Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ألا أخبرك بملاك ذلك كله أي بما يملك هذا كله، قلت: بلى يا رسول الله ﷺ فأخذ بلسانه وقال: كيف عليك هذا فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بما نتكلم به، فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهذه كلمة يقصد بها تعظيم الأمر، وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم فاحذر يا أخي هذه الحصائد واحفظ لسانك، ومن حفظ اللسان، أن يحفظ لسانه عن الكذب والغش وقول الزور والنميمة والغيبة وكل قول يبعده من الله ويوجب عليه العذاب، فإنه يجب عليه أن يتنزه منه، نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، إنه على كل شيء قدير
١٥٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته رواه مسلم.
١٥٢٤ - وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: إن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم حرام
стр. 3187
عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بل بلغت متفق عليه
١٥٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ومعنى: مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه، أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾
١٥٢٦ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم رواه أبو داود.
١٥٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله رواه مسلم.
стр. 3188
[الشَّرْحُ]
هذه بقية الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ في باب الغيبة والأمر بحفظ اللسان، واشتملت على أشياء متعددة منها بيان الغيبة، وأنها ذكرك أخاك بما يكره، وقد سبق لنا بيان هذا وأن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في دينه أو خلقه أو بدنه أو أهله أو غير ذلك، إلا إذا كان المقصود النصيحة، كما لو استشارك شخص في معاملة إنسان وأنت تعرف من هذا الإنسان أنه ليس أهلاً للمعاملة، وأنه مثلاً كذاب أو ما أشبه ذلك، وأردت أن تبين له ما فيه من عيب، فلا بأس فيه، وبينا دليل هذا في حديث فاطمة بنت قيس حين استشارت النبي فيمن خطبوها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال النبي ﷺ أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء، انكحي أسامة، فهذا من باب النصيحة فلا بأس بها، وتضمنت هذه الأحاديث إعلان رسول الله ﷺ تحريم الدماء والأموال والأعراض في حجة الوداع في أكبر مجتمع حصل بين النبي ﷺ وبين الصحابة؛ لأن الذين حجوا معه قريب من مائة ألف، ومع ذلك أعلن ﵊ وقال: إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد.
وكذلك أيضاً بينت هذه الأحاديث أن ذكرك أخاك بما يكره ولو بما
стр. 3189
يتعلق بخلقته كالطويل والقصير وأما أشبه ذلك، كما في حديث عائشة ﵂ أنها قالت في صفية بنت حيي إحدى أمهات المؤمنين: حسبك من صفية كذا تعني أنها قصيرة، تقول للرسول ﷺ : فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته يعني لو خلطت بماء البحر على كبره وسعته لمزجته، أي أثرت فيه وهي كلمة يسيرة جداً لكنها عظيمة، حيث إنها في ضرتها، وحيث إنها قد يحدث من هذه الكلمة أن يكره النبي ﷺ صفية، فلعظمها صار لها هذا الأثر العظيم، كذلك أيضاً العقوبة العظيمة التي رآها النبي ﷺ وقد أسري به، أنه قد مر بأقوام لهم أظافر من النحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يقعون في أعراض الناس يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم فالمهم أن الواجب على الإنسان الحذر من إطلاق اللسان، وألا يتكلم إلا بخير إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، قال النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت نسأل الله أن يحمينا وإياكم من سخطه وأن يعيننا وإياكم على شكره وحسن عبادته
стр. 3190
باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها ، والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه، فارق المجلس إن أمكنه
قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ وقال تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ .
وقال تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾
١٥٢٨ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
١٥٢٩ - وعن عتبان بن مالك ﵁ في حديثه الطويل المشهور الذي تقدم في باب الرجاء قال: قام النبي ﷺ يصلي فقال: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يجب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله، وإن الله قد
стр. 3191
حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله متفق عليه.
وعتبان بكسر العين على المشهور، وحكي ضمها، وبعدها تاء مثناة من فوق، ثم باء موحدة.
والدخشم بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين المعجمتين.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصاحين) باب تحريم سماع الغيبة، لما ذكر الله النصوص الواردة في تحريم الغيبة، لما بين مضارها ومفاسدها وآثامها أعقب ذلك بهذا الباب وهو تحريم سماع الغيبة، يعني أن الإنسان إذا سمع شخصًا يغتاب آخر فإنه يحرم عليه أن يستمع إلى ذلك بل ينهاه عن هذا ويحاول أن ينقله إلى حديث آخر، فإن هذا فيه أجر عظيم كما في حديث أبي الدرداء ﵁، فإن أصر هذا الذي يغتاب الناس، إلا أن يبقى على غيبته وجب عليه أن يقوم عن المكان؛ لأن الله يقول: وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم فدل ذلك على أن الإنسان إذا استمع إلى المحرم، فهو مشارك لمن يفعل هذا المحرم بل الواجب أن يقوم، ثم ذكر آيات متعددة في بيان الإعراض عن اللغو، واللغو
стр. 3192
الكلام الذي لا فائدة فيه فإنه من اللغو، وعباد الرحمن قال الله تعالى في وصفهم: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ يعني سالمين منه لا يلحقهم شيء منه لا يستمعون إليه ولا يصغون له، ثم ذكر حديث عتبان بن مالك في قضية مالك بن الدخشم وتكلم الرجل في عرضه عند النبي ﷺ وأن النبي ﷺ نهاه عن ذلك وقال: ألم تر أنه يصلي يريد بذلك وجه الله وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يكن كذلك فإنه لا غيبة له، فالكافر مثلاً ليس محترمًا في الغيبة، لك أن تغتابه، إلا أن يكون له أقارب مسلمون يتأذون بذلك فلا تغتبه وإلا فلا غيبة له، أما الفاسق فقد سبق لنا أنه محترم إلا إذا كانت المصلحة تقتضي بيان فسقه فلا بأس أن يذكر بفسقه؛ لأن هذا من باب النصيحة.
