Полный текст (3 784 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) صلي الله عليه وسلم، فاطمة بنت محمد اشرف النساء! سيدة نساء أهل الجنة، بنت افضل البشر، لو
سرقت لقطع يدها وهو أبوها. وتأمل ((لقطعت يدها)) ولم يقل ل أمرت بقطع يدها! فظاهره هو الذي يباشر قطعها لو سرقت. هذا العدل، وبهذا قامت السماوات والأرض. ومن عدل الإمام أن يولي المناصب من هو أهل لها في دينه وفي قوته، فيكون أمينا وقويا، أهلا للأمر الذي ولي عليه. وأركان الولاية اثنان: القوة، والأمانة، قال الله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) (النمل: من الآية٣٩) إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: من الآية٢٦) لسليمان: (ِ أَنَا آتِيكَ بِهِ) (النمل: من الآية٣٩) أي: بعرش بلقيس (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل: من الآية٣٩) ، فمن العدل أن لا يولي أحدا منصبا ألا وهو أهل له في قوته وفي أمانته، فان ولي من ليس أهلا ويوجد من هو خير منه فليس بعادل. فالنبي صلي الله عليه وسلم جعل الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وجعله أول هؤلاء السبعة، لان العدل في الرعية صعب جدا، فإذا وفق المرء الذي يوليه الله علي عباده للعدل أن في هذا خيرا كثيرا، وانتفعت الأمة في عصره ومن بعده أيضا، لأنه يكون قدوة صالحة،
فهذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 457
ثانيا: ((سلب نشأ في طاعة الله)) : الشاب ما بين الخامس عشرة سنة إلى الثلاثين. ولا شك أن يكون للشباب اتجاهات وأفكار، ولا يستقر علي شئ، لأنه شاب غض، كل شئ يجذبه، وكل شئ يختطفه، ولهذا أمر الرسول صلي الله عليه وسلم في الحرب أن تقتل شيوخ المقاتلين المشركين وسيتبقي شبابهم، لان الشباب إذا عرض عليهم الإسلام ربما يسلمون. فالشاب لما كان في سن الشباب يكون له أفكار وأهواء واتجاهات فكرية وخلقية وسلوكية، صار الذي يمن الله عليه وينشا في طاعته من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وطاعة الله هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه، ولا امتثال للأمر واجتناب للنهي إلا بمعرفة أن هذا أمر وهذا نهي، إذن لا بد من سبق العلم، فيكون هذا الشاب طالبا للعلم، ممتثلا للأمر، مجتنبا للنهي. الثالث: ((رجل قلبه معلق بالمساجد)) : أي: يحب المساجد. وهل المقصود أماكن السجود؟ أي أن يحب الصلاة، أو المقصود المساجد المخصوصة؟ يحتمل هذا وهذا. هذا رجل قلبه دائما معلق بالمساجد، وهو مشغول في أماكن الصلاة، وفي الصلاة. إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. وهنا فرق بين قول الإنسان: (
(اللهم أرحني بالصلاة)) ، و ((اللهم أرحني من الصلاة)) . أرحني بالصلاة: هذا خير، أي اجعل الصلاة راحة لقلبي. وأرحني من الصلاة: أي فكني عنها. أعوذ بالله! فهذا الرجل قلبه معلق بالمساجد
стр. 458
دائما، وهو مشغول بأماكن الصلاة وبالصلاة، إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. الرابع: ((رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) أي: احب بعضهما بعضا لا لشي سوي الله_ عز وجل_ فليس بينهما قرابة ولا صلة مالية، وليس بينهما صداقة طبيعية، إنما احب في الله_ عز وجل_ لأنه راءه عابدا لله مستقيما علي شرعه فاحبه، وإذا كان قريبا أو صديقا وما أشبه ذلك فلا مانع أن يحبه من وجهين: من جهة القرابة والصداقة، ومن الجهة الإيمانية. فهذان تحابا في الله وصارا كالأخوين، لما بينهما من الرابطة الشرعية الدينية، وهي عبادة الله . ((اجتمعا عليه)) في الدنيا ((وتفرقا عليه)) أي: لم يفرق بينهما إلا الموت، يحبه إلى أن مات، هذان يظلهما الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويكونان يوم القيامة علي محبتهما وعلي خلتهما، كما قال الله تعالى: (الإخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: ٦٧) ،
تبقي الصداقة بينهما في الدنيا والآخرة. اللهم أنا نسألك من فضلك. الخامس: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله: رجل قادر علي الجماع، دعته امرأة ليجامعها بالزنا_ والعياذ بالله_ ذات منصب وجمال، أي إنها من خمائل معروفة، ليست من سقط النساء بل من الخمائل المعروفة، وهي جميلة، دعته إلى نفسها في مكان خالي لا يطلع عليهما أحد، وهو فيه شهوة، ويحب النساء، لكنه قال: أني أخاف
стр. 459
الله! لم يمنعه من فعل هذا إلا خوف الله ! فانظر إلى هذا الرجل! المقتضي موجود، لأنه قادر علي الجماع، والمرأة جميلة، وهي ذات منصب، والمكان خال، لكن منه مانع اقوي من هذا المقتضي، وهو خوف الله، قال: ((أني أخاف الله)) ما قال: أني لا اشتهي النساء، وما قال: لست بجميلة، وما قال: أنت من اسافل النساء، وما قال: أن حولنا أحدا، قال: ((أني أخاف الله)) فهذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وانظر إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم_ عليهم الصلاة والسلام_ عشقته امرأة العزيز ملك مصر، وكانت امرأة ملك علي حال من الجمال والدلال. غلقت الأبواب بينهما وبين الناس: (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) يعني تدعوه إلى نفسها، وكان
رجلا شابا، وبمقتضي الطبيعة البشرية هم بها وهمت به، ولكن رأي برهان ربه ووقع في قلبه خوف الله فامتنع، فهددته بالسجن فقال: (? رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (يوسف: ٣٥، ٣٣) ، وسجن في ذات الله وامتنع عن الزنا مع قوة أسبابه، لكنه رأي برهان ربه فخاف الله، السادس: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) : وهذا فيه كمال الإخلاص، يخلص لله، لا يريد من الناس أن يطلعوا علي عمل من أعماله، بل يريد أن يكون بينه وبين ربه فقط. ولا
стр. 460
يريد أن يظهر للناس بمظهر المنة علي أحد، لان الذي يعطي إمام الناس تكون له منة علي من أعطاه. فهو يخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، أي: من شدة إخفائه لو أمكن أن لا تعلم يده الشمال ما أنفقت يده اليمين لفعل، فهذا مخلص غاية الإخلاص وهو بعيد عن المن بالصدقة، يظله
