Полный текст (3 784 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
إنسان يذل بها وهي فتنة الرجال كما قال النبي ﷺ إنما كانت فتنة بني إسرائيل في النساء وقال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء فلهذا تمنع المرأة من السفر بلا محرم واختلف العلماء فيما إذا كان السفر قصيرا هل تمنع منه أم لا فمنهم من قال بالمنع حتى من السفر القصير ومنهم من قال لا تمنع إلا من السفر الطويل والصحيح أنها تمنع مما يسميه الناس سفرا فكل ما يطلق عليه اسم سفر فإنه لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم خوفا عليها من الفتنة والشر والبلاء ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة وابن عباس ﵃ فيما يدل على أنه يحرم أن تسافر المرأة بلا محرم وظاهر الحديث أنه لا فرق بين المرأة الشابة والكبيرة والحسناء والقبيحة ومن معها نساء ومن لا نساء معها ومن هي آمنة وغير آمنة فالحديث عام وإذا قدر أن يوجد في سفر من الأسفار السلامة يقينا فإن ذلك لا يوجد في كل سفر ولما كانت المسألة
стр. 2487
خطيرة منعت المرأة منعا باتا من السفر بلا محرم وقد تهاون بعض الناس اليوم في السفر بلا محرم ولاسيما في سفر الطائرة وكذلك النقل الجماعي وهذا غلط وتهاون في طاعة الله ورسوله فلا يحل للمرأة أن تسافر بلا محرم ولو بالطائرة حتى لو كان محرمها سيشيعها إلى أن تركب الطائرة ومحرمها الثاني يقابلها في البلد الآخر فإن ذلك لا يجوز لأننا مهما قدرنا من السلامة فإنه من يركب إلى جنب هذه المرأة لأن النساء الآن في الطائرة لا يفرق بينهم وبين الرجال تجد المرأة إلى جانب الرجل لهذا نقول إنه يحرم على المرأة أن تسافر بلا محرم في الطائرة أو السيارة أو الجمل أو الحمار أو الأرجل كل ذلك حرام والمحرم هو من تحرم عليه تحريما مؤبدا بنسب أو مصاهرة أو رضاعة وقد ذكر الله ذلك في القرآن الكريم قال حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت هؤلاء سبع من النسب ثم قال ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾
стр. 2488
هذا من الرضاعة وكذلك العمة من الرضاعة والخالة من الرضاعة كلها محارم لقول النبي ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أما المصاهرة فأبو الزوج وجده من قبل الأب أو الأم محرم للزوجة وابن الزوج وابن بنت الزوج وإن نزل كذلك أيضا من محارم الزوجة فلو أن جد الزوج سافر بامرأة ابنه فإن ذلك لا بأس به لأنه محرم ولو أن ابن الزوج النابه سافر بزوجة أبيه فلا بأس لأنها محرم له وأما ما يظنه بعض العوام من أن الإنسان إذا أنقذ امرأة من هلاك صار محرما لها فهذا ليس له أصل كان يقول بعض الناس إذا غرقت امرأة ثم جاء إنسان وأنقذها أو شبت حريق بالبيت فجاء إنسان فأنقذها يدعي بعض العوام أنه يصير محرما لها وهذا ليس له أصل وهذا غير صحيح الحارم سبع من النسب وسبع من الرضاع وأربع من المصاهرة أما الزوج فمعلوم أنه محرم لأنه زوج والله الموفق
стр. 2489
كتاب الفضائل
باب فضل قراءة القرآن
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين كتاب الفضائل الفضائل جمع فضيلة ثم بدأ بفرائض كتاب الله فقال باب فضل قراءة القرآن والقرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله تكلم به حقيقة كلاما سمعه جبريل ثم تلاه جبريل على النبي ﷺ قال الله تعالى وإنه لتزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين وقال نزل به على قلبك لأن القلب هو محل الوعي والإدراك والفقه لتكون من المنذرين وقال الله ﵎ ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ وكان النبي ﷺ من شدة حرصه على القرآن كان يبادر جبريل وجبريل يقرأ عليه يلقنه فيبادره القراءة فقال الله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ يعني اسكت حتى يقرأ جبريل ﴿إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأنه فاتبع قرءانه﴾ يعني قرأه جبريل الذي رسول رب العالمين إلى محمد صلى الله عليه وسلم
стр. 2490
﴿فإذا قرأنه فاتبع قرءانه﴾ يعني أقرأه بعده ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ يعني لا تقاطع جبريل في القراءة فهذا القرآن تكلم الله به جل وعلا وهو يتكلم به إذا أراد أن ينزله كما قال تعالى ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ وهذه الجملة جملة ماضية يعني أنها فعل ماض ﴿قد سمع﴾ يدل على تقدم كلام هذه المرأة وعلى تأخر كلام الله في قصتها وشأنها ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله يسمع تحاوركما أن الله سميع بصير﴾ وقال تعالى ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ هذا في أحد يقول إذ غدوت من أهلك إذا فالغدو سابق المؤمنين على كلام الله تعالى هذا والله جل وعلا يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء ولا يحل لنا أن نقول إن كلام الله تعالى ككلامنا يعني أن صوته في القرآن كأصواتنا كلا لكنه يتكلم بالحروف التي نتكلم بها فهذا القرآن الذي بين أيدينا هو الحروف التي نكون منها كلامنا وهو كلام الله المعنى واللفظ كله كلام الله هذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة أهل السنة أن القرآن كلام الله وأنه منزل من عنده وأن الله تكلم به حقيقة وأنه تلقاه عنه
