادة تذهب إليها فاذهب إليها من طريق وارجع منها من طريق آخر حتى عيادة المريض فإذا عدت مريضا فاذهب إليه من
стр. 2032
طريق وارجع من طريق آخر وكذلك إذا شيعت جنازة فاذهب من طريق وارجع من طريق آخر وكل هذه الأقيسة الثلاثة كلها ضعيفة، لا قياس لصلاة الجمعة على العيدين ولا بقية الصلوات على العيدين ولا المشي في العبادة على العيدين وذلك لأن العبادات ليس فيها قياس ولأن هذه الأشياء كانت في عهد الرسول ﵊ كان في عهده الجمعة والصلوات الخمس وعيادة المريض وتشيع الجنائز ولم يحفظ عنه أن كان ﷺ يخالف الطريق في هذا والشيء إذا وجد في عهد الرسول ﷺ ولم يسن فيه شيئا فالسنة ترك ذلك أما في الحج فإن الرسول ﷺ خالف الطريق في دخوله إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها وكذلك في ذهابه إلى عرفه ذهب من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء أيضا في هذه المسألة هل كان النبي ﷺ فعل ذلك على سبيل التعبد أو لأنه أسهل لدخوله وخروجه؟ لأنه كان الأسهل لدخوله أن يدخل من الأعلى ولخروجه أن يخرج من الأسفل فمن من العلماء قال بالأول قال: إنه تدخل من أعلاها
стр. 2033
أي أعلى مكة وتخرج من أسفلها وسنة أن تأتي عرفة من طريق وترجع من طريق آخر ومنهم من قال: إن هذا حسب تيسر الطريق، فاسلك المتيسر سواء من الأعلى أو من الأسفل وعلى كل حال إن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا طيب فإن كان ذلك عبادة فقد أدركته وإن لم يكن عبادة لم يكن عليك ضرر فيه وإن لم يتيسر كما هو الواقع في وقتنا الحاضر حيث إن الطرق قد وجهت توجيها واحدا ولا يمكن للإنسان أن يخالف فلأمر والحمد لله واسع
стр. 2034
باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والخروج من الخلاء والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والبصاق عن اليسار ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب والاستنجاء وفعل المستقذرات وأشباه ذلك
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم) والعكس بالعكس فيما يقصد به الإهانة فإنه يبدأ باليد اليسرى وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أشياء متعددة مثل
стр. 2035
الوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب فالوضوء يبتدئ فيه الإنسان باليمين يبتدئ باليد اليمنى قبل اليد اليسرى وبالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذا إذا كانا عضوين متميزين أما إذا كان عضوا واحدا كالوجه مثلا فإننا لا نقول ابدأ بيمين الوجه قبل يساره بل يغسل الوجه مرة واحدة كما جاءت به السنة نعم لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يغسل وجهه إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمين بما يقال: يبدأ من اليمين وربما يقال: يبدأ من الأعلى وكذلك مسح الأذنين لا تمسح الأذن اليمنى قبل اليسرى بل يمسحان جميعا إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمسح بيديه جميعا فيبدأ باليمنى قبل اليسرى وكذلك في الغسل إذا أراد الإنسان أن يغتسل من الجنابة فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض الماء على رأسه ثلاث مرات حتى يروي ثم يغسل سائر جسده ويبدأ بالشق الأيمن منه قبل الأيسر لقول النبي ﷺ للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها
стр. 2036
فإذا كنت تحت الصنبور وهو يصيب على رأسك وأنت تريد أن تغتسل فإذا غسلت رأسك وأرويته فابدأ بغسل الجانب الأيمن من الجسد قبل الأيسر هذا هو السنة كذلك في التيمم ولكن التيمم جاءت السنة أن الإنسان يمسح وجهه بيديه جميعا ثم يمسح كل واحدة بالأخرى فلا يظهر فيها التيامن لأن التيمم في عضوين فقط في الوجه والكفين وإذا كان في الوجه والكفين فالوجه يمسح مرة واحدة والكفان يمسح بعضهما ببعض كذلك لبس الثوب والنعل والخف والسراويل كل هذه يبدأ فيها باليمين إذا أردت أن تلبس الثوب فأدخل اليد اليمنى في كمها قبل اليد اليسرى في السراويل أدخل الرجل اليمنى في كمها قبل أن تدخل الرجل اليسرى في النعل إذا أردت أن تلبس النعل ابدأ بالرجل اليمنى أدخلها في النعل قبل اليسرى كذلك في الخف والجوارب ابدأ بالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذه هي السنة كما جاءت عن النبي ﷺ وكذلك دخول المسجد تبدأ بالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى تقصد ذلك فإذا أقبلت على المسجد فانتبه حتى تكون رجلك اليمنى هي الداخلة الأولى
