← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

فالظالم لا يفلح أبدًا، ولذلك انظر إلى هذه القصة وإلى قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ التي ذكرناها سابقاً وكيف أجاب الله الدعوة؟ وهذه هي عادة الله في عباده نسأل الله أن يحمينا وإياكم من الظلم (والله الموفق) ١٥٠٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا: فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حدة رواه البخاري. [الشَّرْحُ] سبق لنا بيان شيء من كرامات الأولياء التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم، وذكر في هذا الحديث ما جرى لعبد الله بن حرام ﵁ والد جابر بن عبد الله، فإنه أيقظ ابنه جابراً ليلة من الليالي

стр. 3152

وقال: ما أراني إلا أول قتيل مع رسول الله ﷺ ، وذلك قبيل غزوة أحد، ثم أوصاه وقال: إني لن أترك من بعدي أحدًا أعز منك بعد رسول الله ﷺ ، وأوصاه بأن يقضي ديناً كان عليه وأوصاه بأخواته ثم كانت الغزوة فقاتل ﵁ (عبد الله بن حرام) وقتل، وكان القتلى في ذلك اليوم سبعين رجلاً فكان يشق على المسلمين أن يحفروا لكل رجل قبرًا، فجعلوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فدفن مع أبي جابر (عبد الله بن حرام) رجل آخر، ولكن جابر ﵁ لم تطب نفسه حتى فرق بين أبيه وبين من دفن معه، فحفره بعد ستة أشهر من دفنه فوجده كأنه دفن اليوم، لم يتغير إلا شيء في أذنه، شيئاً يسيرا، ثم أفرده في قبر، أما جابر ﵁ فقد وفى دين أبيه واستوصى بأخواته خيراً حتى إنه تزوج بعد ذلك - أعني جابرًا - فقد تزوج بعد ذلك وتزوج امرأة ثيبًا فسأله النبي ﷺ هل تزوجت؟ قال: نعم قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: فهلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها فقال: يا رسول الله إن أبي ترك أخوات لي وذكر أنه أخذ الثيب لتقوم عليهن (لتقوم على خدمتهن) . في هذا الحديث كرامة لأبي جابر وهو عبد الله بن حرام أنه ﵁ صدق الله رؤياه فصار أول قتيل في أحد، دفن ولم تأكل الأرض منه شيئاً إلا يسيراً وقد مضى عليه ستة أشهر وهذا من كراماته. واعلم أن الإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله لا يبقى إلا عجب الذنب، وعجب الذنب هذا يكون كالنواة لخلق الناس يوم القيامة، تنبت منه الأجساد، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن الأرض لا تأكلهم، كما

стр. 3153

قال النبي ﷺ : (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أما غير الأنبياء فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولكن قد يمنع الله الأرض أن تأكل أحدًا كرامة له والله الموفق ١٥٠٨ - وعن أنس ﵁: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا، صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله رواه البخاري من طرق، وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حُضير، وعباد بن بشر ﵄. [الشَّرْحُ] هذان حديثان ذكره النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب كرمات الأولياء وفضلهم وهو حديث الرجلين: أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ كانا عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة وكان في ذات الوقت ليس في الأسواق أنوار بل ولا في البيوت مصابيح، فخرجا من عند النبي ﷺ في تلك الليلة، الليلة المظلمة، فجعل الله تعالى بين أيديهما مثل المصباحين يعني مثل

стр. 3154

لمبة الكهرباء تضيء لهما الطريق، وليس هذا من فعلهما ولا بسبب منهما ولكن الله تعالى خلق نوراً يسعى بين أيديهما حتى تفرقا، وتفرق النور مع كل واحد منهما، حتى بلغا بيوتهما، وهذه كرامة من الله ، من كرامة الله تعالى أنه يضيء للعبد الطريق، الطريق الحسي وفائدته الحسية، فإن هذين الرجلين ﵄ وأرضاهما مشيا في إضاءة ونور بينما الأسواق ليس فيها إضاءة ولا أنوار والليلة مظلمة، فقيض الله لهما هذا النور. هناك أيضًا نور معنوي يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن كرامة له، تجد بعض العلماء يفتح الله عليه من العلوم العظيمة الواسعة في كل فن ويرزقه الفهم والحفظ والمجادلة، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإن هذا الرجل من الله به على الأمة الإسلامية، ومازالت الأمة الإسلامية تنتفع بكتبه إلى يومنا هذا وقد توفي ﵀ سنة ٧٢٨هـ يعني منذ مئات السنين والأمة تنتفع بكتبه، وقد أعطاه الله تعالى علمًا عظيمًا، وفهمًا ثاقبًا، وقوة في المجادلة ولا أحد يستطيع أن يجادله في شيء أبداً، ما قام له أحد حتى إنه ﵀ قال: أي إنسان يجادلني بالباطل ويستدل بآية أو حديث فإنني أنا سأجعل الآية والحديث دليلاً عليه وليست دليلاً له. وهذا من نعمة الله أن الله تعالى يعطي الإنسان قدرة إلى هذا الحد، وحتى إنه يتكلم مع المجادلين ويناظرهم ثم يقول لهم: انظروا إلى قول فلان من زعمائهم في كتابه الفلاني مع أن أتباع هذا الرجل الذي يجادلون فيه شيخ الإسلام لا يعلمون عن كتبه شيئاً وهو يعلم ما في كتبه، ومناظرته في العقيدة الواسطية مع القاضي المالكي عجيبة،

стр. 3155

كان القاضي المالكي يحاول أن يجعل السلطان يبطش به؛ لكنه هو يقول: هذا لا يمكن ولا يجري على مذهبكم وأنتم أيها المالكية قلتم كذا وكذا. ولا يمكن أن يدين للوالي في هذا الذي ذكرت بناء على مذهبكم، فيبهت الرجل، كيف يعرف من مذهبنا ما لا نعلم. وله أيضًا ﵀ في كل فن يد واسعة، كان عالماً في النحو والعربية والصرف والبلاغة. حتى إن تلميذه ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد بحث بحثًا دقيقًا جدًا جدًا في الفرق بين مدح وحمد وكيف تفرق اللغة العربية بين المعاني في الكلمات بتقديم حرف أو تأخيره، وأتى ببحث عجيب، ثم قال: وكان شيخنا ﵀ إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، يعني في مسألة اللغة والصرف، ولكنه كما قال الشاعر: تألق البرق نجديا فقلت له ... إليك عني فإني عنك مشغول يعني شيخ الإسلام مشتغل بما هو أكبر من مسألة نحوية أو بلاغية أو صرفية، فهو مشغول بأكبر من هذا، وفي يوم من الأيام قدم مصر وكان فيها أبو حيان اللغوي المشهور والمفسر من الكبير في هذا الباب، وكان أبو حيان يمدح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله في مدحه قصيدة عصماء، منها قوله: قام ابن تيمية في نشر الدين نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذا عصت مضر وسيد تيم هو أبو بكر ﵁، يعني أنه قام في

