← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وجل ووعد والله تعالى لا يخلف الميعاد ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ والمراد بالدعاء هنا دعاء العبادة ودعاء المسألة أما دعاء العبادة فهو أن يقوم الإنسان بعبادة الله لأن القائم بعبادة الله لو سألته لماذا أقمت الصلاة لم آتيت الزكاة لماذا صمت؟ لماذا حججت؟ لماذا جاهدت؟ لماذا بررت الوالدين؟ لماذا وصلت الرحم؟ لقال أريد بذلك رضا الله وهذه عبادة متضمنة للدعاء. أما دعاء المسألة فهو أن تسأل الله الشيء فتقول يا رب اغفر لي يا رب ارحمني يا رب ارزقني وما أشبه ذلك.. وهذا أيضا عبادة كما جاء في الحديث الدعاء عبادة وهو عبادة لما فيه من صفة التوجه إلى الله والاعتراف بفضله فيكون قوله ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة ﴿أستجب لكم﴾ والاستجابة في دعاء العبادة هي قبولها والاستجابة في دعاء المسألة إعطاء الإنسان مسألته وهذا وعد من الله تعالى لكن لابد من أمور فلابد لإجابة الدعاء من شروط منها الإخلاص أن تخلص لله فتكون داعيا له حقا إن كنت في عبادة لا تشرك به شيئا لا تعبده رياء ولا سمعة ولا من أجل أن يقال فلان حاج فلان سخي فلان كثير الصوم إذا قلت هذا أحبط عملك فلابد من الإخلاص في المسألة أيضا

стр. 3082

ادع الله وأنت تشعر بأنك في حاجة إليه وأنه غني عنك وقادر على إعطائك ما تسأل ولابد أيضا من أن يكون الدعاء لا عدوان فيه فإن كان فيه عدوان فإن الله لا يقبله ولو من الأب لابنه أو من الأم لابنها إذا كان فيه عدوان فإن الله لا يقبله لقول الله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ فلو دعا الإنسان بإثم بأن سأل ربه شيئا محرما فهذا لا يقبل لأنه معتد ولو سأل ما لا يمكن شرعا مثل أن يقول اللهم اجعلني نبيا هذا لا يجوز وهو عدوان لا يقبل ولو دعا على مظلوم فإنه لا يقبل ولو دعت المرأة على ابنها لأنه يحب زوجته فإنه لا يقبل وكذلك الأب لو دعا على ابنه لأنه صاحب أناسا طيبين فإنه لا يقبل فيشترط أن يكون في الدعاء عدوان الشرط الثالث: يشترط أن يدعو الله تعالى وهو موقن بالإجابة لا دعاء تجربة لأن بعض الناس قد يدعو ليجرب ليرى هل يقبل الدعاء أم لا؟ هذا لا يقبل منه ادع الله وأنت موقن بأن الله تعالى سوف يجيبك فإن كنت دعوته وأنت في شك فإن الله لا يقبله منك الشرط الرابع: اجتناب الحرام بأن لا يكون الإنسان آكلا للحرام فمن أكل الحرام من ربا أو فوائد غش أو كذب أو ما أشبه ذلك فإنه لا يستجاب له والدليل على هذا قول النبي ﷺ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين قال تعالى ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات

стр. 3083

ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك فاستبعد النبي ﷺ أن يستجيب الله لهذا مع أنه فعل من أسباب الإجابة ما يكون جديرا بالإجابة ولكن لما كان يأكل الحرام صار بعيدا أن يقبل الله منه فهذه أربعة شروط للدعاء لابد منها والله الموفق باب الأمر بالدعاء وفضله وقال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقال تعالى ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ [الشَّرْحُ] سبق لنا الكلام على بيان فضيلة الدعاء وشروط الإجابة وفي هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون الخطاب إلى النبي ﷺ يقول الله له ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾

стр. 3084

يعني هل أني قريب أم لست بقريب؟ فالجواب ﴿فإني قريب﴾ وقربه جل وعلا قرب يليق بجلاله وعظمته ليس قرب مكان لأنه فوق كل شيء فوق السماوات السبع فوق العرش ولكنه قرب يليق بجلاله وعظمته فهو مع علوه العظيم الذي لا منتهى له إلا بذاته المقدسة فهو مع ذلك قريب في علوه بعيد في دنوه جل وعلا قال النبي ﷺ ذات يوم لأصحابه إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ولكنه فوق سماواته. السماوات السبع والأراضين السبع في كفه جل وعلا كالخردلة في كف أحدنا فهو محيط بكل شيء لا إله إلا هو ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ قربا يليق بجلاله وعظمته وليس قرب مكان بمعنى أنه ليس عندنا في الأرض بل هو فوق السماوات جل وعلا ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ هذا الشاهد أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه حقيقة والتجأ إليه وافتقر إليه وعلم أنه لا يكشف السوء إلا الله وأنه محتاج إلى ربه فإنه إذا دعاه في هذا الحال أجابه ولكن لابد من ملاحظة الشروط السابقة وقال تعالى ﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي﴾ فليستجيبوا أي لما دعوتهم إليه من عبادته ومنها أن يدعوني لأن الله أمرنا بذلك ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾

стр. 3085

﴿وليؤمنوا بي﴾ إيمانا حقيقيا لا شك معه ولا كفر معه وحينئذ يكون الله تعالى أسرع إليهم بالإجابة ﴿لعلهم يرشدون﴾ لعل هنا للتعليل أي لأجل أن يرشدوا فيكونوا في جميع تصرفاتهم على وجه الرشد والرشد عكس السفه وهذه أيضا من الآيات التي تحث الإنسان إلى الدعاء بإيمان وإخلاص ثم ذكر المؤلف الآية الرابعة: قال تعالى ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ الاستفهام هنا للإنكار والنفي يعني لا أحد يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله فالله يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرا حتى الكافر إذا اضطر ودعا ربه أجابه قال الله تعالى ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾ فالمضطر الذي تلجئه الضرورة إلى دعاء الله ولو كان كافرا يجيب الله دعوته فما بالك إذا كان مؤمنا؟ فمن باب أولى فلا أحد يجيب المضطر إلا الله أما غير الله فقد يجيب وقد لا يجيب ربما تستغيث بإنسان في ضيق أو حريق تستغيث به ولا يجيبك ولا ينقذك لكن الله إذا اضطررت إليه ودعوته أجابك ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ ﴿يكشف السوء﴾ أي يزيله ﴿أإله مع الله﴾ أي لا إله مع الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وفي هذا رد وإبطال لما يدعيه

стр. 3086

عباد الأصنام من أنها تجيبهم وتغيثهم فإن هذا لا حقيقة له أي أحد تدعوه من دون الله لا يجيب حتى الرسول ﷺ لو دعوته وقلت يا رسول الله أنقذني من الشدة فإنك مشرك كافر والرسول ﷺ متبرئ منك ويقاتلك لو كان حيا لأنه لا أحد يدعى إلا الله كل من يدعى من دون الله فإنه لا يستجيب وقال تعالى ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على فضيلة الدعاء والدعوة إليه وإنه لا ينبغي للإنسان أن يستغني عن ربه طرفة عين والله الموفق ١٤٦٥ - وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: الدعاء هو العبادة رواه أبو داود والترمذي وقالا حديث حسن صحيح [الشَّرْحُ] عندما ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على فضل الدعاء والأمر به ذكر الأحاديث وذلك أن الأدلة هي الكتاب والسنة وإجماع المسلمين

стр. 3087

والقياس الصحيح هذه هي الأدلة الأربعة التي بنى المسلمون عليها أحكام شريعة الله الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح وكلها تدور على القرآن الكريم هو الأصل فلولا أن الله جعل طاعة رسوله ﷺ من طاعته وأمر باتباع رسوله ﷺ ما كانت السنة دليلا ولولا أن الله جعل إجماع هذه الأمة على حق ولا يمكن أن تجتمع على ضلالة ما كان الإجماع دليلا ولولا أن الاعتبار والنظر وإلحاق النظير بالنظير من أدلة الشرع دل عليه القرآن ما كان القياس أيضا دليلا ولكن كل هذا قد دل عليه القرآن بأنه دليل تثبت به الأحكام الشرعية فذكر المؤلف ﵀ آيات من كتاب الله في فضل الدعاء والأمر به ثم ذكر الأحاديث ومنها حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال الدعاء هو العبادة يعني الدعاء من العبادة ويشهد لهذا قول الله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين لم يقل يستكبرون عن دعائي قال ﴿عن عبادتي﴾ فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة ووجه ذلك من النظر أن الإنسان إذا دعا ربه فقد اعترف لله بالكمال وإجابة الدعاء وأنه على كل شيء قدير وأن العطاء أحب إليه من المنع ثم إنه لم يلجأ إلى غيره لم يدع غير الله لا ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا قريبا ولا بعيدا وهذا هو حقيقة العبادة وبذلك تعرف أنك إذا دعوت الله أثبت على

стр. 3088

هذا الدعاء سواء استجيب لك أم لا لأنك تعبدت لله وعبدت الله فإذا قلت يا رب اغفر لي يا رب ارحمني يا رب ارزقني يا رب اهدني فهذه عبادة تقربك إلى الله ويكتب الله لك بها ثوابا عنده يوم القيامة والله الموفق ١٤٦٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك رواه أبو داود بإسناد جيد ١٤٦٧ - وعن أنس ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار متفق عليه زاد مسلم في روايته قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف ﵀ في باب فضل الدعاء أحاديث منها حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يحب الجوامع من الدعاء ويدع ما

стр. 3089

سوى ذلك يعني أنه إذا دعا يختار من الدعاء أجمعه كلمات جامعة عامة ويدع التفاصيل وذلك لأن الدعاء العام أبلغ في العموم والشمول من التفاصيل فمثلا إذا أراد أن يدعو الإنسان ربه أن يدخله الجنة قال اللهم أدخلني الجنة ولا يحتاج أن يفصل ويقول فيها كذا وكذا لأنه قد يكون هناك أشياء لا يعلمها فيكون هذا التفصيل كالحاصل لها فإذا دعا دعاء عاما كان هذا أشمل وأجمل. وأما تكرار الدعاء فسوف يأتي إن شاء الله أن النبي ﷺ كان يكرر الدعاء فإذا دعا دعا ثلاثا والظاهر أن المؤلف سيذكره ومن أجمع ما يكون من الدعاء ما ذكره في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في دعائه ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فإن هذا الدعاء أجمع الدعاء ربنا آتنا في الدنيا حسنة يشمل كل حسنات الدنيا من زوجة صالحة ومركب مريح وسكن مطمئن وغير ذلك وفي الآخرة حسنة كذلك يشمل حسنة الآخرة كلها من الحساب اليسير وإعطاء الكتاب باليمين والمرور على الصراط بسهولة والشرب من حوض الرسول ﷺ ودخول الجنة إلى غير ذلك من حسنات الآخرة فهذا الدعاء من أجمع الأدعية بل هو أجمعها لأنه شامل وكان أنس ﵁ يدعو بذلك وإذا دعا بشيء آخر دعا بذلك أيضا يعني كأنه

