Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود متفق عليه
١٨٢١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين وما به إلا البلاء متفق عليه
١٨٢٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون فيقول كل رجل منهم لعلي أن أكون أنا أنجو وفي رواية يوشك أن يحسر الفرات عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا متفق عليه
стр. 3677
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين فيما ذكره من أشراط الساعة ما نقله عن أبي هريرة ﵁ أنه لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود المسلمون بعد بعثة الرسول ﷺ هم أتباع الرسول محمد ﷺ وأما قبل ذلك فالمسلم من اتبع الشريعة القائمة فقوم موسى في عهد موسى مسلمون والنصارى في عهد عيسى مسلمون ومن آمن من قوم نوح مسلمون وهكذا كل من كان مؤمنا برسول قائمة رسالته فهو مسلم لكن بعد بعثة الرسول محمد ﷺ ليس مسلما إلا من آمن به ﷺ وإلا فلا يخفاكم أن الحواريين قالوا نحن أنصار الله وأن ملكة سبأ قالت إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وغير ذلك مما هو معروف اليهود هم اتباع موسى سموا بذلك نسبة إلى جدهم يهوذا فهم ينتسبون إليه لكن مع التعريب صاروا يهود بالدال وهي أمة ملعونة غدارة خوانة مكارة واصفة لربها بالعيب والنقص قالوا أي اليهود يد الله مغلولة وقالوا ﴿إن الله فقير﴾ وقالوا إن الله تعب حين خلق السماوات والأرض فاستراح يوم السبت..
إلى غير ذلك مما وصفوا الله تعالى به بالنقائص والعيوب أما الرسل فحدث ولا حرج كفروا بالرسل وقتلوهم بغير حق وقتلوا المسيح عيسى ابن مريم بزعمهم ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾ فهم
стр. 3678
أخبث أمة من الأمم وهم قوم خونة غدارة لا يوفون بعهد ولا ذمة ولا يؤتمنون على شيء قبل يوم القيامة يقاتلون المسلمين وتأمل كلمة المسلمين يقتتل المسلمون واليهود فينصر المسلمون عليهم نصرا عزيزا حتى إن اليهودي يختبئ بالحجر وبالشجر فيقول الشجر والحجر فينطق بأمر الله الذي أنطق كل شيء فيقولان يا مسلم هذا يهودي تحتي فاقتله أحجار تنطق وأشجار لماذا لأن القتال بين المسلمين وبين اليهود أما بين العرب واليهود فهذا الله أعلم من ينتصر لأن الذي يقاتل اليهود من أجل العروبة فقد قاتل حمية وعصبية ليس لله ولا يمكن أن ينتصر ما دام قتاله من أجل العروبة لا من أجل الدين والإسلام إلا أن يشاء الله لكن إذا قاتلناهم - أي اليهود - من أجل الإسلام ونحن على الإسلام حقيقة فإننا غالبون بإذن الله حتى الأحجار والأشجار تتكلم لصالحنا وضد اليهود أما ما دامت المسألة عصبية وعروبة وما أشبه ذلك فلا ضمان للنصر أبدا ولهذا لا يمكن أن يقوم للعرب قائمة على هذا الأساس أي أساس العروبة والدليل على هذا الواقع فقد طحنوا وخبزوا عليها ولم تستفد شيئا بل بالعكس صارت النكبات العظيمة من اليهود على العرب شيئا عظيما احتلوا ديارهم وحاصروهم وآذوهم لكن لو كان القتال من أجل الإسلام وباسم المسلمين ما قامت لليهود قائمة لكن من جهل العرب صاروا يقاتلون اليهود
стр. 3679
من أجل العروبة ولذلك لم ينصروا عليهم حتى الآن الانتصار على اليهود حقيقة في الإسلام لا غيب ولن تقوم الساعة حتى يحصل ما أخبر به الصادق المصدوق رسول الله ﷺ يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون وينتصرون عليهم ويظهرون عليهم وينادي الحجر والشجر الذي ليس من عادته أن ينطق يا مسلم هذا يهودي فاقتله كذلك أيضا من أشراط الساعة والذي لابد أن يكون أن الفرات وهو النهر المعروف في شرقي أقصى الجزيرة يحسر عن ذهب جبل من ذهب أو كنز من ذهب تحسر بمعنى أن الذهب يخرج جبلا والذهب معروف
رأيت الناس قد ذهبوا ...
إلى من عنده ذهب
فالذهب يسلب العقول سوف يحسر هذا الماء النهر الجاري عن جبل من ذهب سبحان الله كل إنسان يقاتل غيره ويقول لعلي أنا الذي أنجو ويقاتل من أجل أن يحصل على الذهب..