стр. 2037
كذلك أيضا السواك إذا أراد الإنسان يتسوك فيبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر وكذلك الاكتحال إذا أراد أن يكتحل يبدأ بالعين اليمنى قبل اليسرى كذلك تقليم الأظفار يبدأ بالأيمن قبل الأيسر فيبدأ مثلا في اليمنى بالخنصر ثم البنصر ثم الواسطى ثم السبابة ثم الإبهام وفي اليد اليسرى يبدأ بتقليم الإبهام ثم السبابة ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ويبدأ أيضا بالقدم اليمنى في تقليم أظافرها قبل القدم اليسرى كذلك في قص الشارب ابدأ بالجانب الأيمن منه قبل الأيسر كذلك نتف الإبط وحلق الرأس نتف الإبط سنة فإذا أردت أن تنتف الآباط يعني تنتف الشعر فابدأ بالإبط الأيمن قبل الأيسر وكذلك في حلق الرأس ابدأ بالجانب الأيمن من الرأس قبل الأيسر وكذلك أيضا السلام من الصلاة يلتفت الإنسان عن يمينه قبل أن يلتفت عن يساره وكذلك الأكل والشرب فيأكل بيمينه ويشرب بيمينه ولا يجوز أن يأكل باليسرى أو يشرب باليسرى لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك
стр. 2038
وقال: إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله فإذا رأيت رجلين أحدهما يأكل باليمين ويشرب باليمين والثاني يأكل بالشمال ويشرب بالشمال فالأول على هدى النبي ﷺ والثاني على هدى الشيطان وهل يرضى أحد من الناس أن يتبع هدى الشيطان ويعرض عن هدى محمد ﷺ لا أحد يريد ذلك أبدا لكن الشيطان يزين للناس الأكل بالشمال والشرب بالشمال وربما بعض الناس يظن أن هذا تقدم وحضارة لأن الغربيين الكفرة يقدمون اليسار عن اليمين ولهذا يجب علي الإنسان أن يأكل باليمين وأن يشرب باليمين إلا للضرورة ويجب علينا أيضا أن نعلم أولادنا الصغار أن يأكلوا باليمين ويشربوا باليمين كذلك المصافحة يصافح باليمين ولا يصافح باليسار فإن مد إليك يده اليسرى للمصافحة فلا تصافحه اهجره لأنه خالف السنة إلا إذا كانت اليد اليمنى شلاء لا يستطيع أن يحركها فهذا عذر كذلك استلام الحجر الأسود باليمين وكذلك إذا لم يستطع الإنسان مسحه فإنه يشير إليه ويكون ذلك باليد اليمنى وكذلك استلام الركن اليماني يكون باليمين ونحن نرى الآن بعض الطائفتين يمسح الحجر الأسود باليسرى أو يشير إليه باليسرى أو يشير إليه باليدين جميعا أما الركن اليماني فإن استطعت أن تستلمه يعني تمسحه باليد فافعل وإلا فلا تشر إليه لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه أشار إليه
стр. 2039
والغالب أن هذا جهل منهم فإذا رأيت أحدا يمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود باليد اليسرى فنبهه أن هذا ليس من الإكرام فليس من إكرام بيت الله أن تمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود باليد اليسرى بل امسحهما باليد اليمنى كذلك الخروج من الخلاء يعني إذا دخلت الحمام لقضاء الحاجة من بول أو غائط ثم خرجت فقدم الرجل اليمنى لأن خارج الخلاء أحق بالتكريم من الخلاء فإذا خرجت فابدأ بالرجل اليمنى كذلك الأخذ والإعطاء وغير ذلك الأخذ والإعطاء يعني إذا أردت أن تناول صاحبك شيئا فناوله باليمين وإذا أردت أن تأخذ شيئا يناولك إياه فخذه باليمين هذه أخلاق الإسلام لكن بعض الناس يناولك باليسار ويأخذ منك باليسار ظنا منه أن هذا هو التقدم لأن الكفرة يأخذون باليسار ويعطون باليسار وسبحان الله العظيم أصحاب الشمال لهم الشمال لأن الكفرة أصحاب الشمال والمؤمنون هم أصحاب اليمين ولهذا تجد الكافر دائما يفضل اليسار لأنه أهل اليسار
стр. 2040