والله الموفق
١٥٣٠ - وعن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته وقد سبق في باب التوبة، قال: قال النبي ﷺ وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه.
فقال له معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله ﷺ متفق عليه.
عطفاه جانباه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه.
стр. 3193
[الشَّرْحُ]
قال النووي ﵀ في كتابه (رياض الصاحين) في باب تحريم سماع الغيبة فيما نقله عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته، وكان كعب من الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بلا عذر وهم ثلاثة نفر: مرارة بن الربيع، والهلال بن أمية، وكعب بن مالك تخلفوا عن رسول الله ﷺ بلا عذر، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك جاءوه ﷺ المعذرون يعتذرون ويقولون: والله إننا لا نستطيع ويحلفون على ذلك، فكان النبي ﷺ يقبل اعتذارهم ويترك سرائرهم إلى الله، أما كعب بن مالك وصاحباه فقد نطقوا بالحق وقالوا: تخلفنا بلا عذر، فأمر النبي ﷺ بهجرهم فهجرهم المسلمون، حتى إن الرجل منهم لا يسلم ولا يرد عليه أحد السلام حتى كان كعب ﵁ يأتي فيسلم على النبي ﷺ يقول فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا، وبعد ثمانية وأربعين يومًا أمر النبي ﷺ زوجاتهم أن ينفصلن عنهم، فذهبت النساء إلى أهليهن إلا أن هلالا ومرارة بن الربيع بقيت زوجاتهما عندهما لأنهما محتاجان إليهما، أما كعب فذهبت امرأته إلى أهلها وهذه القصة العجيبة العظيمة أنزل الله تعالى فيها آية من كتاب الله، يتلى ويثاب من تلاه على الحرف الواحد عشر حسنات، أي فضل يساوي هذا الفضل؟ أن يكون
стр. 3194
تاريخ إنسان في حياته إذا تلاه المسلمون كان لهم بكل حرف عشر حسنات، فقال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم في تبوك كان النبي ﷺ جالساً فسأل عن كعب فقال رجل من الناس: يا رسول الله، إنه شغله برداه والنظر في عطفيه، ولكن هذا الكلام الذي قاله هذا الرجل لا شك أنه من الغيبة وأنه ذكر كعب بما يكره، إلا أن الله وفق له من دافع عنه، وقال: إنه لا يعلم عنه إلا خيرًا فسكت النبي ﷺ فيستفاد من ذلك أن الواجب على الإنسان إذا سمع من يغتاب أحدًا أن يكف غيبته وأن يسعى في إسكاته، إما بالقوة إذا كان قادراً كأن يقول: اسكت، اتق الله، خاف الله وإما بالنصيحة المؤثرة، فإن لم يفعل فإنه يقوم ويترك المكان؛ لأن الإنسان إذا جلس في مجلس يغتاب فيه الجالسون أهل الخير والصلاح، فإنه يجب عليه أولاً أن يدافع، فإن لم يستطع فعليه أن يغادر وإلا كان شريكًا لهم في الإثم.
والله الموفق
стр. 3195
باب ما يباح من الغيبة اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه بها وهو ستة أسباب: - الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجوا قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا.
الثالث: الاستفتاء: فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع
стр. 3196
المسلمين، بل واجب للحاجة.
ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو محاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.
ومنها إذا أراد متفقها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك.
ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها: إما بألا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقًا، أو مغفلاً، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستدل به.
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره، من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب الأعمش، والأعرج والأصم، والأعمى والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك،
стр. 3197
ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى.
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه.
[الشَّرْحُ]
هذا الباب ذكره المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) فيما يجوز من الغيبة وذكر لذلك ستة أسباب، وكلامه ﵀ ليس بعده كلام؛ لأنه كله كلام جيد وصواب وله أدلة وسيذكرها إن شاء الله تعالى في هذا الباب، يذكر الأدلة وسنتكلم عليها في حينها إن شاء الله فنسأل الله أن يغفر للنووي ﵀ وأن يجمعنا وإياكم في به جنات النعيم
١٥٣١ - عن عائشة ﵂ أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة؟ متفق عليه.
احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب.
١٥٣٢ - وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ما أظن فلانًا وفلانًا
стр. 3198
يعرفان من ديننا شيئاً رواه البخاري.
قال الليث بن سعد أحد رواة هذا الحديث: هذان الرجلان كانا من المنافقين.
١٥٣٣ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله ﷺ : أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: وأما أبو الجهم فضراب للنساء وهو تفسير لرواية: لا يضع العصا عن عاتقه وقيل: معناه: كثير الأسفار.
١٥٣٤ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فاجتهد يمينه: ما فعل؟ فقالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ ، فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله تعالى تصديقي ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ ثم دعاهم النبي ﷺ ، ليستغفروا لهم فلووا رؤوسهم متفق عليه.
стр. 3199
[الشَّرْحُ]
تقدم أن النووي ﵀ ذكر باباً في بيان ما يجوز من الغيبة وذكر لذلك أحاديث فمنها حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ استأذن عليه رجل، يعني ليدخل بيته فقال ائذنوا له، بئس أخو العشيرة وفي لفظ بئس ابن العشيرة وكان هذا الرجل من أهل الفساد والغي، فدل هذا على جواز غيبة من كان من أهل الفساد والغي وذلك من أجل أن يحذر الناس فساده حتى لا يغتروا فيه فإذا رأيت شخصًا ذا فساد وغي لكنه قد سحر الناس ببيانه وكلامه يأخذ الناس منه ويظنون أنه على خير، فإنه يجب عليك أن تبين أن هذا الرجل لا خير فيه وأن تثني عليه شرًا؛ لأجل ألا يغتر الناس به، كم من إنسان طليق اللسان فصيح البيان إذا رأيته يعجبك جسمه وإن يقول تسمع لقوله، ولكنه لا خير فيه، فالواجب بيان حاله، كذلك أيضاً ذكر أن النبي ﷺ من حديث عائشة أيضاً قال ما أظن أن فلانًا وفلانًا يعرفان من دينناً شيء وكانا من المنافقين فأثنى عليهما شرًا وأنهما لا يعرفان من الدين شيئاً، لأن المنافق لا يعرف من دين الله شيئاً في قلبه وإن كان يعرف بأذنه، لكن لا يعرف بقلبه والعياذ بالله، فهو منافق يظهر أنه مسلم ولكنه كافر، قال الله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.