стр. 3090

رضي الله عنه لا يدعه أبدا إذا دعا وهذا يدل على فضيلة هذا الدعاء وأنه ينبغي للإنسان أن يدعو به ولهذا كان الرسول ﷺ يختم به أشواط الطواف يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار في آخر كل شوط والله أعلم ١٤٦٨ - وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى رواه مسلم [الشَّرْحُ] لما ذكر المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين بعض الأحاديث الواردة في الدعاء ذكر حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى هذه أربع كلمات يسألها النبي ﷺ ربه اللهم إني أسألك الهدى والهدى يعني العلم النافع والهدى نوعان هدى علم وهدى عمل وبعضهم يقول هدى دلالة وهدى توفيق فإذا سأل الإنسان ربه الهدى فهو يسأل الأمرين يعني يسأل الله أن يعلمه وأن يوفقه للعمل وهذا داخل في قوله تعالى في سورة الفاتحة اهدنا الصراط المستقيم يعني دلنا على الخير ووفقنا إلى القيام به

стр. 3091

لأن الناس ينقسمون إلى أربعة أقسام في هذا الباب: قسم علمه الله ووفقه للعمل وهذا أكمل الأقسام وقسم حرم العلم والعمل وقسم أوتي العلم وحرم العمل وقسم أوتي العمل لكن بدون علم فضل كثيرا خير الأقسام الذي أوتي العلم والعمل وهذا داخل في دعاء الإنسان اللهم اهدني أو ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وأما قوله التقى فالتقى بمعنى التقوى والتقوى اسم جامع لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه لأنه مأخوذ من الوقاية ولا يقيك من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه والعفاف يعني العفاف عن الزنا ويشمل الزنا بأنواعه زنا النظر زنا اللمس زنا الفرج زنا الاستماع كل أنواع الزنا فتسأل الله العفاف عن الزنا كله بأنواعه وأقسامه لأن الزنا والعياذ بالله من الفواحش قال الله تعالى ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ وهو مفسد للأخلاق ومفسد للأنساب ومفسد للقلوب ومفسد للأديان وأما الغنى فالمراد الغنى عن الخلق بأن يستغني الإنسان بما أعطاه الله عما في أيدي الناس سواء أعطاه الله مالا كثيرا أو قليلا والقناعة كنز لا ينفد وكثير من الناس يعطيه الله تعالى ما يكفيه لكن يكون في قلبه الشح والعياذ بالله فتجده دائما في فقر وإذا سألت الله الغنى فهو سؤال أن يغنيك الله تعالى عما في أيدي الناس بالقناعة والمال الذي تستغني به عن غيره جل

стр. 3092

وعلا فهذه الأدعية الأربعة ينبغي أن يدعى بها كما كان النبي ﷺ يدعو بها اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والله الموفق ١٤٦٩ - وعن طارق بن أشيم ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني رواه مسلم وفي رواية له عن طارق أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك [الشَّرْحُ] ساق المؤلف في كتابه رياض الصالحين عن طارق بن أشيم ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أسلم الرجل علمه الصلاة لأن الصلاة هي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين أركان الإسلام خمسة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وأعظم أركانه بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله الصلاة فكان النبي ﷺ يعلم الرجل إذا أسلم كيف يصلي ويأمره بهذا

стр. 3093

الدعاء اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني خمس كلمات يعلمها النبي ﷺ الرجل إذا أسلم اللهم اغفر لي يعني الذنوب والكافر إذا أسلم غفر الله له ذنوبه كما قال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولكن مع ذلك فطلب المغفرة يستمر حتى بعد الإسلام فيكون من كل مسلم لأن الإنسان لا يخلو من الذنوب كما جاء في الحديث كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وارحمني يعني أسبغ علي رحمتك ففيه طلب المغفرة والمغفرة النجاة من السيئات والآثام والعقوبات وفيه طلب الرحمة والرحمة حصول المطلوبات لأن الإنسان لا يتم له الأمر إلا إذا نجا من المكروب وفاز بالمطلوب واهدني وقد سبق لنا بيان معنى الهداية أنها هداية علم وبيان وهداية توفيق ورشد وعافني وارزقني عافني أي من كل مرض والأمراض نوعان مرض قلبي كما قال تعالى ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ ومرض جسمي في الأعضاء في البدن وإذا سألت الله العافية فالمراد من هذا ومن هذا ومرض القلب أعظم من مرض البدن لأن مرض البدن إذا صبر الإنسان واحتسب الأجر من الله صار رفعة في درجاته وتكفيرا لسيئاته والنهاية فيه الموت والموت مآب كل حي ولابد منه