وأهل الشمال فهو من أهل اليسار في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله إذا كل هذه الأمور ابدأ فيها باليمين وكذلك غيرهما مما يشمله التكريم كل شيء للتكريم فإنه يبدأ فيه باليمين لأن اليمين أكرم وأفضل أما اليسار فبالعكس ثم ذكر المؤلف أشياء مما يقدم فيها اليسار، كالامتخاط والبصاق فإنه يكون باليسار الامتخاط: يعني إذا استنثر الإنسان ليخرج ما في أنفه من الأذى فإنه يكون باليد اليسرى وكذلك لو أراد أن يمسح المخاط فإنه يكون باليد اليسرى وكذلك عند دخول الخلاء يقدم الرجل اليسرى وأما الخروج منه فقد سبق أنه يقدم الرجل اليمنى وكذلك إذا خرج من المسجد فإنه يقدم الرجل اليسرى وكذلك إذا أراد أن يخلع النعل أو أن يخلع الخف أو أن يخلع الثوب أو أن يخلع السراويل فإنه يبدأ بإخراج الرجل اليسرى وتكون اليمنى هي الأولى عند اللبس كذلك الاستنجاء يكون باليد اليسرى وقد نهى النبي ﷺ أن
стр. 2041
يستنجئ الرجل بيمينه لأن اليمين محل الإكرام ويؤكل بها ويشرب بها فينبغي إبعادها عن القاذورات وكذلك كل شيء مستقذر فإنه يكون باليد اليسرى وأما اليمنى فهي لما يكون فيه الإكرام ولغيره مما إكرام فيه ولا إهانة فاليسرى تكون الأذى واليمنى لما سواها واعلم أن الناس حينما ظهرت الساعات التي تتعلق باليد صاروا يلبسونها باليد اليسار من أجل أن تبقى اليد اليمنى طليقه ليس فيها ساعة يتأذى بها الإنسان عند الحركة لأن حركة اليمنى أكثر من حركة اليسرى ويحتاج الإنسان لحركة اليمنى أكثر فكانوا يجعلونها في اليد اليسرى لأن ذلك أسهل ولأن اليد اليمنى هي التي يكون فيها العمل غالبا فربما تتعرض الساعة لشيء يضرها ولذلك جعلوها باليسار وقد ظن بعض الناس أن الأفضل جعلها في اليمين بناء على تقديم اليد اليمنى ولكن هذا ظن ليس مبنيا على صواب لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتختم بيمينه ويتختم أحيانا بيساره وربما كان تختمه بيساره أفضل ليسهل أخذ الخاتم باليد اليمنى
стр. 2042
والساعة أقرب ما تكون للخاتم فلا تفضل فيها اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى الأمر في هذا واسع وإن شئت جعلتها باليمين وإن شئت جعلتها باليسار كل هذا لا حرج فيه ثم ذكر المؤلف آيتين من كتاب الله هما قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ وهذا يكون يوم القيامة فإن الناس يؤتون كتبهم أي كتب أعمالهم التي كتب فيها عمل الإنسان إما باليمين وإما بالشمال ﴿من أوتي كتابه بيمينه﴾ جعلنا الله منهم فإنه يأخذه فرحا مسرورا يقول للناس: انظروا إلى ﴿اقرءوا كتابيه﴾ كما نشاهد الآن الطالب إذا أخذ ورقة النجاح صار يريها أصدقاءه وأقاربه فرحا بها ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ فإنه على العكس من ذلك يتمنى أنه لم يؤت الكتاب فضلا عن أن يطلع عليه غيره والآية الأخرى التي ذكرها المؤلف فهي قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ فذكر اله سبحانه أن الناس يكونون يوم القيامة ثلاثة أقسام: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون فالسابقون هم المقربون وأصحاب الميمنة ناجون وأصحاب المشأمة هالكون فهم يوم القيامة ثلاثة أصناف
стр. 2043
وهم كذلك عند خروج الروح من البدن ثلاثة أصناف ذكر الله في سورة الواقعة أحوالهم يوم القيامة وذكر في آخرها أحوالهم عند الاختصار فقال: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لاَ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ والمقربون هم السابقون الذين يسبقون إلى الخيرات في كل نوع من أنواع الخير ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وهؤلاء هم أصحاب المشأمة والعياذ بالله فهم المكذبون الضالون أعاذنا الله من حالهم وأشار المؤلف ﵀ في هاتين إلى أن أهل اليمين للفضائل الدائمة في الدنيا وفي الآخرة ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا
стр. 2044
٧٢١ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في شأنه في ظهوره وترجله وتنعله متفق عليه