الله في ظله يوم لا ظل الاظله، ولكن لاحظ أن إخفاء الصدقة افضل_ بلا شك_ إلا انه ربما يعرض لهذا الأفضل ما يجعله مفضولا، مثل أن يكون في إظهار الصدقة تشجيع للناس علي الصدقة، فهنا قد يكون إظهار الصدقة افضل، ولهذا امتدح الله_ سبحانه وتعالى_ الذين ينفقون سرا وعلانية علي حسب ما تقتضيه المصلحة. فالحال لا تخلوا من ثلاث مراتب: أما أن يكون السر انفع، أو الإظهار انفع، فان تساوي الأمران فالسر انفع. السابع: ((رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) ذكر الله بلسانه وبقلبه، ليس عنده أحد يرائيه بهذا الذكر، خاليا من الدنيا كلها، قلبه معلق بالله . فلما ذكر الله بلسانه وبقلبه، وتذكر عظمة الرب_ عز وجل_ اشتاق إلى الله ففاضت عيناه. فهذا أيضا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذه الأعمال السبعة قد يوفق الإنسان فيحصل علي واحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، هذا ممكن، ولا يناقض بعضه بعضا، فقد يوفق الإنسان فيأخذ من كل واحدة من هذه بنصيب، كما اخبر الرسول ﵊: ((أن للجنة أبوابا، من كان من أهل
стр. 461
الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان
من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان)) ذكر أربعة! فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما علي من دعي علي واحد من هذه الأبواب من ضرورة_ أي: الذي يدعي من باب واحد سهل_ فهل يدعي أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبو بكر)) نسأل الله من فضله. وهذا يعني أن أبا بكر يدعي من كل الأبواب، لأنه صاحب صلاة، وصدقة، وجهاد، وصيام، فكل مسائل الخير قد اخذ منها بنصيب. ﵁ وأرضاه، وألحقنا به في جنات النعيم. وهنا مسالة احب أن انبه عليها، وهي أن بعض الطلبة يظنون أن المراد بالظل ((في ظل يوم لا ظل إلا ظله)) انه ظل الرب_ عز وجل_ وهذا ظن خاطئ جدا، لا يظنه الأرجل جاهل، وذلك أن من المعلوم أن الناس في الأرض، وان الظل هذا يكون عن الشمس، فلو قدر أن المراد به ظل الرب_ سبحانه وتعالى_ لزم من هذا أن تكون الشمس فوق الله، ليكون حائلا بينها وبين الناس، وهذا شئ مستحيل ولا يمكن، لان الله_ سبحانه وتعالى_ قد ثبت
стр. 462
له العلو المطلق من جميع الجهات، ولكن المراد ظل يخلقه الله في ذلك اليوم يظل من يستحقون أن يظلهم الله في ظله، وإنما أضافه الله إلى نفسه لأنه في ذلك
اليوم لا يستطيع أحد أن يظلل بفعل مخلوق، فليس هناك بناء ولا شئ يوضع علي الرؤوس، إنما يكون الظل ما خلقه الله لعباده في ذلك اليوم، فلهذا أضافه الله إلى نفسه لاختصاصه به ومما يكون في ذلك اليوم: نشر الدواوين أي: صحائف الأعمال التي كتبت علي المرء في حياته، وذلك لان الله_ سبحانه وتعالى_ وكل بكل إنسان ملكين: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال، كما قال الله ﵎: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٦_١٨) . هذان الملكان الكريمان يكتبان كل ما يعلمه المرء من قول أو فعل، أما ما يحدث به نفسه فانه لا يكتب عليه، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((أن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به)) . لكن القول والفعل يكتب علي الإنسان، كاتب الحسنات علي اليمين وكاتب السيئات علي الشمال، فيكتبان كل ما أمرا بكتابته، فإذا كان يوم القيامة الزم كل إنسان هذا الكتاب في عنقه، كما قال الله تعالى (وَكُلَّ
стр. 463
إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ
طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء: من الآية١٣) ويخرج له هذا الكتاب فيقال: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء: ١٤) ، فيقراه له، ويتبين كل ما عنده. هذا الكتاب المنشور من الناس من يأخذه بيمينه، ومن الناس من يأخذه بشماله من وراء ظهره. أما من يأخذه بيمينه_ أسال الله أن يجعلنا منهم_ فانه يقول للناس (هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ) (الحاقة: من الآية١٩) ، يريهم إياه فرحا ومسرورا بما انعم الله به عليه. وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول حزا وقما وهما (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة: من الآية٢٥) . ومما يجب الإيمان به في ذلك اليوم: أن تؤمن بالحساب، بان الله تعالى يحاسب الخلائق، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: من الآية٤٧) ، وقال الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) (الانشقاق: ٨) ، فيحاسب الله الخلائق، ولكن حساب المؤمن حساب يسير ليس فيه مناقشة، يخلو الله بعبده المؤمن ويضع عليه ستره، ويقرره بذنوبه، يقول: أتذكر كذا؟ حتى يقول: نعم، ويقر
بذلك كله، فيقول الله_ عز وجل_ له: ((أني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا اغفرها لك اليوم)) ، وما اكثر الذنوب التي
стр. 464
سترها الله علينا! فإذا كان الإنسان مؤمنا قال الله له: ((فأني قد سترتها عليك في الدنيا، وأني اغفرها لك اليوم)) الخ. أما الكافر_ والعياذ بالله_ فانه يفضح ويخزي، وينادي علي رؤوس الأشهاد: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: من الآية١٨) . ومما يجب الإيمان به مما يكون في يوم القيامة: الحوض المورود لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم وهو حوض يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو النهر الذي أعطيه النبي صلي الله عليه وسلم في الجنة، كما قال الله تعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (الكوثر: ١) ، فيصب منه ميزابان علي الحوض الذي يكون في عر صات يوم القيامة. وصفه النبي_ عليه الصلاة والسلام_ بان ماءه اشد بياضا من اللبن، واحلي من العسل، وأطيب من رائحة المسك، وان آنيته كنجوم السماء، وان طوله شهر وعرضه شهر، وان من شرب منه مرة واحدة فانه لا يظمأ بعدها أبدا. هذا الحوض يرده المؤمنون من أمة النبي صلي الله عليه وسلم_ أسال الله أن
يوردني وإياكم إياه_ يرد المؤمنون يشربون منه، وأما من لم يؤمن بالرسول_ عليه
стр. 465