البترول لأجل أن يحصل على البترول وصاروا يسمونه الذهب الأسود فالله أعلم بما أراد رسول الله لكننا إلى الآن لا نعرف الذهب إلا أنه ذلك المعدن الأصفر المعروف فنبقى على ما هو عليه ووراءنا أجيال فالدنيا لم تنته بعد حتى نوقف الحديث على الواقع الذي نحن فيه بل ننتظر ما أخبر به الصادق المصدوق ولابد أن يقع ويقتتل الناس عليه وهذا من أشراط الساعة لكنه لم يأت بعد والله الموفق
стр. 3680
١٨٢٣ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي يريد عوافي السباع والطير وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمها فيجدانها وحوشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما متفق عليه
١٨٢٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان يحثو المال ولا يعده رواه مسلم
١٨٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدا يأخذها منه ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء رواه مسلم
١٨٢٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اشترى رجل من رجل عقارا فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب
стр. 3681
فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك إنما اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال أنكحا الغلام الجارية وأنفقا على أنفسهما منه وتصدقا متفق عليه
١٨٢٧ - وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكما إلى داود ﷺ فقضي به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود ﷺ فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل رحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى متفق عليه
[الشَّرْحُ]
في هذا الباب الذي عقده النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في المنثورات والملح تقدم ما تقدم من ذكر الدجال ويأجوج ومأجوج وذكر أحاديث في هذا المجلس تدل على أن المدينة النبوية زادها الله تشريفا وتعظيما أنه يخرج عنها
стр. 3682
أهلها ولا يبقى فيها إلا العوافي أي السباع والطيور ليس فيها أحد لكن هذا لم يأت بعد ولكن هذا لم يأت بعد ولكن ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ فسوف يقع لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى ومنها كثرة المال حيث أخبر ﷺ أنه يقوم في آخر الزمان خليفة يحثو المال ولا يعده يعني أنه ينفق إنفاقا بلا عدد لكثرة الأموال ومنها أيضا حديث أبي هريرة ﵁ وهذا ليس من أشراط الساعة لكن من الملح أن رجلا اشترى من رجل أرضا فوجد فيها جرة من ذهب فذهب المشتري إلى البائع وقال خذ هذا فإنما اشتريت أرضا ولم أشتر الذهب فقال البائع أنا بعت الأرض وما فيها هذا يدل على ورعهما فكل واحد ورع يقول ليس لي هذا المال فتحاكما إلى رجل فقال لأحدهما ألك ابن قال نعم وقال للثاني ألك جارية قال نعم فقال زوجا الابن بالجارية واجعلا هذا الذهب للمهر والنفقة ففعلا ففي هذا دليل على أنه يوجد من الناس من هو ورع إلى هذا الحد أما حكم هذه المسألة فقال العلماء ﵏ إن الإنسان إذا باع أرضا على شخص ووجد المشتري فيها شيئا مدفونا فيها من ذهب أو غيره فإنه لا يملكه بملك الأرض ولكنه للبائع وإذا كان البائع اشتراها من آخر فهي للأول لأن هذا المدفون ليس من الأرض بخلاف المعادن لو اشترى أرضا ووجد فيها معدنا من ذهب أو فضة أو حديد أو غيره فإنه يتبع الأرض هذا من الملح
стр. 3683
ومنها أيضا حديث أبي هريرة في قصة امرأتين خرجتا بابنين لهما فأكل الذئب ابن واحدة منهما وبقي ابن الأخرى فقالت كل واحدة منهما إنه لي فتحاكما إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى اجتهادا منه لأن الكبرى ربما تكون قد توقفت عن الإنجاب أما الصغرى شابة وربما تنجب غيره في المستقبل ثم خرجتا منه إلى سليمان ابنه فأخبرتاه بالخبر فدعا بالسكين وقال أشقه بينكما نصفين أما الكبرى فرحبت وأما الصغرى فأبت وقالت هو ابنها أدركتها الشفقة لأنه ابنها حقيقة هو للصغرى وليس للكبرى ولكن الكبرى لن تبال لأنه ابن غير هام لا يهمها أن يذهب كما ذهب ولدها الذي أكله الذئب لأنه ليس ولدها لكن الصغرى أدركتها الرحمة فقالت هو بنيها يا نبي الله فقضى به للصغرى بأي بينة القرينة لأن كونها ترحم هذا الولد وتقول هو للكبرى ويبقى حيا وإن كان سيكون عند غيرها لكن بقاؤه حيا ولو كان عند غيرها أهون من شقه نصفين فقضى به للصغرى أخذ العلماء من هذا الحديث العمل بالقرائن وأنه يجوز للقاضي أن يحكم بالقرائن إذا كانت قوية ومن ذلك ما حصل بين امرأة العزيز ويوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام فمن المعلوم أن يوسف حبس في السجن وكان ﷺ جميلا جدا حتى إنه أعطى نصف الحسن فامرأة العزيز وهي امرأة ملكة لها حسب ولها منزلة لكن عجزت أن تملك نفسها حتى مكرت به وكادت له وأدخلته في البيت وغلقت الأبواب ودعته إلى نفسها والعياذ بالله ولكنه
стр. 3684
عصمه الله فلحقته وأمكست بثوبه وانشق الثوب من الخلف ووجدا سيدها لدى الباب وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم هذا حصل قبل السجن ﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ وهذا قبل أن يسجن ليس عنده بينة والمرأة قد لحقته وهو يريد الخروج ومن يصدق سوف يكون المصدق في هذه الحال امرأة العزيز لأنها ذات حسب وزوجة الملك فلا يمكن أن تذل نفسها للخادم ولكن ﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ فحكم حاكم من أهل البيت قال انظروا إلى قميصه ثوبه إن كان قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين لأنه إذا كان من قبل يعني أنه الطالب المراود وأرادت التخلص منه فمزقت ثوبه وإن كان من دبر فهو قد هرب منها ولحقته ﴿فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ وصار الصادق يوسف وليس معه بينة تشهد ولكن هناك قرينة وهذا لا شك أنه قاعدة جليلة للقاضي ولمن جعل حكما بين الناس..