٧٢٢ - وعنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف رحمه الله تعالى في باب استحباب تقديم اليمن فيما من شأنه التكريم عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله في شأنه كله أي: في جميع أحواله يعجبه يعني يسره ويستحسن البداءة باليمين في كل شيء في طهوره وترجله وتنعله في طهوره يعني إذا تطهر يبدأ باليمين فيبدأ بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى وبغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى وأما الأذنان فإنهما عضو واحد داخلان في الرأس فيمسح بهما جميعا إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسح إلا بيد واحدة فهنا يبدأ بالأذان اليمنى للضرورة
стр. 2045
قالت وترجله والترجل يعني تسريح الشعر ومشطه ودهنه وكان الرسول ﷺ كعادة الناس في ذلك الوقت لا يأخذ رأسه إلا في حج أو عمرة لكن أحيانا يأخذ منه وأحيانا يبقيه فأحيانا يكون إلى شحمه أذنيه وأحيانا ينزل حتى يضرب على منكبيه فكان ﷺ يتعاهده بالتنظيف والتسريح والدهن حتى نظيفا لا يكون فيه الغبار ولا القمل ولا غير ذلك مما يستقذر وكذلك أيضا يعجبه التيمن في تنعله أي إذا لبس النعل فإنه يبدأ باليمين قبل اليسار وإذا خلع يبدأ باليسار قبل اليمين وكذلك الثوب إذا لبسه بإدخال الكم اليمين قبل اليسار وكذلك السروال يبدأ بإدخال الرجل اليمنى قبل اليسرى والعكس في الخلع وفي الحديث الثاني عن عائشة ﵂ أنها بينت ما كان النبي ﷺ يستعمل فيه اليمين ويستعمل فيه اليسار فذكرت أن الذي يستعمل فيه اليسار ما كان فيه أذى كالاستنجاء والاستجمار والاستنشاق والاستنثار وما أشبه ذلك كل ما فيه أذى فإنه تقدم فيه اليسرى وما سوى ذلك فإنه تقدم فيه اليمنى تكريما لها لأن الأيمن أفضل من الأيسر كما سبق
стр. 2046
٧٢٣ - وعن أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته زينب ﵂ ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها متفق عليه
٧٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع متفق عليه
٧٢٥ - وعن حفصة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل يساره لما سوى ذلك رواه أبو داود وغيره
٧٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح
٧٢٧ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى مني:
стр. 2047
فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس متفق عليه وفي رواية: لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان استحباب البداءة باليمين فيما طريقه التكريم وتقديم اليسار فيما طريقه الأذى والقذر كالاستنجاء والاستجمار وما أشبه ذلك فذكر المؤلف حديثا عن أم عطية ﵂ من نساء الأنصار وكان لها أعمال جليلة منها أنها كانت تغسل الأموات من النساء فلما ماتت زينب بنت محمد ﷺ وحضرن ليغسلنها فقال لهن النبي ﷺ ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها وكيفية تغسيل الميت بأن تخلع ثيابه بعد أن توضع على
стр. 2048
عورته ما يسترها ثم يضع الغاسل خرقة على يده فينجيه يعني يغسل فرجه القبل والدبر حتى ينظفه ثم بعد ذلك يزيل هذه الخرقة ويغسل كفيه كما يتوضأ الإنسان في العادة ثم يأخذ خرقة مبلولة بالماء فينظف أسنانه وفمه وينظف منخريه بدلا عن المضمضة والاستنشاق ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه لأنه إذا فعل ذلك نزل الماء إلى جوفه وربما يخرج فيؤذيهم عند التغسيل ثم بعد هذا يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ويغسل رجليه وضوءا كاملا ثم بعد ذلك يغسل رأسه برغوة السدر بعد أن يكون قد أعد ماء فيه سدر مطحون يضربه بيده حتى يكون له رغوة فيأخذ الرغوة ويغسل بها رأس الميت ثم يغسل ببقية السدر بقية البدن على أن المرأة لا يغسلها إلا نساء حتى أبوها لا يغسلها ولا ابنها ولا أحد من محارمها إلا النساء أو الزوج والرجل لا يغسله إلا رجل لا تغسله أمه ولا بنته ولا أحد من النساء إلا زوجته فالزوج يغسل زوجته والزوجة تغسل زوجها وما سوى ذلك لا يغسل الذكر الأنثى ولا الأنثى الذكر حضرت النساء لتغسيل زينب بنت الرسول ﷺ فقال ﷺ : ابدأن بميامنها يعني بالأيمن قبل الأيسر اليد اليمنى قبل اليسرى