الصلاة والسلام_ فانه يطرد عنه ولا يشرب منه، نسأل الله العافية. وهذا الحوض الذي جعله الله للنبي_عليه الصلاة والسلام_ هو اعظم حياض الأنبياء، ولكل نبي حوض يرده المؤمنون من أمته، لكنها لا تنسب إلى حوض الرسول صلي الله عليه وسلم لان هذه الأمة يتمثلون ثلثي أهل الجنة، فلا جرم أن يكون حوض النبي_ عليه الصلاة والسلام_ اعظم الحياض وأكبرها وأوسعها أعظمها واشملها. ومما يجب الإيمان به أيضا في ذلك اليوم: الإيمان بالصراط. والصراط جسر منصوب علي جهنم، وهو أدق من الشعر واحد من السيف، يمر الناس عليه علي قدر أعمالهم، من كان مسارعا في الخيرات في الدنيا كان سريعا في المشي علي هذا الصراط، ومن كان متباطئا، ومن كان قد خلط عملا صالحا وآخر سيئا ولم يعف الله عنه فانه ربما يكدس في النار والعياذ بالله! يختلف الناس في المشي عليه، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، ومنهم من يلقي في جهنم. وهذا الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون
فقط، أما الكافرون فانهم لا يمرون عليه، وذلك أنهم يساقون في عر صات القيامة إلى النار مباشرة، نسأل الله العافية. فإذا عبروا علي الصراط وقفوا علي قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص
стр. 466
من بعضهم لبعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عر صات يوم القيامة، هذا لقصاص_ والله اعلم_ يراد به أن تتخلى القلوب من الأضغان والأحقاد والغل، حتى يدخلوا الجنة وهم علي اكمل حال، وذلك أن الإنسان وان اقتص له ممن اعتدي عليه فلا بد أن يبقي في قلبه شئ من الغل والحقد علي الذي اعتدي عليه، ولكن أهل الجنة لا يدخلون الجنة حتى يقتص لهم اقتصاصا كاملا، فيدخلونها علي احسن وجه، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، ولكن لا يفتح باب الجنة لأحد قبل الرسول صلي الله عليه وسلم ولهذا يشفع هو بنفسه لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، كما انه شفع للخلائق أن يقضي بينهم ويستريحوا من الهول والكرب والغم الذي أصابهم في عرصات القيامة، وهاتان الشفاعتان خاصتان برسول الله صلي الله عليه وسلم. اعني الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضي بينهم، والشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة، فيكون له، _ صلي الله عليه وسلم_ شفاعتان: إحداهم في نجاة الناس من الكروب
والهموم، والثانية في حصول مطلوبهم، وهو فتح باب الجنة فيفتح. فأول من يخل الجنة من الناي رسول الله صلي الله عليه وسلم، قبل كل الناس، وأول من يدخلها من الأمم أمة النبي صلي الله عليه وسلم، أما أهل النار_ والعياذ بالله_ فيساقون إلى النار زمرا، ويدخلونها أمة بعد أمة، (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) والعياذ بالله. الثانية تلعن الأولى وهكذا، ويتبرأ بعضهم من بعض، نسأل الله العافية. فإذا أتوا إلى النار وجدوا أبوبها مفتوحة، حتى يبتغوا بعذابها
стр. 467
والعياذ بالله، وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (١٦٩، ١٦٨) . فيدخونها ويخلد فيها الكفار ابد الآبدين، إلى ابد لا منتهى له، كما قال الله _ _ في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وقال : (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً) (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا
اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرسول) (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيل) (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) (الأحزاب: ٦٨، ٦٤) . وقال : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (الجن: من الآية٢٣) !! فهذه ثلاث آيات من كتاب الله_ عز وجل_ كلها فيها التصريح بان أهل النار خالدون فيها أبدا، ولا لأحد بعد كلام الله . كما أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا. فان قال قائل: أن الله تعالى قال في سورة هود: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: ١٠٨، ١٠٦) ، ففي أهل الجنة قال: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يعني غير مقطوع، بل هو دائم. وفي أهل النار قال:
(إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فهل هذا يعني أن أهل النار ينقطع عنهم العذاب؟ فالجواب: نقول لا، ولكن لما كان أهل الجنة يتقلبون بنعمة الله بين
стр. 468
الله_ سبحانه وتعالى_ أن أعطاهم لا ينقطع، أما أهل النار فلما كانوا يتقلبون بعدل الله قال: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فلا معقب لحكمه وقد أراد أن يكون أهل النار في النار، فهو يفعل ما يريد. هذا هو الفرق بين أهل النار وأهل الجنة، فأهل الجنة عطاؤهم غير مجذوذ، وأم أهل النار فانهم يتقلبون بعدل الله، والله فعال لما يريد. هذا الكلام فيما تيسر مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر. وقوله: ((وان تؤمن بالقدر خيره وشره)) هذا الركن السادس. والقدر: هو تقدير الله_ سبحانه وتعالى_ لما يكون يوم القيامة، وذلك أن الله_ سبحانه وتعالى_ خلق القلم فقال له اكتب! قال: ربي وما اكتب؟ قال: اكتب وهو كائن؟ فجري في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطاءه لم يكن ليصيبه، وقد ذكر الله هذا في كتابه إجمالا فقال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠) وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: ٢٢) ، من قبل أن نبراها أي: من قبل أن نخلقها، أي: من قبل أن نخلق الأرض، ومن قبل أن نخلق أنفسكم، ومن قبل أن نخلق المصيبة. فان الله كتب هذا من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
стр. 469
قال أهل العلم: ولا بد للإيمان بالقدر من أن تؤمن بكل مراتبه الأربع: المرتبة الأولى: أن تؤمن بان الله_ سبحانه وتعالى_ عليم بكل شئ، وهذا كثير في الكتب العظيم، يذكر الله عموم علمه بكل شئ، كما قال الله تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: من الآية١٢) ، ولقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: من
الآية٥٩) . المرتبة الثانية: أن تؤمن بان الله تعالى كتب مقادير كل شئ إلى قيام الساعة، كتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكل شئ كائن فانه مكتوب قد انتهي منه، جفت الأقلام وطويت الصحف، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاءك لم يكن ليصيبك، فإذا أصابك شئ لا تقل لو فعلت كذا ما أصابني، إن هذا الشيء مكتوب لابد إن يقع كما كتب ، قلا مفر منه مهما عملت، فالأمر سيكون علي ما وقع لا يتغير أبدا، لان هذا أمر قد كتب. فان قال قائل: ألم يكن قد جاء في الحديث: ((من احب إن يبسط له في رزقه، وينسى له في أثره، فليصل رحمه)) ؟.
