Полный текст (3 784 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ليس أهلا لها فان ذمته تبرا، وهذه من نعمة الله. يعني لو أعطيت زكاتك شخصا ثم تبين لك انه ليس من أهل الزكاة رغم انك اجتهدت فلا شئ عليك، وزكاتك مقبولة. السابع قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: من الآية٦٠) : والجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هكذا حدده النبي صلي الله عليه وسلم حينما سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليري مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) ، وهذه كلمة جامعة مانعة. وقد تقدم الكلام علي هذا. تنبيه: يجوز قتل المسلم الظالم في الحرب وان كان مسلما. فإذا قال قائل: وان كان مكرها؟ الجواب: أن شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ قال: إذا قاتل المسلمون مع التتار فانهم يقاتلون وان كانوا مسلمين، ولو كانوا مكرهين. فان كانوا صادقين بأنهم مكرهون فان لهم اجر الشهيد، لانهم قتلوا ظلما من الذي اكرههم، لان الظلم علي الذي اكرههم. وان كانوا غير صادقين، بل هم مختارون طائعون،
فهذا ما أصابهم
стр. 422
وهم الذين جروه علي أنفسهم. وقد قال: _ رحمه الله_ في تعليل ذلك: انه لا يعلم المكره من غير المكره، لان ذلك محلة القلب، فالاختيار والكراهة محلها القلب، فلا يعلم المطره من غيره، فيقتل المكره دفاعا عن الحق وحسابه علي الله. نعم، لو فرض انه اسر وهو مسلم حقيقة فانه لا يجوز قتله، أما في ميدان القتال فانه يقتل. وقد ذكرها ﵀ في الفتاوى في كتاب الجهاد ج ص (٥٤٤_٥٥٣) . وقوله : (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: من الآية٦٠) يشمل إعطاء الزكاة للمجاهدين أنفسهم، وشراء الأسلحة لهم. فشراء الأسلحة من الزكاة جائز من اجل الجهاد في سبيل الله. قال أهل العلم: ومن ذلك: أن يتفرغ شخص لطلب العلم وهو قادر علي التكسب، لكنه تفرغ من اجل أن يطلب العلم، فانه يعطي من الزكاة مقدار حاجته، لان طلب العلم جهاد في سبيل الله. أما من تفرغ للعبادة فلا يعطي من الزكاة، بل يقال اكتسب. وبهذا عرفنا شرف العلم علي العبادة. فلو جاء رجلان أحدهما دين طيب ويقول: أنا أستطيع أن أتكسب لكن احب أن أتفرغ للعبادة من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القران فأعطوني من الزكاة واكفوني العمل! نقول: لا نعطيك بل اكتسب. وجاء
رجل آخر قال: أنا أريد أن أتفرغ لطلب العلم وأنا قادر علي التكسب، لكن أن ذهبت أتكسب لم اطلب العلم فأعطوني ما يكفيني من
стр. 423
اجل أن أتفرغ لطلب العلم، قلنا: نعطيك ما يكفيك لطلب العلم، وهذا دليل علي شرف العلم وطلبه. الثامن: (ابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة: من الآية٦٠) : وهو الصنف الثامن من أصناف أهل الزكاة. وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فلم يكن معه ما يوصله إلى بلده. وليس هذا من باب الفقراء والمساكين، لأنه غني في بلده، لكن قصرت به النفقة في أثناء السفر، فيعطي ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيا. وسمي ابن سبيل لمصاحبته للسفر، كما يقال ابن الماء في طير الماء الذي يألف الماء فيقع عليه. هؤلاء ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرهم، فلا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المدارس، ولا غيرها طرق الخير، لان الله ذكر هذه الأصناف بصيغة محصورة فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) (التوبة: من الآية٦٠) و (إِنَّمَا) (التوبة: من الآية٦٠) تفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في الذكور ونفيه عما سواه، ولو قلنا بجواز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير لفاتت فائدة الحصر، ولكن بناء
المساجد وإصلاح الطرق وبناء المدارس وما أشبهها تفعل من طرق أخرى، من طرق البر والصدقات والتبرعات. هذا هو الركن الثالث من أركان الإسلام الذي ذكره النبي صلي الله عليه وسلم لجبريل_ عليه الصلاة والسلام_ في حديثه الطويل!
стр. 424
أما الرابع فقد قال: ((وصوم رمضان)) : ورمضان شهر بين شعبان وشوال، وسمي رمضان بهذا الاسم، قيل: لأنه عند أول تسمية الشهور صلدف انه كان في شدة الرمضاء والحر فسمي رمضان. وقيل: لأنه تطفا به حرارة الذنوب، لان الذنوب حارة: و ((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) والمهم أن هذا الشهر معلوم للمسلمين، ذكره الله_ سبحانه وتعالى_ باسمه في كتابه فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة: من الآية١٨٥) ، ولم يذكر الله اسما لشهر من الشهور سوي هذا الشهر. وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ولكنه لا يجب إلا علي من تمت فيه الشروط الآتية. أن يكون مسلما، وان يكمن بالغا، وعاقلا، قادرا، مقيما، سالما من الموانع. هذه ستة شروط. _ فان كان صغيرا لم يجب عليه الصوم، أن كان مجنونا لم يجب عليه الصوم، أن كان كافرا لم يجب عليه الصوم، أن كان
عاجزا فعلي قسمين:
أ_ أن كان عجزه يرجي زواله كالمرض الطارئ افطر، ثم قضي أياما بعدد ما فطر
стр. 425
ب_ وان كان عجزا لا يرجي زواله كالكبر والأمراض التي لا يرجي برؤها فانه يطعم عن كل يوم مسكينا. _ و ((مقيما)) ضده المسافر، فالمسافر ليس عليه صوم، ولكنه يقضي من أيام آخر. ((سالما من الموانع)) احترازا من الحائض والنفساء، فانهما لا يجب عليهما الصوم، بل ولا يجوز أن تصوما، ولكنهما تقضيان. وصوم رمضان يكمن بعدد أيامه، أما تسعة وعشرين، وأما ثلاثين حسب رؤية الهلال، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتماه فافطروا، فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين)) ) عدة شعبان أن كان في أول الشهر، وعدة رمضان أن كان في آخر الشهر. الركن الخامس: ((حج البيت)) وهو بيت الله سبحانه وتعالى_ أي: قصده لأداء المناسك التي بينها الله سبحانه في كتابه وعلي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم. فحج البيت أحد أركان الإسلام، ومن حج البيت العمرة، فان النبي صلي الله عليه وسلم سماها حجا اصغر. ولكن له شروط، منها البلوغ، والعقل،
стр. 426
والإسلام، والحرية، والاستطاعة، خمسة شروط! فإذا اختل شرط واحد منها فانه لا يجب. ولكن العجز عن الحج أن كان بالمال فانه لا يجب عليه، لا بنفسه ولا بنائبه. وان كان بالبدن: فان كان عجزا
يرجي زواله انتظر حتى يعافيه الله ويزول المانع، وان كان لا يرجي زواله كالكبر، فانه يلزمه أن ينيب عنه من يأتي بالحج، لان امرأة سالت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: ((أن أبي أدركته فريضة الله علي عباده شيخا لا يثبت علي الراحة، أف أحج عنه)) قال: ((نعم)) . فاقرها النبي ﷺ . على إنها سمت هذا فريضة مع انه لا يستطيع، لكنه قادر بماله، فقال النبي ﵊: ((حجي عنه)) ! هذه خمسة أركان هي أركان الإسلام: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فقال جبريل للنبي ﷺ لما اخبره بذلك، قال له: ((صدقت)) . قال عمر: ((فعجبنا له يسأله ويصدقه لان الذي صدق الشخص بقوله يعني أن عنده علما من ذلك. فعجبنا كيف يسأله ثم يقول صدقت. والسائل إذا
стр. 427
أجيب يقول فهمت، لا يقول صدقت، لكن جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ عنده علم من هذا، ولهذا قال: ((صدقت)) . وقوله: ((اخبرني عن الإيمان)) الإيمان محله القلب، الإسلام محله الجوارح ولهذا نقول: الإسلام عمل ظاهري والإيمان أمر باطني، فهو في القلب.