والله الموفق
стр. 3685
١٨٢٨ - وعن مرداس الأسلمي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يذهب الصالحون الأول فالأول وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالا رواه البخاري
١٨٢٩ - وعن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ قال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة رواه البخاري
١٨٣٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أنزل الله تعالى بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذه أيضا من الأحاديث التي ذكرها النووي في آخر كتابه رياض الصالحين من الملح منها أن النبي ﷺ أخبر أنه يذهب الصالحون الأول فالأول ثم يبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يبالي الله بهم بالا يعني لا يبالي بهم ولا يرحمهم ولا ينزل عليهم الرحمة فالصالحون يذهبون الأول وهذا الحديث يشبه حديث أنس بن مالك ﵁ حين جاء الناس إليه يشكونه ما وجدوا من الحجاج بن يوسف الثقفي
стр. 3686
فأخبرهم أن النبي ﷺ قال لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده شر منه حتى تلقوا ربكم فهذا الحديث يشبه الحديث الذي أشرنا إليه ولذلك تجد الناس يتردون كل عام عن العام الذي قبله يذهب الصالحون الأول فالأول فيما سبق تجد الناس يتهجدون في الليل يصومون في النهار يتصدقون من أقواتهم يؤثرون على أنفسهم في اليوم تجد الناس تغيروا من سنة إلى أخرى إلى أردى من قبل سهروا في الليل على غير طاعة الله ونوم في النهار أو لهو أو بيع وشراء يشتمل على الغش والكذب والخيانة والعياذ بالله فالناس إلى أردأ لكن مع ذلك في الناس خير لا شك يوجد أناس ولله الحمد على دين الله مستقيمين على ما يبدو لكن العبرة بالعموم والشمول ولهذا أخبر النبي ﷺ كما في الحديث الثالث الذي رواه البخاري أنه إذا أنزل بهم العذاب شمل الجميع كما قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب لكنهم يبعثون يوم القيامة على نياتهم كل على ما هو عليه ولذلك يجب الحذر من أن يكون الإنسان من الحثالة التي كحثالة الشعير أو التمر وأن يحرص على أن يستقيم على أمر الله حتى لو كان الناس قد هلكوا فإنهم إن أصيبوا بالعذاب فإنه يبعث كل إنسان على نيته
стр. 3687
كذلك أيضا من الملح أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال له ما تعدون أهل بدر فيكم قال النبي ﷺ من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك الملائكة الذين قاتلوا في بدر بدر اسم مكان بين مكة والمدينة معروف كان فيه وقعة بين المسلمين والمشركين سببها أن أبا سفيان صخر بن حرب كان رئيسا في أهل مكة وكان قدم من الشام بميرة عير فيها طعام لأهل مكة فلما سمع بذلك النبي ﷺ أنه قادم إلى مكة أخبر أصحابه بذلك وكان أهل مكة قد أخرجوا المسلمين من ديارهم وأموالهم واستباحوها فكان للمؤمنين أن يستبيحوا أموال الكفار جزاء وفاقا فأخبر النبي ﷺ أصحابه ليخرجوا إلى هذه العير فقط فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا يعني ما بين العشرة إلى العشرين يعني مائة وعشرون أو ثلاثمائة وعشرون ليس معهم سلاح ما معهم إلا سبعون بعيرا يتعاقبونها وفرسان فقط لأنهم لم يخرجوا لقتال وإنهم خرجوا للعير يأخذونها ويرجعون أبو سفيان كان رجلا محنكا ذكيا أرسل إلى أهل مكة وقال لهم أنقذوا عيركم محمد وأصحابه سيخرجون إلينا ليأخذوها ثم سلك طريق البحر بعيدا عن المدينة وقريش لما سمعت بهذا أخذتها حمية الجاهلية فاستنفروا ونفروا جميعا بكبرائهم وعظمائهم لحكمة أرادها الله فلما خرجوا ظاهر مكة جاءهم الخبر أن أبا سفيان سلم ونجا لأنه سلك طريق البحر بعيدا عن المدينة ولم يدركه الرسول وأصحابه فتشاوروا فيما بينهم قالوا مادامت العير نجت فنرجع إلى مكة وما لنا والحروب فقال كبراؤهم كأبي جهل وغيره والله ما نرجع إلى مكة أبدا حتى نصل إلى بدر وهي نقطة المفرق بين
стр. 3688
مكة والمدينة والشام ننحر الجزور ونشرب الخمور نعوذ بالله وتعزف علينا القيان فرحا وطربا وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا أعوذ بالله خرجوا كما قال الله ﴿خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾ فصمموا على أن يقابلوا الرسول ﷺ ويلتقوا في بدر كان النبي ﷺ وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وقريش تسعمائة رجلا لكن قريشا مستعدة للحرب بعتادها وقوتها والرسول ﷺ ما استعد ولكن الله جمع بينهما على غير ميعاد لينفذ ما حكم وأراد فالتقوا وفي هذا يقول الله ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا﴾ فقد رآهم الرسول ﷺ في المنام قليلا ليتشجع على لقائهم ﴿ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم﴾ سبحان الله هم يرون الصحابة قليلين والصحابة يرونهم قليلين حتى يتحفز كل واحد لمقابلة الآخر فالتقوا وحدثت معركة وقتل من أهل مكة سبعون وأسر سبعون وقتل من المسلمين سبعون رجلا سبحان الله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ المهم أنه حدثت الواقعة وقاتلوا قتالا شديدا وقتل صناديد قريش ومنهم السبعة أو الثمانية الذين ألقوا سلا الجزور على رسول الله ﷺ وهو ساجد تحت الكعبة في هذه القصة المشهورة والتي دعا فيها الرسول عليهم قائلا اللهم عليك بقريش اللهم عليكم بقريش اللهم عليك بفلان وفلان وعددهم فقتلوا في بدر ثم إن الرسول ﷺ أمر بهؤلاء الصناديد الكبراء وألقوا في قليب بئر منتنة خبيثة وبقى الرسول ﷺ منصورا مظفرا في ذلك
стр. 3689
المكان ثلاثة أيام وكان من عادته إذا قاتل قوما وانتصر عليهم أن يبقى في العرسة ثلاثة أيام..