стр. 3200
وذكر أيضًا حديث فاطمة بنت قيس في المشورة أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته أنه خطبها ثلاثة من الرجال معاوية بن أبي سفيان، وأبي الجهم، وأسامة بن زيد، فقال لها النبي ﷺ : أما معاوية فصعلوك لا مال له؛ لكنه ﵁ بقي حتى صار خليفة للمسلمين؛ لكنه في ذلك الوقت فقير.
قال: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء.
وفي رواية: أنه لا يضع العصا عن عاتقه، وهما بمعنى واحد، يعني أنه سيئ العشرة مع النساء يضربهن والمرأة لا يجوز ضربها إلا لسبب بينه الله في قوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ أما أن تكون تضرب امرأتك كلما خالفت أية مخالفة فهذا غلط ولا يحل لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ لكن إذا خفت نشوزها وترفعها عليك وعدم قيامها بواجبك فاستعمل معها هذه الرتب: أولا عظها خوفها بالله، بين لها أن حق الزوج لا يجب تضيعه، فإن استقامت فهذا المطلوب وإلا فالرتبة الثانية اهجرها في المضجع، لا تنام معها أما الكلام فلا تهجرها، لكن لك رخصة أن تهجرها في الكلام ثلاثة أيام؛ لأنه لا يحل أن يهجر أخاه فوق ثلاثة يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهم الذي يبدأ بالسلام الرتبة الثالثة إذا لم يشري بها هذا فاضربوهن، لكن ضربًا غير مبرح، يعني
стр. 3201
ليس شديدًا، بل ضرب يحصل به التأديب فقط وفي لفظ أنه لا يضع العصا عن عاتقه وهما بمعنى واحد وقيل إن معنى قوله أنه لا يضع العصا عن عاتقه أنه كثير الأسفار، لأن صاحب السفر في ذلك الوقت، يسافر بالإبل ويحتاج العصا، والظاهر أن المعنى واحد يعني ضراب للنساء ولا يضع العصا عن عاتقه بمعنى واحد، لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، ثم قال أنكحي أسامة بن زيد بن الحارثة فنكحته فاغتطبت به ورأت فيه خيرًا، ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا جاء يستشيرك في شخص فذكرت عيوبه فلا بأس؛ لأن هذا من باب النصيحة وليس من باب الفضيحة، وفرق بين من يغتاب الناس ليظهر مساوئهم ويكشف عوراتهم وبين إنسان يتكلم بالنصيحة.
أما الحديث الرابع فهو حديث زيد بن الأرقم ﵁: كان النبي ﷺ في سفر وكان معه المؤمنون والمنافقون فأصاب الناس شدة، فتكلم المنافقون وقالوا ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ يعني: لا تعطوهم شيئاً من النفقة حتى يجوعوا ويتركوا النبي ﷺ وكذبوا، المؤمنون لا يمكن أن يتركوا النبي ﷺ لو ماتوا جوعًا وظمأ ما تركوه، لكن هذا هي حال المنافقين الذين يلمزون النبي ﷺ في الصدقات إذا أعطوا رضوا وإذا لم يعطوا فإذا هم يسخطون، أما المؤمنون فلن يتركوا الرسول ﷺ ﴿لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى هنا للتعليل وليست للغاية لأجل أن ينفضوا عنه، ولكن كذبوا في ذلك وقالوا أيضًا
стр. 3202
﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ ويعني بالأعز نفسه وقومه، وبالأذل رسول الله ﷺ فسمع ذلك زيد بن الأرقم ﵁ فأتى إلى النبي ﷺ فأخبره بأن عبد الله بن أبي قال هذا الكلام، فأرس إليه النبي ﷺ أي عبد الله بن أبي -، فاجتهد يمينه أنه لم يقل هذا، يعني حلف وأقسم واشتد في القسم أنه ما قال ذلك؛ لأن المنافقين هذا دأبهم، يحلفون علي الكذب وهم يعلمون فأقسم أنه ما قال ذلك، وكان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويترك سريرتهم إلى الله، فلما بلغ ذلك زيد بن الأرقم اشتد عليه الأمر؛ لأن الرجل حلف وأقسم عند الرسول الله ﷺ واجتهد يمينه في ذلك فاشتد هذا على زيد بن الأرقم، فقال: كذب زيد بن الأرقم رسول الله ﷺ يعني أخبره بالكذب حتى أنزل الله تصديق زيد بن الأرقم في قوله: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ وتأمل جواب الله لقول عبد الله بن أبي [ليخرجن الأعز منها الأذل] حيث قال: ﴿ولله العزة ولرسوله﴾ ولم يقل إن الله هو الأعز لأنه لو قال هو الأعز لصار في ذلك دليل على أن المنافقين لهم العزة، وهم لا عزة لهم، بل قال ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ في هذه الآية دليل على أنه لا بأس أن الإنسان ينقل كلام المنافق إلى ولي
стр. 3203
الأمر حتى يتخذ فيه ما ينبغي اتخاذه، وكذلك ينقل كلام المفسد إلى ولي الأمر حتى لا يتمادى في إفساده، وإذا كان الإنسان يخشى من الكلام أن يحصل فيه فساد وجب عليه أن يبلغه إلى ولي الأمر حتى يقضي على الفساد قبل أن يستشفي، لا يقال: أخشى أن ولي الأمر يفعل بي أو يفعل فيه لا قد يفعل فيه هو الذي جنى على نفسه إذا كان يتكلم بكلام يخشى منه الفساد، فالواجب رفع الكلام إلى ولي الأمر، لكن لابد من التثبت وألا يقع الإنسان في حرج، في عهد الرسول ﵊ لما أنكر عبد الله بن أبي ما قيل عنه نزل الوحي بتصديق زيد بن الأرقم في وقتنا لا يوجد وحي يؤيد أو يفند فأنت إذًا تثبت وسمعت من بعض كلامًا يؤدي إلى الشر والفساد وجب عليك أن تبلغ به ولي الأمر حتى لا يستشفي الشر والفساد، فالمهم أن المؤلف ﵀ ذكر مسائل وضوابط لما يجوز من الغيبة، ثم ذكر أدلة ذلك والله الموفق
١٥٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قالت هند امرأة أبي سفيان للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه.