فالإيمان: هو اعتقاد الإنسان للشيء اعتقادا جازما به لا يتطرق إليه الشك ولا الاحتمال، بل يؤمن به كما يؤمن بالشمس في رابعة النهار لا يمطرى فيه، فهو إقرار جازم لا يلحقه شك بموجب لقبول ما جاء في شرع الله، والإذعان له إذعانا تاما. فقال له: ((الإيمان أن تؤمن بالله) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة: من الآية١٨٥) ، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)) هذه ستة أركان هي أركان الإيمان: قوله: ((أن تؤمن بالله)) : أي: تؤمن بان الله سبحانه موجود، حي، عليم، قادر، انه رب العالمين، لا رب سواه، وأن له الملك المطلق، وله الحمد المطلق، وإليه يرجع الأمر كله، وانه سبحانه هو المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، ، وانه هو الذي عليه التكلان، ومنه النصر والتوفيق، وانه متصف بكل صفات الكمال على وجه لا يماثل صفات المخلوقين، لأنه : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: من الآية١١) إذا تؤمن بوجود الله، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا بد
стр. 428
من هذا، فمن أنكر وجود الله فهو كافر، - العياذة بالله-
مخلد في النار، ومن تردد في ذلك أو شك فهو كافر، لأنه لا بد في الإيمان من الجزم بان الله حي، عليم، قادر، موجود. ومن شك في ربو بيته فانه كافر. ومن أشرك معه أحد في ربو بيته فهو كافر، ومن قال أن الأولياء يدبرون الكون ولهم تصرف في الكون ودعاهم واستغاث بهم وانتصر بهم فانه كافر والعياذ بالله، لأنه لم يؤمن بالله. ومن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر، لأنه لم يؤمن بانفراده بالألوهية. فمن سجد للشمس أو القمر، أو للشجر، أو للنهر، أو للبحر، أو للجبال، أو للملك، أو لنبي من الأنبياء، أو لولي من الأولياء، فهو كافرا كفرا مخرجا عن الملة، لأنه أشرك بالله معه غيره. وكذلك من أنكر على وجه التكذيب شيئا مما وصف الله به نفسه فانه كافر، لأنه مكذب لله تعالى ورسوله ﷺ . فإذا أنكر صفة من صفات الله على وجه التكذيب فهو كافر، لتكذيبه لما جاء في الكتاب والسنة. فإذا قال مثلا: أن الله لم يستو على العرش ولا ينزل إلى السماء الدنيا فهو كافر. وإذا أنكرها على وجه التأويل فانه ينظر: هل تأويله سائغ يمكن أن يكون محل للاجتهاد أو لا، فان كان سائغا فانه لا يكفر، لكنه يفسق، لخروجه عن منهج
أهل السنة والجماعة. وأما إذا كان ليس له مسوغ، فان إنكار التأويل الذي لا مسوغ له
стр. 429
كإنكار التكذيب، فيكون أيضا كافرا- والعياذ بالله-. وإذا آمنت بالله على الوجه الصحيح، فانك سوف تقوم بطاعته ممتثلا أمره مجتنبا نهيه، لان الذي يؤمن بالله علي الوجه الصحيح، لابد أن يقع في قلبه تعظيم الله علي الإطلاق، ولابد أن يقع في قلبه محبة الله علي الإطلاق، فإذا احب الله حبا مطلقا لا يساوي أي حب، وإذا عظم تعظيما مطلقا لا يساويه أي تعظيم، فانه بذلك يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهي الله عنه. كذلك يجب عليك_ من جملة الإيمان بالله_ أن تؤمن بان الله فوق كل شئ، علي عرشه استوي، والعرش فوق المخلوقات كلها، وهو اعظم المخلوقات التي نعلمها، لأنه جاء في الأثر: ((أن السماوات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض)) السماوات السبع علي سعتها والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة بالنسبة للأرض. الق حلقة من حلق المغفر في فلاة من الأرض وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون؟ لا شئ! وهذه الحلقة بالنسبة للفلاة؟ ليست بشيء. وفي بقية الأثر: ((وان فضل العرش علي الكرسي كفضل الفلاة علي هذه
الحلقة)) . إذا الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فانظر
стр. 430
إلى عظم هذا العرش، ولهذا وصفه الله بالعظيم، كما قال: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (التوبة: من الآية١٢٩) ، وقال: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (البروج: ١٥) ، فوصفه الله بالمجد والعظمة، وكذلك بالكرم. فهذا العرش استوي الله تعالى فوقه، فالله فوق العرش، والعرش فوق جميع المخلوقات، والكرسي_ وهو صغير بالنسبة للعرش_ وسع السماوات والأرض، كما قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ) (البقرة: من الآية٢٥٥) ، فيجب عليك أن تؤمن بان الله تعالى فوق كل شئ، وان جميع الأشياء ليست بالنسبة إلى الله شيئا، فالله تعالى اعظم واجل من أن يحيط به العقل أو الفكر، بل حتى البصر إذا راء الله_ والله يراه المؤمنون في الجنة_ لا يمكن أن يدركوه أو يحيطوا به، كما قال الله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (الأنعام: من الآية١٠٣) ، فشان الله اعظم شان واجل شان، فلا بد أن تؤمن بالله_ سبحانه وتعالى_ علي هذا الوجه العظيم حتى يوجب لك أن تعبده حق عبادته. ومن الإيمان بالله: أن تؤمن بان الله تعالى قد أحط بكل شي علما،
وانه يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير، وجليل ودقيق (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) . وك١لك تؤمن بان الله تعالى علي كل شئ قدير، وانه إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون، مهما كان هذا الأمر. وانظر إلى بعث الناس وخلق الناس، الناس ملايين لا يحصيهم إلا الله_ عز وجل_ وقد قال الله
стр. 431
تعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان: من الآية٢٨) ، كل الخلائق خلقهم وبعثهم كنفس واحدة. وقال الله في البعث: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) (النازعات: ١٤، ١٣) ، وتري شيئا من آيات الله في حياتك اليومية، فان الإنسان إذا نام فقد توفاه الله، كما قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) (الأنعام: من الآية٦٠) ، لكنها ليست وفاة تامة تفارق فيه الروح الجسد مفارقة تامة، لكن مفارقة لها نوع اتصال بالبدن، ثم يبعث الله النائم من نومه فيحس بأنه قد حي حياة جديدة، وكان اثر هذا يظهر قبل أن توجد هذه الأنوار الكهربائية، لما كان الناس إذا
غشيهم الليل أحسوا بالظلمة وأحسوا بالوحشة وأحسوا بالسكون، فإذا انبلج الصبح أحسوا بالأسفار، والنور والانشراح، فيجدون لذة لأدبار الليل وإقبال النهار. أما اليوم فقد أصبحت الليالي كأنها النهار، فلا نجد اللذة التي كنا نجدها من قبل، ولكن مع ذلك يحس الإنسان بأنه إذا استيقظ من نومه فكأنما استيقظ إلى حياة جديدة، وهذه من رحمة الله وحكمته. وكذلك نؤمن بان الله سميع بصير، يسمع كل ما نقول وان كان خفيا، قال الله ﵎: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠) ، وقال الله : (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه: من الآية٧) ، أي: اخفي من السر، وهو ما يكنه الإنسان في نفسه، كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) (قّ: من الآية١٦) ، أي: ما تحدث به
стр. 432
نفسه يعلمه الله وان كان لم يظهر للعباد. وهو_ عز وجل_ بصير، يبصر دبيب النمل الأسود علي الصخرة السوداء في ظلمة الليل، لا يخفي عليه. فإذا آمنت بعلم الله، وقدرته، وسمعه، وبصره، أوجب لك ذلك تراعي ربك_ عز وجل_ وان لا تسمعه إلا ما يرضي
به، وان لا تفعل إلا ما يرضي به، لأنك إن تكلمت سمعك، وان فعلت أراك الله، فأنت تخشى ربك، وتخاف من ربك إن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وكذلك تخشى من ربك إن تسمعه ما لا يرضاه، وان تسكت عما أمرك به، كذلك إذا آمنت بتمام قدرة الله فانك تسأله كل ما تريده مما لا يكون فيه اعتداء في الدعاء. ولا تقل إن هذا بعيد، وان هذا شي لا يمكن! كل شي ممكن علي قدرة الله. فها هو موسى_ عليه الصلاة والسلام_ لما وصل إلى البحر الأحمر هاربا من فرعون وقومه، أمره الله إن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفلق اثني عشر طريقا، كان الماء بين هذه الطرق كالجبال. وفي لحظة يبس البحر وصار يمشون عليه كأنما يمشون علي صحراء لم يصبها الماء أبدا بقدرة الله . ويذكر إن سعد بن أبي وقاص_ رضي الله عنه_ لما كان يفتح بلاد فارس ووصل إلى دجلة_ النهر المعروف في العراق_ عبر الفرس النهر مشرقين وكسروا الجسور واغرقوا السفن لئلا يعبر إليهم المسلمون، فاستشار_ رضي الله عنه_ الصحابة، وفي النهاية قرروا إن يعبروا النهر، فعبروا النهر
стр. 433
يمشون علي سطح الماء بخيلهم وابلهم ورجلهم لم يمسهم سوء! فمن الذي امسك هذا النهر حتى صار كالصفاء، كالحجر يسير
عليه الجند من غير إن يغرقوا؟ انه هو الله_ عز وجل_ الذي علي كل شئ قدير. وكذلك جري للعلاء بن الحضرمي _ رضي الله عنه_ حينما غزا البحرين واعترض لهم البحر، دعا الله_ سبحانه وتعالى_ فعبروا علي سطح الماء من غير أن يمسهم سوء. وآيات الله كثيرة، فكل ما اخبره الله به في كتابه أو اخبر به رسوله_ عليه الصلاة والسلام_ أو شاهده الناس من خوارق العادات فان الإيمان به من الإيمان بالله، لأنه إيمان بقدرة الله . ومن الإيمان بالله_ سبحانه وتعالى_ إن تعلم انه يراك، فان لم تكن تراه فانه يراك، إن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك. وهذه مسالة يغفل عنها كثير من الناس، تجده يتعبد لله وكان العبادة أمر عادي يفعله علي سبيل العادة، لا يفعلها كأنه يشاهد ربه ، وهذا نقص في الإيمان ونقص في العمل. ومن الإيمان بالله: إن تؤمن بان الحكم لله العلي الكبير! الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله_ سبحانه وتعالى_وبيده كل شئ، كما قال الله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: ٢٦) . فكم من ملك سلب ملكه بين عشية وضحاها، وكم من إنسان عادي
стр. 434
صار ملكا بين عشية وضحاها، لان الأمر بيد الله. وكم من إنسان عزيز يري انه غالب لكل أحد، فيكون أذل عباد الله بين عشية وضحاها! وما من إنسان ذليل يكون عزيزا بين عشية وضحاها، لان الملك والحكم لله . وكذلك الحكم الشرعي لله، ليس لاحد، فالله تعالي هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق له الفصل في ذلك. فالإيجاب والتحليل والتحريم لله، ولهذا نهي الله عباده إن يصفوا شيئا بالحلال والحرام بدون إذن، فقال الله ﵎: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النحل: ١١٧، ١١٦) . فالحاصل إن الإيمان بالله بابه واسع جدا، ولو ذهب الإنسان يتكلم عليه لبقي أياما كثيرة، ولكن الإشارة تغني عن طويل العبارة. وقوله صلي الله عليه وسلم: ((وملائكته)) : والملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم
الله_ سبحانه وتعالى_ من نور، وجعل لهم أعمالا خاصة، كل منهم يعمل بما أمره الله به، وقد قال الله في ملائكة النار: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: من الآية٦) ، فهم ليس عندهم استكبار عن الأمر ولا عجز عنه، يفعلون ما أمروا به ويقدرون عليه، بخلاف البشر، فالبشر قد يستكبرون عن الأمر، وقد يعجزون عنه، أما الملائكة فخلقوا لتنفيذ أمر الله، سواء في العبادات المتعلقة بهم أو في مصالح الخلق.