стр. 3156

الإسلام في محنة الإسلام والبدع مقام أبي بكر في يوم المحن ومدحه في قصيدة عصماء، فلما قدم مصر، جاء الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفيدون من علمه ويناقشونه وكان من بينهم أبو حيان، فناقشه في مسألة نحوية، لأن أبا حيان بحر محيط في النحو ناقشه في مسألة نحوية فقال له شيخ الإسلام: هذا غلط من كلام العرب، فقال له: كيف وسيبويه إمام النحويين ذكر هذا في كتابه، فقال له شيخ الإسلام: وهل سيبويه نبي نحو يجب علينا أن نتبعه؟ لقد أخطأ سيبويه في كتابه في أكثر من ثمانين موضعًا لا تعلمه أنت ولا سيبويه، سيبويه عند النحويين مثل البخاري عند أهل الحديث، فتعجب أبو حيان، كيف يقول هذا الكلام، ثم إنه ذهب عنه فأنشأ فيه قصيدة يذمه والعياذ بالله، بالأمس يمدحه والآن يذمه. المهم أني أقول: إذا كان الله تعالى يعطي بالكرامات نورًا حسيًا يستضيء به الإنسان كما حدث لهذين الصحابيين، فكذلك يعطي الله نورًا معنويًا يقذفه في قلب العبد المؤمن، نسأل الله يقذف في قلوبنا وإياكم نورًا، يستطيع الإنسان به أن يتكلم في شريعة الله وكأن النصوص بين عينيه، وهذا من نعمة الله على العبد، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائه المتقين وعباده الصالحين ١٥٠٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا سرية، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله

стр. 3157

عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر. اللهم أخبر عنا نبيك ﷺ فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة، يريد القتلى فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب، وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي

стр. 3158

ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. وقال: فلست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وكان خبيب هو سن لكل مسلم صبراً الصلاة وأخبر - يعني النبي ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً رواه البخاري. قوله: الهداة: موضع، والظلة: السحاب، والدبر: النحل. وقوله: اقتلهم بددا بكسر الباء وفتحها، فمن كسر، قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهو النصيب، ومعناه اقتلهم حصصاً منقسمة لكل واحد منهم نصيب، ومن فتح، فقال: معناه: متفرقين في القتل واحدًا بعد واحد من التبديد. وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب، منها حديث الغلام الذي كان يأتي الراهب والساحر، ومنها حديث جريج، وحديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان،

стр. 3159

وغير ذلك والدلائل في الباب كثيرة مشورة، وبالله التوفيق. : [الشَّرْحُ] ساق المؤلف ﵀ في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة أحاديث، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في قصة عاصم بن ثابت الأنصاري وصحبه، أرسلهم النبي ﷺ وهو عشرة عينا سرية، عيناً يعني مثل الجواسيس للعدو، سرية يعني أخفاهم ﵊، فلما وصلوا قرب مكة شعر بهم جماعة من هذيل، فخرجوا إليهم في نحو مائة رجل رامٍ، يعني يجيدون الرمي، فاتبعوا آثارهم حتى أحاطوا بهم، ثم طلبوا منهم أي هؤلاء الهذليون طلبوا منهم أن ينزلوا بأمان وأعطوهم عهدًا أن لا يقتلوهم، فأما عاصم فقال: والله لا أنزل على ذمة كافر أي على عهده؛ لأن الكافر قد خان الله ، ومن خان الله خان عباد الله، ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁، كتب إليه أن عنده رجلاً نصرانياً جيدًا في المحاسبة، وطلب من عمر بن الخطاب ﵁ أن يأذن له أن يوظف هذا النصراني على بيت المال؛ لأنه رجل جيد في الحساب، فكتب إليه عمر (إنني لا آمن من خان الله ورسوله) ؛ لأن كل كافر فهو خائن ولا توله على بيت المال، فكتب إليه مرة ثانية (أبو موسى) قال: هذا الرجل قلما يوجد مثله في الحساب والجودة، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الله عمر بن الخطاب: مات النصراني، والسلام كلمة واحدة

стр. 3160

جملة واحدة، مات النصراني، يعني قدره أنه مات، هل إذا مات تتعطل المحاسبة عندنا في بيت المال، فقطع طمع أبي موسى ﵁. المهم أن عاصم بن ثابت ﵁ أبى أن ينزل على عهد الكفار؛ لأنهم لا يؤمنون، كل كافر فهو غير أمين، ثم إنهم رموهم بالنبل، أي هؤلاء الهذليون رموا هؤلاء الصحابة العشرة، فقتلوا عاصماً وقتلوا ستة آخرين، وبقي ثلاثة، بقي هؤلاء الثلاثة وقالوا: ننزل وننظر هل يوفون أم لا؟ فأخذهم الهذليون ثم حلوا قسيهم وربطوهم بها أي ربطوا أيديهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر، لا يمكن أن أصحبكم، فحاولوا معه قال: أبدًا فقتلوه، ثم ذهبوا بخبيب وصاحبه إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيباً ﵁ أناس من أهل مكة وقد كان قتل زعيمًا لهم في بدر، ورأوا أن هذه فرصة أن يقتلوه ثم أبقوه عندهم أسيراً مغلولة يداه، وفي يوم من الأيام كان في البيت وكان أسيراً مغلولة يده، فدرج صبي من أهل البيت إلى خبيب ﵁، فكأنه رق له ورحمه كعادة الإنسان يرحم الصغار ويرق لهم، ولهذا إذا رأيت من نفسك أنك ترق للصغار وترحمهم فهذه من علامة رحمة الله لك، لأن الراحمين يرحمهم الله ، ولهذا قال الأقرع بن الحابس لما رأى النبي ﷺ يقبل - أظنه الحسن والحسين - قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم، قال: أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، إنما يرحم الله من عباده الرحماء.