стр. 3204
وأما البخل بما يزيد فهذا حرام لا يجوز، ومن وقع عليه ذلك فله أن يتظلم إلى شخص يمكن أن يأخذ الحق له، فهذه هند تظلمت عند الرسول ﷺ ولم يقل لها لا تقولي رجل شحيح، أقرها على ذلك لأنها تطلب حقها، فقال لها النبي ﷺ خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف فأذن لها أن تأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيها ويكفي ولدها، ولكن بالمعروف، يعني لا تزيد على ذلك، فدل هذا على مسائل: أولاً: جواز غيبة الإنسان للتظلم منه، لكن بشرط أن يكون ذلك عند من يمكنه أخذ الحق لصاحبه، وأما إذا لم يكن كذلك فلا فائدة من التظلم، ومنها أنه يجب على الإنسان أن ينفق على أهله على زوجته وولده بالمعروف، حتى لو كانت الزوجة غنية، فإنه يجب على الزوج أن ينفق، ومن ذلك ما إذا كانت الزوجة تدرس، وقد شرط على الزوج تمكينها من تدريسها فإنه لا حق له فيما تأخذه من راتب لا نصف ولا أكثر ولا أقل، الراتب لها مادام قد شرط عليه عند العقد أنه لا يمنعها من التدريس فرضي بذلك، فليس له الحق أن يمنعها من التدريس وليس له الحق أن يأخذ من مكافأتها أي من راتبها شيئاً، هو لها، أما إذا لم يشترط عليه أن يمكنها من التدريس، ثم لما تزوج قال لا تدرسي، فهنا لهما أن يصطلحا على ما يشاءان، يعني مثلاً له أن يقول: أمكنك من التدريس بشرط أن يكون لي نصف الراتب أو ثلثاه أو ثلاثة أرباعه أو ربعه وما أشبه ذلك، على ما يتفقان عليه، وأما إذا شرط عليه أن تدرس وقبل فليس
стр. 3205
له الحق أن يمنعها وليس له الحق أن يأخذ من راتبها شيئاً ومن فوائد هذا الحديث أيضاً أنه يجوز لمن له النفقة على شخص وامتنع من عليه النفقة من بذل النفقة، أن يأخذ من ماله بقدر النفقة سواء علم أم لم يعلم، وسواء أذن أم لم يأذن فللمرأة مثلاً أن تأخذ من جيب زوجها ما يكفيها ويكفي أولادها، وكذلك أيضًا تأخذ من شنطته أو صندوقه ما يكفيها ويكفي أولادها سواء علم أم لم يعلم، فإن قال قائل: إذا كان لي حق على إنسان وجحد وأنكر وقدرت على أخذ شيء من ماله، فهل يجوز أن آخذ مقدار حقي من ماله؟ يعني مثلاً إنسان عنده لي مائة ريال وجحد قال: ما لك عندي شيء فهل إذا قدرت على شيء من ماله يجوز أن أخذ من ماله مائة ريال؟ الجواب لا، لا يجوز، والفرق بين هذا وبين النفقة أن النفقة لإنقاذ النفس وسببها ظاهر، كلنا يعرف أن هذه زوجة فلان وأن الزوجة لها نفقة، بخلاف الدين فإنه أمر خفي لا يقال عليه، وقد قال النبي ﷺ : أدي الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك.
فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، ويعبر عنها عند العلماء بمسألة الظفر، يعني من ظفر بمال من له حق عليه هل يأخذ منه أم لا؟ والجواب بالتفصيل أنه إذا كان في مقابل النفقة الواجبة فلا بأس وأما إذا كان في مقابل دين واجب، فإنه لا يجوز لعموم قول الرسول ﷺ : لا تخن من خانك.
والله الموفق
стр. 3206
باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد
قال الله تعالى: ﴿هماز مشاء بنميم﴾ وقال تعالى ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾
١٥٣٦ - وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة نمام متفق عليه.
١٥٣٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : مر بقبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير: أما أحدهما، فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله متفق عليه، وهذا لفظ إحدى روايات البخاري.
قال العلماء: معنى: وما يعذبان في كبير أي كبير في زعمهما وقيل: كبير تركه عليهما.