стр. 435
فمثلا جبريل عليه الصلاة والسلام_ اشرف الملائكة_ موكل بالوحي، ينزل به من الله علي رسله وأنبيائه، فهو موكل بإشراف شئ ينتفع به الخلق والعباد، وهو ذو قوة، أمين مطاع بين الملائكة، ولهذا كان اشرف الملائكة. كما إن محمد صلي الله عليه وسلم اشرف الرسل قال الله : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (لنجم: ٦، ٥) ، يعني علم النبي صلي الله عليه وسلم القران (شَدِيدُ الْقُوَى) أي ذو القوة الشديدة وهو جبريل، (ذُو مِرَّةٍ) أي ذو هيئة حسنة (فَاسْتَوَى) أي: كمل وعلا) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) . وقال : (إِنَّهُ
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) أي: جبريل) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير: ٢١، ٢٠) ومن هؤلاء أيضا من وكلوا بمصالح الخلق من جهة أخرى في حياة الأرض والنبات، مثل ميكائيل_ عليه الصلاة والسلام_ فان ميكائيل موكل بالقطر_ المطر_ والنبات، وفيهما حياة الأبدان، حياة الناس وحياة البهائم. فالأول جبريل موكل بما فيه حياة القلوب وهو الحي وميكائيل موكل بما فيه حياة الأبدان وهو القطر والنبات. ومنهم اسرافيل_ عليه الصلاة والسلام_ وهو أحد حملة العرش العظام، وهو موكل بالنفخ في الصور، وهو قرن عظيم دائرته ما بين السماء والأرض، ينفخ فيه اسرافيل. فان سمعه الناس سمعوا صوتا لا عهد لكم به، صوتا مزعجا، فيفزعون ثم يصقعون، أي يموتون من شدة هذا الصوت، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ
стр. 436
أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: من الآية٦٨) ، تتطاير الأرواح من هذا القرن، من هذا الصور، ثم ترجع كل روح إلى بدنها الذي تعمره في الدنيا، لا تخطئه شعرة بأمر الله . فكل هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة! فجبريل موكل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل بما فيه حياة النبات والأرض، واسرافيل بما فيه
حياة الأبدان. ولهذا كان النبي صلي الله عليه وسلم يثني علي الله بربو بيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في افتتاح صلاة الليل، فكان يقول في افتتاح صلاة الليل بدل ((سبحانك اللهم وبحمدك)) ، يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك قيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) . ومنهم من وكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت، وله أعوان يساعدونه علي ذلك، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد إن كان من أهل الإيمان_ جعلنا الله منهم_ فانهم ينزلون بكفن من
стр. 437
الجنة وحنوط من الجنة، وان كانوا من أهل النبران نزلوا بحنوط من النار وكفن من النار، ثم يجلسون عند المحتضر الذي حضر اجله ويخرجون روحه حتى تبلغ الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم استلها ملك الموت ثم أعطاها إياها فوضعوها في الحنوط والكفن، فالملائكة تكفن وتحنط الروح، والشر يكفنون ويحنطون البدن، فانظر إلى عناية الله بالآدمي، ملائكة يكفنون روحه، وبشر يكفنون بدنه، ولهذا قال الله : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ
رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: من الآية٦١) ، لا يفرطون في حفظها: ولا يفرطون فيها. وملك الموت أعطاه الله تعالى قدرة علي قبض الأرواح في مشارق الأرض ومغاربها، يقبضها ولو ماتوا في لحظة واحدة، لو فرض إن جماعة أصابهم حادث وماتوا في إن واحد، فان ملك الموت يقبض أرواحهم في إن واحد. ولا تستغرب، لان الملائكة لا يقاسون بالبشر، لان الله أعطاهم قدرة عظيمة اشد من الجن. فالجن اقوي من البشر، والملائكة اقوي من الجن. وانظر إلى قصة سليمان_ عليه الصلاة والسلام_ حيث قال: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) (النمل: من الآية٣٩) عفريت يعني قوي شديد (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل: من الآية٣٩) وكان سليمان عادة يقوم من مقامه في ساعة معينة، ف (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ
стр. 438
الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (النمل: من الآية٤٠) ، والثاني أسرع من الأول، أي: مدة بصرك ما ترده إلا وقد جاءك (فَلَمَّا رَآهُ)
(النمل: من الآية٤٠) حالا رآه (مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ) (النمل: من الآية٤٠) قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله باسمه الأعظم، فحملت الملائكة العرش من اليمن إلى الشام في هذه اللحظة. إذا فالملائكة اقوي من الجن. فلا تستغرب إن يموت الناس في مشارق الأرض ومغاربها وان يقبض أرواحهم ملك واحد، كما قال الله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة: ١١) إذا قال الله لهذا الملك اقبض روح كل من مات، هل يمكن إن يقول لا؟ لا يمكن! لانهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهذا لما قال الله للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والقلم جماد، كتب ما هو قائم إلى يوم القيامة، فالله_ عز وجل_ إذا أمر بأمر لا يمكن إن يعصي إلا المردة من الجن أو من بني آدم، أما الملائكة فلا يعصون الله؟! وهؤلاء أربعة من الملائكة. والملك الخامس مالك، الموكل بالنار، وهو خازنها، وقد ذكره الله في قوله عن أهل النار: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف: ٧٧) ، يعني: ليمتنا ويهلكنا ويرحنا مما نحن فيه! قال: أنكم ماكثون!
стр. 439
السادس: خازن الجنة: وورد في بعض الآثار إن اسمه (رضوان) وهذا وكل بالجنة كما إن مالكا وكل بالنار. فمن علمنا اسمه من الملائكة آمنا به باسمه، ومن لم نعلم باسمه آمنا به علي سبيل الإجمال، آمنا بعمله الذي نعلمه وبوصفه وبكل ما جاء به الكتاب والسنة من أوصاف هؤلاء الملائكة. مسالة: قلنا إن الملائكة عالم غيبي، فعل يمكن إن يروا؟ الجواب: نعم قد يرون، أما علي صورتهم التي خلقوا عليها، واما علي صورة من أراد الله إن) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) يكون علي صورته! فجبريل رآه النبي صلي الله عليه وسلم علي صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض وفي السماء: في الأرض عند قار حراء قرب مكة، وفي السماء عند سدرة المنتهي، كما قال الله (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (لنجم: ١٤، ١٣) ، رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، أي: ملا الأفق كله وله ستمائة جناح، ولا يعلم قدرة الأجنحة إلا الله ، لكن إذا كان الشي عاليا سد الأفق
فمعناه انه واسع جدا. هذا الذي رآه النبي صلي الله عليه وسلم علي صورته مرتين، أحيانا يأتيه بصورة إنسان كما في حديث عمر_ رضي الله عنه_ الذي معنا في قصة جبريل، فقد جاءه بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه الصحابة، والله علي كل شئ قدير، قد أعطاهم الله ذلك إن يتصوروا بصور البشر، أما باختيارهم واما باختيار
стр. 440