إلى آخر ما هو مشهور عن تلك القصة المهم أن الذين قاتلوا في بدر وهم ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا هم من أفضل المسلمين أتدرون ماذا قال لهم ربهم قال ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ كل ذنب يفعله واحد من أهل بدر مهما كان عظمه فهو مغفور له لكنهم لم يكفروا وحصل هذا تطبيقا فإن أحدهم لما أراد النبي ﷺ أن يذهب إلى قريش في غزوة الفتح أرسل حاطب وهو ممن حضروا معه بدرا امرأة معها كتاب إلى قريش قال لهم إن الرسول ﷺ سيغزوكم فانتبهوا فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فأرسل رجلين أحدهما علي بن أبي طالب إلى هذه المرأة وأدركوها في روضة خاء وأمسكوا بها وقالوا لها إلى أين قالت إلى مكة وماذا معك قالت لا شيء قالوا لها إما أن تعطينا ما معك وإلا كشفنا عنك فأخرجته لهم وإذا هو كتاب من حاطب بن بلتعة ﵁ وهو ممن شهد بدرا فجاءوا به للرسول ﷺ وعرضوه عليه فدعاه قائلا ما هذا يا حاطب كيف تخون كيف ترسل إلى قريش بأخبارنا وهذا يسمى عند الناس جاسوسا اعتذر بعذر قال عمر أو غيره من الصحابة يا رسول الله أنا أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله قال ﷺ أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فوقعت هذه الفعلة القبيحة الشنيعة
стр. 3690
وقعت موقع مغفرة لماذا لأن الرجل من أهل بدر فهم ﵃ وجمعنا وإياكم معهم في جنات النعيم فالذي منع الرسول أن يقتل هذا الرجل أنه شهد بدرا وعلى هذا إذا وجدنا جاسوسا من المسلمين يخبر الكفار بأخبارنا وجب قتله حتى لو قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وجب قتله بدون استثناء لأن الرسول ﷺ لم يمنعه من قتل حاطب إلا كونه من أهل بدر وهي مزية لن تحصل إلى يوم القيامة وقد استدل العلماء ﵏ بهذا الحديث على أن الجاسوس يقتل سواء أكان مسلما أم كافرا على كل حال لأنه يفضي بأخبارنا إلى أعدائنا والله الموافق
١٨٣١ - وعن جابر ﵁ قال: كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ يعني في الخطبة فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل صوت العشار حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكن وفي رواية: فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق وفي رواية: فصاحت صياح الصبي فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال
стр. 3691
بكت على ما كانت تسمع من الذكر رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث المنثورة التي ذكرها المؤلف ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين حديث جابر وفيه آية من آيات الله وآية لرسوله ﷺ واعلم أن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر لأنه لو أرسل رسولا بدون آية تدل على أنه رسول الله ما صدقه أحد ولكان للناس عذر في رد قوله ولكن الله تعالى بحكمته ورحمته ما أرسل رسولا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر الآيات يعني العلامات التي تدل على صدقه وآيات النبي ﷺ كثيرة ومن أراد الاستزادة منها فعليه بكتابين أحدهما الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح فقد ذكر ﵀ شيخ الإسلام في هذا الكتاب في آخره من آيات النبي ﷺ الكونية والشرعية ما لم يحصل لغيره ﵀ رحمة واسعة والثاني البداية والنهاية لابن كثير ﵀ فآيات الرسول ﷺ كثيرة منها ما ذكره جابر كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جزع نخلة فلما صنعت له امرأة من الأنصار منبرا يخطب عليه فإذا بالجزع يحن حنان العشار وأحيانا يبكي بكاء الصبي لفقد النبي ﷺ الله أكبر جماد..
جزع..
يبكي لفقد الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 3692
والآن قمم عظيمة فقدت لا يبكي لها أحد أعاننا الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته نزل النبي ﷺ وجعل يسكته كما تسكت الأم صبيا وهو جماد فسكت الجزع فكان في هذا آتيان ١ _ صياح الجزع لما فقد النبي ﷺ ٢_ سكوت الجزع لما نزل النبي ﷺ يسكته ونظيرها آية وقعت لموسى ﵇ فقد آذاه بنو إسرائيل أذية عظيمة كما قال الله يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا من جملة ما قالوا فيه إنه آذر يعني كبير الخصيتين وهو عيب وكان ﷺ يستتر إذا اغتسل وكانوا هم يغتسلون عراة فقالوا إن موسى لا يستتر إلا لما فيه من عيب فأراد الله أن يريهم أنه لا عيب فيه بغير اختيار موسى نزل يغتسل مرة ووضع ثوبه على حجر فلما كان يغتسل هرب الحجر ذهب يسعى يشتد فلحقه موسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر يعني أعطني ثوبي يا حجر والحجر سائر حتى وصل إلى ملأ من بني إسرائيل فشاهدوا موسى بلا عيب والحمد لله ثم وقف الحجر فجعل موسى يضربه لأنه فعل فعل ما يفعله العاقل فاستحق أن يؤدبه بالضرب مثل ذلك ما تفعله الأمهات بأولادها الصغار إذا عثر الطفل أو ضربه شيء جعلت تضرب ما أعثره لأجل أن تسكت الصبي وتطيب خاطره المهم أن الرسول ﷺ ينزل يسكت الجزع فسكت وهذه من آيات الله والله أعلم
стр. 3693
١٨٣٢ - وعن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها حديث حسن رواه الدارقطني وغيره
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث من أحاديث الملح المنثورة التي ذكرها النووي ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها هذه ثلاث جمل بينها النبي ﷺ وبين حكمها أولا فرض الله فرائض وأعظم فرائض الله على عباده التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ففي شهادة أن لا إله إلا الله توحيد الله بالعبادة وألا يعبد أحد سواه وفي شهادة أن محمدا رسول الله توحيد النبي ﷺ بالمتابعة بحيث لا يتابع أحد سواه هذه أفرض الفرائض ثم الصلوات والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم وحسن الجوار والصدق والنصيحة ...