стр. 2491
جبريل ثم نزل به على قلب النبي ﷺ قال الله تعالى ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾ فهو أمين أعني جبريل ﵊ نزل به على أمين البشر جبريل أمين الملائكة ومحمد أمين البشر وكلاهما أمين على وحي الله هذا القرآن له فضائل عظيمة فضائل عامة وفضائل في آيات وسور خاصة مثلا الفاتحة هي السبع المثاني وهي أم الكتاب آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله وهلم جرا هناك آيات أو سور لها فضل خاصة أما القرآن عموما فله أيضا فضائل عامة وهذا يوجب علينا أن نحرص غاية الحرص على تلاوة كتاب الله ليلا ونهارا لأن الإنسان إذا تلا كلام الله صار له بكل حرف بكل حرف عشر حسنات الحرف الواحد من الكلمة له فيه عشر حسنات فمثلا (قل) فيها عشرون حسنة لأنها حرفان القاف واللام (أعوذ) هذه أربعة أحرف فيها أربعون حسنة وهذا ثواب عظيم لا يتصور الإنسان إذا قرأ هذا الكتاب العزيز العظيم الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ وينبغي إذا قرأ القرآن أن يترسل فيه وألا يتعجل عجلة توجب سقوط بعض الحروف فإن بعض الناس يهذه هذا حتى
стр. 2492
يسقط بعض الحروف هذا ما تلاه كما أنزل لابد من بيان الحروف لكن التجويد المصطلح عليه في كتب التجويد ليس بواجب لكنه من كمال تحسين الصوت الواجب ألا تسقط حرفا من الحروف ولا شدة من الشدات وأما قواعد التجويد المعروفة فهي من باب التحسين والتكميل وليست من باب الواجبات ولهذا يضعف القول بأن التجويد واجب وأن من لم يجود القرآن آثم فإن هذا قول ضعيف جدا بل يقال القرآن أمره ولله الحمد بين واضح لا تسقط حرفا من حروفه وأما مراعاة قواعد التجويد فليست بواجبة لكنها من باب تحسين الصوت بالقرآن واعلم أن القرآن أول ما نزل نزل على سبعة أحرف لأن الناس عرب من قبائل متعددة ولهجات مختلفة وأنتم تعرفون أن الواحد إذا أراد أن يتكلم بلهجة غيره يصعب عليه ويشق عليه فكان من رحمة الله أن جعل القرآن على سبعة أحرف كل يقرأ بلهجته بقي على هذا في عهد النبي ﷺ كله وفي عهد أبي بكر وفي عهد عمر في عهد عثمان صار الناس يقرءون على لهجاتهم فصار في هذا اختلاف واللغة القرشية كانت غلبت على جميع اللهجات بعد أن تطور اللسان وصارت الدولة كل خلفائها من قريش غلبت اللغة
стр. 2493
القرشية غلب حرف قريش على جميع اللهجات فلما خاف أمير المؤمنين عثمان ﵁ أن يختلف الناس في كلام الله وأن تؤدي هذه الأحرف السبعة إلى شقاق ونزاع أمر ﵁ أن يوحد القرآن على حرف واحد ألا وهو حرف قريش أي لغة قريش فجمع القرآن على حرف واحد على لغة قريش وهو الذي نقرأ به الآن ثم أمر بسائر المصاحف فأحرقت لئلا تبقى فيفتتن الناس بها فكان في ذلك مصلحة عظيمة وفضيلة لأمير المؤمنين عثمان ﵁ لا توصف فنسأل الله تعالى أن يجزيه عن المسلمين خيرا وأحث نفسي وإياكم على تلاوة كتاب الله لا تتركوا القرآن ولو في الشهر مرة تقرؤه كله أو مرتين أو أربعة أو عشر مرات وهذا أدنى ما يكون من الكمال أن تقرأه كل ثلاثة أيام هذا أفضل ما يكون وإن رأيت أنه لا يتيسر لك إلا في الأسبوع مرة أو كل عشرة أيام مرة أو في الأسبوعين مرة أو في ثلاثة أسابيع مرة أو في الشهر مرة المهم لا تهجر القرآن لأنه كلام الله ولا يزيدك إلا نورا في القلب وبصيرة في العلم والله الموفق
стр. 2494
٩٩١ - عن أبي أمامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه رواه مسلم
٩٩٢ - وعن النواس بن سمعان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يؤتي يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين كتاب الفضائل باب فضل قراءة القرآن عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال اقرءوا القرآن فأمر بقراءة القرآن وأطلق فهي مستحبة كل وقت وعلى كل حال إلا إذا كان الإنسان على حاجة يعني يبول أو يتغوط فلا يقرأ القرآن لأن القرآن معظم محترم فلا يقرأ في هذه الحال وكلك إذا كان الإنسان مع أهله حال جماعه فإنه لا يقرأ القرآن لكنه يقول عند جماعة بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا
стр. 2495
قال النبي ﷺ اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه إذا كان يوم القيامة جعل الله ثواب هذا القرآن شيئا قائما بنفسه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه يشفع لهم عند الله فإن القرآن إذا تلاه الإنسان محتسبا فيه الأجر عند الله فله بكل حرف عشر حسنات ومثله حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أن من قرأ القرآن وعمل به فإنه يأتي يوم القيامة يتقدمه سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة ولكن الرسول ﷺ قيد في هذا الحديث قراءة القرآن بالعمل به لأن الذين يقرءون القرآن ينقسمون إلى قسمين قسم لا يعمل به فلا يؤمنون بأخباره ولا يعملون بأحكامه هؤلاء يكون القرآن حجة عليهم وقسم آخر يؤمنون بأخباره ويصدقون بها ويعملون بأحكامه فهؤلاء يكون القرآن حجة لهم يحاج عنهم يوم القيامة لأن النبي ﷺ قال القرآن حجة لك أو عليك وفي هذا دليل على أن أهم شيء في القرآن العمل به ويؤيد هذا قوله تعالى كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب أي يتفهمون معانيها