الله، الله يأمرهم إن يكونوا علي هذه الصورة فالله اعلم. إنما هذه حال الملائكة_ عليهم الصلاة والسلام_ وتفاصيل ما ورد فيهم مذكور في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، لكن علينا إن نؤمن بهؤلاء الملائكة وانهم أقوياء أشداء، قال الله لهم في غزوة بدر: (أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) ، فكانوا يقاتلون مع الصحابة في بدر، فيري الكافر يسقط مضروبا بالسيف علي رأسه ولا يدري من الذي قتله، والذي قتله هم الملائكة، لان الله قال لهم: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا
مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ١٣، ١٢) فعلينا إن نؤمن بهم، من علمناه بعينه آمنا به بعينه، وإلا فبالإجمال. وان نؤمن بمن جاء عنهم من عبادات وأعمال علي وفق ما جاء في الكتاب والسنة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ومن أنكرهم، أو كذب بهم، أو قال: انهم لا وجود لهم، أو قال: أهم هم قوي الخير، والشياطين هم قوي الشر، فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة، لانه مكذب لله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم وإجماع المسلمين. وقد ضل قوم غاية الضلال حيث أنكروا إن يكون هنالك ملائكة_ والعياذ بالله_ وقالوا: إن الملائكة عبارة عن قوي الخير وليس هناك شئ يسمي عالم الملائكة. وهؤلاء إن قالوا ذلك متاولين فان الواجب إن نبين لهم إن هذا تأويل باطل، بل تحريف، وان قالوا غيره متاولين فانهم كفار، مكذبون لما
стр. 441
جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من وجود الملائكة، والله قادر غلي إن يخلق عالما كاملا لا يحس به البشر عن طريق حواسهم المعتادة، فها هم الجن وجودن ولا إشكال في وجودهم، ومع ذلك لا تدركهم حواسنا
الظاهرة كما تدرك الأشياء الظاهرة. ولله تعالى في خلقه شؤون. وقوله: (وَكُتُبِهِ) وهو الركن الثالث، والكتب جمع كتاب، والمراد به الكتاب الذي أنزله الله علي الرسل. فكل رسول له كتاب، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (الشورى: من الآية١٧) ، وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: من الآية٢٥) . لكن من لا كتب ما لا نعلمه ومنها ما لا نعلمه! فالتوراة، وهي الكتاب الذي انزل الله علي موسى_ عليه الصلاة والسلام_ معلوم، والإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله علي عيسى_ عليه الصلاة والسلام_ معلوم، وصحف إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ مذكورة في القران، وزبور داود_ عليه الصلاة والسلام_ مذكور في القران، وصحف موسى_ عليه الصلاة والسلام_ إن كانت غير التوراة مذكورة في القران أيضا. فما ذكر الله اسمه في القران وجب الإيمان به بعينه واسمه، وما لم يذكر فانه يؤمن به إجمالا. فنؤمن بان الله انزل علي موسى_ عليه الصلاة والسلام_ كتابا هو التوراة، وعلي عيسي كتابا هو الإنجيل، وعلي داود
عليه الصلاة والسلام_ كتابا هو
стр. 442
الزبور، وعلي إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ صحفا، هكذا نقول. ولا يعني ذلك إن ما وجد عند النصارى اليوم هو الذي نزل علي عيسي، لان الأناجيل الموجودة عند النصارى اليوم محرفة ومغيرة ومبدلة، لعب بها قساوسة النصارى فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا، ولهذا تجدها تنقسم إلى أربعة أقسام أو خمسة، ومع ذلك فان الكتاب الذي نزل علي عيسي كتاب واحد، لكن الله تعالى إنما تكفل بحفظ الكتاب الكريم الذي نزل علي محمد صلي الله عليه وسلم، لانه لا نبي بعده، يبين للناس ما هو الصحيح، وما هو المحرف. أما الكتب السابقة فإنها لم تخل من التحريف، لانه سيبعث أنبياء يبينون فيها الحق ويبينون فيها المحرف، وهذا هو السر في إن الله تكفل بحفظ القران دون غيره من الكتب، من اجل إن يعلم الناس حاجتهم إلى الأنبياء إذا وجدوا الكتب محرفة، فتاتي الأنبياء وتبين الحق. فالمهم إن نؤمن بان الكتاب الذي نزل علي النبي المعين حق من عند الله، لا علي إن الكتاب الذي في أيدي اتباعه اليوم هو الكتاب الذي نزل، بل قطعا انه محرف ومغير ومبدل. ومن الإيمان بالكتب إن تؤمن بان كل خبر جاء فيها فهو حق، كما إن كل خبر في القران فهو حق، لان
الأخبار التي جاءت في الكتب التي نزلت علي الأنبياء من عند الله فهو حق، يعني كل حكم لم يحرف ولم يغير فهو حق، لان جميع أحكام الله التي الزم الله بها عباده كلها حق، لكن هل هي بقيت إلى الآن غير محرفة؟ هذا السؤال بينا الجواب عليه بأنها غير
стр. 443
مامونة، بل مغيرة ومحرفة ومبدلة. ولكن هل علينا إن نعمل بالأحكام التي جاءت بها الكتب السابقة؟ نقول: أما ما قصة الله علينا من هذه الكتب، فأننا نعمل به ما لم يرد شرعنا بخلافه. مثاله قوله تعالى عن التوراة:) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية٤٥) ، هذه مكتوبة في التوراة ونقلها الله_ عز وجل_ لنا في القران، لكن الله، ، لم يقصها علينا إلا من اجل إن نعتبر ونعمل بها، كما قال الله: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١) ، وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ
هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية٩٠) ، فما قصة الله علينا وما نقه لنا من الكتب السابقة فهو شرع لنا، لان الله لم يذكره عبثا، إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإذا ورد شرعنا بخلافه صار ناسخا لها. كما إن من الآيات الشرعية النازلة في شرعنا ما يكون منسوخا بآيات أخرى، فكذلك ما ذكره الله عن الكتب السابقة نقلا فانه قد ينسخ بهذه الشريعة. أما ما جاء في كتبهم فأننا لا نصدقه ولا نكذبه، كما أمر بذلك النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فيما إذا حدثنا بنو اسرائل ان لا نصدقهم ولا نكذبهم، لأننا ربما نصدقهم بالباطل وربما نكذبهم بحق، فنقول: آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إليكم، ولا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لم يشهد
стр. 444
شرعنا بصحته ولا بكذبه. فان شهد بصحته أو بكذبه عملنا ما تقتضيه هذه الشهادة، إن شهد بصحته صدقناه، وان شهد بكذبه كبناه. ومن ذلك ما ينسب في أخبار بني إسرائيل إلى أخبار بعض الأنبياء_ عليهم الصلاة والسلام_ كما ذكر عن داود انه أعجبته امرأة رجل من جنده وطلب من الجندي إن يذهب إلى العدو ويقاتل لعله يقتل فيأخذ امرأته من بعده! وانه أرسل الجندي فبعث الله إليه جماعة من الائكة يختصمون إليه فقال
أحد الخصمين: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ) (صّ: من الآية٢٤، ٢٣) ضربه الله لداود حيث كان عنده من النساء ما يبلغ تسعا وتسعين امرأة، فحاول إن يأخذ امرأة هذا الجندي ليكون بها المائة! فهذه القصة كذب واضح، لان داود_ عليه الصلاة والسلام_ نبي من الأنبياء، ولا يمكن إن يتحيل هذه الحيلة، بل لو إن غير نبي ما فعل هذا وهو عاقل فكيف وهو نبي؟! فمثل هذه القصة التي جاءت عن بني إسرائيل نقول إنها كذب، لانها
стр. 445
لا تليق بالنبي، ولا تليق بأي عاقل، فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الخلاصة: إن ما جاء في كتبهم ينقسم إلى قسمين رئيسيين: أولا: ما قصة الله علينا في القران أو قصة علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فهذا مقبول صحيح.