أشياء كثيرة فرضها الله تعالى على عباده منها فرائض عينية على كل واحد ومنها فرائض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين فالصلوات الخمس فرض عين لابد على كل مسلم أن يقوم بها والصلاة على الجنازة
стр. 3694
فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين وحد حدودا فلا تعتدوها في الفرائض قال لا تضيعوها ولكن احرصوا عليها وقوموا بها على الوجه المطلوب وحد حدودا فلا تعتدوها يعني جعل للأشياء حدا معينا فالصلوات الخمسة مثلا لها حد وهي أوقاتها الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال العصر من هذا الوقت إلى غروب الشمس والمغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هذه حدود الصوم له حد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس الحج له حد أشهر معلومات في أماكن معينة إلخ حد حدودا فلا تعتدوها يعني لا تتجاوزوها قال تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تبحثوا عنها سكت عن أشياء لم يوجبها علينا ولم يحرمها ولو شاء لأوجب علينا ما شاء وحرم ما شاء لكنه سكت عن أشياء لولا رحمته لألزمنا بها وأضرب لكم مثلا بالصلوات الخمس فأول ما فرضها الله على العباد خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم إن الله تعالى عفا وصارت خمسا في العمل خمسين في الثواب وأشياء كثيرة عفا الله عنها ولو شاء لألزمنا بها وفي قوله وسكت عن أشياء دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله يتكلم بصوت مسموع لأن السكوت ضد الكلام وهو
стр. 3695
جل وعلا يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء لا نعلم كيف يتكلم ولا متى ولا بماذا يتكلم لكن نؤمن بأنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ولهذا لا تحصى كلمات الله قال الله تعالى ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ يعني لو كانت جميع أشجار الأرض أقلاما يكتب بها ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ وقال ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾
١٨٣٣ - وعن عبد الله بن أبي أوفي ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد وفي رواية نأكل معه الجراد متفق عليه
١٨٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين متفق عليه
стр. 3696
ثم ذكر حديث عبد الله بن أوفى ﵁ قال غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد معه الجراد معروف وهو من الحلال يأكله الإنسان حيا وميتا قال النبي ﷺ أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان الجراد والحوت ولهذا لا يحتاج إلى تزكية وهو صيد فإن كان في مكة حرم على الإنسان أن يصيده وأن يطيره من مكانه ويجب على من رأى من يصيده بالحرم أن يزجره ويمنعه لأنه صيد محرم لا يجوز صيده في مكة ولا أن تطيره وغيرها من الطيور وفي هذا دليل على أن الصحابة ﵃ يستدلون بإقرار الرسول ﷺ يعني إن فعلوا شيئا وأقرهم عليه فهو حلال وهو كذلك لأن الرسول ﷺ يستطيع منعهم ولكن ما دام سكت دل ذلك على الجواز أما حديث أبي هريرة فقال النبي ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين اللدغ هو لدغ الحية المؤمن كيس فطن محترز لا يلدغ من جحر مرتين بمعنى أنه إذا حدث له شيء من أي عمل يكون فإنه لا يعود إليه لأنه يحاذر وإذا لدغ من جحر تركه وعرف أنه لا فائدة منه فالمؤمن
стр. 3697
لا يلدغ من جحر مرتين لأنه حاذر فطن كيس فدل ذلك على أن الإنسان ينبغي له أن يكون فطنا وألا يعود لشيء أصابه منه ضرر بل يكون مؤمنا لأن هذا من كمال الإيمان والله الموفق
المنثورات والملح (القسم الثاني)
١٨٣٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفي وإن لم يعطه منها لم يف متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين كلها عن أبي هريرة ﵁ أن ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ثلاثة يعني ثلاثة أصناف ليس المقصود ثلاثة رجال وإنما قد يكونون أمما عظيمة اتصفوا بهذه الأوصاف أولهم رجل على فضل ماء في فلاة يمنعه ابن السبيل يعني إنسان عنده ماء من مزرعة أو بئر أو غير ذلك في أرض فلاة خالية من السكان يمر الناس
стр. 3698
من عنده ليشربوا فيمنعهم والعياذ بالله هذا لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وما بالك بحال رجل هذا حاله لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم يوم القيامة والثاني رجل باع سلعة بعد العصر فحلف للمشتري أنه أعطى كذا وكذا وهو كاذب فاشتراها المشتري بناء على ما قاله البائع أنه صدق والأمر ليس كذلك فهذا أيضا لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وذكر النبي ﷺ العصر لأن أفضل أوقات النهار ما بعد صلاة العصر وإلا فلو حلف الإنسان على سلعة في غير هذا الوقت أيضا فإنه لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم ففي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قالها ثلاثا فقال أبو ذر من هم يا رسول الله خابوا وخسروا قال المسبل يعني الذي يسبل ثوبه ينزله على الكعب حتى يجره على الأرض والثاني المنان الذي يمن على الناس إذا أعطاهم مالا أو علمهم أو أحسن إليهم بشيء جعل يمن عليهم والعياذ بالله والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب يعني الذي يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة فدل ذلك على أن ذكر وقت العصر في حديث أبي هريرة إنما هو لشدة العذاب والوعيد وإلا فكل من حلف على سلعة وهو كاذب من أجل أن يزيد ثمنها فإنه لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم
стр. 3699
والثالث في حديث أبي هريرة رجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا إن أعطاه وفى له بالبيعة وإن لم يعطه لم يف بالبيعة هذا أيضا من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وذلك أن بيعة الإمام واجبة يجب على كل مسلم أن يكون له إمام سواء كان إماما عاما كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الخلفاء أو إماما في منطقته كما هو الحال الآن ومنذ أزمنة بعيدة من زمن الأئمة الأربعة ومن بعدهم والمسلمون متفرقون كل جهة لها إمام وكل إمام مسموع له ومطاع بإجماع المسلمين لم يقل أحد من المسلمين إنه لا تجب الطاعة إلا إذا كان الخليفة واحدا لجميع بلاد الإسلام ولا يمكن أن يقول أحد بذلك لأنه لو قيل بهذا ما بقى للمسلمين الآن إمام ولا أمير ولمات الناس كلهم ميتة جاهلية لأن الإنسان إذا مات وليس له إمام فإنه يموت ميتة جاهلية يحشر مع أهل الجهل والعياذ بالله الذين كانوا قبل الرسالات فالإمام في مكان وفي كل منطقة بحسبها
стр. 3700