стр. 2496
ويعملون بها وإنما أخر العمل عن التدبر لأنه لا يمكن العمل بلا تدبر إذا إن التدبر يحصل به العلم والعمل فرع عن العلم فالمهم أن هذا هو الفائدة من إنزال القرآن أن يتلى ويعمل به يؤمن بأخباره يعمل بأحكامه يمتثل أمره يجتنب نهيه فإذا كان يوم القيامة فإنه يحاج عن أصحابه وفي هذا دليل على أن الترتيب بين سورة البقرة وآل عمران والنساء هو ما في المصحف الآن يعني البقرة ثم آل عمران ثم النساء وأما حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم بآل عمران فإن هذا نسخ في الترتيب الأخير حيث جعلت آل عمران قبل النساء ولهذا اتفق الصحابة ﵃ على أن آل عمران بعد سورة البقر فهي بينها وبين سورة النساء والله الموفق
٩٩٣ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ خيركم من تعلم القرآن وعلمه رواه البخاري
стр. 2497
٩٩٤ - وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران متفق عليه
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله في كتابه رياض الصالحين باب فضل قراءة القرآن عن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه الخطاب للأمة عامة فخير الناس من جمع بين هذين الوصفين من تعلم القرآن وعلم القرآن تعلمه من غيره وعلمه غيره والتعلم والتعليم يشمل التعلم اللفظي والمعنوي فمن حفظ القرآن يعني صار يعلم الناس التلاوة ويحفظهم إياه فهو داخل في التعليم وكذلك من تعلم القرآن على هذا الوجه فهو داخل في التعلم وبه نعرف فضيلة الحلق الموجودة الآن في كثير من البلاد ولله الحمد في المساجد حيث يتعلم الصبيان فيها كلام الله فمن ساهم فيها بشيء فله أجر ومن أدخل أولاده فيها فله أجر ومن تبرع وعلم فيها فله أجر كلهم داخلون في قوله خيركم من تعلم القرآن وعلمه
стр. 2498
والنوع الثاني تعليم المعنى يعني تعليم التفسير أن الإنسان يجلس إلى الناس يعلمهم تفسير كلام الله كيف يفسر القرآن والقرآن كما نعلم متشابه تجد في بعض الأحيان آيات تتكرر بلفظها مثل يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير هذه تكررت بلفظها في سورتين التوبة والتحريم وكذلك كثير من الآيات يتكرر فإذا علم الإنسان غيره كيف يفسر القرآن وأعطاه القواعد في ذلك فهذا من تعليم القرآن وليعلم أن القرآن الكريم ليس كغيره من الكتب من حيث التفسير يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يفسر القرآن بهواه ويحمل الآيات على ما يريده هو كما يفعل أهل الإلحاد بآيات الله من أهل التعطيل وغيرهم يحملون الآية على غير ما أراد الله مثلا يقول في قوله تعالى ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ يقول وجاء أمر ربك هذا حرام لا يجوز لأن الذي يفسر القرآن إنما يشهد على الله أنه أراد كذا وهذه عظيمة وليست هينة لو كنت تفسر كلام عالم من العلماء لعد ذلك جناية إذا فسرته بما يريد أنت فكيف بكلام رب العالمين ولهذا جاء في الحديث من قال في
стр. 2499
القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار فالواجب أن الإنسان يتحرز من أن يقول معنى الآية كذا وكذا وهو لا يدري لكن إذا كان طالب علم وتكلم بمعنى الآية عند من هو أعلم منه على أساس أنه سيرشده إذا أخطأ فلا بأس ومن ذلك ما يلقى في الاختبارات مثل فسر الآية كذا وكذا ويكون الطالب ليس عنده في تلك الساعة استحضار لمعناها فهل يفسرها بما عنده نقول نعم لأن هذا يختبر وإذا أخطأ فعنده من سينبهه لكن يتحرى أخطاءه أما الإنسان الذي يفسر ليس على هذا الوجه وهو ليس عنده علم فإنه لا يجوز له أن يقدم على هذا لأن كلام الله ليس كغيره أما حديث عائشة ﵂ ففيه أن النبي ﷺ أخبر أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة الماهر الذي يجيد القرآن يتقنه هذا مع السفرة الكرام البررة وهؤلاء السفرة الكرام البررة هم الملائكة كما قال تعالى ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ فالماهر مع الملائكة وأما الذي يتتعتع فيه يتهجاه وهو عليه شاق فله أجران الأول للتلاوة والثاني للتعب
стр. 2500
والمشقة ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة أجرك على قدر نصبك أي على قدر تعبك فالذي يتتعتع في القرآن ويشق عليه له أجران أجر التلاوة وأجر قراءة القرآن لكن الأول أفضل منه لأن الأول مرتبته عظيمة وفرق بين إنسان له مرتبة عالية وإنسان دون ذلك ولكن له أجر ونضرب مثلا لهذا والثواب ليس له نظير لكن لو أن رجلا له شرف وسيادة ومنزلة عالية في الناس لكن دراهمه قليلة وآخر وضيع بين الناس ليس له قيمة لكن دراهمه كثيرة الأول أفضل فالمهم أن الماهر بالقرآن المجيد فيه مع السفرة الكرام البررة وأما الذي يتلوه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران إذا تالي القرآن ليس بخاسر مهما كان والله الموفق