والثاني: ما نقلوه هم، فهذا لا يخلوا من ثلاث حالات: الحالة الأولى: إن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا إن نكذبه ونرده. والثانية: ما شهد شرعنا بصدقه فنصدقه ونقبله لشهادة شرعنا به. والثالث: ما ليس هذا ولا هذا، فيجب علينا إن نتوقف، لانهم لا يؤمنون، ويحصل في خبرهم الكذب والتغيير والزيادة والنقص. قوله: (وَرُسُلِهِ) هذا هو الركن الرابع. الرسل هم البشر الذين أرسلهم الله إلى الخلق وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبيلغ شرائعه، وهو بشر خلقوا من أب وأم، إلا عيسي ابن مريم_ عليه الصلاة والسلام_ فان الله خلقه من أم بلا أب. أرسلهم الله رحمة بالعباد واقامة بالحجة عليهم، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى قوله: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: من الآية (١٦٣_١٦٥) . وهم عدد كثير، أولهم نوح وأخرهم محمد صلي الله عليه مسلم ودليل ذلك قوله تعالى: (َّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
بَعْدِهِ) (النساء: من الآية١٦٣) وقد صح
стр. 446
في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة: ((إن الناس يوم القيامة يأتون آل نوح فيقولون له: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)) . أما دليل كون النبي_ عليه الصلاة والسلام_ آخر الرسل فهو قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: من الآية٤٠) وصح عنه صلي الله عليه وسلم انه قال: ((أنا خاتم النبيين)) . فعلينا إن نؤمن بان جميع الرسل الذين أرسلهم الله صادقون فيما ابلغوا به عن الله وفي رسالتهم. _ علينا إن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم لنا ومن لم تعين أسماؤهم لنا، فأننا نؤمن بهم علي سبيل الإجمال. _ علينا أيضا إن نؤمن إن ما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا لتقوم عليهم الحجة، كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: من الآية٣٦) ، وقال تعالى: (ً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: من الآية٢٤) وعلينا إن نصدق بكل ما أخبرت به الرسل إذا صح عنهم من جهة النقل
стр. 447
ونعلم انه الحق. وعلينا
إن نتبع خاتمهم محمد صلي الله عليه وسلم، لانه هو الذي فرض علينا اتباعه، قال الله تعالى:) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف: من الآية١٥٨) ، فامرنا الله تعالى باتباعه. وقال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية٣١) ، أما ما سواه من الرسل فأننا نتبعهم إذا ورد شرعنا بالأمر باتباعهم، مثل قوله علبه الصلاة والسلام: ((افضل الصلاة صلاة أخي داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وافضل الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما)) (،) فهذا حكاية لتعبد داود وتهجده في الليل، وكذلك صيامه، من اجل إن نتبعه فيه. أما إذا لم يرد شرعنا بالأمر باتباعه فقد اختلف العلماء_ رحمهم الله_ هل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بالأمر بخلافه، أو انه ليس بشرع لنا حتى يرد شرعنا
بالأمر باتباعه؟ والصحيح إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، لأنه تعالى لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه صلي الله عليه وسلم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية٩٠) ، فأمر الله نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم إن يقتدي بهدي
стр. 448
من سبقه وقال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١) ، وهذه آخر سورة يوسف التي قص الله تعالى علينا قصته مطولة من اجل إن نعتبر بما فيها. ولهذا اخذ العلماء_ رحمهم الله_ من سورة يوسف فوائد كثيرة، في أحكام شرعية في القضاء وغيره، واخذوا منها: العمل بالقرائن عند الحكم، لقوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (يوسف: الاية٢٧، ٢٦) ، فقالوا: هذه قرينة، لأنه إذا كان القميص قد من قبل فالرجل هو الذي طلبها فقدت قميصه، وإذا كان من دبر_ من الخلف_ فهي التي طلبته وقدت قميصه حتى انقد، فهذه قرينة ثبت بها الحكم، والعلماء
اعتمدوا هذه القرينة وان كان في السنة ما يدل علي الحكم بالقرائن في غير هذه المسالة. لكن القول الراجح في ((شرع من قبلنا ما لم يرد شرعنا بخلافه)) ، وللرسل_ عليهم الصلاة والسلام_ علينا: إن نحبهم، وان نعظمهم بما يستحقون، وان نشهد بأنهم في الطبقة العليا من طبقات أهل الخير والصلاح، كما قال الله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء: ٦٩) . أما الركن الخامس فهو: ((الإيمان باليوم الآخر)) .
стр. 449
واليوم الآخر: هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده. فالإنسان له مراحل أربع: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة يوم القيامة، وهي أخر المراحل، ولهذا سمي اليوم الآخر، يسكن فيه الناس، أما في الجنة نسأل الله إن يجعلنا منهم، واما في النار_ والعياذ بالله_ فهذا هو المصير. والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ في كتاب ((العقيدة الواسطية)) وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل
السنة والجماعة، من احسن ما كتبه شيخ الإسلام_ رحمه الله_ في جمعه ووضوحه وعدم الاستطرادات الكثيرة. يقول ﵀: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما اخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت)) _ فمن ذلك: فتنة القبر: إذا دفن الميت أتاه ملكان يجلسانه ويسألانه ثلاثة أسئلة، يقولان: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك!؟
فيثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت - اسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، فينادي منادي من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة والبسوه من الجنة وافتحوا له باب إلى الجنة. ويفسح له في قبره مد البصر ويأتيه من الجنة روحها، ويشاهد فيها ما يشاهد من النعيم.
стр. 450
وأما المنافق_ والعياذ بالله_ أو الكافر، فيقول: هات هات.. لا ادري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، لان الإيمان لم يصل إلى قلبه، إنما هو بلسانه فقطن فهو يسمع ولا يدري ما المعنى، لا ويفتح عليه في قبره. هذه فتنة عظيمة جدان ولهذا امرنا النبي_ عليه الصلاة والسلام_ أن نستعيذ بالله منها في كل صلاة ((اللهم أني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار)) _ ومن ذلك أيضا أن نؤمن بنعيم القبر وعذاب القبر. نعيم القبر لمن يستحق النعيم من المؤمنين، وعذاب القبر لمن يستحق العذاب، وقد جاء ذلك في القران والسنة، واجمع عليه أهل السنة والجماعة. _ ففي كتاب الله يقول ﵎: (كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: ٣٢) ويقول الله في آخر سورة الواقعة: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) (الواقعة: ٨٩) يقول هذا في حال ذكر المحتضر إذا جاءه الموت. إذا كان من المقربين فله روح وريحان وجنة نعيم في نفس اليوم. أما عذاب القبر فاستمع إلى قول الله : (وَلَوْ تَرَى إِذِ
стр. 451
الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) (الأنعام: من الآية٩٣) أي: سكرات الموت (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ) مادين أيديهم لهذا المحتضر من الكفار (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) وكأنهم شحيحون بأنفسهم، لأنها تبشر_ والعياذ بالله_ بالعذاب، فتهرب في البدن وتتفرق ويشح بها الإنسان، فيقال: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: من الآية٩٣) ، أي: اليوم يوم موتهم عند احتضارهم.