стр. 2049
والرجل اليمنى قبل اليسرى والشق الأيمن قبل الشق الأيسر ومواضع الوضوء منها ففعلن ذلك وجعلن رأسها ثلاثة قرون يعني ثلاث جدايل الجانب الأيمن قرن والأيسر قرن ووسط الرأس قرن وألقينه خلفها ثم أعطاهن النبي ﷺ حقوه يعني إزاره وقال: أشعرنها إياه يعني الففنه على جسدها مباشرة تبركا بإزار النبي ﷺ ففعلن ذلك والشاهد من هذا قوله ابدأن بميامنها ثم ذكر المؤلف أحاديث فيها معنى ما تقدم كحديثي أبي هريرة ﵁ في لبس الثوب والنعل والوضوء وكذلك حديث حفصة ﵂ ثم ذكر حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة حلق النبي ﷺ في حجة الوداع فإن النبي ﷺ في حجة الوداع لما بات بمزدلفة وصلى الفجر وجلس يدعو حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس ووصل إلى جمرة العقبة وقد ارتفع النهار وصار للشمس حرارة فرمى الجمرة وذلك يوم العيد وذهب ﷺ إلى منزله فدعا بالحلاق فحلق رأسه وأشار ﷺ إلى الشق الأيمن فبدأ الحلاق بالشق الأيمن وكان النبي ﷺ يعفي شعر الرأس فكان شعر رأسه كثيرا فبدأ بالشق الأيمن فحلقه ثم
стр. 2050
دعا أبا طلحة ﵁ الأنصاري وأعطاه شعر الشق الأيمن كله ثم حلق بقية الرأس ودعا أبا طلحة وأعطاه إياه وقال: اقسمه بين الناس فقسمه فمن الناس من ناله شعرة واحدة ومنهم من ناله شعرتان ومنهم من ناله أكثر حسب ما تيسر وذلك لأجل التبرك بهذا الشعر الكريم شعر النبي ﷺ وكون أبا طلحة خصه الرسول بالجنب الأيمن كله يدل على أن من الناس من يختص بخصيصة يخص الله بها وإن كان في الصحابة من هو أفضل منه فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكثير من الصحابة أفضل من أبي طلحة لكن فضل الله يؤتيه من يشاء وكان الصحابة يتبركون بشعر النبي ﷺ وبثيابه وبعرقه لكن غيره لا يتبرك بشعره ولا بثيابه ولا بعرقه وكان عند أم سلمة ﵂ إحدى زوجات الرسول ﷺ شعرات من شعر الرسول ﷺ وضعتها في جلجل يعني طابوق من الفضة وجعلته من الفضة تكريما لشعر الرسول ﷺ فكان الناس إذا مرض عندهم مريض جاءوا إليها فصبت على الشعر ماء وحركته به ثم أعطته المريض فيشفى بإذن الله ببركة شعر النبي ﷺ ولكن هذا ليس لغير النبي ﷺ فإن الصحابة لم يتبركوا بشعر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد الرسول ﷺ ولا بشعر عمر
стр. 2051
ولا غيره من الصحابة وكذلك من دونهم لا يتبرك بشعره ولا بعرقه ولا بثيابه إنما ذلك خاص برسول الله ﷺ والشاهد من حديث أنس أن النبي ﷺ أشار إلى الحلاق أن يبدأ بالجانب الأيمن فإذا حججت وأردت أن تحلق أو تقصر فابدأ بالجانب الأيمن وكذلك لو حلقت حلقا عاديا فابدأ بالجانب الأيمن
стр. 2052
كتاب أدب الطعام
باب التسمية في أوله والحمد في آخره
٧٢٨ - عن عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه
٧٢٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ (كتاب أدب الطعام) فالطعام ما يطعمه الإنسان أي ما يتذوق طعمه ويكون شرابا ويكون أكلا والدليل على أن الشراب يسمى طعما أو طعاما قوله ﵎: فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ثم قال: (باب التسمية في أوله والحمد في آخره) ثم ذكر حديث
стр. 2053
عمر بن أبي سلمة ﵁ وكان ربيب النبي ﷺ يعني ابن زوجته أم سلمة فإنه قدم النبي ﷺ طعام وكان غلاما صغيرا فجعلت يده تطيش في الصحفة من هنا ومن هنا وكان النبي ﷺ لا يدع مجالا يحتاج إلى التعليم إلا علم حتى الصغار فقال له: سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك فهذه ثلاثة آداب في الأكل علمها النبي ﷺ هذا الغلام أولا: قال: سم الله يعني قل: بسم الله ولا حرج أن يزيد الإنسان الرحمن الرحيم لأن هذين الاسمين أثنى الله بهما على نفسه في البسملة في القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله الرحمن الرحيم فلا حرج وإن اقتصر على بسم الله كفى والتسمية على الأكل واجبة إذا تركها الإنسان فإنه يأثم ويشاركه الشيطان في أكله ولا أحد يرضى أن يشاركه عدوه في أكله فلا أحد يرضى أن يشاركه الشيطان في أكله فإذا لم تقل: بسم الله فإن الشيطان يشاركك فيه فإن نسيت أن تسمى في أوله وذكرت في أثنائه فقل: بسم الله أوله وآخره كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ في الحديث الذي روته عائشة وأخرجه أبو داود والترمذي