٩٩٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها حلو ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا
стр. 2501
ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث ساقه المؤلف ﵀ في باب فضل قراءة القرآن في رياض الصالحين في بيان أحوال الناس بالنسبة للقرآن أن النبي ﷺ ضرب أمثلة للمؤمن والمنافق المؤمن إما أن يكون قارئا للقرآن أو غير قارئ فإن كان قارئا له فمثله كمثل الأترجة يعني الثمرة ريحها طيب وطعمها طيب فهذا المؤمن الذي يقرأ القرآن لأن نفسه طيبة وقلب طيب وفيه خيره لغيره الجلسة معه خير وكما قال النبي ﷺ مثل الجليس الصالح كمثل حامل المسك إما أن يبيعه أو تجد منه رائحة طيبة فالمؤمن الذي يقرأ القرآن كله خير في ذاته وفي غيره فهو كالأترجة لها رائحة طيبة ذكية وطعمها طيب
стр. 2502
أما المؤمن الذي لا يقرأ القرآن فهو كمثل التمرة طعمها حلو ولكن ليس لها رائحة ذكية كرائحة الأترجة ونفى النبي ﷺ ريحها لأنه ليس بريح طيب وإن كان كل شيء له رائحة لكن ليست رائحتها ذكية لكنها حلوة طيبة هذا المؤمن الذي لا يقرأ القرآن إذا فالمؤمن القارئ للقرآن أفضل بكثير من الذي لا يقرأ القرآن ومعنى لا يقرؤه يعني لا يعرفه ولم يتعلمه ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة لها رائحة طيبة لكن طعمها مر لأن المنافق في ذاته خبيث لا خير فيه والمنافق هو الذي يظهر أنه مسلم ولكن قلبه كافر والعياذ بالله هو الذي قال الله فيه ومن الناس يقول آمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون يوجد منافقون يقرءون القرآن قراءة طيبة مرتلة مجودة لكنهم منافقون والعياذ بالله كما قال النبي ﷺ في الخوارج يقرءون القرآن لا يتجاوز حناجرهم هؤلاء والعياذ بالله
стр. 2503
ضرب لهم النبي ﷺ مثلا بالريحانة ريحها طيب وذلك لما معهم من القرآن وطعمها مر وذلك لخبث طويتهم وفساد نيتهم والمنافق الذي لا يقرأ القرآن ضرب النبي ﷺ له مثلا بالحنظلة طعمها مر وليست لها ريح هذا المنافق الذي لا يقرأ القرآن لا خير فيه طعمه مر وليس معه قرآن ينتفع الناس به هذه أقسام الناس بالنسبة لكتاب الله فاحرص أخي المسلم على أن تكون من المؤمنين الذين يقرءون القرآن ويتلونه حق تلاوته حتى تكون كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها حلو والله الموفق
٩٩٦ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب فضل قراءة القرآن فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما
стр. 2504
ويضع به آخرين يعني معناه أن هذا القرآن يأخذه أناس يتلونه ويقرءونه فمنهم من يرفعه الله به في الدنيا والآخرة ومنهم من يضعهم الله به في الدنيا والآخرة فمن هذا ومن هذا من عمل بهذا القرآن تصديقا بأخباره وتنفيذا لأوامره واجتنابا لنواهيه واهتداء بهديه وتخلقا بما جاء به من أخلاق وكلها أخلاق فاضلة فإن الله تعالى يرفعه به في الدنيا والآخرة وذلك لأن هذا القرآن هو أصل العلم ومنبع العلم وكل العلم وقد قال الله تعالى يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات أما في الآخرة فيرفع الله به أقواما في جنات النعيم ويقال للقارئ اقرأ ورتل واصعد وله إلى منتهى قراءته صعود في الجنة إن شاء الله وأما الذين يضعهم الله به فقوم يقرءونه ويحسنون قراءته لكنهم يستكبرون عنه والعياذ بالله لا يصدقون بأخباره ولا يعملون بأحكامه يستكبرون عنه عملا ويجحدونه خبرا إذا جاءهم شيء من القرآن كقصص الأنبياء السابقين أو غيرهم أو عن اليوم الآخر أو ما أشبه ذلك صاروا والعياذ بالله يشككون في
стр. 2505
ذلك ولا يؤمنون بل ﴿في قلوبهم مرض﴾ مرتابون والعياذ بالله وربما يصل بهم الحال إلى الجحد مع أنهم يقرءون القرآن وفي الأحكام يستكبرون لا يأتمرون بأمره ولا ينتهون بنهيه هؤلاء والعياذ بالله يضعهم الله في الدنيا والآخرة ولابد أن يكون أمرهم خسارا حتى لو فرض أن الدنيا دانت لهم وتزخرفت فإن مآلهم إلى الخسار والعياذ بالله ولكن ربما يمهل لهم ويملي لهم وتنفتح عليهم الدنيا ولكنهم كلما انفتح عليهم شيء من زهرة الدنيا فإنهم لا يزدادون به إلا خسارا والعياذ بالله ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون﴾ يعني ربما يمهل الله للكافر الجاحد المستكبر وتزدان له الدنيا لكنه لا يزيده ذلك إلا خسارا وإنما في الآخرة والعياذ بالله فالحذر الحذر أن تكون من القسم الثاني يضعهم الله بهذا القرآن كن من القسم الأول الذين يرفعهم الله بالقرآن جعلنا الله وإياكم منهم
стр. 2506
٩٩٧ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار متفق عليه والآناء الساعات
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في باب فضل القرآن في كتاب رياض الصالحين فيما نقله عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لا حسد إلا في اثنتين الحسد قال العلماء إن معناه هنا هو الغبطة يعني لا شيء فيه غبطة إلا هاتين الاثنتين وذلك لأن الناس يغبط بعضهم بعضا في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة فتجد مثلا بعض الناس يغبط هذا الرجل حين أعطاه الله المال والأولاد والأهل والقصور والسيارات وما أشبه ذلك يقول هذا هو الحظ هذا هو المغتبط وما أشبه ذلك يحسد يغبط بعض الناس على ما آتاه الله من الصحة وسلامة البنيان وغير ذلك يغبطه على أنه له شرف وجاه في قومه إن قال سمع وإن عمل اتبع فيقول هذا هو