فهذا الرجل بايع الإمام لكنه بايعه للدنيا لا للدين ولا لطاعة رب العالمين إن أعطاه من المال وفى وإن منعه لم يف فيكون هذا الرجل والعياذ بالله متبعا لهواه غير متبع لهداه ولا طاعة مولاه بل هو بنى بيعته على الهوى قد يقول قائل مثلا نحن لم نبايع الإمام فليس كل واحد بايعه فيقال هذه شبهة شيطانية باطلة هل الصحابة ﵃ حين بايعوا أبا بكر هل كل واحد منهم بايع حتى العجوز في بيتها واليافع في سوقه أبدا المبايعة لأهل الحل والعقد ومتى بايعوا ثبتت الولاية على كل أهل هذه البلاد شاء أم أبى ولا أظن أحدا من المسلمين بل ولا من العقلاء يقول إنه لابد أن يبايع كل إنسان ولو في جحر بيته ولو عجوزا أو شيخا كبيرا أو صبيا صغيرا ما قال أحد بهذا حتى الذين يدعون الديمقراطية في البلاد الغربية وغيرها لا يفعلون هذا وهم كاذبون حتى انتخاباتهم كلها مبنية على التزوير والكذب ولا يبالون أبدا إلا بأهوائهم فقط الدين الإسلامي متى اتفق أهل الحل والعقد على مبايعة الإمام فهو الإمام شاء الناس أم أبوا فالأمر كله لأهل الحل والعقد ولو جعل الأمر لعامة الناس حتى للصغار والكبار والعجائز والشيوخ وحتى من ليس له رأي ويحتاج أن يولى عليه ما بقى للناس إمام لأنهم لابد أن يختلفوا
стр. 3701
المهم هذه ثلاثة أشياء إذا صارت في الإنسان فإن الله لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وفي هذا الحديث دليل على ثبوت كلام الله كما هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كما شاء وبما شاء ومتى شاء لا أحد يعجزه ولا يمتنع عليه شيء إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا﴾ فقوله لا يكلمهم الله دليل على أنه يكلم غيرهم وهو كذلك وفيه أن الله ينظر نظرين الأول العام فإنه لا يخفى على نظره شيء جل وعلا يرى كل شيء والثاني الخاص وهو نظر الرحمة وهو المعنى في الحديث فإن الله لا ينظر إليهم نظر رحمة وفيه أيضا دليل على أن الله هو المزكي للعباد كما قال الله تعالى ﴿ولكن الله يزكي من يشاء﴾ فالمزكي للأمور وللأشخاص وللأعمال هو رب العالمين فاسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن زكاه ربه إنه على كل شيء قدير
стр. 3702
١٨٣٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب فيه يركب الخلق ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل متفق عليه
١٨٣٧ - وعنه قال بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال متى الساعة فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة قال ها أنا يا رسول الله قال إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة رواه البخاري
١٨٣٨ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم رواه البخاري
١٨٣٩ - وعنه ﵁ ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في
стр. 3703
الإسلام
١٨٤٠ - وعنه عن النبي ﷺ قال عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل رواهما البخاري معناها يؤسرون ويقيدون ثم يسلمون فيدخلون الجنة
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث من الملح والمنثورات وسبق الكلام عن الكثير منها فهذه أحاديث أربعة عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول بين النفختين أربعون يعني النفخ في الصور والصور موكل به ملك من الملائكة يسمى إسرافيل هذا الصور ينفخ فيه أول مرة فيفزع الناس لهوله وشدته ثم يصعقون كلهم أي يموتون كما قال الله تعالى ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين وقال تعالى ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ فالنفخة الأولى يكون بها الفرع والصعق يعني الموت والفناء والنفخة الثانية يكون فيها القيام ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ قيام من قبورهم ينظرون ماذا حدث وذلك أن الله تعالى يرسل عليهم قبل ذلك مطرا غليظا كمني الرجال ثم ينبتون في قبورهم كما ينبت حمى السيل يعني حبة
стр. 3704
تنبت في الأرض ثم تخرج وهم كذلك ينبتون ثم ينفخ في الصور النفخة الثانية فيخرج من هذا الصور كل نفوس العالم بإذن الله وتذهب كل نفس إلى جسدها الذي كانت تعمره في الدنيا لا تخطئه..
سبحان الله بينهما أربعون قيل لأبي هريرة أربعون يوما قال أبيت يعني لا يدري قالوا أربعون سنة قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قال النبي ﷺ بينهما أربعون فنقول كما قال الرسول ﷺ والله أعلم المهم أن هذا هو النفخ في الصور ثم يقوم الناس إلى يوم الحساب لرب العالمين فيحاسبهم كل يحاسب بذنبه وحسابه دائر ما بين الفضل والعدل لا ظلم فيه لأن المحاسبة إما ظلم أو عدل أو فضل وحسابه دائر ما بين الفضل والعدل قال الله ﴿فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعلمون﴾ أما الحديث الثاني حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ قال متى الساعة وكان النبي ﷺ يتحدث إلى أصحابه فمضى في حديثه لم يحب أن يقطعه ﷺ وكأنه والله أعلم حديث متواصل فقال قوم سمع ما قال فكرهه والإنسان إذا كره سؤال السائل فلا حرج عليه ألا يجيبه حتى ولو سمعه لأنه قد يكون السائل ليس عنده حكمة فيسأل سؤالا غير مناسب فللمجيب أن يدعه ولا يجيب وقال آخرون لعله لم يسمعه فلما قضى النبي ﷺ حديثه قال أين السائل قال أنا يا رسول الله
стр. 3705
قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة يعني إذا فسد الناس وكانت الأمور تسند إلى غير أهلها الفتوى تسند للجاهل والإمارة تسند للسفيه والإدارة تسند لمن لا علم عنده بالإدارة ...
وهكذا والخلاصة أنه إذا فسد الناس فانتظر الساعة لأن الساعة تقوم على شرار الخلق ففي هذا التحذير من تضييع الأمانة وأنه يجب أن يولي المناصب الأهل فالأهل لأن هذا مقتضى الأمانة أما الحديث الثالث فهو أن النبي ﷺ أخبر أن هناك أئمة يعني أمراء يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم وهذا وإن كان في الأمراء يشمل أيضا أئمة المساجد يصلون لكم فإن أحسنوا في الصلاة وأتوا بها على ما ينبغي فذلك لكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم يعني ليس عليكم أنتم من إساءتهم من شيء وفي هذا إشارة إلى أنه يجب الصبر على ولاة الأمر وإن أساءوا في الصلاة وإن لم يصلوها على وقتها فإن الواجب ألا نشذ عنهم وأن نؤخر الصلاة كما يؤخرون وحينئذ يكون تأخيرنا للصلاة عن أول وقتها يكون تأخيرا بعذر لأجل موافقة الجماعة وعدم الشذوذ ويكون بالنسبة لنا كأننا صلينا في أول الوقت وفي هذا إشارة إلى أن الشذوذ عن الناس وعن ولاة الأمور والبعد عنهم وإثارة الناس عليهم ونشر مساوئهم كل هذا مجانب للدين الإسلامي فالدين
стр. 3706
يأمر بالخير والعدل وينهى عن الشر والفساد حتى إن الله قال ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء﴾ إذا ذكرت سيئة فاذكر الحسنة أما أن تسعد بذكر السيئات وتجحد الحسنات فهذا جور وظلم والله لا يحب الظلم ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ أي لا يحملكم بغض قوم على عدم العدل بل اعدلوا هو أقرب للتقوى فهؤلاء الذين يصلون ويؤخرون الصلاة عن وقتها نصلي معهم ويكون لنا الأجر وإن كان التأخير فيه وزر فعلى المؤخرين أما الحديث الرابع لأبي هريرة عجب الله لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل وفسره المؤلف ﵀ بأنهم قوم من الكفار يؤسرون ثم يسلمون فيكون هذا الأسر سببا في إسلامهم ودخولهم الجنة والله الموفق
١٨٤١ - وعنه عن النبي ﷺ قال أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها رواه مسلم
١٨٤٢ - وعن سلمان الفارسي ﵁ من قوله: قال لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته..