стр. 2054
ثانيا: قال: كل بيمينك والأكل باليمين واجب ومن أكل بشماله فهو آثم عاص للرسول ﷺ ومن عصى الرسول فقد عصى الله ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ثالثا: كل مما يليك يعني إذا كان معك مشارك فكل من الذي يليك لا تأكل من جهته، ومن الذي يليه فإن هذا سوء أدب قال العلماء: إلا أن يكون الطعام أنواعا مثل أن يكون فيه قرع وباذنجان ولحم وغيره فلا بأس أن تتخطى يدك إلى هذا النوع أو ذاك كما كان الرسول ﷺ يتتبع الدباء من الصحفة يأكلها والدباء يعني القرع وكذلك لو كنت تأكل وحدك فلا حرج أن تأكل من الطرف الآخر لأنك لا تؤذي أحدا في ذلك لكن لا تأكل من أعلى الصحفة لأن البركة تنزل في أعلاها ولكن كل من الجوانب وفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي لنا أن نعلم الصبيان والغلمان آداب الأكل والشرب وكذلك آداب النوم فضلا عن الأمور الأخرى كالصلاة فإن الرسول ﷺ قال مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر
стр. 2055
٧٣٠ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في سياق أدب الطعام عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء ذلك لأن الإنسان ذكر الله وذكر الله تعالى عند دخول البيت أن يقول: بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا اللهم إني أسألك خير المولج وأسألك خير المخرج هذا الذكر عند دخول المنزل سواء في الليل أو في النهار وأما الذكر عند العشاء فأن يقول بسم الله
стр. 2056
فإذا ذكر الله عند دخوله البيت وذكر الله عند أكله عند العشاء قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء لأن هذا البيت وهذا العشاء حمى بذكر الله حماه الله تعالى من الشياطين وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء أي أن الشيطان يشاركه المبيت والطعام لعدم التحصن بذكر الله وفي هذا: حث على أن الإنسان ينبغي له إذا دخل بيته أن يذكر اسم الله والذكر الوارد في ذلك بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ثم يستاك لأن النبي ﷺ إذا دخل بيته فأول ما يبدأ به السواك ثم يسلم على أهله أما عند العشاء فيقول: بسم الله وبذلك يحترز من الشيطان الرجيم مبيتا وعشاء فإن ذكر اسم الله عند الدخول دون العشاء شاركه الشيطان في عشائه وإن ذكر اسم الله عند العشاء دون الدخول شاركه الشيطان في المبيت دون العشاء وإن ذكر اسم الله عند الدخول وعند العشاء فإن الشيطان لا يكون له مبيت ولا عشاء
стр. 2057
٧٣١ - وعن حذيفة ﵁ قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله ﷺ بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله تعالى عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في باب أدب الطعام ما نقله عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده وذلك لكمال احترامهم للنبي ﷺ فلا يضعون أيديهم في الطعام حتى يضع يده فحضر مع رسول الله ﷺ ذات يوم طعاما تقدم إلى رسول الله ﷺ فلما بدءوا جاءت جارية يعني طفلة صغيرة كأنما تدفع دفعا يعني كأنها
стр. 2058
تركض فأرادت أن تضع يدها في الطعام بدون أن تسمى فأمسك النبي ﷺ بيدها ثم جاء أعرابي كذلك كأنما يدفع دفعا فجاء يده في الطعام فأمسك النبي ﷺ بيده ثم أخبر النبي ﷺ أن هذا الأعرابي وهذه الجارية جاء بهما الشيطان لأجل أن يستحل الطعام بهما إذا أكلا بدون تسمية وهما قد يكونان معذورين لجهلهما هذه لصغرها وهذا أعرابي لكن الشيطان أتى بهما من أجل أنهما إذا أكلا بدون تسمية شارك في الطعام ثم أقسم النبي ﷺ أن يد الشيطان مع أيديهما في يد النبي ﷺ وهذا الحديث يدل على فوائد: منها: احترام الصحابة لرسول الله ﷺ وأدبهم معه.