стр. 2507
الحظ لكن النبي ﷺ بين أن الذي يغبط من حصل على هذين الاثنين الأولى آتاه الله تعالى الحكمة القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار آتاه الله القرآن حفظه وفهمه وعمل به آناء الليل والنهار يقوم به يفكر ماذا قال الله عن الصلاة فيقول أقيموا الصلاة فيقيمها ماذا قال عن الزكاة فيقول ﴿وءاتوا الزكاة﴾ فيؤتيها ماذا قال عن الوالدين قال الله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ وماذا قال عن صلة الأرحام ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ فيصل رحمه ماذا قال عن الجيران قال تعالى ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ إلى آخره فتجده يقوم بالقرآن آناء الليل والنهار هذه هي الغبطة وهي الغنيمة وهي الحظ والثاني رجل آتاه الله المال يعني صار غنيا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار يعني في سبيل الله فيما يرضي الله أي شيء يرضي الله ينفق ماله فيه بناء المساجد الصدقات على الفقراء إعانة المجاهدين إعانة الملهوفين وغير ذلك المهم لا يجد شيئا يقرب إلى الله إلا بذل ماله فيه
стр. 2508
ليلا ونهارا ليس ممسكا ولا مبذرا فيغلو ويزيد بل ينفقه لله وبالله وفي الله منفقا لله مستعينا به متمشيا على شرعه هذا هو الذي يغبط أما الذي عنده حظ من الدنيا يتمتع به كما تتمتع البهيمة بالعلف ثم يذهب عنها هذا ليس محسودا ولا يحسد على ذلك لأنه تالف أو متلوف عنه لكن الذي ينفق ماله في سبيل الله فهذا هو الذي يغبط وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقوم بالقرآن آناء الليل والنهار دائما يجعل أعماله كلها مبنية على القرآن يتمشى بهدي القرآن وأنه ينبغي لمن آتاه الله المال أن يؤدي حقه ويقوم بواجبه وينفقه حيث كان إنفاقه خيرا والله الموفق
٩٩٨ - وعن البراء بن عازب ﵄ قال كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرس ينفر منها فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال تلك السكينة تنزلت للقرآن متفق عليه
стр. 2509
الشطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة الحبل
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب فضل قراءة القرآن ما يدل على فضل قراءة القرآن من الأحاديث السابقة واللاحقة فمن ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ أن رجلا كان يقرأ في سورة الكهف وسورة الكهف هي التي بين الإسراء ومريم هذه السورة من فضائلها أن الإنسان إذا قرأها يوم الجمعة أضاء له ما بين الجمعتين وفيها قصص وعبر قصها الله على رسوله ﷺ وكان هذا الرجل يقرأ القرآن فغشاه يعني غطاه شيء مثل الظلة كأنه غمامة كلما قرأ نزل كلما قرا نزل من فوق وجعلت الفرس وهي مربوطة بشطنين جعلت تميل تنفر من هذا الذي رأته فلما أخبر النبي ﷺ قال تلك السكينة نزلت لقراءة القرآن لأن السكينة تنزل عند قراءة القرآن إذا قرأه الإنسان بتمهل وتدبر فإن السكينة تنزل حتى تصل إلى قلب القارئ فينزل الله السكينة في قلبه وهذه القصة من كرامات الأولياء والأولياء لهم كرامات لكن ليس لكل ولي كرامة إنما يؤتى الله بعض أوليائه كرامة تثبيتا له وتصديقا لما كان عليه من الحق وهي يعني
стр. 2510
الكرامات أمور خارقة للعادة يعني لا يأتي على وفق العادة يجريها الله على يدي بعض أوليائه تكريما له وتثبيتا له وتصديقا لما هو عليه من الحق وهي في نفس الوقت معجزة للرسول الذي يتبعه هذا الولي وقد ذكر العلماء ﵏ أن الخوارق ثلاثة أقسام ١ - قسم آيات للأنبياء ٢ - وقسم كرامات للأولياء ٣ - وقسم إهانات من الشياطين يجريها الله على خلاف العادة على أيدي الشياطين والعياذ بالله وعلامة ذلك أن الذي تحصل له هذه الخوارق إما أن يكون نبيا أو وليا للرحمن أو وليا للشيطان ومن المعلوم أنه بعد وفاة النبي محمد ﷺ لا يمكن أن تكون كرامة معجزة أبدا لأن النبوة انقطعت وذاك رسول الله وخاتم النبيين بقيت الكرامات والأحوال الشيطانية والشعوذات والسحر وما أشبه ذلك الكرامات علامتها أن يجريها الله على يد عبد صالح من أولياء الله وأولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون فإذا أجرى شيء خارق للعادة على يد رجل صالح مؤمن تقي معروف بالخير قيل هذه كرامة القسم الثالث السحر والأحوال الشيطانية وهذه تجري على طواغيت
стр. 2511
وأولياء الشياطين الذين يدعون أنهم أولياء ويلعبون بعقول السفهاء وعقول العامة تجد الإنسان يكبر عمامته ويوسع كمه ويطيل لحيته ويعفر جبهته في الأرض ليظهر عليه أثر السجود وما أشبه ذلك من اللعب بعقول الناس ثم يستخدم الشياطين لأغراض خاصة فتقلب له البعير وربما تحمله في الهواء ويطير حتى إن بعضهم شوهد في أول يوم عرفة ثم حملته الشياطين حتى أدرك الناس في عرفة ...