وقال الله سبحانه في آل عمران: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً) هذا قبل قيام الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . ولكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم والعذاب أمر غيبي لا نطلع عليه، لأننا لو اطلعنا عليه ما دفنا أمواتنا، لان الإنسان لا يمكن أن يقدم ميته لعذاب يسمعه، يفزع، لان الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبة_ قطعة من الحديد مثل المطرقة_ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الإنسان قال النبي ﷺ : ((ولو سمعها الإنسان لصعق)) .
وقال النبي صلى الله عليه ومسلم: ((لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)) ، ولكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسا، بل نؤمن به غيبا ولا
стр. 452
ندركه حسا. كذلك لو كان عذاب القبر شهادة وحسا لكان فيه فضيحة! إذا مررت بقبر إنسان وسمعته يعذب ويصيح ففيه فضيحة له. ثالثا: ولو أن شهادة يحس لكان هذا قلقا علي أهله وذويه، فلا ينامون في الليل وهم يسمعون صاحبهم يصيح ليلا ونهارا من العذاب، لكن من رحمة الله_ سبحانه وتعالى_ أن الله جعله غيبا لا يعلم عنه، فلا يأتي شخص ويقول: أننا لو حفرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرا للعذاب؟ نقول: لان هذا أمر غيبي، علي أن الله تعالى قد يطلع علي هذا الغيب من شاء من عباده، فربما يطلع عليه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بقبرين في المدينة وقال: انهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرة، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ، فاطلع الله نبيه علي هذين القبرين انهما يعذبان فالحاصل انه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر، وهي سؤال الملكين عن ربه ودينه ونبيه، وان نؤمن بنعيم القبر لو عذابه، _
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: أن يؤمن الإنسان بما يكون في نفس اليوم الآخر، وذلك انه إذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الناس في قبورهم لله رب العالمين حفاة ليس عليهم نعال، وعراة ليس عليهم ثياب،
стр. 453
وغرلا ليس مختونين، وبهما ليس معهم مال، كل الناس حتى الأنبياء والرسل يبعثون هكذا، كما قال الله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الأنبياء: من الآية١٠٤) ، فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريا غير منتعل، غير مختون، ليس معه مال، فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة علي هذه الصفة، يقومون لرب العالمين الرجال والنساء، والصغار والكبار، والكفار والمؤمنون، كلهم علي هذا الوصف حفاة غرلا بهما، ولا ينظر بعضهم إلى بعض، لأنه قد دهاهم من الأمر ما يشغلهم عن نظر بعضهم إلى بعض، فالأمر اعظم من أن ينظر بعض الناس إلى بعض. ربما تكون المرأة إلى جنب الرجل ولا ينظر إليها ولا تنظر إليه، كما قال اله : (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: ٣٣_٣٧) . ومن
الإيمان باليوم الآخر: أن تؤمن بان الله_ سبحانه وتعالى_ يبسط هذه الأرض ويمدها كما يمد الأديم أي الجلد، لان أرضنا اليوم كرة مستديرة منبعجة بعض الشيء من الجنوب والشمال، لكنها مستديرة كما يفيد قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (١_٣) ، معناه إنها لا تمد إلا إذا انشقت السماء، وذلك يوم القيامة، فتبسط الأرض كما كما يبسط الجلد المدبوغ، ليس فيها أودية ولا أشجار ولأبناء ولا جبال، يذرها الرب_ عز وجل_ قاعا صفصفا لا تري فيها عوجا ولا أمتا، يحشر الناس عليها علي الوصف المذكور أنفا، وتطوي السماوات، يطويها الرب_ عز وجل_ بيمينه، وتدني الشمس من
стр. 454
الخلق حتى تكون فوق رؤوسهم بقر ميل، أم مسافة وأما ميل المكحلة وأيا كان في قريبا من الرؤوس، لكننا نؤمن بان من الناس من يسلم من حرها، وهو الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنه السبع الذين ذكرهم الرسول في نسق واحد، فقال ﵊: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشا في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه،
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) الإمام العادل: هو الذي عدل في رعيته، ولا عدل اقوم ولا أوجب من أن يحكم فيهم شريعة الله، هذا راس العدل، لان الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ) (النحل: من الآية٩٠) ، فمن حكم شعبه بغير شريعة الله فانه ما عدل، بل هو كافر والعياذ بالله، لان الله قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية٤٤) فإذا وضع هذا الحاكم قوانين تخالف الشريعة وهو يعلم إنها تخالف الشريعة، لكنه عدل عنها وقال: أنا لا اعدل عن القانون، فانه كافر وان صلي، ولو تصدق، ولو صام، ولو حج، ولو ذكر الله تعالى، ولو شهد للرسول_ عليه الصلاة والسلام_ بالرسالة، فانه كافر مخلد في جهنم
стр. 455
يوم القيامة ولا يجوز أن يتولى عن شعب مسلم إذا قدر الشعب علي إزاحته عن الحكم. فاهم العدل في الإمام أن يحكم في الناس بشريعة الله. ومن العدل أن يسوي بين الفقير والغني، وبين العدو والولي، وبين القريب والبعيد، حتى العدو يسوي بينه وبين
الولي في مسالة الحكم، حتى أن العلماء ﵏ قالوا: لو دخل علي القاضي رجلان أحدهما كافر والثاني مسلم، حرم عليه أن يميز المسلم بشيء، فيدخلان جميعا ويجلسان جميعا، فلا يتحدث لواحد دون الآخر، ولا يبش في وجه المسلم ويكشر في وجه الكافر! وهما في مقام الحكم، بل يجب أن يسوي بينهما، مع أن الكافر لا شك انه ليس كالمسلم (أفنجل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم: ٣٦، ٣٥) ، لكن في باب الحكم الناس سواء. ومن العدل: أن يقيم الحدود التي فرضها الله_ عز وجل_ علي كل أحد، حتى علي أولاده وذريته، فان النبي صلي الله عليه وسلم وهو اعدل الأئمة، لما شفع إليه أسامة_ رضي الله عنه_ فيها، فقال له: ((أتشفع في حد من حدود الله)) ؟! أنكر عليه، ثم قام النبي صلي الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله واثني عليه ثم قال: ((أما بعد.. فإنما اهلك الذين قبلكم انهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله_ أي حلف بالله_ لو أن
стр. 456
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) صلي الله عليه وسلم، فاطمة بنت محمد اشرف النساء! سيدة نساء أهل الجنة، بنت افضل البشر، لو