[الشَّرْحُ]
سبق أن المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) ذكر بابًا مفيدًا في
стр. 3207
باب ما يجوز من الغيبة، وذكر من ذلك ستة مسائل، ذكر لها أدلة سبق الكلام عليها، ومن ذلك التظلم، يعني إذا تظلم إنسان عند ولي الأمر من شخص ظلمه، فإن ذلك لا بأس به، لأن حقه لن يتمكن منه إلا بذلك والدليل على هذا حديث هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، جاءت إلى النبي ﷺ فقالت له يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، يعني بخيل، لا يعطيني ما يكفيني وولدي بالمعروف فوصفته بأنه شحيح، وهذا وصف ذم يكرهه الإنسان لكن لماذا قالت ذلك؟ تظلماً من أجل رفع الظلم عنها وذلك أن الواجب على الإنسان أن ينفق على زوجته وعلى أولاده بالمعروف لا وكس ولا شطط، ولا يقصر ولا يزيد كما قال الله تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا
١٥٣٨ - وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس.
رواه مسلم.
العضه: بفتح العين المهملة، وإسكان الضاد المعجمة، وبالهاء على وزن الوجه، وروي: العضة بكسر العين وفتح الضاد المعجمة على وزن العدة، وهي: الكذب والبهتان، وعلى الرواية الأولى: العضه مصدر، يقال: عضهه عضها، أي: رماه بالعضه.
стр. 3208
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) في باب تحريم النميمة، فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس.
هذا من أساليب التعليم الجيدة وهي أن يلقي المعلم السؤال على المخاطبين للتنبيه، حتى يستثير أفهامهم ويعطوا الكلام انتباهًا ألا أنبئكم ما العضه والنبأ والخبر في اللغة العربية معناها واحد.
والعضة: من القطع والتمزيق ومنه قوله تعالى: الذين جعلوا القرآن عضين يعني قطعًا وأجزاء، يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه فما هي الأداة المفرقة للأمة الممزقة لهم، قال: هي النميمة: أن ينقل الإنسان كلام الناس بعضهم في بعض من أجل الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب، وقد كشف للنبي ﷺ عن رجلين يعذبان في قبورهما، وأخبر أن أحدهما كان يمشي بالنميمة، وذلك أن بعض الناس والعياذ بالله يفتن فيكون شغوفًا بنقل الكلام، كلام الناس بعضهم لبعض، يتزين بها عند الناس، يأتي لفلان ويقول لفلان قال فيك كذا وكذا قد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا حتى إن كان صادقًا فإنه حرام، ومن كبائر الذنوب، وقد نهى الله تعالى أن يطاع مثل هذا الرجل قال تعالى: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾
стр. 3209
وقال بعض أهل العلم: من نم إليك الحديث نمه منك، يعني من نقل كلام الناس إليك فإنه ينقل كلامك أنت، فاحذره ولا تطعه ولا تلفت إليه، وفي هذا دليل على حسن تعليم النبي ﷺ حيث يأتي بالأساليب التي يكون فيها انتباه المخاطب، ولاسيما إذا رأى الإنسان من المخاطب غفلة، فإنه ينبغي أن يأتي بالأسلوب الذي ينبهه، لأن المقصود من الخطاب هو الفهم والاستيعاب والحفظ، فيأتي الإنسان بالأساليب المفيدة في ذلك.
فإذا قال قائل: إذا كان الشخص ينقل كلام الإنسان في الإنسان نصيحة، مثل أن يرى شخصًا مغروراً بشخص يفضي إليه أسراره ويلازمه، والشخص هذا يفضي أسرار صاحبه الذي يفضي إليه أسراره ويخدعه، فهل له أن يتكلم فيه؟ فالجواب: نعم، له أن يتكلم فيه ويقول يا فلان احذر هذا الشخص فإنه ينقل كلامك ويقول فيك كذا وكذا.
لأن هذا من باب النصيحة ليس غرضه أن يفرق بين الناس ولكن غرضه أن يسدي النصيحة إلى صاحبه، والله تعالى يقول: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ والله الموفق
стр. 3210
باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تدع إليه حاجة كخوف مفسدة ونحوها
قال الله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ .
وفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله.
١٥٣٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر.
رواه أبو داود والترمذي.
:
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه: (رياض الصالحين) باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، يعني هذا الباب أراد المؤلف به ﵀ ألا ينقل الناس إلى الولاة كلام الناس وأحوالهم إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، لأن نقل الكلام إلى ولاة الأمور إذا لم يكن هناك مصلحة يوجب إما العدوان على الشخص الذي نقل عنه الكلام، وأما أن ولاة الأمور يتصورون أشياء لا حقيقة لها وأن الناس يكرهونهم ويسبونهم وما أشبه ذلك فلهذا ينبغي ألا ينقل إلى ولاة الأمور الحديث، حديث الناس وكلام الناس إلا إذا دعت الحاجة
стр. 3211
والمصلحة إلى ذلك، فإذا دعت الحاجة أو المصلحة إلى ذلك فإنه ينقل كلام الناس إلى ولاة الأمور خوفًا من المفسدة، فمثلاً إذا كان أحد من الناس يتكلم في ولاة الأمور في المجالس، ويقول فيهم كذا وفيهم كذا ويسبهم، فإن الأولى ألا ينقل هذا الكلام إلى ولاة الأمور؛ لئلا تحصل المفسدة التي أشرت إليها، وهي العدوان على هذا الشخص وتصور ولاة الأمور أن الناس يكرهونهم، فيكرهون الناس ولا يأتون بالأمر الذي ينبغي أن يأتوا به من مصالح المسلمين، أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك - إلى نقل كلام الناس إلى ولاة الأمور لدفع مفسدة أو حصول مصلحة - فإنه لابد من نقله إليهم، فإذا رأينا رجلاً يتكلم في ولاة الأمور بما فيهم من المعاصي والفسوق وما أشبه ذلك، وينشرها بين الناس، فإنه لابد أن تعلم ولاة الأمور بهذا؛ لأن هذا من النصيحة لهذا الشخص؛ لئلا يتمادى في طغيانه وهجومه على ولاة الأمور، ومن النصيحة لولاة الأمور أيضًا ألا يحمل الناس في قلوبهم على ولاة الأمور، وأما ترك المفسد يفسد ويتكلم بما شاء من غير ردع له ولا زجر فهذا خلاف النصيحة، بل فيه المفسدة العظيمة.