ومنها: أنه ينبغي إذا كان هناك كبير على الطعام أل يتقدم أحد قبل أكله بل يؤثرون الكبير بالأكل أولا لأن التقدم بين يدي الكبير غير مناسب وينافى الأدب ومنها: أن الشيطان يأمر الإنسان ويحثه ويزجره على فعل ما لا ينبغي وقد جاء في القرآن الكريم: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ
стр. 2059
وَالْمُنْكَرِ﴾ فدل هذا على أن الشيطان له إمرة على بني آدم والمعصوم من عصمه الله ومنها: أن الإنسان إذا أتى في أثناء الطعام فليسم ولا يقل سمى الأولون قبلي ولكن إذا كانوا جميعا وبدؤوا بالطعام جميعا فهل يكفى تسمية الواحد؟ والجواب: إن كان الواحد سمى سرا فإن تسميته لا تكفى لأن الآخرين لم يسمعوها وإن سمى جهرا ونوى عن الجميع فقد يقال إنها تكفي وقد يقال الأفضل أن يسمي كل إنسان لنفسه وهذا أكمل وأحسن.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للشيطان يدا لأن النبي ﷺ أمسك بيده ومنها أيضا: أن هذا الحديث آية من آيات الرسول ﷺ حيث أعلمه الله تعالى بما حصل في هذه القصة وان الشيطان دفع الأعرابي والجارية وأنه أمسك بأيديهم أي بأيدي الثلاثة بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه ومنها: أنها إذا جاء أحد يريد أن يأكل ولم تسمعه سمى فأمسك بيده حتى يسمي لأن النبي ﷺ أمسك بأيديهم ولم يقل سميا بل
стр. 2060
أمسك بأيديهم حتى يكون في ذلك ذكرى لهم يذكرون هذه القصة ولا ينسون التسمية في المستقبل ومن فوائد هذا الحديث: تأكد التسمية عند الأكل والصحيح أن التسمية عند الأكل واجبة وأن الإنسان إذا لم يسم فهو عاص لله وراض بأن يشاركه في طعامه أعدى عدو له وهو الشيطان فلذلك كانت التسمية واجبة فإن نسيت التسمية في أوله وذكرت في أثنائه فقل بسم الله أوله وآخره
٧٣٢ - وعن أمية بن مخشي الصحابي ﵁ قال: كان رسول ﷺ جالسا ورجل يأكل فلم يسم الله حتى لم يبق من طعامه لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك النبي ﷺ ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه رواه أبو داود والنسائي
٧٣٣ - وعن عائشة ﵁ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2061
يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ : إما إنه لو سمى لكفاكم رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
٧٣٤ - وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مستغنى عنه ربنا رواه البخاري
٧٣٥ - وعن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ساقها المؤلف ﵀ في (كتاب أدب الطعام (وفيها دلالة على أمور: منها: أن الإنسان إذا لم يسم الله على طعامه فإن الشيطان يأكل معه لحديث أمية بن مخشى أن رجلا أكل طعاما فلم يسم فلما
стр. 2062
بقى لقمة واحدة تذكر فسمى الله تعالى فضحك النبي ﷺ وأخبر أن الشيطان كان يأكل معه فلما ذكر الله قاء الشيطان ما أكله وهذه من نعمة الله أن الشيطان يحرم أن يأكل معنا إذا سمينا في أول الطعام وكذلك إذا سمينا في آخره وقلنا بسم الله أوله وآخره فإن ما أكله يتقيؤه فيحرم إياه وفي الحديث دليل على أن الشيطان يأكل لأنه أكل من هذا الطعام فالشيطان يأكل ويشرب ويشارك الآكل والشارب إذا لم يسم الله تعالى على آكله وشربه وكذلك ذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يأكل في سنة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فدخل معهم فأكل الباقي بلقمتين هذا كأنه جائع والله أعلم فجاء منهما في الأكل فأكل الباقي بلقمتين فقال النبي ﷺ : أما إنه لو سمى لكفاكم لكنه لم يسم فأكل الباقي كله بلقمتين ولم يكفه وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يسم نزعت البركة من طعامه لأن الشيطان يأكل معه فيكون الطعام الذي يظن أنه يكفيه لا يكفيه لأن البركة تنزع منه وبقية الأحاديث فيها دليل على أن الإنسان ينبغي له إذا أكل أكلا أن يحمد الله وأن يقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ومعنى ذلك أنه لولا أن الله تعالى يسر لك هذا الطعام ما
стр. 2063
حصل لك كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ فالإنسان لولا أن الله ييسر له الطعام من حين أن يبذر ثم ينبت ثم يحصد ثم يحضر إليه ثم يطحن ثم يعجن ثم يطبخ ثم ييسر الله له الأكل ما تيسر له ذلك ولهذا قال بعض العلماء إن الطعام لا يصل إلى الإنسان ويقدم إليه إلا وقد سبق ذلك نحو مائة نعمة من الله لهذا الطعام ولكننا أكثر الأحيان في غفلة عن هذا نسأل الله أن يطعمنا وجميع المسلمين الطعام الحلال وأن يرزقنا شكر نعمته إنه على كل شيء قدير وفي حديث معاذ بن أنس ﵁ حث النبي ﷺ على قول: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغى عنه ربنا أي إننا لا نستغني عن الله ولا أحد يكفينا دونه فهو سبحانه حسبنا وهو رازقنا جل وعلا