سرقت لقطع يدها وهو أبوها. وتأمل ((لقطعت يدها)) ولم يقل ل أمرت بقطع يدها! فظاهره هو الذي يباشر قطعها لو سرقت. هذا العدل، وبهذا قامت السماوات والأرض. ومن عدل الإمام أن يولي المناصب من هو أهل لها في دينه وفي قوته، فيكون أمينا وقويا، أهلا للأمر الذي ولي عليه. وأركان الولاية اثنان: القوة، والأمانة، قال الله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) (النمل: من الآية٣٩) إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: من الآية٢٦) لسليمان: (ِ أَنَا آتِيكَ بِهِ) (النمل: من الآية٣٩) أي: بعرش بلقيس (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل: من الآية٣٩) ، فمن العدل أن لا يولي أحدا منصبا ألا وهو أهل له في قوته وفي أمانته، فان ولي من ليس أهلا ويوجد من هو خير منه فليس بعادل. فالنبي صلي الله عليه وسلم جعل الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وجعله أول هؤلاء السبعة، لان العدل في الرعية صعب جدا، فإذا وفق المرء الذي يوليه الله علي عباده للعدل أن في هذا خيرا كثيرا، وانتفعت الأمة في عصره ومن بعده أيضا، لأنه يكون قدوة صالحة،
فهذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 457
ثانيا: ((سلب نشأ في طاعة الله)) : الشاب ما بين الخامس عشرة سنة إلى الثلاثين. ولا شك أن يكون للشباب اتجاهات وأفكار، ولا يستقر علي شئ، لأنه شاب غض، كل شئ يجذبه، وكل شئ يختطفه، ولهذا أمر الرسول صلي الله عليه وسلم في الحرب أن تقتل شيوخ المقاتلين المشركين وسيتبقي شبابهم، لان الشباب إذا عرض عليهم الإسلام ربما يسلمون. فالشاب لما كان في سن الشباب يكون له أفكار وأهواء واتجاهات فكرية وخلقية وسلوكية، صار الذي يمن الله عليه وينشا في طاعته من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وطاعة الله هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه، ولا امتثال للأمر واجتناب للنهي إلا بمعرفة أن هذا أمر وهذا نهي، إذن لا بد من سبق العلم، فيكون هذا الشاب طالبا للعلم، ممتثلا للأمر، مجتنبا للنهي. الثالث: ((رجل قلبه معلق بالمساجد)) : أي: يحب المساجد. وهل المقصود أماكن السجود؟ أي أن يحب الصلاة، أو المقصود المساجد المخصوصة؟ يحتمل هذا وهذا. هذا رجل قلبه دائما معلق بالمساجد، وهو مشغول في أماكن الصلاة، وفي الصلاة. إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. وهنا فرق بين قول الإنسان: (
(اللهم أرحني بالصلاة)) ، و ((اللهم أرحني من الصلاة)) . أرحني بالصلاة: هذا خير، أي اجعل الصلاة راحة لقلبي. وأرحني من الصلاة: أي فكني عنها. أعوذ بالله! فهذا الرجل قلبه معلق بالمساجد
стр. 458
دائما، وهو مشغول بأماكن الصلاة وبالصلاة، إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. الرابع: ((رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) أي: احب بعضهما بعضا لا لشي سوي الله_ عز وجل_ فليس بينهما قرابة ولا صلة مالية، وليس بينهما صداقة طبيعية، إنما احب في الله_ عز وجل_ لأنه راءه عابدا لله مستقيما علي شرعه فاحبه، وإذا كان قريبا أو صديقا وما أشبه ذلك فلا مانع أن يحبه من وجهين: من جهة القرابة والصداقة، ومن الجهة الإيمانية. فهذان تحابا في الله وصارا كالأخوين، لما بينهما من الرابطة الشرعية الدينية، وهي عبادة الله . ((اجتمعا عليه)) في الدنيا ((وتفرقا عليه)) أي: لم يفرق بينهما إلا الموت، يحبه إلى أن مات، هذان يظلهما الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويكونان يوم القيامة علي محبتهما وعلي خلتهما، كما قال الله تعالى: (الإخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٦٧) ،
تبقي الصداقة بينهما في الدنيا والآخرة. اللهم أنا نسألك من فضلك. الخامس: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله: رجل قادر علي الجماع، دعته امرأة ليجامعها بالزنا_ والعياذ بالله_ ذات منصب وجمال، أي إنها من خمائل معروفة، ليست من سقط النساء بل من الخمائل المعروفة، وهي جميلة، دعته إلى نفسها في مكان خالي لا يطلع عليهما أحد، وهو فيه شهوة، ويحب النساء، لكنه قال: أني أخاف
стр. 459
الله! لم يمنعه من فعل هذا إلا خوف الله ! فانظر إلى هذا الرجل! المقتضي موجود، لأنه قادر علي الجماع، والمرأة جميلة، وهي ذات منصب، والمكان خال، لكن منه مانع اقوي من هذا المقتضي، وهو خوف الله، قال: ((أني أخاف الله)) ما قال: أني لا اشتهي النساء، وما قال: لست بجميلة، وما قال: أنت من اسافل النساء، وما قال: أن حولنا أحدا، قال: ((أني أخاف الله)) فهذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وانظر إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم_ عليهم الصلاة والسلام_ عشقته امرأة العزيز ملك مصر، وكانت امرأة ملك علي حال من الجمال والدلال. غلقت الأبواب بينهما وبين الناس: (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) يعني تدعوه إلى نفسها، وكان
رجلا شابا، وبمقتضي الطبيعة البشرية هم بها وهمت به، ولكن رأي برهان ربه ووقع في قلبه خوف الله فامتنع، فهددته بالسجن فقال: (? رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (يوسف: ٣٥، ٣٣) ، وسجن في ذات الله وامتنع عن الزنا مع قوة أسبابه، لكنه رأي برهان ربه فخاف الله، السادس: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) : وهذا فيه كمال الإخلاص، يخلص لله، لا يريد من الناس أن يطلعوا علي عمل من أعماله، بل يريد أن يكون بينه وبين ربه فقط. ولا
стр. 460
يريد أن يظهر للناس بمظهر المنة علي أحد، لان الذي يعطي إمام الناس تكون له منة علي من أعطاه. فهو يخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، أي: من شدة إخفائه لو أمكن أن لا تعلم يده الشمال ما أنفقت يده اليمين لفعل، فهذا مخلص غاية الإخلاص وهو بعيد عن المن بالصدقة، يظله
الله في ظله يوم لا ظل الاظله، ولكن لاحظ أن إخفاء الصدقة افضل_ بلا شك_ إلا انه ربما يعرض لهذا الأفضل ما يجعله مفضولا، مثل أن يكون في إظهار الصدقة تشجيع للناس علي الصدقة، فهنا قد يكون إظهار الصدقة افضل، ولهذا امتدح الله_ سبحانه وتعالى_ الذين ينفقون سرا وعلانية علي حسب ما تقتضيه المصلحة. فالحال لا تخلوا من ثلاث مراتب: أما أن يكون السر انفع، أو الإظهار انفع، فان تساوي الأمران فالسر انفع. السابع: ((رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) ذكر الله بلسانه وبقلبه، ليس عنده أحد يرائيه بهذا الذكر، خاليا من الدنيا كلها، قلبه معلق بالله . فلما ذكر الله بلسانه وبقلبه، وتذكر عظمة الرب_ عز وجل_ اشتاق إلى الله ففاضت عيناه. فهذا أيضا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذه الأعمال السبعة قد يوفق الإنسان فيحصل علي واحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، هذا ممكن، ولا يناقض بعضه بعضا، فقد يوفق الإنسان فيأخذ من كل واحدة من هذه بنصيب، كما اخبر الرسول ﵊: ((أن للجنة أبوابا، من كان من أهل
следующие страницы →