رواه مسلم هكذا
стр. 3707
ورواه البرقاني في صحيحه عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فيها باض الشيطان وفرخ
١٨٤٣ - وعن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال قلت: لرسول الله ﷺ يا رسول الله غفر الله لك قال ولك قال عاصم فقلت له استغفر لك رسول الله ﷺ قال نعم ولك ثم تلا هذه الآية ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ رواه مسلم
١٨٤٤ - وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث من الأحاديث المنثورة التي ذكرها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين منها حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال أحب البقاع إلى الله مساجدها وأبغض البقاع إلى الله أسواقها أو قال البلاد فالمساجد مساجد الله ولهذا أضافها الله إلى نفسه فقال ومن أظلم ممن منع
стр. 3708
مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وقال تعالى ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإتياء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ فالمساجد أحب البقاع إلى الله لأنها محل ذكره وعبادته وقراءة شرعه وغير ذلك من مصالح الدنيا والدين ولهذا كان بذل المال فيها من أفضل أنواع البذل والبذل فيها من الصدقة الجارية وهي أفضل من أن يجعل الإنسان ماله في أضحية أو عشاء أو ما أشبه ذلك فإذا جعل ماله في بناء المساجد وعمارتها كان ذلك أفضل لأن المساجد صدقة جارية باقية عامة كل المسلمين ينتفعون بها المصلون والدارسون والمتعلمون والمعلمون والذين آواهم البرد أو الحر إلى المساجد إلى غير ذلك أما الأسواق فإنما مأوى الشياطين فيها باض الشيطان وفرخ والعياذ بالله ونصب رايته وخيمته لأن أسواق البيع والشراء الغالب فيها إلا ما شاء الله الكذب والغش والخيانة والحلف وما أشبه ذلك فلهذا كانت أبغض البلاد إلى الله وفي هذا الحديث إثبات الحب والبغض لله أي أن الله يحب ويبغض ومن أصول أهل السنة والجماعة أننا نؤمن بذلك ونقول إن الله تعالى يحب ويبغض وهو موصوف بصفات الكمال وأنه لا يحب إلا ما فيه الخير والصلاح ولا يبغض إلا الشر والخبائث وينبغي أيضا كما جاء في حديث سلمان ألا يكون أول من يدخلها ولا آخر من يخرج منها لأنها أبغض البلاد إلى الله ويحصل فيها اختلاط بين الرجال والنساء والنظرات المحرمة والكلام المحرم وما أشبه ذلك
стр. 3709
أما حديث عبد الله بن سرجس ﵁ فهو أنه سأل النبي ﷺ أن يستغفر له فأجابه النبي ﷺ قال استغفر لي يا رسول الله فأجابه وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ ليس كغيره أي يسأل منه الدعاء أن إنسانا يقول له يا رسول الله استغفر لي وهذا في حياته أما بعد موته فلا يجوز فمن سأل الرسول أن يستغفر له بعد وفاته فهو مشرك كافر أما في حياته فلا بأس وقد أمر الله نبيه أن ﴿يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات﴾ فقال واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والمغفرة هي أن الله تعالى يستر العبد ولا يطلع الناس على ذنبه ويعفو عنه ويتجاوز عنه لأنها مأخوذة من الستر والوقاية وهو المغفرة
١٨٤٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث من الأحاديث المنثورة التي ذكرها النووي ﵀ في آخر كتابه رياض الصالحين منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال أول ما يقض بين الناس يوم القيامة في الدماء وذلك أن الله تعالى يفصل يوم القيامة بين العباد ويحكم بينهم أما فيما بينهم وبين الله فحكمه دائر بين العدل والفضل إما أن
стр. 3710
يجازي بالعدل وإما بالفضل وأما فيما بين الناس بعضهم مع بعض فيجازي بالعدل فكل إنسان منهم يعطى حقه بدون نقص ولا زيادة فأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة فإن كان أحسنها فقد أفلح وأنجح وإن كان قد ضيعها فهو لما سواها أضيع لأن من ضيع الصلاة فلا آمر له بالمعروف ولا ناهي له عن المنكر كما قال تعالى اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أما فيما بين العباد فأول ما يقضي بينهم في الدماء القتل ثم الأموال والأعراض والقتل تارة يكون بحق وتارة يكون بغير حق والمقصود بذلك القتل بغير حق فهذا هو أول ما يقض فيه بين الناس يوم القيامة وفي هذا الحديث إثبات القضاء يوم القيامة وأنه حق وأنه لابد أن يعطي كل مظلوم مظلمته لكن هاهنا مسألة وهي يأتي إنسان إلى شخص يكون قد ظلمه بغيبة أو قذف أو ما أشبه ذلك ثم يطلب منه السماح بعد أن تاب إلى الله وندم فيقول لصاحب الحق اسمح لي أنا مذنب وأنا الآن أستغفر الله وأتوب إليه فاسمح لي ويعتذر ولكن صاحب الحق لا يقبل فهنا نقول إذا علم الله من العبد صحة التوبة فإن الله تعالى يتحمل عنه حق هذا الآدمي الذي أبى أن يسامحه ومثل ذلك أيضا المال لو أن إنسانا كان بينك وبينه مشاجرة وجحدت ماله
стр. 3711
وكان في ذمتك له مال لكنك جحدته ثم بعد ذلك تبت إلى الله وأقررت به وذهبت إليه وقلت يا فلان أنا جحدتك حقك في الأول والآن أنا تائب إلى الله ونادم خذ مالك ولكنه قال بيني وبينك يوم القيامة فهنا نقول إذا علم الله من نيتك أنك صادق في التوبة فإن الله يتحمل عنك الإثم يعني يرضي صاحبك لكن تصدق بهذا المال عنه حتى تبرأ ذمتك منه فمثلا إذا كان حقه مائة ريال ثم جئت إليه بعد أن ندمت واستغفرت وقلت له خذ هذه الدراهم مائة ريال قال لا أريدها من عملك الصالح يوم القيامة وأبى فحينئذ نقول إذا علم الله من نيتك أنك صادق فإنك لا تأثم ويزول عنك الإثم لكن هذه المائة تصدق بها عن صاحبك تخلصا منها