стр. 3161

خبيب أخذ الصبي ووضعه على فخذه وكان قد استعار من أهل البيت موسى (يعني موس) يستحد به أي يحلق به عانته، لما ذهب الصبي يلعب وأمه غافلة عنه، لما تفطنت له إذا هو على فخد خبيب، وخبيب معه الموس فظنت أن هذه فرصة لخبيب، ماذا يصنع، يذبح الولد، الموس معه والولد صبي وهو منفرد به، لكنه ﵁ أمين، صحابي جليل، لما أحس أنها ارتاعت (فزعت) الأم، قال: والله ما كنت لأذبحه، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، رأيته ذات يوم وفي يده قطف عنب يأكله، ومكة ما فيها ثمر، فعلمت أن ذلك من عند الله ، الله هيأ له هذا العنب وهو أسير لا يملك لنفسه شيئاً لا يستطيع أن يخرج إلى السوق يشتري أو يطعم، تحت رحمة هؤلاء، ولكن الله جل وعلا يسر له هذا القطف من العنب، يأكل عنباً وهو في مكة فعلمت أنه من عند الله. وهذا كقصة مريم ﵂ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فهذه من كرامة الله تعالى لخبيب ﵁، أكرمه الله ، تنزل عليه مائدة من العنب يأكلها وهو أسير في مكة، وبقي أسيراً ثم أجمع هؤلاء القوم - الذين قتل والدهم على يد خبيب - أجمعوا على أن يقتلوه، لكنهم لاحترامهم للحرم قالوا: نقتله خارج الحرم، لأن الإنسان إذا قتل أحدًا خارج الحرم ودخل إلى الحرم فإنه لا يجوز أن يقتل

стр. 3162

في الحرم قال الله تعالى ﴿ومن دخله كان أمناً﴾ فهذه سنة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، على أن الإنسان إذا فعل ما يوجب القتل (يستحق عليه القتل) خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإن الحرم يعيذه ولا يجوز أن يقتل فيه، وماذا يصنع به؟ يعني لو قال قائل: لو سلمنا بهذه القاعدة، كان كل إنسان مجرم يذهب إلى الحرم ويلوذ به، قلنا: نحن لا نقتله في الحرم لكن نضيق عليه حتى يخرج، كيف نضيق عليه؟ قال العلماء: لا يؤكل معه ولا يشارب ولا يبايع ولا يشترى منه ولا يكلم، نضيق عليه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، حينئذ ماذا يفعل؟ يخرج، وإذا خرج أقمنا عليه ما يجب عليه. المهم أنهم خرجوا بخبيب خارج الحرم إلى الحل ليقتلوه، فطلب منهم، أن يصلي ركعتين؛ لأن أشرف الأعمال البدنية الصلاة، ولأنها صلة بين العبد وبين ربه ، فأذنوا له أن يصلي ركعتين، انتهى منها وقال: لولا أني أخاف أن تقولوا: إنه فر من القتل أو كلمة نحوها، لزدت، ولكنه ﵁ صلى ركعتين فقط ثم قال: لولا أني أخاف أن تظنوا أن بي جزعاً لزدت؛ لأنه ﵁، كان حريصًا على الصلاة ويحب أن يكثر منها عند موته ثم دعا عليهم ﵁ بهذه الدعوات الثلاث، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدًا. فأجاب الله دعوته، وما دار الحول على واحد منهم، كلهم قتلوا وهذا من كرامته. ثم انشد هذا الشعر: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله فإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع فصار من الكرامة لهذا الرجل أن الله كان يرزقه

стр. 3163

الفاكهة التي لا توجد في مكة، وأنه كان يأكلها بيده، ويده موثقة بالحديد، وأنه أول من سن الصلاة عند القتل، فإنه فعل ذلك وأقره الله ورسوله، وأنه دعا على هؤلاء القوم، فأجاب الله دعوته أما عاصم بن ثابت الذي قتل ﵁، فإنه شعر به قوم من قريش، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم فأرسلوا إليه جماعة يأتون بشيء من أعضائه يعرف به حتى يطمئنوا أنه قتل، فلما جاء هؤلاء القوم ليأخذوا شيئاً من أعضائه، أرسل الله عليه شيئاً مثل الظلة من الدبر (أي من النحل) نحل عظيم، يحميه به الله تعالى من هؤلاء القوم، فعجزوا أن يقربوه ورجعوا خائبين. وهذا أيضاً من كرامة الله لعاصم ﵁، أن الله حمى جسده بعد موته من هؤلاء الأعداء الذين يريدون أن يمثلوا به. والكرامات كثيرة ذكر المؤلف منها ما ذكر في هذا الباب وذكر أيضاً أشياء متفرقة في هذا الكتاب. قال شيخ الإسلام ﵀: من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من أنواع العلوم والمكاشفات، والقدرة والتقديرات، وقال: الكرامات موجودة قبل هذه الأمة، وفي صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة. وذكر شيئاً كثيراً منها في كتابه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن

стр. 3164

كتاب الأمور المنهي عنها باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين، باب تحريم الغيبة ووجوب حفظ اللسان، ثم ذكر عدة آيات في هذا المعنى. والغيبة بينها النبي ﷺ حين قال لأصحابه أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، فقالوا: يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته يعني مع الغيبة، فالغيبة من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلاة ولا الصدقة ولا الصيام ولا غيرها من الأعمال الصالحة، بل تبقى على الموازنة، قال ابن عبد القوي ﵀ في نظمه الآداب: وقد قيل صغرى غيبة ونميمة ... وكلتاهما على نص أحمد أي أحمد بن حنبل ﵀، يعني أنه قد نص على أن الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب. وقول النبي ﷺ في تعريف الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، يشمل ما يكرهه من عيب خلقي وعيب خلقي وعيب ديني، كل شيء يكرهه فإنك إذا ذكرته به فهي غيبة، من العيب الخلقي مثلاً لو اغتبته أنه أعرج، أعور، أو طويل، أو قصير، أو ما أشبه ذلك، هذه غيبة، أو خلقي كما لو ذكرته بأنه ليس بعفيف يعني يتتبع النساء ينظر إلى النساء ينظر إلى المردان وما أشبه ذلك أو عيب ديني، بأن تقول إنه مبتدع أو إنه لا يصلي مع الجماعة، إنه لا