فالحاصل أن النووي ﵀ ذكر في هذا الباب أنه لا ينبغي أن ينقل إلى ولاة الأمور كلام الناس وحديثهم ما لم تقتض المصلحة ذلك، فإن اقتضت المصلحة ذلك لكبح الشر والفساد والطغيان، فإنه يجب أن ينقل إلى ولاة الأمور بعد التثبت والتحقق من الأمر حتى تردع ولاة الأمور أهل الشر
стр. 3212
والفساد، وإلا فلو ترك الناس يتكلمون كما يشاءون لحصل في هذا مفسدة كبيرة.
ثم استدل المؤلف لهذا بآية وحديث، أما الآية فقوله تعالى: ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ومن التعاون على الإثم والعدوان أن ينقل الإنسان كلام الناس أو كلام شخص معين إلى ولاة الأمور بدون مصلحة تقتضي، فإن هذا قد يحصل به كما أشرنا عدوان من ولاة الأمور على الشخص بلا سبب شرعي وأما الحديث فهو حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر وهذا من حكمة الرسول ﷺ أنه لا أحد ينقل إليه كلام الناس لكي لا يقع في قلبه شيء على هذا المتكلم، فيحب أن يخرج إليهم وهو سليم الصدر، ولهذا كثيرًا ما يكون الإنسان محباً لشخص يقدره ويرى أنه رجل كريم ورجل سليم، ثم إذا نقل إليه شيء عن هذا الرجل كرهه ونفر منه وصار يبغضه، لكن كما قلنا أولاً: إذا اقتضت المصلحة أن نتكلم فلابد أن نتكلم لكي لا ينتشر الشر والفساد وتحصل الفتن، والله الموفق
стр. 3213
باب ذم ذي الوجهين
قال الله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾
١٥٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تجدون الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه متفق عليه.
١٥٤١ - وعن محمد بن زيد أن ناساً قالوا لجده عبد الله بن عمرو ﵄: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال: كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله ﷺ .
رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب ذم ذي الوجهين: ذو الوجهين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، كما يفعل المنافقون وإذا لقوا الذين
стр. 3214
آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون وهذا يوجد في كثير من الناس والعياذ بالله وهو شعبة من النفاق، تجده يأتي إليك يتملق ويثني عليك وربما يغلو في ذلك الثناء، ولكنه إذا كان من ورائك عقرك وذمك وشتمك وذكر فيك ما ليس فيك، فهذا والعياذ بالله كما قال النبي ﷺ : تجدون شر الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ وصف فاعله بأنه شر الناس، والواجب على الإنسان أن يكون صريحًا، لا يقول إلا ما في قلبه فإن كان خيرًا حمد عليه وإن كان سوى ذلك وجه إلى الخير، أما كونه يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، سواء كان فيما يتعلق بعبادته يظهر أنه عابد مؤمن تقي وهو بالعكس، أو فيما يتعلق بمعاملته مع الشخص؛ يظهر أنه ناصح له ويثني عليه ويمدحه ثم إذا غاب عنه عقره، فهذا لا يجوز.
ثم ذكر المؤلف ﵀ الآية الكريمة ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضي من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾ هذه الآية نزلت في قوم يخفون في أنفسهم ما لا يبدونه، يحدثون الناس بما ليس في قلوبهم، فإذا صاروا في الوحدة
стр. 3215
واجتمعوا في الليل أظهروا ما في نفوسهم والعياذ بالله الذي كانوا أخفوه عن الناس من قبل، فيقول الله : ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا﴾ ، ومثل ذلك أيضًا من يعمل المعصية خفاءًا ولا يعملها أمام الناس حياءً منهم وخجلاً، وأما الله فلا يستحي منه ولا يخجل والعياذ بالله، وهذا يدخل في الآية الكريمة.
وأما من عمل المعصية وندم وتاب فإنه لا يجوز له أن يحدث الناس بما فعل، فإن النبي ﷺ قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرون.
والمجاهر هو الذي إذا فعل المعصية حدث بها، فالواجب على الإنسان أن يكون صريحًا، ظاهره كباطنه، وهو إذا كان صريحًا إن كان على خير ثبته أهل الخير عليه واستمر، وإن كان على خلاف ذلك بينوا له ما عليه من الشر حتى يرتدع، نسأل الله تعالى أن يجعل بواطننا خيرًا من ظواهرنا وأن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى، إنه على كل شيء قدير.
стр. 3216
باب تحريم الكذب
قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ وقال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) باب تحريم الكذب، الكذب هو أن يخبر الإنسان بخلاف الواقع، فيقول: حصل كذا، وهو كاذب، أو قال فلان كذا، وهو كاذب وما أشبه ذلك، فهو الإخبار بخلاف الواقع.
واعلم أن الكذب أنواع: الأول: الكذب على الله ورسوله، وهذا أعظم أنواع الكذب، لقول الله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين واللام في قوله ﴿ليضل الناس بغير علم﴾ اللام لام العاقبة وليست لام التعليل، فهي كقوله تعالى في موسى ﷺ ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنًا﴾ وهم ما التقطوه لهذا، ولكن الله تعالى جعل العاقبة أن كان لهم عدوًا وحزنًا، وهكذا من افترى على الله كذبًا، فإنه بافترائه يضل الناس بغير علم.
والافتراء على الله نوعان: النوع الأول أن يقول: قال الله كذا، وهو يكذب، كاذب على الله، ما قال الله شيئًا.