стр. 3094

لكن مرض القلب والعياذ بالله فيه فساد الدنيا والآخرة إذا مرض القلب بالشك أو بالشرك أو النفاق أو كراهة ما أنزل الله أو بعض أولياء الله أو ما أشبه ذلك فقد خسر الإنسان دنياه وآخرته ولهذا ينبغي لك إن سألت الله العافية أن تستحضر أنك تسأل الله العافية من مرض القلب والبدن مرض القلب الذي مداره على شك أو شرك أو شهوة وكذلك اللفظ الآخر الذي ذكره المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ سأله رجل عن ما الذي ينفعه وما الذي يحتاجه فأمره أن يدعو بهذا الدعاء اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني فينبغي للإنسان أن يحرص على هذا الدعاء الذي علمه النبي ﷺ أمته والذي يبادر بتعليمه إذا أسلم ارزقني يعني الرزق الذي يقوم به البدن من الطعام والشراب واللباس والمسكن وغير ذلك والرزق الذي يقوم به القلب وهو العلم النافع والعمل الصالح وهذا يشمل هذا وهذا فالرزق نوعان رزق يقوم به البدن ورزق يقوم به القلب والدين والإنسان إذا قال ارزقني فهو يسأل الله هذا وهذا والله الموفق ١٤٧٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم

стр. 3095

١٤٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشفاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء متفق عليه وفي رواية قال سفيان أشك أني زدت واحدة منها [الشَّرْحُ] نقل المؤلف ﵀ فيما كان يسوقه من أحاديث الدعاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك القلوب بيد الله كل قلب من قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه حيث يشاء وكيف شاء ولهذا كان ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائما أن يثبته وأن يصرف قلبه على طاعته وإنما خص القلب لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله كما صح ذلك عن النبي ﷺ حين قال ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله وقوله صرف قلوبنا على طاعتك قد يتبادر إلى الذهن أن الأولى أن يقال إلى طاعتك لكن قوله على طاعتك أبلغ يعني قلب القلب على الطاعة فلا يتقلب على معصية الله لأن القلب إذا تقلب على الطاعة صار ينتقل من طاعة إلى أخرى من صلاة إلى ذكر إلى صدقة إلى صيام إلى علم إلى غير ذلك من طاعة الله فينبغي لنا أن ندعو بهذا الدعاء اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك

стр. 3096

أما الحديث الثاني حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشفاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء فهذه أربعة أشياء أمرنا الرسول ﷺ أن نتعوذ منها أولا: جهد البلاء أي من البلاء الذي يبلو الجهد أي الطاقة والبلاء نوعان بلاء جسمي كالأمراض وبلاء ذكري معنوي بأن يبتلى الإنسان بمن يتسلط عليه بلسانه فينشر معايبه ويخفي محاسنه وما أشبه ذلك هذا من البلاء الذي يشق على الإنسان وربما يكون مشقة هذا على الإنسان أبلغ من مشقة جهد البدن فيتعوذ الإنسان بالله من جهد البلاء أما البلاء البدني فأمره ظاهر أمراض في الأعضاء أوجاع في البطن في الصدر في الرأس في الرقبة في أي مكان هذا من البلاء وربما يكون أيضا من البلاء قسم

стр. 3097

ثالث وهو ما يبتلي الله به العبد من المصائب العظيمة الكبيرة فمن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه وإذا أصابه خير وراحة وطمأنينة اطمأن وإذا أصابه فتنة دينية أو دنيوية انقلب على وجهه تجد إيمانه مثلا متزعزع أدنى شبهة ترد عليه تصرفه عن الحق تجده لا يصبر أدنى بلاء يصيبه يصرفه عن الحق فيتسخط على قضاء الله وقدره وربما يقع في قلبه أشياء لا تليق بالله من أجل هذا البلاء ومن درك الشقاء أي ومن أن يدركك الشقاء والشقاء ضد السعادة والسعادة سببها العمل الصالح والشقاء سببه العمل السيئ فإذا استعذت بالله من درك الشقاء فهذا يتضمن الدعاء بألا تعمل عمل الأشقياء ومن سوء القضاء سوء القضاء يحتمل معنيين المعنى الأول أن أقضي قضاء سيئا والمعنى الثاني أن الله يقضي على الإنسان قضاء يسوءه والقضاء يعني الحكم فالإنسان ربما يحكم بالهوى ويتعجل الأمور ولا يتأنى ويضطرب هذا سوء قضاء كذلك القضاء من الله قد يقضي الله على الإنسان قضاء يسوءه ويحزنه فتستعيذ بالله من سوء القضاء ومن شماتة الأعداء الأعداء جمع عدو وقد ذكر الفقهاء ضابطا للعدو فقالوا من سره ما ساء في شخص أو غمه فرحه فهو عدوه كل

стр. 3098

إنسان يسره ما ساءك أو يغمه فرحك فهو عدو لك وشماتة الأعداء أن الأعداء يفرحون عليك يفرحون بما أصابك والعدو لا شك أنه يفرح في كل ما أصاب الإنسان من بلاء ويحزن في كل ما أصابه من خير فأنت تستعيذ بالله من شماتة الأعداء فأمرنا الرسول ﷺ أن نتعوذ بالله من هذه الأمور الأربعة فينبغي للإنسان أن يمتثل أمر الرسول وأن يستعيذ بالله منها لعل الله أن يستجيب له والله الموفق ١٤٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر رواه مسلم [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ساقها المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب فضل الدعاء منها حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ أمره أن يقول اللهم إني أسألك الهدى والسداد أما الهدى فقد سبق الكلام على معناه وأما السداد فهو تسديد الإنسان في قوله وفعله وعقيدته والتسديد معناه أن يوفق الإنسان إلى الصواب بحيث لا يضل وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم قولا سديدا أي صوابا فذكر الله تعالى في القول السديد فائدتين أولا: صلاح الأعمال والثانية: مغفرة الذنوب فينبغي للإنسان أن يسأل الله هذا الدعاء اللهم إني أسألك الهدى والسداد أو يقول اللهم اهدني وسددني المعنى واحد ومن ذلك أيضا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي

стр. 3099

آخرتي التي إليها معادي أو التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر فبدأ بالدين أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري الذي به يعتصم الإنسان من الشر ويعتصم من الأعداء لأنه كلما صلح الدين اعتصم الإنسان به من كل شر وصلاح الدين يكون بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ فمن أشرك بالله فدينه غير صالح من صلى رياء أو تصدق رياء أو صام رياء أو قرأ القرآن رياء أو ذكر الله رياء أو طلب العلم رياء أو جاهد رياء فكل هذا عمله غير صالح والعياذ بالله وهو مردود عليه لقول الله تعالى في الحديث القدسي أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك به معي غيري تركته وشركه كذلك المبتدع لا عصمة له فليس معصوما من الشر بل الذي وقع فيه هو الشر قال الرسول ﷺ كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فالمبتدع وإن ذكر الله وإن سبح وإن حمد وإن صلى على وجه ليس بمشروع فعمله مردود عليه قد يزين الشيطان للإنسان عبادة فيلين قلبه ويخشع ويبكي ولكن ذلك لا ينفعه إذا كان بدعة بل هو مردود عليه ألم تر إلى النصارى يأتون الكنيسة ويبكون ويخشعون أشد من خشوع

стр. 3100

بعض المسلمين ومع ذلك لا ينفعهم هذا لأنهم على ضلالة كذلك أهل البدع نجد مثلا من أهل البدع ولاسيما الصوفية نجد عندهم أذكار كثيرة يذكرون الله ويبكون ويخشعون وتلين قلوبهم لكن هذا كله لا ينفعهم لأنه على غير شرع الله قال النبي ﷺ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد مردود عليه وقال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أصلح لي ديني يعني اجعله صالحا بأن يكون خالصا صوابا وقوله هو عصمة أمري يعني الذي اعتصم به من الشر والفتن وغير ذلك وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي الدنيا معاش تقيم فيها أو تسكن فيها إلى أن تموت ولكنها ليست دار قرار وأين الذين استقروا فيها أين الملوك وأبناء الملوك أين الأغنياء أين الأثرياء أين الفقراء أين الأسياد كلهم ذهبوا فصاروا أحاديث وأنت في يوم من الأيام ستكون أحاديث قال الشاعر الحكيم دنيا يرى الإنسان فيها مخطرا حتى يرى خبرا من الأخبار هو الآن مخطر يقول صار كذا وصار كذا ومات فلان وولد فلان

стр. 3101

ولكنه سوف يكون هو خبرا من الأخبار نحن الآن نتحدث عن مشايخنا عن زملائنا عن إخواننا عن آبائنا خبرا من الأخبار كأن لم يوجد بالدنيا كأنهم أحلام وهكذا أنت أيضا فالدنيا معاش فقط وليست قرار ولكنها إن وفق الإنسان فيها إلى العمل الصالح وجعلها منفعة للآخرة فيا حبذا وإن كانت الأخرى وصار يعمل للدنيا لا للآخرة خسر الدنيا والآخرة والعياذ بالله ولهذا قال التي فيها معاشي فقط معاش يعيش الإنسان ثم يتركها وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي الآخرة هي التي إليها المعاد ولا مفر منها قال الله تعالى في كتابه ﴿قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ الأولون والآخرون كلهم سوف يجمعهم الله في صعيد واحد يوم القيامة يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وقال الله ﵎ ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود﴾ لأجل معدود ما قال لأجل ممدود معدود يعد عدا لكن كله يفنى سريعا حال اليوم الذي هو معاد كل واحد كل واحد معاده إلى يوم القيامة والشاعر الحكيم يقول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول كلنا سنحمل على النعش مهما طالت بنا الحياة أو نحترق فتأكلنا

стр. 3102

النار أو نموت في فلاة من الأرض فتأكلنا السباع أو في البحر فتأكلنا الحيتان لا ندري المهم أن كل إنسان معاده إلى الآخرة ولهذا قال أصلح لي آخرتي التي إليها معادي وصلاح الآخرة أن الله تعالى ينجيك من عذاب النار ويدخلك الجنة نسأل الله أن يصلح لي ولكم الآخرة واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي في كل شر الإنسان إذا وفق في هذه الحياة وصار يزداد خيرا كل يوم يكتسب عملا صالحا ويحس ذلك بنفسه وتجده يفرح إذا عمل عملا صالحا ويقول ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ كل يوم يزداد يصلي يسبح يقرأ يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر يلقى أخاه بوجه طلق إلى آخره خيرات كثيرة فكلما ازداد الإنسان في حياته خيرا كانت حياته خيرا ولهذا في الحديث خيركم من طال عمره وحسن عمله واجعل الموت راحة لي من كل شر الموت فقد الحياة لكن دعا النبي ﷺ أن يجعل الله الموت له راحة من كل شر لأن الإنسان لا يدري ما يصيبه في هذه الدنيا قد يبقى في الدنيا طويلا لكنه ينتكس والعياذ بالله يفسد دينه قد يبقى في الدنيا وتحدث فتن عظيمة يتعب فيها يقول ليت أمي لم تلدني يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا يجد فتنا عظيمة لكن قد يكون الموت الذي عجله الله له راحة له من كل شر ولهذا كان الرسول يدعو بهذا الدعاء