стр. 3165

يفعل كذا وكذا تعيبه في غيبته ولهذا سميت غيبة، لأنها في غيبة الإنسان، أما لو كان ذلك في وجهه فإنه يسمى سباً وشتماً ولا يسمى غيبة. وقول النبي ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته. يعني بهته مع الغيبة، فحذف الشق الثاني لأنه معلوم، ونظير ذلك في الكلام أن النبي ﷺ قال ذات يوم: ليت أنا نرى إخواننا، قالوا يا رسول الله أولسنا إخوانك؟ قال: لا أنتم أصحابي، وإخواننا هم الذين يأتون من بعدي يعني فيؤمنون به وهم لا يرونه، وقوله أنتم أصحابي لا يعني بذلك نفي الأخوة بل الصحابة إخوانه وأصحابه ومن بعده إخوانه وليسوا أصحابه، هذا أيضاً فقد بهته يعني ولا يمكن أن يكون غيبة بل هو غيبة وبهتان. واعلم أن الغيبة تزداد قبحاً وإثماً بحسب ما تؤدي إليه، فغيبة العامة من الناس ليست كغيبة العالم أو ليست كغيبة الأمير أو المدير أو الوزير أو ما أشبه ذلك، لأن غيبة ولاة الأمور صغيراً كان الأمر أو كبيراً أشد من غيبة من ليس لهم إمرة وليس له أمر ولا ولاية، لأنك إذا اغتبت عامة الناس إنما تسيء إليه شخصياً فقط، أما إذا اغتبت من له أمر فقد أسأت إليه وإلى ما يتولاه من أمور المسلمين، مثلاً فرض أنك اغتبت عالماً من العلماء، هذا لا شك أنه عدوان عليه شخصيا كغيره من المسلمين لكنك أيضاً أسأت إساءة كبيرة إلى ما يحمله من الشريعة، رجل عالم يحمل الشريعة، إذا اغتبته سقط من أعين الناس، وإذا سقط من أعين الناس لن يقبلوا قوله ولم يأتوا إليه يرجعون إليه في أمور دينهم، وصار ما يطلبه من الحق مشكوكاً فيه لأنك اغتبته، فهذه جناية

стр. 3166

عظيمة على الشريعة. كذلك الأمراء، إذا اغتبت أميراً أو ملكاً أو رئيسًا أو أشبه ذلك ليس هذه غيبة شخصية له فقط بل هي غيبة له وفساد لولاية أمره؛ لأنك إذا اغتبت الأمير أو الوزير أو الملك معناها أنك تشحن قلوب الرعية على ولاتهم، وإذا شحنت قلوب الرعية على ولاة أمورهم فإنك في هذه الحال أسأت إلى الرعية إساءة كبيرة؛ إذ أن هذا سبب لنشر الفوضى بين الناس، وتمزق الناس وتفرق الناس، واليوم يكون رمياً بالكلام، وغداً يكون رميًا بالسهام؛ لأن القلوب إذا شحنت وكرهت ولاة أمورها، فإنها لا يمكن أن تنقاد لأوامرهم، إذا أمرت بخير رأته شرا ولهذا قال الشاعر كلمة صادقة، قال: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن أعين السخط تبدي المساوئ فأنت مثلاً إذا اغتبت أحداً من الكبار الذين لهم ولاية أمر على المسلمين، قيادة دينية، أو قيادة تنفيذية وسلطة، فإنك تسيء إلى المسلمين عمومًا من حيث لا تشعر، قد يظن بعض الناس أن هذا يشفي من غليله وغليانه، لكن كيف يصب جامه على أمن مستقر ليقلب هذا الأمن إلى خوف، وهذا الاستقرار إلى قلق؟ أو ليقلب هذه الثقة بالعالم إلى سحب الثقة، إذا كنت ذا غليان أو إذا كان صدرك مملوءًا غيظًا فصبه على نفسك قبل أن تصبه على غيرك، انظر مساوئك أنت، هل أنت ناج من المساوئ؟ هل أنت سالم؟ أول عيب فيك أنك تسب ولاة الأمور وتغتاب ولاة الأمور، قد يقول: أنا أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، نقول: حسناً ما قصدت، ولكن البيوت تؤتى من أبوابها، ليس طريق

стр. 3167

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تنشر معايب ولاة أمورك؛ لأن هذا مما يزيد المنكر، لا يثق الناس في أداء أحد، إذا قال العالم: هذا منكر، قالوا: هذا اجعلوه على جنب، إذا قال الأمير: هذا منكر، وأراد أن يمنع منه، يقول لا، أنت ما أصلحت نفسك حتى تصلح غيرك، فيحدث بهذا ضرر كبير على المسلمين، والعجب أن بعض المفتونين بهذا الأمر، أي بسبب ولاة الأمور من العلماء والأمراء، العجب أنهم لا يأتون بحسنات هؤلاء الذين يغتابونهم، حتى يقوموا بالقسط، لأن الله يقول: يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنأن قوم على ألا تعدلوا، لا يجرمنكم: لا يحملنكم بغضهم على ألا تعدلوا، والعجب أيضاً أنك لا تكاد تجد في مجالسهم أو في أفواههم يوماً من الدهر إلا قليلاً أنهم يقولون: يا أيها الناس اتقوا كذا، اتقوا الغش، اتقوا الكذب. الغش موجود في البيع والشراء والمعاملات والكذب موجود أيضاً والغيبة موجودة، لا تكاد تجد أنهم يصبون حامهم (غضبهم) على إصلاح العامة ويحذرونهم، ومن المعلوم أن العامة إذا صلحت فالشعب هو العامة، الشعب يتكون من زيد وعمر وبكر وخالد، أفراد، إذا صلحت الأفراد صلح الشعب، وإذا صلح الشعب فلابد أن تصلح الأمة كلها، لكن بعض الناس يكون فيه مرض يحب مثل هذا الأمر، يحب أن يطرح على بساط البحث عالمًا من العلماء فيتتبع عوراته ولا يذكر خيراته ويشيع هذه العورات بين الناس، أو

стр. 3168

يأخذ أميرًا، أو وزيرًا أو ملكًا، ويضعه على البساط ثم يشرحه ويتكلم فيه، ولا يذكر شيئاً من حسناته، سبحان الله أين العدل؟ إذا كان الله ﴿يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ حتى في معاملة المشركين، يقول : ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ قالوا كلمتين وجدنا عليها آبائنا، والثانية: والله أمرنا بها، حكم الله بينهم ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ فقبل منهم الحق وهو أنهم وجدوا آباءهم عليها ورد الباطل. إذا كنت تريد أن تتكلم بالعدل تكلم بالعدل أما أن تتبع عورات المسلمين ولاسيما ولاة الأمور منهم، فاعلم أن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، وأن من تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه. المهم أن علينا أن نتجنب الغيبة، وأن نكف ألسنتنا، وأن نعلم أن كل كلمة تكون غيبة لشخص فإنما تكون نقصاً من حسناتنا وزيادة في حسنات هذا الذي ظلم بسبه كما جاء في الحديث أتدرون من المفلس فيكم؟ قالوا: من لا درهم عنده ولا متاع، قال: لا المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ظلم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار. حتى إننا سمعنا عن بعض السلف أنه سمع عن شخص يغتابه فأرسل إليه بهدية من الذي أرسل الذي اغتيب، أرسل إلي