هذا من زمان وهم يلعبون بعقول الناس هؤلاء شياطين وإن كانوا يفعلون هذا الشيء فإنه لا كرامة لهم والكرامات والإهانات ألف فيها العلماء كثيرا ومن أحسن ما ألف كتاب [الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان] لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر فيها أشياء كثيرة من كرامات الأولياء وأشياء أخرى من إهانات الأعداء يذكر أن (مسيلمة الكذاب) الذي خرج في اليمامة بالرياض وادعى أنه نبي أنه جاءه قوم فقالوا له إن عندنا بئرا غار ماؤها ولم يبق منه إلا قليل
стр. 2512
وطلبوا منه أن يأتي إليها لأجل أن يباركها كما كان الرسول ﷺ إذا شكوا إليه قلة الماء يسر على يديه ﷺ أن ينبع الماء من بين أصابعه فجاءوا إلى (مسيلمة الكذاب) فذهب إلى البئر يقولون إنه مج فيها مجة من الماء ولما مج فيها غار الماء الموجود فيها وكانوا يتوقعون أن الماء يكثر وينهمر فأراهم الله آية لتكذيب هذا الرجل هذا لاشك أنه أمر خارق للعادة لأنه ليس من العادة أن الإنسان يمج الماء في بئر ليس فيها إلا ماء قليل ثم يغار هذا خلاف العادة لكن الله أجرى ذلك إهانة له فعلى كل حال إذا رأيت من شخص ما يكون خارقا للعادة فإن كان مؤمنا تقيا يعرف بالصلاح والاستقامة فهذا من كرامات الأولياء وإن لم يكن كذلك فهي أحوال شيطانية من الشياطين أو سحر يسحر أعين الناس لأن السحر قد يسحر الأعين حتى ترى المتحرك ساكنا والساكن متحركا فهاهم سحرة فرعون ألقوا حبالا عادية وعصيا في الأرض ثم سحروا أعين الناس حتى جعل الوادي كله حيات حتى موسى ﷺ أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله تعالى أن يلقى عصاه ﴿فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ حية عظيمة فجعلت تمشي على هذه الحبال والعصي تلقفها فعرفوا أنه صادق لأنه التهم كل سحر فالحاصل أن هذه الظلة التي حصلت للقارئ والذي كان يقرأ سورة الكهف هذه كرامة له وهي شهادة من الله بالفعل
стр. 2513
على أن هذا القرآن حق تنزل السكينة لقراءته وتلاوته نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به وأن يجعله حجة لنا وقائدا إلى جنات النعيم
٩٩٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
стр. 2514
باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان
١٠٠٢ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها متفق عليه
١٠٠٣ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت متفق عليه
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان يعني أن كتاب الله إذا من الله عليك فحفظته فتعهده وذلك لأن القرآن الكريم كما شبهه النبي ﷺ كالإبل في عقلها إذا تعهدها الإنسان أمسكها وإن أطلقها ذهبت
стр. 2515
وضاعت وقد أقسم على ذلك النبي ﷺ حين قال كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها فينبغي لك أن تجعل لك حزبا معينا تتعاهده كل يوم مثلا تقول كل يوم أقرأ جزءا فتختم القرآن في شهر أو جزأين فتختمه في خمسة عشر يوما أو ثلاثا أجزاء فتختمه في عشرة أيام إلى تسعة أيام إلى ثلاثة أيام تعاهد هذا حتى لا تنساه وقد وردت أحاديث في التحذير من نسيانه لمن أهمله أما من نساه بمقتضى الطبيعة فإنه لا يضر لكن من أهمل وتغافل عنه بعد أن أنعم الله عليه بحفظه فإنه يخشى عليه من العقوبة فأنت يا أخي إذا من الله عليك بالقرآن فتعاهده بالقراءة بتلاوته بتكرار التلاوة وكذلك أيضا بالعمل به لأن العمل بالشيء يؤدي إلى حفظه وبقائه ولهذا قال بعض العلماء قيد العلم بالعمل به فإن العمل بالعلم يقتضي بقاءه لأنه لا يزال على قلبك وعلى جوارحك فإذا صار هكذا فإنه يبقى ولا ينسى أما إذا أهمل فإنه يضيع وينبغي لمن قرأ القرآن أن يقرأه بتدبر وتمهل ولا يحل له أن يسرع السرعة التي توجب إسقاط بعض الحروف لأنه إذا أسقط بعض الحروف فقد غير كلام الله من موضعه وحرفه أما العجلة التي لا تستوجب سقوط الحروف فإنه لا بأس بها والله الموفق
стр. 2516
باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها
١٠٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما أذن لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به متفق عليه.