стр. 3217
والنوع الثاني: أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله، لأن المقصود من الكلام معناه، فإذا قال: أراد الله بكذا كذا وكذا، فهو كاذب على الله، شاهد على الله بما لم يرده الله ، لكن الثاني إذا كان عن اجتهاد وأخطأ في تفسير الآية فإن الله تعالى يعفو عنه؛ لأن الله قال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقال: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ وأما إذا تعمد أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله، اتباعاً لهواه أو إرضاء لمصالح أو ما أشبه ذلك، فإنه كاذب على الله ، وهكذا من بعده الكذب على رسول الله ﷺ بأن يقول: قال رسول الله كذا، ولم يقله، لكن كذب عليه وكذلك أيضًا إذا فسر حديث رسول الله ﷺ ، بغير معناه فقد كذب على رسول الله ﷺ وقد قال النبي ﷺ : من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار المعنى أن من كذب على الرسول ﷺ متعمدًا قد تبوأ مقعده من النار وسكن في مقعده من النار والعياذ بالله، فهذان النوعان من الكذب هما أشد أنواع الكذب: الكذب على الله والكذب على رسول الله ﷺ .
وأكثر الناس كذبًا على رسول الله هم الرافضة الشيعة، فإنه لا يوجد في طوائف أهل البدع أحد أكثر منهم كذبًا على رسول الله ﷺ ، كما نص على هذا علماء مصطلح الحديث ﵏، لما تكلموا على الحديث الموضوع قالوا: إن
стр. 3218
أكثر من يكذب على الرسول هم الرافضة الشيعة، وهذا شيء مشاهد ومعروف لمن تتبع كتبهم.
أما القسم الثاني من الكذب فهو الكذب على الناس، والكذب على الناس نوعان أيضًا: كذب يظهر الإنسان فيه أنه من أهل الخير والصلاح والتقى والإيمان وهو ليس كذلك، بل هو من أهل الكفر والطغيان والعياذ بالله، فهذا هو النفاق، النفاق الأكبر الذين قال الله فيهم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ لكنهم يقولون بألسنتهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون، وشواهد ذلك في القرآن والسنة كثيرة، إنهم - أعني المنافقين أهل الكذب يكذبون على الناس في دعوى الإيمان وهم كاذبون، وانظر إلى قول الله تعالى في سورة (المنافقون) حيث صدر هذه السورة ببيان كذبهم حيث قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ أكدوا هذه الجملة بكم مؤكد؟ بثلاثة مؤكدات، (نشهد) (إن) (اللام) ثلاثة مؤكدات، يؤكدون أنهم يشهدون أن محمدًا رسول الله، فقال الله تعالى: ﴿والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ في قولهم (نشهد إنك لرسول الله) هذا أيضًا من أنواع الكذب، وهو أشد أنواع الكذب على الناس؛ لأن فاعله والعياذ بالله منافق.
والنوع الثالث: من الكذب هو الكذب في الحديث بين الناس، الجاري بين الناس يقول: قلت لفلان كذا وهو لم
стр. 3219
يقله، قال فلان كذا وهو لم يقله، جاء فلان وهو لم يأت وهكذا، هذا أيضاً محرم ومن علامات النفاق كما قال النبي ﷺ : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب.
ثم ساق المؤلف ﵀ الأدلة على تحريم الكذب منها قوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ لا تقف أي لا تتبع ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً، وإذا كان هذا نهياً عما لم تحط به علمًا، فما بالك بما أحطت به علمًا وأخبرت بخلافه؟ يكون هذا أشد وأعظم، وبهذا نعرف أن الإنسان إذا تكلم بكلام فإما أن يكون قد أحاط به علمًا، فكلامه هذا مباح في الأصل ما لم يجر إلى مفسدة، الثاني أن يقفو ما يعلم أن الأمر بخلافه فهذا كذب واضح وصريح والثالث أن يقفو ما لم يحط به علمًا ولا يعلم أن الأمر بخلافه فهذا منهي عنه ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ فينهى أن يتكلم الإنسان في حالين، في الحالة الأولى أن يعلم أن الأمر بخلاف ما يتكلم به، والحالة الثانية أن يتكلم في أمر لا يعلمه، هذا كله منهي عنه، أما إذا تكلم بما يعلم فهذا أمر لا بأس به.
وذكر الآية الأخرى ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ ، (من قول) نكرة في سياق ماذا؟ في سياق النفي، ومؤكد عمومها بمن ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ أي قول تقوله عندك رقيب عتيد يعني حاضر يراقب يكتب ما تقول ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى يعني نسمع سرهم ونجواهم﴾ ﴿ورسلنا لديهم يكتبون﴾ ما أعظم الأمر، كل كلمة تخرج منك تكتب وسوف تلقى ذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ أنت حسيب نفسك، قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك.