стр. 3169

الذي اغتابه بهدية وقال له: أنت أهديتني حسنات أنتفع بها يوم القيامة، وأنا أهديك هذه الهدية تنتفع بها في الدنيا، وآخر أمرها أن تكون خراءة أو بولاً. المهم يا إخوان نصيحتي لنفسي ولكم أن تتجنبوا الغيبة، وأن تتجنبوا الخوض في مساوئ ولاة الأمور من العلماء والأمراء والسلاطين وغيرهم، إذا كنتم تريدون الخير والإصلاح، فالباب مفتوح، اتصلوا بأنفسكم، اتصلوا بقنوات أخرى إذا لم تستطيعوا أن تتصلوا بأنفسكم، ثم إذا أديتم الواجب سقط عنكم ما وراء ذلك، ثم اعلم يا أخي، هل غيبتك هذه للعلماء أو الأمراء هل تصلح من الأمور شيئاً؟ أبدًا بل هي إفساد الواقع لا تزيد الأمر إلا شكا ولا ترتفع بها مظلمة ولا يصلح بها فاسد، وإنما الطرق موجودة، ثم على الإنسان أن يتكلم بالعدل كما قلت، إذا ابتليت بنشر مساوئ الناس فانشر المحاسن حتى تتعادل الكفة أو ترجح إحدى الكفتين على الأخرى، أما أن تبتلى بنشر المعايب وتكون أخرس في نشر المحاسن، فهذا ليس بعدل. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح قال الله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ . وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ . [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصاحين باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان، سبق لنا أن الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكره في دينه أو خلقه أو خلقته

стр. 3170

أو غير ذلك، كل شيء يكرهه أخوك فلا تذكره به في حال غيبته، وسبق لنا أن الغيبة من الكبائر من كبائر الذنوب، وأنه لا تكفرها الصلاة ولا الصدقة ولا الصيام ولا الحج إلا أنها كغيرها من الكبائر يوازن بينها وبين الحسنات، وسبق لنا أن الغيبة تختلف، أي يختلف حكمها وقبحها بحسب ما تقضي إليه من مفاسد، وسبق لنا أن غيبة ولاة الأمور من العلماء والأمراء أشد من غيبة غيرهم لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة، أما ما ساقه المؤلف من الآيات فأولها قوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا. وهذه معطوفة على ما ذكر في أول الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ ، فنهى الله عن الغيبة ثم ضرب مثلاً ينفر منه كل أحد، فقال: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ ، لو قدم لك أخوك المسلم ميتًا هل تحب أن تأكل لحمه؟ الجواب: لا. الكل يقول: لا أحب ذلك، ولا يمكن، فإذا قال قائل: ما هي مناسبة الغيبة لهذا المثل؟ قلنا: لأن الذي تغتابه غائب لا يمكن أن يدافع عن نفسه، كالميت إذا قطعت لحمه لا يمكن أن يقوم ليدافع عن نفسه، ولهذا إذا ذكرت أخاك بما يكره في حال وجوده فإن ذلك لا يسمى غيبة فإن بل يسمى سباً وشتمًا. ﴿واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ ، فأمر بتقوى الله بعد أن نهى عن الغيبة، وهذا إشارة إلى أن الذين يغتابون الناس لم يتقوا الله . واعلم أنك إذا سلطت على عيب أخيك ونشرته وتتبعت عورته فإن الله تعالى

стр. 3171

يقيد لك من يفضحك ويتتبع عورتك حيًا كنت أو ميتًا؛ لأن النبي ﷺ قال: من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه. إلا أن الغيبة إذا كانت للنصح والبيان فإنه لا بأس بها؛ كما لو أراد إنسان أن يعامل شخصًا من الناس، وجاء إليك يستشيرك، يقول: ما تقول؟ هل أعامل فلانًا؟ وأنت تعلم أن هذا سيئ المعاملة، ففي هذا الحال يجب عليك أن تبين ما فيه من العيب من باب النصح، ودليله أن فاطمة بنت قيس ﵂ خطبها ثلاثة من الصحابة: أسامة بن زيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو جهم، فجاءت تستشير النبي ﷺ تقول له خطبني فلان وفلان وفلان، فقال لها ﵊: أما أبو جهم فضراب للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة فذكر هذين الرجلين بما يكرهان لكن من باب النصيحة لا من باب نشر العيب والفضيحة، وفرق بين هذا وهذا، وكذلك لو جاء إنسان يستشيرك قال: اطلب العلم عند فلان؟ وأنت تعلم أن فلانًا ذو منهج منحرف، فلا حرج عليك: لا تطلب العلم عنده. مثل أن يكون في عقيدته شيء أو في فكره شيء أو في منهجه شيء وتخشى أن يؤثر على هذا الذي جاء يستشيرك أيطلب العلم عنده أم لا، وجب عليك أن تبين له، تقول: لا تطلب العلم عند هذا، هذا فيه كذا وكذا

стр. 3172

من العيوب حتى لا ينتشر عيبه بين الناس؛ والأمثلة على هذا كثيرة، والمهم أنه إذا كان ذكرك أخاك بما يكره من أجل النصيحة فلا بأس. وقد شاع عند الناس كلمة غير صحيحة وهي قولهم: [لا غيبة لفاسق] هذا ليس حديثًا وليس قولاً مقبولا بل الفاسق له غيبة مثل غيره، وقد لا يكون له غيبة فإذا ذكرنا فسقه على وجه العيب والسب فإن ذلك لا يجوز، وإذا ذكرناه على سبيل النصيحة والتحذير منه فلا بأس بل قد يجب، والمهم أن هذه العبارة ليست حديثًا عن الرسول عليه والسلام قال الله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وقال تعالى ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [الشَّرْحُ] قد سبق الكلام عن الآية الأولى ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم أما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ . (لا تقف) يعني: لا تتبع ما ليس بك به علم، وهذا النهي يشمل كل شيء، كل شيء ليس لك به علم فلا تتبعه أعرض عنه ولا تتكلم فيه لأنك على خطأ، وهذا إذا كان بالنسبة لما تنسبه إلى الله ورسوله كان محرمًا من أشد المحرمات إثما، إذا قلت مثلاً: قال الله تعالى كذا وكذا والله لم يقله، أو تفسر الآية بما تهواه لا بما تدل عليه الآية، فقد قلت على الله ما لا تعلمه، ولهذا سيأتي