معنى أذن الله أي استمع وهو إشارة إلى الرضي والقبول.
١٠٠٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود متفق عليه.
وفي رواية لمسلم أن رسول الله ﷺ قال له لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة
стр. 2517
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في آداب القراءة باب استحباب تحسين الصوت بالقراءة وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع إليه هاتان مسألتان: المسألة الأولى استحباب تحسين الصوت في قراءة القرآن وتحسين الصوت ينقسم إلى قسمين أحدهما تحسين الأداء بحيث يبين الحروف ويخرجها من مخارجها حتى يبدو القرآن واضحا بينا فلا يخفى ولا يحذف شيء من الحروف لئلا ينقص شيء مما أنزله الله على رسوله ﷺ .
الثاني تحسين النغمة بالصوت يحسن به صوته وكلاهما أمر مطلوب ولكن الأمر الأول تحسين الأداء لا ينبغي المبالغة فيه والغلو فيه بحيث تجد الرجل يقرأ القرآن يتكلف ويحمر وجهه ويتكلف في الغنة وفي الإدغام وفي مثل ذلك فإن هذا من إقامة الحروف المتكلفة ولكن لتكن قراءته طبيعية يبين فيها الحروف والحركات هذا هو المطلوب وأما الغلو والمبالغة فإنهما ليسا مطلوبين وبه نعلم أن تعلم التجويد ليس بواجب لأنه يعود إلى تحسين الصوت بدون غلو ولا مبالغة فهو من الأمور المستحبة التي يتوصل بها الإنسان إلى شيء
стр. 2518
مستحب لا إلى شيء واجب.
وأما القسم الثاني هو تحسين الصوت فقد يقول قائل حسن الصوت ليس باختيار الإنسان لأن الله تعالى هو الذي يمن على من يشاء من عباده فيعطيه حنجرة قوية وصوتا طيبا فيقال نعم الأمر كذلك لكن يحسن الإنسان الصوت بالتعلم لأن حسن الصوت غريزي ومكتسب فلا يزال يقرأ بصوت حسن حتى يتعلم ويؤدي بصوت حسن & ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء إذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
أذن قال العلماء استمع يعني ما استمع الله لشيء من الأشياء التي يسمعها جل وعلا مثل استماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به يعني نبي والأنبياء هم أفضل طبقات الخلق يتغنى بالقرآن يعني يقرؤه بصوت حسن يجهر به يعني يرفع صوته به فهذا هو الذي يأذن الله له أي يستمع له جل وعلا لأنه يحب الصوت الحسن بالقرآن والأداء الحسن.
ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وهو عبد الله بن قيس أحد خطباء النبي ﷺ أن النبي ﷺ استمع إلى قراءته ذات ليلة فأعجبته فقال النبي ﷺ لأبي موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود
стр. 2519
وآل داود يعني به داود ﷺ داود عنده صوت حسن جميل رفيع حتى قال الله تعالى يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد فكانت الجبال ترجع مع داود وهو يتلو الزبور لحسن صوته تجاوبه جبال أحجار جامدة وكذلك الطير تؤوب معه سبحان الله تأتي فإذا سمعت قراءته تجمعت في جو السماء وجعلت ترجع معه فكانت الجبال والطيور إذا سمعت قراءة داود للزبور قامت ترجع معه ولهذا قال النبي ﷺ لأبي موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود يعني صوتا حسنا كصوت آل داود يقول أبو موسى لما قال له الرسول لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة قال لو علمت أنك تستمع أو قال تسمع لحبرته لك تحبيرا يعني يزينه أحسن مما كان.
قال العلماء وفي هذا دليل على أن الإنسان لو حسن صوته بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويسر به فإن ذلك لا بأس به ولا يعد من الرياء بل هذا مما يدعو إلى الاستماع لكلام الله حتى يسر الناس به ولهذا يوجد
стр. 2520
بعض الناس إذا ضاق صدره استمع إلى قراءة إنسان حسن القراءة حسن الصوت وهذه متيسرة الآن في أشرطة لبعض القراء الذي لا يتكلفون القراءة وأصواتهم حسنة وأداؤهم حسن إذا استمع الإنسان إليهم لا يكاد يمل لأن كلام الله له تأثير إذا جاء من إنسان حسن الصوت وحسن الأداء لا يمل.
ويستفاد من هذين الحديثين أنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن على أكمل ما يمكنه أن يقرأه عليه من حسن الصوت وحسن الأداء ونسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يقيم حروفه وحدوده حتى يكون حجة لنا لا علينا والله الموفق.
١٠٠٦ - وعن البراء بن عازب ﵄ قال سمعت النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه متفق عليه.
١٠٠٧ - وعن أبي لبابة بشير بن عبد المنذر ﵁ أن النبي ﷺ قال من لن يتغن بالقرآن فليس منا رواه أبو داود بإسناد
стр. 2521
جيد.