١٨٤٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه مسلم
١٨٤٧ - وعنها ﵂ قالت: كان خلق نبي الله ﷺ القرآن رواه مسلم في جملة حديث طويل
стр. 3712
١٨٤٨ - وعنها قالت قال رسول الله ﷺ من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقلت يا رسول الله أكراهية الموت فكلنا نكره الموت قال ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه رواه مسلم
أما الحديث الثاني فحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أخبر عن بدء الخلق فذكر ﷺ أن الملائكة خلقوا من النور ولذلك كانوا كلهم خيرا لا يعصون الله ولا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون فالملائكة خلقوا من نور أما الشياطين الجن فقال إنهم خلقوا من نار وفي هذا دليل على أن الجن هم ذرية الشيطان الأكبر الذي أبى أن يسجد لآدم وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فالجن كلهم مخلوقون من النار ولهذا كثير منهم الطيش والعبث والعدوان على كل من يستطيعون العدوان عليه لكن اقرأ آية الكرسي في ليلك فلا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك الشيطان حتى تصبح وخلق آدم مما ذكر لكم يعني خلق من طين من تراب من
стр. 3713
صلصال كالفخار لأن التراب صار طينا ثم صار فخارا فخلق منه آدم ﵊ ولهذا قال الله تعالى ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وحديثها الثاني ﵂ قالت كان خلق النبي ﷺ القرآن يعني أنه يتخلق بأخلاق القرآن ما أمر به القرآن قام به وما نهى عنه القرآن اجتنبه سواء كان ذلك في عبادات الله أو في معاملة عباد الله فخلق النبي ﷺ القرآن وفي هذا إشارة من أم المؤمنين عائشة ﵂ أننا إذا أردنا أن نتخلق بأخلاق الرسول ﷺ فعلينا أن نتخلق بالقرآن لأن هذا هو أخلاق النبي ﷺ حديثها الثالث ﵂ أن النبي ﷺ قال من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة ﵂ أكراهية الموت يا رسول الله فكلنا يكره الموت قال ليس كذلك فأخبر النبي ﷺ أن الإنسان إذا أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وذلك أن المؤمن يؤمن بما أعد الله للمؤمنين في الجنة من الثواب الجزيل والعطاء العميم الواسع فيحب ذلك وترخص عليه الدنيا ولا يهتم بها لأنه سوف ينتقل إلى خير منها فحينئذ يحب لقاء الله ولاسيما عند الموت إذا بشر بالرضوان والرحمة فإنه يحب لقاء الله ويتشوق إليه فيحب الله لقاءه أما الكافر والعياذ بالله فإنه إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه ولهذا جاء في حديث المحتضر أن نفس الكافر إذا بشرت بالغضب والسخط تفرقت في جسده وأبت أن تخرج ولهذا تنزع النفس
стр. 3714
روح الكافر من جسده كما ينزع الشعر من السفود المبلول بمعنى أنه يكره على أن تخرج روحه وذلك لأنه يبشر والعياذ بالله بالشر ولهذا قال الله تعالى ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ فهم شحيحون بأنفسهم والعياذ بالله لا يريدون أن تخرج ولكن الملائكة تقول أخرجوا أنفسكم فإذا بشرت تفرقت في الجسد فينتزعها الملائكة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول والعياذ بالله حتى تخرج المهم أن المؤمن يحب لقاء الله لأنه يحب الله يحب ثوابه يحب جنته يحب النعيم فهو يحب لقاء الله ولاسيما عند الموت فيحب الله لقاءه اللهم اجعلنا ممن يحب لقاءك يا رب العالمين وأحسن لنا الختام إنك على كل شيء قدير
١٨٤٩ - وعن أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂ قالت كان النبي ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني فمر رجلان من الأنصار ﵄ فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال ﷺ على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن
стр. 3715
يقذف في قلوبكما شرا أو قال شيئا متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان ذكرهما المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين الأول حديث صفية بنت حيي ﵂ أم المؤمنين كان النبي ﷺ معتكفا في المسجد في رمضان ولا اعتكاف إلا في رمضان لأن النبي ﷺ لم يعتكف في غير رمضان إلا سنة واحدة فاتته العشر في رمضان فقضاها في شوال وما عدا ذلك فلم يشرع لأمته ﷺ أن يعتكفوا في غير رمضان وإنما كان الاعتكاف من أجل تحرى ليلة القدر فقد كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأول من رمضان رجاء ليلة القدر ثم الأوسط ثم قيل له إنها في العشر الأواخر فواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر وأما حديث عمر أنه سأل النبي ﷺ أنه نذر أي عمر أن يعتكف ليلة أو ليلتين في المسجد الحرام فقال أوف بنذرك فهذا لا يدل على أن الاعتكاف مشروع وإنما يدل على وفاء النذر بالاعتكاف وأنه ليس بمعصية لو أوفى بنذره فيه لكن السنة أن الاعتكاف يكون في رمضان فقط وفي العشر الأواخر منه فقط اعتكف ﷺ في العشر الأواخر والاعتكاف هو لزوم المسجد في طاعة الله ليتفرغ الإنسان للعبادة وليس لغير ذلك
следующие страницы →