стр. 3173

الحديث: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ولا يحل لأحد أن يفسر آية من كتاب الله وهو لا يعلم معناها، وإنما يفسرها بالظن والتخمين؛ لأن الأمر خطير؛ لأنك إذا فسرت آية إلى معنى من المعاني فقد شهدت على الله إنه أراد كذا وكذا وهذا خطر عظيم، ولهذا يجب على الإنسان التحرز من التسرع فيما ليس له به علم بالنسبة للأحكام الشرعية، وكذلك غيرها ولكن هي أشد، وقد قرن الله تعالى القول عليه بلا علم، قرنه بالشرك، فقال تعالى: ﴿إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا وأن تقولوا على ما الله لا تعلمون﴾ وكذلك إذا قفوت ما ليس لك به علم بالنسبة للآدميين (بني آدم) ؛ بأن تنقل عن شخص أنه قال كذا وكذا وهو لم يقله، حتى لو قيل لك: إنه قال كذا وكذا، فلا تعتمد على هذا حتى تتيقن، لاسيما إذا كثر القول بين الناس في الأمور، فإن يجب التحرز أكثر؛ لأن الناس إذا كثر فيهم القول والقيل والقال فإنهم يبنون من الحبة قبة، ومن الكلمة كلمات ولا يتحرزون في النقل ولهذا يسمع لإنسان أنه ينقل عنه أو عن غيره ما ليس بصحيح إطلاقاً؛ لأن الناس مع القول والقيل والقال يكون لهم هوى، والعياذ بالله، فيقولون ما لا يعلمون. ثم ذكر الآية الثالثة وهي قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ المؤلف ﵀ لم يسق إلا هذه الثالثة، وليته ساق الآيات كلها لكان

стр. 3174

أحسن، فالله تعالى يخبر أنه خلق الإنسان، وهذا أمر معلوم بالضرورة والفطرة، فالله وحده هو الخالق والخالق يعلم من خلق كما قال تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ فهو جل وعلا يعلم بأحوالنا ونياتنا ومستقبلنا وكل ما يتعلق بنا، ولهذا قال: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ الشيء الذي تحدث به نفسك يعلمه الله قبل أن نتكلم، ولكن هل يؤاخذك به، في هذا تفصيل، إن ركنت إليه وأثبته في قلبك عقيدة، فإن الله يؤاخذك به، وإلا فلا شيء عليك؛ لقول النبي ﷺ : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم فمثلاً لو أن إنسان صار يوسوس ويفكر؛ هل يطلق زوجته أو لا ومثل هذا كثير بين الناس، فإنها لا تطلق حتى ولو عزم على أن يطلقها فإنها لا تطلق إلا بالقول أو بالكتابة الدالة على القول أو بالإشارة الدالة على القول؛ لأن الله تجاوز عن هذا الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ فإن الله تعالى وكل بالإنسان ملكين يلازمانه، أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، عن اليمين وعن الشمال يلازمانه دائما ويكتبان عليه كل ما نطق به وكل ما فعل ولهذا قال: ﴿ما يلفظ من قول إلا ليه رقيب عتيد﴾ (ومن) هنا زائدة للتوكيد، يعني ما يلفظ قولاً من الأقوال أي قول كان، إلا لديه رقيب عتيد؛ (رقيب) أي مراقب (عتيد) أي حاضر لا

стр. 3175

يتركه، وأنت الآن لو جعلت في جيبك مسجلاً يسجل ما تقول لوجدت العجب العجاب مما يصدر منك أحيانًا وأنت لا تفكر فيه، والرجل قد يتكلم الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، تهوي به في النار كذا وكذا خريفًا والعياذ بالله، (الرقيب) معناه المراقب الذي يراقبك (العتيد) الحاضر الذي لا يغيب عنك أي قول كان يكتب، ويذكر عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه دخل عليه أحد أصحابه وهو مريض، يئن من المرض، فقال له إن فلانًا من التابعين يقول عن الملك يكتب حتى أنين المريض، فأمسك ﵀ عن الأنين خوفًا من أن يكتب عليه، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يقلل من الكلام ما استطاع؛ لأن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت (فليقل خيرًا) أي كلام فيه الخير، إما لأنه خير بذاته، وإما أنه خير لما يؤدي إليه من الألفة بين الجلساء والمحبة؛ لأنك إذا حضرت مجلسًا مثلاً ولم تتكلم فيه لم يستحب الناس الجلوس معك، لكن إذا انطلقت في الكلام المباح من أجل أن تتألفهم وتتودد إليهم فهذا خير. تأخذ بقوله ﷺ : فليقل خيرًا أو ليصمت والمهم أن من جملة الأقوال التي تكتب الغيبة، فاحذر أن تكتب عليك؛ لأنك إذا اغتبت أحدًا فإنه يوم القيامة يأخذ من حسناتك التي هي أغلى ما يكون عندك في ذلك الوقت، فإن بقي من حسناتك شيء، وإلا أخذ من سيئات الذين اغتبتهم وطرح عليك ثم طرحت في النار. والله الموفق

стр. 3176

باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة والسلامة لا يعدلها شيء. ١٥١١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت متفق عليه. وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة، فلا يتكلم. ١٥١٢ - وعن أبي موسى ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. متفق عليه. [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة الدينية أو الدنيوية، وهذا الكلام مأخوذ من قول

стр. 3177

النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت وهو الحديث الذي ساقه المؤلف ﵀، فإذا استوى الأمران، أن يسكت أو يتكلم، فالسلامة أفضل، يعني لا يتكلم إذا كان يشك هل في كلامه خيرًا أو لا، فالأفضل ألا يتكلم؛ لأن السلامة لا يعدلها شيء، والساكت سالم إلا إذا اقتضت الحال أن يتكلم فليتكلم، مثلاً لو رأى منكرًا فهنا لا يسكت، يجب أن يتكلم وينصح وينهى عن هذا المنكر؛ وأما إذا لم تقتضي المصلحة أن يتكلم فلا يتكلم لأن ذلك أسلم له؛ ثم اعلم أن قول الرسول ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت يدل على أنه يجب على الإنسان أن يسكت إذا لم يكن الكلام خيرًا، لأن الرسول ﷺ شرط الإيمان بالله واليوم الأخر أن يقول الخير وإلا فليسكت؛ لكن الخير نوعان: خير في ذات الكلام، كقراءة القرآن والتسبيح والتكبير والتهليل وتعليم العلم وما أشبه ذلك هذا خير وخير لغير الكلام، يعني خيرًا في الكلام وخيرًا لغير الكلام بمعنى أن الكلام مباح لكن يجر إلى مصلحة يجر إلى تأليف القلب وانبساط الإخوان وسرورهم بمجلسك هذا أيضاً من الخير؛ لأن الإنسان لو بقي ساكتًا من أول المجلس لآخره مله الناس وكرهوه، وقالوا: هذا رجل فظ غليظ؛ لكن إذا تكلم بما يدخل السرور عليهم وإذا كان كلامًا مباحًا فإنه من الخير، وأما من تكلم بكلام يضحك الناس وهو كذب فإنه قد ورد فيه الوعيد: (ويل لمن حدث وكذب ليضحك به القوم