стр. 470
فالجواب: بلي قد جاء هذا، ولكن الإنسان الذي قد بسط له في رزقه ونسئ له في أثره من اجل الصلة، قد كتب انه سيصل رحمه، وانه سيبسط له في الرزق، وانه سينسى له في الأثر، لابد إن يكون الآمر هكذا، ولكن الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ قال: ((من احب إن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره)) الحديث، من اجل إن نبادر ونسارع في صلة الرحم، وإلا فهو مكتوب إن الرجل سوف يصل رحمه ويحصل له هذا الثواب، أو انه لن يصل رحمه ويحرم من هذا الثواب، أمر منته، لكن اخبرنا الرسول_ عليه الصلاة والسلام_
بهذا من اجل إن نحرص علي صلة الرحم. واعلم إن الكتابة في اللوح المحفوظ يعقبها كتابات آخر. منه: إن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة اشهر أرسل الله إليه ملكا موكلا بالأرحام فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، واجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فيكتب ذلك، وهذه الكتبة غير الكتابة في اللوح المحفوظ، هذه كتابة في مقتبل عمر الإنسان، ولهذا يسميها العلماء: الكتابة العمرة، يعني نسبة العمر. كذلك: هناك كتابة أخرى تكون في كل سنة، وهي في ليلة القدر، فان ليلة القدر يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: ٤، ٣) ، ((يفرق)) أي: يبين ويفصل، ولهذا سميت ليلة القدر.
стр. 471
المرتبة الثالثة للإيمان بالقدر: إن تؤمن بان كل شئ بمشيئة الله، لا يخرج عن مشيئته شئ، ولا فرق بين إن يكون هذا الواقع مما يختص الله به، كإنزال المطر وإحياء الموتى وما أشبه ذلك، أي مما يعلمه الخلق، كالصلاة والصيام وما أشبهها، فكل هذا بمشيئة الله. قال الله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: ٢٩، ٢٨) . وقال الله تعالى:) ِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: من الآية٢٥٣) ، فين الله_ سبحانه وتعالى_ لنا انه لا مشيئة لنا ألا بمشيئة الله، فلا يكون في ملكه ما لا يشاء أبدا، ولهذا اجمع المسلمون علي هذه الكلمة العظيمة: ((ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن)) . وأما المرتبة الرابعة: فهي الإيمان بان كل شئ مخلوق لله، لقول الله ﵎: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: ٦٢) ، وقال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان: من الآية٢) فكل شئ واقع مخلوق لله ، فالإنسان مخلوق لله وعمله مخلوق لله، قال الله عن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ وهو يخاطب قومه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦) ، ففعل العبد مخلوق
لله، لكن المباشر للفعل هو العبد وليس الله، لكن الله هو الذي خلق هذا الفعل ففعله العبد،
стр. 472
فهو منسوب لله خلقا ومنسوب إلى العبد كسبا وفعلا، فالفاعل هو العبد والكاسب هو العبد، والخالق هو الله. فكل شئ مما يحدث فانه مخلوق لله_ عز وجل_ لكن ما كان من صفات الله فليس بمخلوق، فالقران مثلا أنزله الله علي محمد صلي الله عليه وسلم لكنه ليست بمخلوق. هذه أربع مراتب للإيمان بالقدر! يجب إن تؤمن بها كلها، وإلا فانك لم تؤمن بالقدر. وفائدة الإيمان بالقدر عظيمة جدا، لان الإنسان إذا علم إن الشيء لابد إن يقع كما أمر الله استراح، فإذا أصيب بضراء صبر وقال هذا من عند الله، وان اصب بسراء شكر وقال هذا من عند الله، وقد ثبت عن _ النبي ﵊ _ انه قال: ((عجبت لامر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) لان المؤمن يؤمن بان كل شئ بقضاء الله، فيكون دائما في سرور، ودائما في انشراح، لأنه يعلم إن ما أصابه فانه من الله: إن كان ضراء صبر وانتظر الفرج من الله ولجا إلى الله تعالى في كشف هذه الضراء، وان كان سراء شكر وحمد الله وعلم إن ذلك لم يكن بحوله ولا قوته
لكن بفضل من الله ورحمة.