стр. 3103

واجعل الموت راحة لي من كل شر فعليك يا أخي المسلم بهذا الدعاء اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر ١٤٧٣ - وعن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ قل: اللهم اهدني وسددني وفي رواية: اللهم إني أسألك الهدى والسداد رواه مسلم

стр. 3104

١٤٧٤ - وعن أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وفي رواية: وضلع الدين وغلبة الرجال رواه مسلم ١٤٧٤ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وفي رواية: وضلع الدين وغلبة الرجال رواه مسلم

стр. 3105

١٤٧٥ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم متفق عليه وفي رواية وفي بيتي وروي ظلما كثيرا وروي كبيرا بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة فينبغي أن يجمع بينهما فيقال كثيرا كبيرا [الشَّرْحُ] هذه من الأحاديث الذي ذكرها المؤلف ﵀ في باب الأمر بالدعاء وفضله عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن الحزن لما مضى والهم لما يستقبل والإنسان إذا كان حزينا فيما مضى مهتما لما يستقبل فإنه يتنكد عيشه لكن إذا كان لا يهتم إلا بحاضره ويستعد لمستقبله على الوجه الذي أمر به كان ذلك من طمأنينته فكان الرسول ﷺ يستعيذ بالله من الهم والحزن الهم للمستقبل والحزن للماضي كثير من الناس تجده يهتم اهتماما عظيما للمستقبل اهتماما لا داعي له فتتنكد عليه حياته ويتعب وإذا وصل إلى حد الفعل وجده سهلا وكثير من الناس أيضا لا ينسى ما مضى فيتجدد له الحزن فيتعب وأعوذ بك من العجز والهرم والكسل العجز والهرم والكسل فالعجز عدم القدرة والهرم الشيخوخة والكسل عدم الإرادة وذلك أن الإنسان إذا لم يفعل فإما لعجزه عن الفعل لمرض أو غيره أو كبر وإما لعدم عزيمته وإرادته فكان الرسول ﷺ يستعيذ بالله من العجز والهرم والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل الجبن هو الشح بالنفس وألا يكون الإنسان شجاعا فلا يقدم في محل الإقدام وأما البخل فهو الشح بالمال لا يبذل المال بل يمسكه حتى في الأمور الواجبة لا يقوم بها وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرجال ومن غلبة الدين وقهر الرجال كلاهما صحيح فالدين هم والعياذ بالله هم بالنهار وسهر بالليل والإنسان المدين يقلق ويتعب ولكن بشرى للإنسان أنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه وإذا أخذها يريد إتلافها أتلفه الله فإذا أخذت أموال الناس بقرض أو ثمن مبيع أو أجرة بيت أو غير ذلك وأنت تريد الأداء أدى الله عنك إما في الدنيا يعينك حتى تسدد وإما في الآخرة صح ذلك عن النبي ﷺ أما المتلاعب بأموال الناس والذي يأخذها ولا يريد أداءها ولكن يريد إتلافها فإن الله يتلفه والعياذ بالله وأما حديث أبي بكر ﵁ فإنه سأل النبي ﷺ دعاء يدعو به في الصلاة وأنت الآن أفهم من السائل ومن المسئول السائل أبو بكر والمسئول النبي ﷺ أحب الناس إلى الرسول ﷺ أبو بكر والرسول ﷺ أحب الناس إلى أبو بكر لا شك فالسؤال من حبيب إلى حبيبه فلابد أن يكون الجواب من أفضل الأجوبة وقوله في صلاته يحتمل في السجود أو بعد التشهد الأخير قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم هذا دعاء جامع نافع اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وهذا اعتراف من العبد بالظلم وهو من وسائل الدعاء يعني أن ذكر الإنسان حاله إلى ربه عز وجل

стр. 3106

تتضمن الدعاء فهو وسيلة كما قال موسى ﵇ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فتوسل إلى الله بحاله ولا يغفر الذنوب إلا أنت هذا ثناء على الله واعتراف بالعجز وأنه لا يغفر الذنوب إلا الله كما قال تعالى ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ لو اجتمع الناس كلهم على أن يغفروا لك ذنبا واحدا ما استطاعوا وإنما الذي يغفر لك هو الله وقوله اغفر لي مغفرة من عندك أضافها إلى الله لأنها تكون أبلغ وأعظم فإن عظم العطاء من عظم المعطي وارحمني في المستقبل وفقني إلى كل خير إنك أنت الغفور الرحيم هذا توسل إلى الله باسمين مناسبين للدعاء لأنه قال اغفر لي وارحمني فالمناسب إنك أنت الغفور الرحيم فينبغي للإنسان أن يقول هذا الدعاء في صلاته إما في سجوده أو بعد التشهد الأخير والله الموفق ١٤٧٦ - وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما

стр. 3107

أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير متفق عليه ١٤٧٧ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل رواه مسلم ١٤٧٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك رواه مسلم ١٤٧٩ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والهرم وعذاب القبر اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها رواه مسلم