ومعنى يتغنى يحسن صوته بالقرآن.
١٠٠٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال قال لي النبي ﷺ اقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان تحسين الصوت والقراءة في القرآن الكريم فحديث البراء بن عازب ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء فقرأ والتين والزيتون قال فما سمعت قراءة أحسن من قراءته أو قال صوتا أحسن من صوته وكلاهما صحيح فالنبي ﷺ أحسن الناس صوتا بالقرآن وهو أول وأولى من يدخل في قوله فيما سبق من حديث ما أذن الله لشيء
стр. 2522
إذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به فرسول الله ﷺ أحسن الناس صوتا بالقرآن وأحسن الناس أداء في القراءة لأن القرآن عليه أنزل والقرآن هو خلقه ﷺ .
وفي هذا الحديث دليل على أن صلاة العشاء لا بأس أن يقرأ فيها بقصار المفصل لأن سورة التين من قصار المفصل ولكن الأكثر أن يقرأ فيها من أوساطه لأن النبي ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يقرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى) (هل أتاك حديث الغاشية) (والليل إذا يغشى) (والشمس وضحاها) وما أشبه ذلك لكن لا حرج أن يقرأ بقصار المفصل (كالتين وإذا زلزلت) وما أشبه ذلك وكذلك أيضا حث النبي ﷺ على التغني بالقرآن وقال من لم يتغن بالقرآن فليس منا.
قال العلماء وهذه الكلمة لها معنيان الأول (من لم يتغن به) أي من لم يستغن به عن غيره بحيث يطلب الهدى من سواه فليس منا فهذا لا شك أن من طلب الهدى من غير القرآن أضله الله والعياذ بالله.
والمعنى الثاني (من لم يتغن) أي من لم يحسن صوته بالقرآن
стр. 2523
فليس منا فيدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن صوته بالقرآن وأن يستغنى به عن غيره.
وأما الحديث الثالث عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ طلب منه أن يقرأ عليه فقال عبد الله بن مسعود أأقرأ عليك وعليك أنزل فقال ﷺ إني أحب أن أسمعه من غيري لأن الإنسان الذي يستمع قد يكون أقرب إلى تدبر القرآن من القارئ فالقارئ تجده يركز على ألا يخطئ في القراءة والمستمع يتدبر ويتأمل ولهذا قيل (القارئ حالب والمستمع شارب) يعني القارئ يحلب الناقة أو الشاة والمستمع شارب فهو الذي يستفيد المهم أن النبي ﷺ طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه فقال أأقرأ القرآن وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأ بسورة النساء حتى إذا جاء إلى قول الله تعالى ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيد﴾ يعني كيف تكون الحال فقال ﷺ حسبك الآن يقول فالتفت فإذا عيناه تذرفان يبكي ﷺ أن يؤتى به يوم القيامة شهيدا على أمته لأنه يؤتى يوم القيامة من كل أمة بشهيد الأنبياء شهداء العلماء شهداء لأن العلماء واسطة بين الرسل وبين الخلق هم الذين يحملون شريعة الرسل إلى الخلق فهم شهداء
стр. 2524
فالعالم يشهد بأمرين.
أمر أعلى وأمر أسفل الأمر الأعلى يشهد بأن هذا حكم الله والأمر الأسفل يشهد لأنه قد بلغ الناس لأن العالم يبلغ فمثلا يقرأ آية حديثا ويقول للناس معناها كذا وكذا اعلموا بها فيشهد عليهم فهو شاهد من طرفين طرف أعلى وطرف أسفل الطرف الأعلى أنه يشهد بأن هذا حكم الله بلغه للعباد والأسفل أنه يشهد أنه بلغ الناس به فقامت عليهم الحجة فيوم القيامة يؤتى من كل أمة بشهيد وأول من يشهد الرسل نشهد أننا بلغنا رسالة ربنا إلى خلقه ويؤتى من هذه الأمة بـ محمد ﷺ يستشهده الله فيشهد أنه بلغ مع أن النبي ﷺ استشهد ربه في أكبر مجمع للمسلمين في ذلك الوقت في يوم عرفة لما خطب الناس الخطبة الطويلة العظيمة البليغة قال ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد قال ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد قال
стр. 2525
ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد.
لما وصل إلى هذه الآية بكى ﷺ لأمه تصور هذه الحال تخيلها حالا عظيمة كل أمة جاثية وكل أمة تدعى إلى كتابها كل أمة تأتي على الركب من شدة الهول وعظمته ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون﴾ ولهذا قال في الآية الكريمة التي وقف عليها عبد الله بن مسعود ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾ يعنى يودون أنهم ما بعثوا وما قبضوا ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ يودون أنهم بقوا في الأرض أو أن يكونوا ترابا ولكن لا ينفعهم ولهذا قال تعالى ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ فالمهم أنه يجوز للإنسان أن يطلب من شخص قارئ أن يقرأ عليه ولو كان هذا القارئ أقل منه علما لأن بعض الناس يعطيه الله تعالى حسن صوت وحسن أداء وإن كان قليل العلم فلا بأس أن تقول يا فلان جزاك الله خيرا اقرأ علي إما أن تعين له ما يقرأ وإما أن تدع الأمر إليه فتستمع وفي هذا الحديث بركة القرآن أنه ينتفع به القارئ والمستمع ولا شك أن القرآن أعظم الكتب بركة وأفيدها
следующие страницы →