стр. 473
وقوله ﵊: ((خيره وشره)) : الخير ما ينتفع به الإنسان ويلائمه، من علم نافع، ومال واسع طيب، وصحة، وأهل وبنين وما أشبه ذلك. والشر ضد ذلك، من الجهل والفقر والمرض وفقدان الأهل والأولاد وما أشبه هذا. كل هذا من الله ، والخير والشر، فان الله سبحانه يقدر الخير لحكمة ويقدر الشر لحكمة، كما قال الله : (? وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: من الآية٣٥) . فإذا علم الله إن من الخير والحكمة إن يقدر الشر قدره لمل يترتب عليه من المصالح العظيمة، كقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١) . فإذا قال قائل: كيف تجمع بين قول النبي ﵊: ((وان تؤمن بالقدر خيره وشره)) وقوله صلي الله عليه وسلم: ((الشر ليس إليك)) ، فنفي إن يكون الشر إليه؟ فالجواب علي هذا إن نقول: إن الشر المحض لا يكون بفعل الله أبدا، فالشر المحض الذي ليس فيه خيرا لا حالا ولا مالا لا يمكن إن يوجد في
فعل الله أبدا، هذا من وجه، لأنه حتى الشر الذي قدره الله شرا لابد إن
стр. 474
يكون له عاقبة حميدة، ويكون شرا علي قوم وخيرا علي آخرين. أرابت لو انزل الله المطر مطرا كثيرا فاغرق زرع إنسان، لكنه نفع الأرض وانتفعت به أمة، لكان هذا خيرا بالنسبة لمن انتفع به، شرا لمن تضرر به، فهو خير من وجه وشر من وجه. ثانيا: حتى الشر الذي يقدره الله علي الإنسان هو خير في الحقيقة، لان إذا صبر واحتسب الأجر من الله نال بذلك أجرا اكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر، وربما يكون سببا للاستقامة ومعرفة قدر نعمة الله علي العبد فتكون العاقبة حميدة. ولهذا ذكر عن بعض العابدات إنها أصيبت في إصبعها أو يدها فانجرحت فصبرت وشكرت الله علي هذا وقالت: ((إن حلاوة اجرها آنستم مرارة صبرها)) ! ثم نقول: إن الشر في الحقيقة ليس في فعل الله نفسه، بل في مفعولاته، فالمفعولات هي التي فيها خير وشر، أما الفعل نفسه فهو خير، ولهذا قال الله : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق: ٢، ١) ، أي: من شر الذي خلقه الله، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل نفسه، أما فعل الله فهو خير. ويدلك لهذا انه لو كان عندك مريض وقيل
إن من شفائه إن تكويه بالنار، فكويته بالنار، فالنار مؤلمة بلا شك، لكن فعلك هذا ليس بشر، بل هو خير للمريض، لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي، كذلك فعل الله للأشياء المكروهة والأشياء التي فيها شر، هي بالنسبة لفعله وإيجاد خير،
стр. 475
لأنه يترتب عليها خير كثير. فان قال قائل: كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) يعني من فضله، هو الذي من عليك بها أولا وأخرا (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: أنت سببها، وإلا فالذي قدرها هو الله، لكن أنت السبب، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) . وخلاصة الكلام: إن كل شئ واقع فانه بقدر الله، سواء كان خيرا أم شرا. ثم قال عمر_ رضي الله عنه_ فيما نقله عن جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ قال للنبي صلي الله عليه وسلم: ((اخبرني عن الإحسان؟ قال: إن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك)) . الإحسان: ضد الإساءة، والمراد هنا بالإحسان هنا إحسان العمل، فبين النبي_ عليه الصلاة والسلام_ إن الإحسان إن تعبد الله كأنك تراه، يعني:
تصلي وكأنك تري الله ، وتزكي وكأنك تراه، وتصوم وكأنك تراه، وتحج وكأنك تراه، تتوضأ وكأنك تراه، وهكذا بقية الأعمال. وكون الإنسان يعبد الله كأنه يراه دليل علي الإخلاص لله_ عز وجل_ وعلي إتقان العمل في متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم لان كل من عبد الله علي هذا الوصف فلا بد إن يقع في قلبه من محبة الله وتعظيمهما يحمله علي إتقان
стр. 476
العمل وأحكامه. ((فان لم تكن تراه فانه يراك)) أي: فان لم تعبد الله علي هذا الوصف فاعبده علي سبيل المراقبة والخوف ((فانه يراك)) ومعلوم إن عبادة الله علي وجه الطلب اكمل من عبادته علي وجه الهرب! فها هنا مرتبتان: المرتبة الأولى: إن تعبد الله كأنك تراه، وهذه مرتبة الطلب. والثانية: إن تعبد الله وأنت تعلم انه يراك، وهذه مرتبة الهرب، وكلتاهما مرتبتان عظيمتان، لكن الأولى اكمل وافضل. ثم قال جبريل: ((اخبرني عن الساعة)) ، أي: عن قيام الساعة التي يبعث فيها الناس ويجازون فيها علي أعمالهم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) ، المسؤول عنها: يعني نفسه ﵊، بأعلم من السائل: يعني جبريل، يعني: انك إذا كنت يا جبريل تجهلها، فأنا
كذلك أجهلها. فهذان رسولان كريمان أحدهما رسول ملكي، والثاني رسول بشري، وهما اكمل الرسل، ومع ذلك فكل منهما ينفي إن يكون له علم بالساعة، لان علم الساعة عند من بيده إقامتها ، وهو الله ﵎، كما قال الله في آيات متعددة: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) (لأعراف: من الآية١٨٧) ، (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) (الأحزاب: من الآية٦٣) ، فعلمها عند الله، فمن ادعي علم الساعة فانه كاذب، ومن أين له إن يعلم ورسول الله صلي الله عليه وسلم لا يعلم، وجبريل_ عليه الصلاة والسلام_ لا يعلم، وهما افضل الرسل.
стр. 477
ولكن الساعة لها إمارات، كما قال الله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: من الآية١٨) ، أي: علاماتها. ولهذا لما اخبر النبي صلي الله عليه وسلم جبريل إن لا علم له بذلك قال: ((فاخبرني عن إماراتها)) أي: علاماته الدالة علي قربها. فقال: ((إن تلد الأمة ربتها، وان تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان)) الأول:
((إن تلد الأمة ربتها)) يعني: إن تكون الأمة المملوكة تتطور بها الحال حتى تكون ربة للمماليك الآخرين، وهو كناية عن كثرة الأموال. وكذلك الثاني: ((وان تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان)) الحفاة: الذين ليس لهم نعال من الفقر، والعراة: ليس لهم كسوة من الفقر، العالة: الفقراء. يتطاولون في البنيان: يعني انهم لا يلبثون إلا إن يكونوا أغنياء يتطاولون في البنيان حسا بان يرفعوا بنيانهم إلى السماء، ويتطاولون فيها معني إن يحسنوها ويزينوها ويدخلوا عليها كل ما يكون من مكملاتها، لان لديهم وفرة من المال. وكل هذا وقع، وهناك إمارات أخرى وعلامات أخرى ذكرها أهل العلم في باب الملاحم والفتن وأشرط الساعة وهي كثيرة. ثم انطلق جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ ولبثوا ما شاء إن يلبثوا، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم لعمر ﵁: ((أتدرى من السائل؟ قال: الله ورسوله اعلم!)) قال: ((فانه جبريل آتكم ليعلمكم دينكم)) . وفي هذا الحديث من الفوائد:
стр. 478
١_ إلقاء السائل علي الطلبة ليمتحنهم، كما القي النبي عليه الصلاة والسلام_ المسالة علي عمر ﵁. ٢_ وفيه أيضا: جواز قول الإنسان: الله ورسوله
اعلم، ولا يلزمه إن يقول: الله ثم رسوله اعلم، لان علم الشريعة الذي يصل إلى النبي _ عليه الصلاة والسلام_ من علم الله، فعلم الرسول من علم الله_ سبحانه وتعالى_ فصح إن يقال: الله ورسوله اعلم، كما قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (التوبة: من الآية٥٩) ، ولم يقل: ثم رسوله، لان الإيتاء هنا إيتاء شرعي، وإيتاء النبي صلي الله عليه وسلم الشرعي من إيتاء الله. فالمسائل الشرعية يجوز إن تقول: الله ورسوله، بدون (ثم) أما المسائل الكونية، كالمشيئة وما أشبهها، فلا تقال: الله ورسوله، بل: الله ثم رسوله، ولهذا لما قال رجل للنبي صلي الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. قال: ((اجعلني لله ندا، بل ما شاء الله وحده)) ، ٣_ وفي هذا دليل علي إن السائل إذا سال عن شئ يعلمه من اجل إن ينتفع الآخرون فانه يكون معلما لهم، لا الذي أجاب: النبي_ عليه الصلاة والسلام_ وجبريل سائل لم يعلم الناس، لكن كان سببا في هذا الجواب الذي ينتفع به الناس. فقال بعض العلماء: انه ينبغي لطالب العلم إذا جلس إذا مع عالم في مجلس إن يسال عن المسائل التي تهم الحاضرين وان كان يعلم حكمها،