стр. 3108

١٤٨٠ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت زاد بعض الرواة ولا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث المتعددة ذكرها المؤلف ﵀ في باب فضل الدعاء والأمر به في كتابه رياض الصالحين وتشتمل على جمل كثيرة منها أن النبي ﷺ سأل الله تعالى أن يغفر له ما قدم وما أخر فقال اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني وهذا يغني عنه كلمة واحدة اللهم اغفر لي ذنبي كله لكن التفصيل في مقام الدعاء أمر مطلوب لأنه يؤدي إلى أن يتذكر الإنسان كل ما عمل مما أسر وأعلن وما علم وما لم يعلم ولأنه كلما تمادى في سؤال الله ازداد تعلقا بالله تعالى ومحبة له وخوفا منه ورجاء فلذلك كان النبي ﷺ يفصل فيما يسأل ربه من مغفرة الذنوب وغير ذلك وكذلك أيضا استعاذ الرسول ﷺ من أمور كثيرة من شر الذنوب وآفاتها وعذاب القبر وغير ذلك مما سمعتم في هذه الأحاديث وهذه الأحاديث ينبغي للإنسان أن يكتبها عنده من هذا الكتاب ويذكر الله تعالى بها

стр. 3109

ويدعو بها حتى ينتفع وأما قراءتها كهذا هنا فهي حسنة ولا بأس بها لكن في علمي أو ظني أنكم سوف تسمعونها الآن ثم تذهب عن قلوبكم لكن خير من هذا أن تكتبوها من هذا الكتاب وتدعوا الله تعالى بها والله الموفق ١٤٨١ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار ومن شر الغنى والفقر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وهذا لفظ أبي داود ١٤٨٢ - وعن زياد بن علاقة عن عمه وهو قطبة بن مالك ﵁ قال كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء رواه الترمذي وقال حديث حسن ١٤٨٣ - وعن شكل بن حميد ﵁ قال قلت يا رسول الله علمني دعاء قال: قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر

стр. 3110

بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ١٤٨٤ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام رواه أبو داود بإسناد صحيح ١٤٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة رواه أبو داود بإسناد صحيح ١٤٨٦ - وعن علي ﵁ أن مكاتبا جاءه فقال إني عجزت عن كتابتي فأعني قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل دينا أداه الله عنك قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك رواه الترمذي وقال حديث حسن

стр. 3111

[الشَّرْحُ] هذه جملة أحاديث من الأدعية التي كان النبي ﷺ يدعو بها منها أنه كان ﷺ يعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء الأمراض كما في رواية أخرى سيئات الأعمال والأخلاق سيئات الأعمال هي المعاصي وسيئات الأخلاق هي سوء العاملة مع الخلق والأهواء والإنسان له أهواء ومن الناس من يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ ومنهم من يكون هواه تبعا لنفسه وما تهواه وأما الأدواء فهي الأمراض فهذه أيضا مما ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله منها فإذا أعاذه الله من ذلك حصل على خير كثير ومنها أنه كان ﷺ يستعيذ من البرص والجنون والجذام وسيئ الأسقام وهذه أيضا من أمراض البدن والعقل الجذام هو مرض يصيب الإنسان في أطرافه أحيانا والعياذ بالله إذ بدأ بالطرف يتآكل يتآكل حتى يقضي على البدن كله ولهذا قال العلماء إنه لا يجوز أن يخالط الجذماء الناس وإنه يجب على ولي الأمر أن يجعلهم في مكان خاص وهو ما يعرف الآن عند الناس بالحجر الصحي لأن هذا المرض والعياذ بالله الجذام من أشد الأمراض عدوى يسري سير الهواء نسأل الله العافية قالوا يجب على ولي الأمر أن يجعل الجذماء المصابون بمرض الجذام في مكان خاص كي لا يختلطوا بالناس

стр. 3112

وسيئ الأسقام وهو جمع سقم وهو المرض ويشمل هذا كل الأمراض السيئة ومنها ما عرف الآن بالسرطان نسأل الله العافية فإنه من أسوأ الأسقام فمثل هذه الأحاديث ينبغي للإنسان أن يحرص عليها وأن يقتدي بالنبي ﷺ فيها ومن ذلك أن النبي ﷺ كان يستعيذ بالله من الجوع ويقول إنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة وكما قلت لكم بالأمس إنه مهما كان من سرد الأحاديث فإنها تتبخر لكن ينبغي للإنسان أن يقيدها من هذا الكتاب في صحائف يختص بها ويحفظها شيئا فشيئا والله الموفق ١٤٨٧ - وعن عمران بن الحصين ﵄ أن النبي ﷺ علم أباه حصينا كلمتين يدعو بهما: اللهم ألهمني رشدي وأعدني من شر نفسي رواه الترمذي وقال حديث حسن ١٤٨٨ - وعن أبي الفضل العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله تعالى قال: سلوا الله العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت يا رسول الله علمني شيئا أسأله الله تعالى قال لي يا عباس يا عم رسول الله سلوا الله العافية في الدنيا

стр. 3113

والآخرة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ١٤٨٩ - وعن شهر بن حوشب قال قلت لأم سلمة ﵂ يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك رواه الترمذي وقال حديث حسن ١٤٩٠ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ كان من دعاء داود ﷺ : اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد رواه الترمذي وقال حديث حسن ١٤٩١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ألظوا بياذا الجلال والإكرام رواه الترمذي ورواه النسائي من رواية ربيعة بن عامر الصحابي

стр. 3114

قال الحاكم حديث صحيح الإسناد ألظوا بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة معناه الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها ١٤٩٢ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا قلنا يا رسول الله دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا فقال ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله تقول: اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله رواه الترمذي وقال حديث حسن ١٤٩٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار رواه الحاكم أبو عبد الله وقال حديث صحيح على شرط مسلم [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان فضل الدعاء ما كان الرسول ﷺ يدعو بها