والحاصل أن الله يقول: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب
стр. 3220
عتيد﴾ هذا الرقيب العتيد أي الحاضر يكتب كل شيء: كل قولك، سواء كان لك أو عليك أو من اللغو الذي ليس لك ولا عليك، ولما كان الإمام أحمد ﵀ مريضًا يئن من مرضه، قيل له: إن فلانًا - وأظنه طاووسًا - يقول: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، أنين المريض وهو يئن من شدة المرض يكتب عليه، أمسك ﵀ أعني الإمام أحمد - أمسك عن الأنين، وصار يتصبر ولا يئن؛ خوفًا من ماذا؟ من أن يكتب عليه، هؤلاء الذين يحفظون ألسنتهم وجوارحهم ويعرفون قدر الأمور، أمسك حتى عن الأنين، أما نحن نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بالعفو،
стр. 3221
فإطلاق اللسان عندنا كثير، وقد قال الرسول ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت نسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل
١٥٤٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
سبق لنا الكلام على الآيتين اللتين ذكرهما المؤلف ﵀ في صدر هذا الباب، باب تحريم الكذب، ثم ذكر الأحاديث، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وعليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا ففي هذا الحديث حذر النبي ﷺ من الكذب فقال: إياكم والكذب يعني ابتعدوا عنه واجتنبوه، وهذا يعم الكذب في كل شيء، ولا يصح قول من قال: إن الكذب إذا لم يتضمن ضررًا على الغير
стр. 3222
فلا بأس به، فإن هذا قول باطل؛ لأن النصوص ليس فيها هذا القيد، النصوص تحرم الكذب مطلقاً، ثم بين الرسول ﷺ أن الكذب يهدي إلى الفجور، يعني إذا كذب الرجل في حديثه فإنه لا يزال فيه الأمر حتى يصل به إلى الفجور والعياذ بالله، وهو الخروج عن الطاعة، والتمرد والعصيان، والفجور يهدي إلى النار، قال الله تعالى: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدرك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ثم قال: ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا والعياذ بالله أي من الكذابين، لأن الكذب - نسأل الله لنا ولكم السلامة منه ومن سائر الآثام - إذا اعتاده الإنسان، صار يكذب في كل شيء، وصدق عليه وصف المبالغة فكتب عند الله كذابًا، وأما الصدق فحث عليه النبي ﷺ فقال: عليكم بالصدق، إذا تحدثتم فاصدقوا، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، قال الله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾ فإذا صدق الإنسان وعود لسانه على الصدق، هداه إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، يعني يوصل إليها، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، والصديقية منزلة عالية، هي التي تلي منزلة النبوة، كما قال الله تعالى ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
стр. 3223
والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ .
واعلم أن الكذب يتضاعف جرمه بحسب ما يؤدي إليه؛ فالكذب في المعاملات أشد من الكذب في مجرد الإخبار، فإذا صار الرجل يكذب في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه صار هذا أشد؛ لأنه إذا كذب في البيع والشراء تمحق بركة بيعه قال النبي ﷺ : البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما.
وما ترتب على الكذب في البيع والشراء من زيادة في الثمن أو زيادة في المبيع فإنه سحت والعياذ بالله؛ لأنه مبني على الكذب، والكذب باطل، وما بني على الباطل فهو باطل، وكذلك الكذب في وصف السلعة، يقول الإنسان مثلاً: هذه السلعة فيها كذا وكذا من الصفات المرغوبة وهو كاذب، هذا أيضًا من أكل المال بالباطل، ومن ذلك ما يفعله بائعو السيارات كما يقولون: يعطي الإنسان سيارته هذا الدلال وهو يدري أن فيها العيب الفلاني ثم يقول عند عرضها للبيع كل عيب فيها ولا يظهر العيب الحقيقي، فهذا حرام لا يجوز، إذا كان البائع يعلم العيب لكن كتمه وقال للمشتري: اصبر في كل عيب، هذا حرام إذا كان يعلم أن فيها عيبًا، أما إذا كان لا يعلم لكنه يخشى أن يكون فيها عيب لا يطلع عليه، فلا بأس أن يترك البراءة من كل عيب مشبوه والله الموفق
стр. 3224
١٥٤٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
متفق عليه.
وقد سبق بيانه مع حديث أبي هريرة بنحوه في باب الوفاء بالعهد.
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في باب تحريم الكذب في كتابه (رياض الصاحين) : عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال:: أربع من كن فيه كان منافقاً خاصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.
قوله: أربع من كن فيه أي من اتصف بهن كان منافقًا خالصًا؛ لأنه أتى بجميع الأعمال التي يتصف بها المنافقون والعياذ بالله، والمراد بالنفاق هنا النفاق العملي الذي يكون عليه أهل النفاق العقدي، وليس نفاق الاعتقاد؛ لأن نفاق الاعتقاد نفاق كفر والعياذ بالله؛ وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أما هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات فإنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا، ولكنهم يستعملون هذه الصفات وفيها شيء من النفاق،
стр. 3225
أولا قال: (إذا اؤتمن خان)) إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه فمثلا إذا أعطي وديعة وقيل له خذها احفظها، دراهم أو ساعة أو قلم أو متاع أو غير ذلك يكون فيها يستعملها لنفسه أو يتركها فلا يحفظها في مكانها أو يظفر بها من يتسلط عليه ويأخذها، المهم أنه لا يؤدي الأمانة فيها، كذلك إذا اؤتمن على حديث سري وقيل له: لا تخبر أحدا ذهب يخبر، قال لي فلان قال لي فلان، وبعض الناس والعياذ بالله يبتلى بحب الظهور والشهرة، إذا ائتمنه أحد من ولاة الأمور أو من كبراء القوم ووجهائهم ذهب يتحدث؛ قال لي الأمير كذا؛ قال لي الوزير كذا؛ قال لي الشيخ كذا؛ يتجمل عند الناس بأنه ممن يحادثه الكبراء والشرفاء وهذه من خيانة الأمانة والعياذ بالله، ومن ذلك أيضا الأمانات في الولايات يكون الإنسان وليا على يتيم على ماله وحضانته وتربيته فلا يقوم بالواجب؛ يهمل ماله وربما يستقرضه لنفسه ولا يدري هل يستطيع الوفاء فيما بعد أم لا؟ ولا يقربه بالتي هي أحسن، هذا أيضًا من خيانة الأمانة، ومن ذلك أيضًا أن الإنسان لا يقوم بواجب التربية في أهله وأولاده وقد ائتمنه الله عليهم فقال جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ولم يجعل الله لك سلطاناً عليهم إلا ليسألك عنهم يوم القيامة حتى تتمنى أنك لم يكن بينك وبينهم صلة قال الله تعالى: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ ومن خيانة الأمانة أن يكون الإنسان إمامًا للناس يصلي بهم الجمعة
следующие страницы →