стр. 479
من اجل إن ينفع
الحاضرين ويكون معلما لهم. ٤_ وفي هذا دليل علي بركة العلم، وان العلم ينتفع به السائل والمجيب، كما قال هنا: ((يعلمكم دينكم)) . ٥_ وفيه أيضا دليلا إن هذا الحديث حديث عظيم يشتمل علي الدين كله، ولهذا قال: ((يعلمكم دينكم)) لأنه مشتمل علي أصول العقائد وأصول الأعمال. أصول العقائد وأصول الأعمال هي أركان الإسلام الخمسة. والله الموفق. ٦١_ الثاني: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل، ﵄، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. الشرح هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف ﵀، وفيه إن النبي صلي الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة
стр. 480
الوصية الأولى: قال: ((اتق الله حيثما كنت)) وتقوي الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر، هذه هي التقوى! إن تفعل ما أمرك الله به إخلاصا لله، واتباعا لرسول الله صلي الله عليه وسلم وان تترك ما نهي الله عنه امتثالا لنهي الله_ عز وجل_ وتنزهها عن محارم الله، فتقوم بما أوجب الله عليك في اعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة،
فتاتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات، فمن أخل بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها اوأركانها فانه لم يتق الله، بل نقص من تقواه بقدر ما ترك ما أمر الله به في صلاته، وفي الزكاة تقوى الله فيها إن تحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتخرج زكاتك طيبو بها نفسك من غير بخل ولا تقتير ولا تأخير، فمن لم يفعل فانه لم يتقي الله. وفي الصيام تأتى بالصوم كما أمرت، مجتنبا فيه اللغو والرفث والصخب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما ينقص الصوم ويزيل روح الصوم ومعناه الحقيقي، وهو الصوم عما حرم الله . وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعة لله، وامتثالا لأمره، وإخلاصا له، واتباعا لرسوله، وكذلك في المنهيات تترك ما نهي الله عنه، امتثالا لنهي الله_ عز وجل_ حيث نهاك فانته. الوصية الثانية: ((اتبع السيئة الحسنة تمحها)) أي: إذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة، فان الحسنات يذهبن السيئات، ومن الحسنات بعد السيئات إن تتوب إلى الله من السيئات فان التوبة من افضل الحسنات، كما قال الله : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) ، وقال الله
стр. 481
تعالى: (وَتُوبُوا
إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) . وكذلك الأعمال الصالحة تكفر السيئات، كما قال النبي ﵊: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)) . وقال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) فالحسنات يذهبن السيئات. الوصية الثالثة: ((خالق الناس بخلق حسن)) ! الوصيتان الأوليتان في معاملة الخالق، والثالثة في معاملة الخلق، إن تعاملهم بخلق حسن تحمد عليه ولا تذم فيه، وذلك بطلاقة الوجه، وصدق القول، وحسن المخاطبة، وغير ذلك من الأخلاق الحسنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن، حتى قال النبي ﵊: ((اكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا)) ، واخبر إن أولى الناس به صلي الله عليه وسلم وأقربهم من منزلة يوم القيامة أحسنهم أخلاقا
стр. 482
فالأخلاق الحسنة مع كونها مسلكا حسنا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبا إلى الناس فيها اجر عظيم يناله الإنسان يوم القيامة. فاحفظ هذه الوصايا الثلاثة من النبي صلي الله عليه وسلم لتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق
الناس بخلق حسن. والله الموفق. ٦٢_ الثالث: عن ابن عباس_ رضي الله عنهما_ قال: كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم يوما فقال: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سالت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: إن الأمة لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا علي إن يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم إن ما أخطاءك لم يكن ليصيبك، وما أصابك أم يكن ليخطئك، واعلم إن النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا)) .
стр. 483
الشرح قوله: ((كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم)) أي راكبا معه. قوله: ((فقال لي يا غلام ... احفظ الله يحفظك)) قال له: يا غلام، لان ابن عباس_ رضي الله عنهما_ كان صغيرا فان النبي صلي الله عليه وسلم توفي وهو قد ناهز الاحتلال، يعني من الخامسة العشرة إلى السادسة عشرة أو اقل. فكان راكبا خلف الرسول صلي الله عليه وسلم فوجه إليه النبي صلي الله عليه وسلم
هذا النداء: ((يا غلام، احفظ الله يحفظك)) كلمة جليلة عظيمة، احفظ الله، وذلك بحفظ شرعه ودينه، بان تمتثل لأوامره وتجتب نواهيه، وكذلك بان تتعلم من دينه ومن شريعته_ سبحانه وتعالى_ ما تقوم به عباداتك ومعاملاتك، وتدعوا به إلى الله _ عز وجل_ لان كل هذا من حفظ الله، فالله_ سبحانه وتعالى_ نفسه ليس بحاجة إلى أحد حتى يحفظ، ولكن المراد حفظ دينه وشريعته، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد: من الآية٧) ، وليس المعني: تنصرون ذات الله، لان الله_ سبحانه وتعالى_ غني عن كل أحد، ولهذا قال في آية أخرى: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ) (محمد: من الآية٤) ، ولا يعجزونه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) (فاطر: من الآية٤٤) . إذا: ((احفظ الله يحفظك)) جملة تدل علي إن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله تعالى في بدنه، وحفظه في ماله وأهله، وفي دينه، وهذه أهم الأشياء، إن يحفظك الله في دينك، وهو إن يسلمك من الزيغ والضلال، لان الإنسان كلما اهتدي زاده الله هدي، كما قال تعالى:
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٧) ، وكلما ضل_ والعياذ بالله_ فانه
стр. 484
يزداد ضلالا، كما جاء في الحديث: ((إن العبد فإذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فان هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه)) وان اذنب ثانية انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يطبع علي قلبه. نسأل الله العافية. إذا: يحفظك في دينك وفي بدنك ومالك واهلك، أهمها حفظ الدين، نسأل الله تعالى إن يحفظ علينا وعلكم ديننا. وقوله: ((احفظ الله تجده تجاهك)) وفي لفظ آخر: ((تجده أمامك)) . احفظ الله أيضا بحفظ شريعته، بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهك وأمامك، ومعناهما واحد، يعني تجد الله أمامك يدلك علي كل خير ويذود عنك كل شر، ولا سيما إن حفظت الله بالاستعانة به، فان الإنسان إذا استعان بالله وتوكل علي الله كان الله حسبه، أي كافية، ومن كان الله حسبه فانه لا يحتاج إلى أحد بعد الله. قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (لأنفال: ٦٤) ، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين. (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) (لأنفال: من
الآية٦٢) ، فإذا كان الله حسب الإنسان، أي كافية، فانه لن يناله سوء، ولهذا قال: ((احفظ الله تجده تجاهك)) أو ((تجده أمامك)) ! والمراد بحفظه حفظ شريعته، ولا سيما بالتوكل عليه والاستعانة به.