стр. 2064
باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه
٧٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه متفق عليه
٧٣٧ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ سال أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا خل فدعا به فجعل يأكل ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه) والطعام: ما يطعمه من مأكول ومشروب والذي ينبغي للإنسان إذا قدم له الطعام أن يعرف قدر نعمة الله بتيسيره وأن يشكره على ذلك وألا يعيبه إن كان يشتهيه وطابت به نفسه فليأكله وإلا فلا يأكله ولا يتكلم فيه بقدح أو بعيب ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال ما عاب النبي ﷺ طعاما قط يعني لم يعب أبدا فيما مضى طعاما ولكنه إن
стр. 2065
اشتهاه أكله وإلا تركه ولا يعيبه مثال ذلك رجل قدم له تمر وكان التمر رديئا فلا يقل هذا تمر رديء بل يقال له إن اشتهيته فكل وإلا فلا تأكله أم أن تعيبه وهو نعمة أنعم الله بها عليك ويسرها لك فهذا لا يليق كذلك إذا صنع طعام فقدم إليه ولكنه لم يعجبه فلا يعيبه ويقال له إن كان هذا الطبخ قد ساغ لك فكل وإلا فاتركه وأما في مدح الطعام والثناء عليه فذكر حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا شيء إلا الخل والخل عبارة عن ماء يوضع فيه التمر حتى يكون حلوا فجيء إليه بالخل يأتدم به يعني يغط فيه الخبز ويأكله ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل وهذا ثناء على الطعام لأن الخل وإن كان شرابا يشرب لكن الشراب يسمى طعاما قال الله تعالى: فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وإنما سمى طعاما لأن له طعما يطعم
стр. 2066
وهذا أيضا من هدى النبي ﷺ أنه إذا أعجبه الطعام أثنى عليه وكذلك مثلا لو أثنيت على الخبر قلت نعم الخبز خبز فلان أو ما أشبه ذلك فهذا أيضا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 2067
باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر
٧٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم رواه مسلم قال العلماء: معنى فليصل فليدع ومعنى فليطعم فليأكل
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر) ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيمن دعي إلي الطعام وهو صائم قال: فإن كان صائما فليصل وإن كان منفطرا فليطعم فليصل: يعني فليدعو لأن الصلاة هنا المراد بها الدعاء كما هو في اللغة العربية أن الصلاة هي الدعاء أما في الشرع فالصلاة هي العبادة المعروفة إلا إذا دل الدليل علي أن المراد بها الدعاء فهو علي ما دل عليه الدليل
стр. 2068
فالإنسان إذا دعي إلى الطعام وحضر فلا يكفي الحضور بل يأكل لأن الرجل الذي دعاك لم يصنع الطعام إلا ليؤكل فقد تكلف لك وصنع طعاما أكثر من طعام أهله ودعاك إليه فإذا قلنا لا حرج عليك إن تركت الأكل لزم من هذا أن يبقى طعامه لم يؤكل فمثلا لو دعا عشرة وصنع لهم طعاما وقلنا إن الواجب الحضور دون الأكل ثم قاموا ولم يأكلوا لصار في ذلك مفسدة لماله ومضيعة لماله وصار في قلبه على الحاضرين شيء لماذا لم يأكلوا طعامي؟ فتقول إذا دعاك داع فالسنة أن تجيبه إلا إذا كان الداعي هو الزوج في وليمة العرس فإن الواجب أن تجيبه إلى دعوته ولا يحل لك أن تمنع لقول النبي ﷺ : من لم يجب فقد عصى الله ورسوله يعني دعوة الوليمة أما غيرها من الدعوات فأنت بالخيار مثل ذلك لو أن إنسانا دعاك في طعام لأنه قدم من سفر أو
стр. 2069
لأنه دعا أصحابه أو ما أشبه ذلك فأنت بالخيار إن شئت فأجب وإن شئت فلا تجب لكن الأفضل أن تجيب وهذا الذي عليه جمهور العلماء وقال بعض العلماء يجب أن تجيب في دعوة الطعام في العرس وغيره إلا لسبب شرعي فإذا حضرت فإن كنت مفطرا فكل وإن كنت صائما فادع لصاحب الطعام وأخبره بأنك صائم حتى لا يكون في قلبه شيء وإن رأيت أنك إذا أفطرت وأكلت صار أطيب لقلبه فأفطر إلا أن يكون الصوم صوم فريضة فلا تفطر فتبين الآن أن المسألة ثلاثة أحوال: أولا: إذا دعاك وأنت مفطر فكل ثانيا: إذا دعاك وأنت صائم صوم فريضة فلا تأكل ولا تفطر ثالثا: إذا دعاك وأنت صائم صوم نقل فأنت بالخيار إن شئت فأفطر وكل وإن شئت فلا تأكل واخبره بأنك صائم واتبع ما هو الأصلح إذا رأيت أن من الخير أن تفطر فأفطر وكل وإلا فلزوم الصيام أولى أما البطاقات فلا تجب الإجابة فيها إلا إذا علمت أن الرجل أرسل إليك البطاقة بدعوة حقيقية لأن كثيرا من البطاقات ترسل إلى
стр. 2070
الناس من باب المجاملة ولا يهمه حضرت أم لم تحضر لكن إذا علمت أنه يهمه أن تحضر لكونه قريبا لك أو صديقا لك فأجب
следующие страницы →