стр. 3115

ويأمر بها فمنها حديث الحصين أن النبي ﷺ كان يقول اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي وفي رواية وقني شر نفسي ألهمني رشدي يعني اجعلني موفقا إلى الرشد والرشد ضد الغي والغي هو المعاصي والشر والفساد والإنسان إذا وفق إلى الرشد فإنه موفق هو غاية المؤمنين الذين قال الله عنهم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فهذا هو الرشد ومن ذلك أيضا أن النبي ﷺ سأله العباس عن شيء يدعو الله به فقال قال اللهم إني أسألك العافية ثم جاءه بعد أيام فسأله أي سأل النبي ﷺ فقال قل اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة والعافية هي السلامة من كل شر وإذا وفقك الله لها وعافاك من كل شر من شر الأبدان والقلوب والأهواء وغيرها فأنت في خير ومن ذلك أيضا أن النبي ﷺ كان يكثر هذا الدعاء اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك وسبق لنا أنه كان يدعو بدعاء آخر مقارب لهذا الدعاء وهو اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك فإذا جمعت بينهما وقلت اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك كان هذا خيرا

стр. 3116

ومن ذلك أيضا هذا الدعاء الذي أثر عن داود ﷺ اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يقربني إلى حبك هذا أيضا من الأدعية المهمة إذا أحبك الله وأحببت من أحبه الله كنت من أوليائه وكذلك إذا أحببت العمل الذي يحبه الله فهذا أيضا من الدعاء الذي ينبغي للإنسان أن يلزمه دائما فإن حب الله هو الغاية كما قال الله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ ومن ذلك أيضا اللهم إني أسألك العزيمة على الرشد والسلامة من الإثم والغنيمة من كل بر وأسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار إلى غير ذلك من الأحاديث التي ذكرها المؤلف وقد سبق لنا أننا قلنا لكم لو تكتبونها من الكتاب وتقرءونها لأن حفظها في هذا الوقت قد يكون صعبا على الإنسان لكن إذا أخذها وصار يحفظها شيئا فشيئا هان عليه

стр. 3117

باب فضل الدعاء بظهر الغيب قال الله تعالى ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ وقال تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وقال تعالى إخبارا عن إبراهيم ﷺ ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾ قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصاحين باب فضل الدعاء بظهر الغيب يعني الدعاء لأخيك بظهر الغيب يعني في حال غيبته وذلك أن الدعاء بظهر الغيب يدل دلالة واضحة على صدق الإيمان لأن النبي ﷺ قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإذا دعوت لأخيك بظهر الغيب بدون وصية منه كان هذا دليلا على محبتك إياه وأنك تحب له من الخير ما تحب لنفسك ثم استدل المؤلف ﵀ بثلاث آيات من كتاب الله ومنها قوله تعالى إلى النبي ﷺ واستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات فأمر الله نبيه ﷺ أن يستغفر لذنبه وأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وما أكثر الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ يستغفر لذنبه ونحن نعلم أنه يستغفر للمؤمنين أيضا لأنه أمر بذلك ومعنى استغفر لذنبك يعني اطلب المغفرة من الله أن يغفر ذنبك والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه لأن هذا هو الذي يدل عليه الاشتقاق فإنه مشتق من المغفر وهو وقاية الرأس بالبيرة المعروفة الخوذة توضع على الرأس عند القتال فتقيه من السهام وتستره ومن ذلك أيضا قول الله تعالى ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين

стр. 3118

سبقونا بالإيمان﴾ وهؤلاء هم الصنف الثالث من الأصناف الثلاثة الذين قال الله فيهم ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ويبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ فوصفهم الله بالهجرة والنصرة الصنف الثاني ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وهؤلاء هم الأنصار أنصار المدينة

стр. 3119

والصنف الثالث﴾ والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ﴿وهذه دعوة لإخوانهم بظهر الغيب وأما الآية الثالثة فقال إبراهيم ﷺ ﴾ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ﴿فقوله﴾ وللمؤمنين ﴿هذا دعاء للمؤمنين بظهر الغيب إذن الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب من طرق الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن سبيل الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن ذلك أننا نحن كلنا ندعو لإخواننا في صلاتنا بظهر الغيب كلنا يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وهذا دعاء وقد قال النبي إنكم إذا قلتم ذلك فإنكم قد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض إذن إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهذا دعاء لإخوانك بظهر الغيب ١٤٩٤ - وعن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل رواه مسلم

стр. 3120

١٤٩٥ - وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل رواه مسلم [الشَّرْحُ] ثم ذكر المؤلف حديث أبي الدرداء ﵁ بلفظيه أن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك مثله يعني لك بمثل ذلك فالملك يؤمن على دعائك إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب ويقول لك مثله وهذا يدل على فضيلة هذا لكن هذا فيمن لم يطلب منك أن تدعو له أما من طلب منك أن تدعو له فدعوت له فهذا كأنه شاهد لأنه يسمع كلامك لأنه هو الذي طلب منك لكن إذا دعوت له بظهر الغيب بدون أن يخبرك بدون أن يطلب منك فهذا هو الذي فيه الأجر وفيه الفضل والله الموفق﴾
следующие страницы →