стр. 485
ثم قال له: ((إذا سالت فأسال الله)) أي لا تعتمد علي أحد مخلوق، إذا سالت فأسال الله. مثلا: إنسان فقير ليس عنده مال، يسال الله يقول: اللهم ارزقني، اللهم هيئ لي رزقا. فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب. لكن لو سال الناس فربما يعطونه أو يمنعونه، ولهذا جاء في الحديث: ((لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب علي ظهره، خير له من إن يأتي رجلا، أعطاه أو منعه)) . فكذلك أنت، إذا سالت فأسال الله، قل: ((اللهم ارزقني)) اللهم أغنني بفضلك عمن سواك)) وما أشبه ذلك من الكلمات التي تتجه بها إلى الله . وقوله: ((إذا استعنت فاستعن بالله)) الاستعانة طلب العون، فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسببا لا ركنا تعتمد عليه! اجعل الركن الأصيل هو الله ، إذا سالت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وفي هاتين الجملتين دليل علي انه من نقص التوحيد إن
الإنسان يسال غير الله، ولهذا تكره المسالة لغير الله_ عز وجل_ في قليل أو كثير. لا تسال إلا الله ، ولا تستعن إلا بالله.
стр. 486
والله سبحانه إذا أراد عونك يسر لك العون، سواء كان بأسباب معلومة أو بأسباب غير معلومة. قد يعنيك الله بسبب غير معلوم لك، فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لاحد به، وقد يعنيك الله علي يد أحد من الخلق يسخره لك ويذلله لك حتى يعنيك، ولكن مع ذلك لا يجوز لك_ إذا أعانك الله علي يد أحد_ إن تنسي المسبب وهو الله ، كما يفعله بعض الجهلة الآن من تعلقهم بالسب وضعف اعتمادهم علي الله لما حصل عون ظاهر من دول كافرة، وما علموا إن الكفرة هم أعداء لهم إلى يوم القيامة سواء أعانوهم أم لا؟. بل النافع الضار هو الله وهذا من تسخيره_ سبحانه وتعالى_ لعباده المؤمنين، كما جاء في الحديث: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) فيجب علينا إن لا ننسي فضل الله الذي سخرهم لنا، ويجب علينا إن ننبه العامة، إذا سمعنا أحدا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة، وهم الأول والآخر، فيجب علينا إن نبين لهم إن هذا خلل في التوحيد. والله اعلم. وقوله: ((واعلم إن الأمة لو
اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)) . فبين النبي_ عليه الصلاة والسلام_ في هذه الجملة إن الأمة لو
стр. 487
اجتمعت كلها علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك! فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم انه من الله، لأنه هو الذي كتبه، فلم يقل النبي صلي الله عليه وسلم: لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك. بل قال: ((لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)) . فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا، ويساعد بعضهم بعضا، لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان، فالفضل لله فيه أولا ، هو الذي سخر لك من ينفعك ويحسن إليك ويزيل كربتك، وكذلك بالعكس، لو اجتمعوا علي إن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. والإيمان بهذا يستلزم إن يكون الإنسان متعلقا بربه ومتكلا عليه لا يهتم بأحد، لأنه يعلم انهم لو اجتمع كل الخلق علي إن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. وحيئذ يعلق رجاءه بالله ويعتصم به، ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه، ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا علي الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين: (وَإِنْ تَصْبِرُوا
وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران: من الآية١٢٠) . ثم قال غليه الصلاة والسلام: ((رفعت الأقلام وجفت الصحف)) يعني إن ما كتبه الله فقد انتهي، والصحف جفت من المداد، ولم يبقه مراجعة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، كما في اللفظ الثاني: ((وما أخطاءك لم يكن ليصيبك)) .