стр. 3178

ويل له ثم ويل له) وهذا يفعله بعض الناس ويسمونها (النكت) ، يتكلم بكلام كذب ولكن من أجل أن يضحك الناس، هذا غلط، تكلم بكلام مباح من أجل أن تدخل السرور على قلوبهم، وأما الكلام الكذب فهو حرام. ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ سئل أي المسلم خير يعني أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده أي لا يعتدي على المسلمين لا بلسانه؛ بغيبة أو نميمة أو سب أو ما أشبه ذلك، ويده يعني لا يأخذ أموالهم ولا يضرب أبشارهم، بل هو كاف عادل، لا يأتي الناس إلا ما هو خير، هذا هو المسلم، وفي هذا حث على أن يسلم الإنسان من لسانك ويدك، احفظ لسانك لا تتكلم في عباد الله إلا في الخير، كذلك احفظ يدك لا تجن على أموالهم ولا على أبشارهم، بل كن سالمًا يسلم منك وهذا هو خير المسلمين ١٥١٣ - وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة متفق عليه. ١٥١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق

стр. 3179

والمغرب متفق عليه. ومعنى: يتبين يتفكر أنها خير أم لا. ١٥١٥ - وعنه عن النبي ﷺ قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم رواه البخاري. [الشَّرْحُ] هذه أحاديث ثلاثة في بيان خطر اللسان وأنه من أعظم ما يكون من الأعضاء خطورة، ففي الحديث الأول أن النبي ﷺ قال من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة الذي بين لحييه هو اللسان والذي بين الرجلين هو الفرج، سواء للرجل أو المرأة، يعني من حفظ لسانه وحفظ فرجه، حفظ لسانه عن القول المحرم، من الكذب والغيبة والنميمة والغش وغير ذلك، وحفظ فرجه من الزنا واللواط ووسائل ذلك، فإن النبي ﷺ يضمن له الجنة، يعني أن جزاءه هو الجنة إذا حفظت لسانك وحفظت فرجك، فزلة اللسان كزلة الفرج، خطيرة جدًا، وإنما قرن النبي ﷺ بينهما لأن في اللسان شهوة الكلام، كثير من الناس يتنطع ويتلذذ إذا تكلم في أعراض

стр. 3180

الناس، ويتفكه والعياذ بالله. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين فنجده أحب شيء عنده أن يتكلم في أعراض الناس، ومن الناس من يهوى الكذب، فنجد أحسن شيء عنده هو الكذب، والكذب من كبائر الذنوب لاسيما إذا كذب بالكلمة ليضحك القوم فإن الرسول ﷺ قال ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له. وأما الثاني الذي قرن بينه وبين شهوة الكلام فكذلك شهوة النساء، فإن الإنسان مجبول على ذلك ولاسيما إذا كان شابًا، فإذا حاول حفظ هاتين الشهوتين، ضمن النبي ﷺ له الجنة، أي هذا جزاؤه، لأنهم خطيران. كذلك أيضاً الحديث الثاني إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب الكلمة (ما يتبين فيها) يعني لا يتأكد، ينقل ما سمع وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع فتجده يتكلم بالكلمة ولا يتبين ولا يتثبت ولا يدرس معناه ولا يدرس ماذا توصل إليه، والعياذ بالله يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. ومسافة ما بين المشرق والمغرب بعيدة جدًا، نصف الكرة الأرضية، ومع ذلك كلمة واحدة زل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهذا يدل على وجوب التأكد مما تتكلم به، سواء نقلته إلى غيرك أو نقلته عن غيرك، تثبت، اصبر، لا تستعجل، ما الذي يوجب لك أن تستعجل في المقال؟ اصبر حتى

стр. 3181

تتثبت ويتبين لك الأمر، ثم إن رأيت مصلحة في الحديث فتحدث، وإذا لم تر مصلحة في الحديث فاسكت من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت. وأما الحديث الثالث هو أن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله، ويعني كلمة ترضي الله، قرآن، تسبيح، تكبير، تهليل، أمر بالمعروف، نهي عن المنكر، تعليم علم، إصلاح ذات البين، وما أشبه ذلك، يتكلم بالكلمة ترضي الله ولا يلقي لها بالاً، يعني أنه لا يظن أنها تبلغ به ما بلغ، وإلا فهو قد درسها وعرفها وألقى لها البال، لكن لا يظن أن تبلغ ما بلغت يرفع الله له بها درجات في الجنة، وعلى ذلك رجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي بها بالاً يهوي بها في النار، لأنه تكلم بها ولا ظن أن تبلغ ما بلغت، وهذا يقع كثيراً، كثيراً من الناس والعياذ بالله تجده يسأل عن فلان العاصي وما أشبه ذلك فيقول: هذا اتركه، اترك هذا، وهذا والله ما يعرف سبيله، هذا والله ما يغفر الله له، هذه كلمة خطيرة. كان رجل عابد يمر برجل عاص، عابد يعبد الله، فيقول هذا الرجل العابد: والله لا يغفر لفلان، انظر، والعياذ بالله تحجر واسعًا وتألى على الله، والله لا يغفر لفلان؛ لأن الرجل العابد هذا معجب بعمله، يرى نفسه، ويدلي بعمله على ربه، وكأن له المنة على الله ، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ قد غفرت لفلان وأحبطت عملك الملك والسلطان لمن؟ لله ، ما هو لك حتى تقول: والله ما يغفر الله لفلان. والملك والسلطان لله لا ينازعه فيه منازع إلا أذله الله، قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا

стр. 3182

أغفر لفلان؟ قد غفرت لفلان وأحبطت عملك كلمة واحدة صارت سببًا لحبط عمله نسأل الله العافية. إذاً احذر زلة اللسان، ومن ذلك أيضاً أي من زلل اللسان إذا قال مثلاً شخص: يا فلان، إن جارنا لا يصلي لعلك تنصحه إن شاء الله خيرًا قال له: هذا ما يمكن أن يهتدي أبدًا، هذا طاغ هذا فاسق. أعوذ بالله، القلوب بيد من؟ بيد الله كما أخبرنا النبي ﷺ يقول ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، إن شاء أزاغه وإن شاء هداه. وهذا شيء مسلم به حتى الإنسان أحيانًا يجد في قلبه أشياء يعرف أنها من الشيطان، وأنه إن لم يثبته الله زل، فالقلوب بيد الله فكيف تقول هذا ما ينفع له شيء هذا ما هو مهتد؟ حرام هذا ما يجوز، ادع ولا تيأس، ألا يوجد في هذه الأمة من كان من ألد أعدائها وأشد خصومها؟ وكان ثاني اثنين في زعامة الأمة بعد نبينا محمد ﷺ من؟ عمر بن الخطاب، كان عمر بن الخطاب ﵁ مناوئاً للدعوة الإسلامية، وكان يحذر منها وكان يفر منها وكان من ألد أعدائها، فهداه الله فصار هو الخليفة الثاني بعد الرسول ﷺ وكذلك خالد بن الوليد، عكرمة بن أبي جهل، ماذا فعل في أحد؟ كرا على المسلمين من الخلف على فرسيهما ومعهم فرسان آخرون واختلطا بالمسلمين وحدثت الهزيمة وفي النهاية كانا قائدين عظيمين من قواد المسلمين، فلا تيأس يا أخي، واسأل الله الهداية والثبات، ولا تزل بلسانك،

стр. 3183

فتهلك، حمانا الله من معاصيه، ووفقنا لما يرضيه، إنه على كل شيء قدير ١٥١٦ - وعن أبي عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه رواه مالك في الموطأ والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به قال: قل ربي الله، ثم استقم قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ١٥١٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي رواه الترمذي.

стр. 3184

١٥١٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ١٥٢٠ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ١٥٢١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك: فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا رواه الترمذي. معنى تكفر اللسان: أي تذل وتخضع له. ١٥٢٢ - وعن معاذ ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل ثم تلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن

стр. 3185

المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعملون﴾ . ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه قلت: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقد سبق شرحه. [الشَّرْحُ] هذا من الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀، كلها فيها التحذير من اللسان وشروره وآفاته، وأن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً ولا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه، وكلها فيها التحذير من اللسان وآفاته، ولهذا قيل: احفظ لسانك أن تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق. كثير من الناس يدعو على نفسه بشر وهو لا يشعر يدعو على ولده، يدعو على ماله، يدعو على صديقه، يدعو على قريبه، من حيث لا يشعر فربما يصادف ذلك بابًا مفتوحًا فيصبه الدعاء،

стр. 3186

وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ألا أخبرك بملاك ذلك كله أي بما يملك هذا كله، قلت: بلى يا رسول الله ﷺ فأخذ بلسانه وقال: كيف عليك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بما نتكلم به، فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهذه كلمة يقصد بها تعظيم الأمر، وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم فاحذر يا أخي هذه الحصائد واحفظ لسانك، ومن حفظ اللسان، أن يحفظ لسانه عن الكذب والغش وقول الزور والنميمة والغيبة وكل قول يبعده من الله ويوجب عليه العذاب، فإنه يجب عليه أن يتنزه منه، نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، إنه على كل شيء قدير ١٥٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته رواه مسلم. ١٥٢٤ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: إن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم حرام

стр. 3187

عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بل بلغت متفق عليه ١٥٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ومعنى: مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه، أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ ١٥٢٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم رواه أبو داود. ١٥٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله رواه مسلم.

стр. 3188

[الشَّرْحُ] هذه بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ في باب الغيبة والأمر بحفظ اللسان، واشتملت على أشياء متعددة منها بيان الغيبة، وأنها ذكرك أخاك بما يكره، وقد سبق لنا بيان هذا وأن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في دينه أو خلقه أو بدنه أو أهله أو غير ذلك، إلا إذا كان المقصود النصيحة، كما لو استشارك شخص في معاملة إنسان وأنت تعرف من هذا الإنسان أنه ليس أهلاً للمعاملة، وأنه مثلاً كذاب أو ما أشبه ذلك، وأردت أن تبين له ما فيه من عيب، فلا بأس فيه، وبينا دليل هذا في حديث فاطمة بنت قيس حين استشارت النبي فيمن خطبوها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال النبي ﷺ أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء، انكحي أسامة، فهذا من باب النصيحة فلا بأس بها، وتضمنت هذه الأحاديث إعلان رسول الله ﷺ تحريم الدماء والأموال والأعراض في حجة الوداع في أكبر مجتمع حصل بين النبي ﷺ وبين الصحابة؛ لأن الذين حجوا معه قريب من مائة ألف، ومع ذلك أعلن ﵊ وقال: إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد. وكذلك أيضاً بينت هذه الأحاديث أن ذكرك أخاك بما يكره ولو بما

стр. 3189

يتعلق بخلقته كالطويل والقصير وأما أشبه ذلك، كما في حديث عائشة ﵂ أنها قالت في صفية بنت حيي إحدى أمهات المؤمنين: حسبك من صفية كذا تعني أنها قصيرة، تقول للرسول ﷺ : فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته يعني لو خلطت بماء البحر على كبره وسعته لمزجته، أي أثرت فيه وهي كلمة يسيرة جداً لكنها عظيمة، حيث إنها في ضرتها، وحيث إنها قد يحدث من هذه الكلمة أن يكره النبي ﷺ صفية، فلعظمها صار لها هذا الأثر العظيم، كذلك أيضاً العقوبة العظيمة التي رآها النبي ﷺ وقد أسري به، أنه قد مر بأقوام لهم أظافر من النحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يقعون في أعراض الناس يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم فالمهم أن الواجب على الإنسان الحذر من إطلاق اللسان، وألا يتكلم إلا بخير إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، قال النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت نسأل الله أن يحمينا وإياكم من سخطه وأن يعيننا وإياكم على شكره وحسن عبادته

стр. 3190

باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها ، والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه، فارق المجلس إن أمكنه قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ وقال تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ . وقال تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ . وقال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ ١٥٢٨ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ١٥٢٩ - وعن عتبان بن مالك ﵁ في حديثه الطويل المشهور الذي تقدم في باب الرجاء قال: قام النبي ﷺ يصلي فقال: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يجب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله، وإن الله قد
следующие страницы →