стр. 488
وفي اللفظ الثاني قال ﵊: ((واعلم إن النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا)) . يعني: اعلم علم يقين إن النصر مع الصبر، فإذا صبرت وفعلتما أمرك الله به من وسائل النصر فان الله تعالى ينصرك. والصبر هنا يشمل الصبر علي طاعة الله، وعن معصيته، وعلي أقداره المؤلمة، لان العدو يصيب الإنسان من كل جهة، فقد يشعر الإنسان انه لن يطيق عدوه فيتحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه، فهذا أيضا يجب إن يصبر عليه. قال الله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) (آل عمران: من الآية١٤٠) ، وقال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا
تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء: ١٠٤) ، فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فان الله ينصره. وقوله: ((واعلم إن الفرج مع الكرب)) . كلما اكتربت الأمور وضاقت فان الفرج قريب، لان الله _ عز وجل_ يقول في كتابه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ الإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: ٦٢) ، فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله . وقوله: ((إن مع العسر يسرا)) فكل عسر بعده يسر، بل إن العسر
стр. 489
محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق. قال الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح: ٦، ٥) ، وقال ابن عباس_ رضي الله عنهما_: ((لن يغلب عسر يسرين)) . فهذا الحديث الذي أوصى به النبي صلي الله عليه وسلم عبد الله بن عباس_ رضي الله عنهما_ ينبغي للإنسان إن يكون علي ذكر له دائما، وان يعتمد علي هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلي الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن
عباس_ رضي الله عنهما_ والله الموفق. ٦٣_ الرابع: عن انس_ رضي الله عنه_ قال: ((إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعهدها علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم من الموبقات)) الشرح انس بن مالك_ رضي الله عنه_ من المعمرين، فبقي بعد النبي صلي الله عليه وسلم حالي تسعين سنة. فتغيرت الأمور في عهده_ رضي الله عنه_ واختلفت أحوال الناس، وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة ﵃. مثل صلاة الجماعة، فقد كان الصحابة _ رضي الله عنهم_ لا يتخلف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور، ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا
стр. 490
علي ما كان عليه الصحابة_ رضي الله عنهم_ في عهد النبي صلي الله عليه وسلم. بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط، فلا يصلون، أو يصلون ويتركون، أو يوخرون الصلاة عن وقتها، كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها في عهد النبي صلي الله عليه وسلم والصحابة_ رضي الله عنهم_ كانت تعد من الموبقات. وكذلك أيضا الغش في عهد النبي _ عليه الصلاة والسلام_ قال: ((من غش فليس مني)) . لكن انظر إلى الناس اليوم تجد إن الغش عندهم أهون من
الأشياء، الأشياء، بل إن بعضهم_ والعياذ بالله_ يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود، ويري إن هذا من باب الحذق والذكاء والدهاء نسأل الله العافية_ مع إن النبي صلي الله عليه وسلم تبرا من الإنسان الذي يغش الناس. ومن ذلك الكذب: والكذب من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة_ رضي الله عنهم_ فيرونه من الموبقات، لكن كثيرا من الناس يعده أمرا هينا، فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب، مع إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) وربما يكذب في أمور اخطر فيجحد ما يجب عليه الناس، أو يدعي ما
стр. 491
ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف علي ذلك، فيكون_ والعياذ بالله_ ممن يلقي الله وهو عليه غضبان. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي يعدها الصحابة من المهلكات، ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدق من الشعر، وذلك لأنه كلما قوي الإيمان عظمت المعصية عند الإنسان، وكلما ضعف الإيمان خفت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرا هينا، يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبالي، لأنه ضعيف الإيمان. ٦٤_ الخامس: عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى
يغار، وغيرة الله تعالى إن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)) متفق عليه. والغيرة: بفتح الغين واصلها: الأنفة. الشرح قال المؤلف_ رحمه الله تعالى_ فيما نقله عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى إن يأتي المرء ما حرم الله)) . قوله: ((محارمه)) أي: محارم الله. والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله_ عز وجل_ ولكنها ليست كغيرتنا، بل
стр. 492
هي اعظم واجل، والله_ سبحانه وتعالى_ بحكمته أوجب علي العباد أشياء، وحرم عليهم أشياء، واحل لهم أشياء. فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضر هم ومستقبلهم، وما حرمه عليهم فانه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضر هم ومستقبلهم، فإذا حرم الله علي عباده أشياء فانه_ عز وجل_ يغار إن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله_ سبحانه وتعالى_ إنما حرمها من اجل مصلحة العبد، أما الله_ سبحانه وتعالى_ فلا يضره إن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار كيف يعلم الإنسان إن الله سبحانه حكيم، ورحيم، ولا يحرم علي عباده شيئا بخلا منه عليهم به، ولكن من اجل مصلحتهم، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله_ عز وجل_ ولا سيما في
الزنا_ نسأل الله العافية_ فانه ثبت عن النبي صلي الله عنه وسلم انه قال: ((ما أحد أغير من الله إن يزني عبده أو يزني أمته)) لان الزنا فاحشة، والزنا طريق سافل سيئ، ومن ثم حرم الله علي عباده الزنا وجميع وسائله، كما قال الله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الإسراء: ٣٢) ، فإذا زني العبد_ والعياذ بالله_ فان الله يغار غيرة اشد واعظم من غيرته علي ما دونه من المحارم. وكذلك أيضا_ ومن باب أولى واشد_ اللواط، وهو إتيان الذكر، فان
стр. 493
هذا اعظم واعظم، ولهذا جعله الله تعالى اشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (لأعراف: من الآية٨٠) . قال هنا: (الفاحشة) وفي الزنا قال: (فاحشة) أي: فاحشة من الفواحش، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمي نسأل الله العافية. وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها، لكن بعض المحارم تكون اشد غيرة من بعض، حسب الجرم، وحسب الضار التي تترتب علي ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات
وأحاديث الصفات انهم يثبتونها لله_ سبحانه وتعالى_ علي الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وان الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وان الله_ سبحانه وتعالى_ له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) . والله الموفق. ٦٥_ السادس: عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ انه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل: ابرص، واقرع، واعمي، أراد الله إن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه قذره، واعطي لونا حسنا. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال البقر_ شك الراوي_ فأعطى ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، واعطي شعرا حسنا. قال: فأي المال احب إليك، قال:
стр. 494
البقر، فأعطى بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شئ احب إليك؟ قال؟ إن يرد الله إلى بصري فابصر الناس. فمسحه،
فرد اله إليه بصره. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الغنم، فأعطى شاة والدا. فانتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال. كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله!؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا في دعواك فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، ساعة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت اعمي فرد
стр. 495
الله لي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله . فقال: امسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط علي صاحبيك)) متفق عليه.
والناقة العشراء)) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: ((انتج)) وفي رواية ((فنتج)) معناه: تولي نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ((ولد هذا)) هو بتشديد اللام: أي: تولي ولادتها، وهو بمعني انتج في الناقة. فالمولد، والناتج، والقابلة بمعني، لكن هذا للحيوان وهذا لغيره. قوله: ((انقطعت بي الحبال)) هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: ((لا أجهدك)) معناه: لا اشق عليك في رد شئ تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري ((لا أحمدك)) بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شئ تحتاج إليه، كما قالوا: ليس علي طول الحياة ندم، أي علي فوات طولها. الشرح قوله: ((ثلاثة من بني إسرائيل)) إسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ أخو إسماعيل، ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وعيسي وجميع بني إسرائيل، كلهم من ذرية إسحاق ﵊. وإسماعيل أخو إسحاق، فهم والعرب أبناء اعم، وقد جاءت أخبار
следующие страницы →