← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف علي ذلك، فيكون_ والعياذ بالله_ ممن يلقي الله وهو عليه غضبان. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي يعدها الصحابة من المهلكات، ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدق من الشعر، وذلك لأنه كلما قوي الإيمان عظمت المعصية عند الإنسان، وكلما ضعف الإيمان خفت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرا هينا، يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبالي، لأنه ضعيف الإيمان. ٦٤_ الخامس: عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى إن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)) متفق عليه. والغيرة: بفتح الغين واصلها: الأنفة. الشرح قال المؤلف_ رحمه الله تعالى_ فيما نقله عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى إن يأتي المرء ما حرم الله)) . قوله: ((محارمه)) أي: محارم الله. والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله_ عز وجل_ ولكنها ليست كغيرتنا، بل

стр. 492

هي اعظم واجل، والله_ سبحانه وتعالى_ بحكمته أوجب علي العباد أشياء، وحرم عليهم أشياء، واحل لهم أشياء. فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضر هم ومستقبلهم، وما حرمه عليهم فانه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضر هم ومستقبلهم، فإذا حرم الله علي عباده أشياء فانه_ عز وجل_ يغار إن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله_ سبحانه وتعالى_ إنما حرمها من اجل مصلحة العبد، أما الله_ سبحانه وتعالى_ فلا يضره إن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار كيف يعلم الإنسان إن الله سبحانه حكيم، ورحيم، ولا يحرم علي عباده شيئا بخلا منه عليهم به، ولكن من اجل مصلحتهم، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله_ عز وجل_ ولا سيما في الزنا_ نسأل الله العافية_ فانه ثبت عن النبي صلي الله عنه وسلم انه قال: ((ما أحد أغير من الله إن يزني عبده أو يزني أمته)) لان الزنا فاحشة، والزنا طريق سافل سيئ، ومن ثم حرم الله علي عباده الزنا وجميع وسائله، كما قال الله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الإسراء: ٣٢) ، فإذا زني العبد_ والعياذ بالله_ فان الله يغار غيرة اشد واعظم من غيرته علي ما دونه من المحارم. وكذلك أيضا_ ومن باب أولى واشد_ اللواط، وهو إتيان الذكر، فان

стр. 493

هذا اعظم واعظم، ولهذا جعله الله تعالى اشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (لأعراف: من الآية٨٠) . قال هنا: (الفاحشة) وفي الزنا قال: (فاحشة) أي: فاحشة من الفواحش، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمي نسأل الله العافية. وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها، لكن بعض المحارم تكون اشد غيرة من بعض، حسب الجرم، وحسب الضار التي تترتب علي ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات انهم يثبتونها لله_ سبحانه وتعالى_ علي الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وان الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وان الله_ سبحانه وتعالى_ له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) . والله الموفق. ٦٥_ السادس: عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ انه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل: ابرص، واقرع، واعمي، أراد الله إن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه قذره، واعطي لونا حسنا. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال البقر_ شك الراوي_ فأعطى ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، واعطي شعرا حسنا. قال: فأي المال احب إليك، قال:

стр. 494

البقر، فأعطى بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شئ احب إليك؟ قال؟ إن يرد الله إلى بصري فابصر الناس. فمسحه، فرد اله إليه بصره. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الغنم، فأعطى شاة والدا. فانتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال. كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله!؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا في دعواك فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، ساعة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت اعمي فرد

стр. 495

الله لي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله . فقال: امسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط علي صاحبيك)) متفق عليه. والناقة العشراء)) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: ((انتج)) وفي رواية ((فنتج)) معناه: تولي نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ((ولد هذا)) هو بتشديد اللام: أي: تولي ولادتها، وهو بمعني انتج في الناقة. فالمولد، والناتج، والقابلة بمعني، لكن هذا للحيوان وهذا لغيره. قوله: ((انقطعت بي الحبال)) هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: ((لا أجهدك)) معناه: لا اشق عليك في رد شئ تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري ((لا أحمدك)) بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شئ تحتاج إليه، كما قالوا: ليس علي طول الحياة ندم، أي علي فوات طولها. الشرح قوله: ((ثلاثة من بني إسرائيل)) إسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ أخو إسماعيل، ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وعيسي وجميع بني إسرائيل، كلهم من ذرية إسحاق ﵊. وإسماعيل أخو إسحاق، فهم والعرب أبناء اعم، وقد جاءت أخبار

стр. 496

كثيرة عن ابني إسرائيل، وهي ثلاث أقسام: الأول: ما جاء في القران. والثاني: ما جاء في صحيح السنة. والثالث: ما جاء عن أحبارهم وعن علمائهم. فأما الأول والثاني فلا شك في انه حق، ولا شك في قبوله، مثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية٢٤٦) . ومن السنة مثل هذا الحديث الذي رواه آبو هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم وأما ما روي عنهم عن أحبارهم وعلمائهم فان ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما شهد الشرع ببطلانه، فهذا باطل يجب رده، وهذا يقع كثيرا فيما ينقل من الإسرائيليات في تفسير القران، فانه ينقل في تفسير القران كثير من الأخبار الإسرائيلية التي يشهد الشرع ببطلانها. والثاني: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل، لا لأنه من أخبار بني إسرائيل، ولكن لان الشرع شهد بصدقه وانه حق. والثالث: ما لم يكن في الشرع تكذيبه ولا تصديقه، فهذا يتوقف فيه، لا يصدقون ولا يكذبون، لأننا إن صدقناهم فقد يكون باطلا، فنكون قد صدقناهم بباطل، وان كذبناهم فقد يكون حقا، فقد كذبناهم بحق، ولهذا نتوقف فيه، ولكن مع ذلك لا حرج من التحديث به فيما ينفع في ترغيب أو ترهيب. ذكر النبي_ عليه الصلاة والسلام_ في هذا الحديث إن ثلاثة من بني

стр. 497

إسرائيل ابتلاهم الله_ عز وجل_ بعاهات في أبدانهم، أحدهم ابرص، والثاني اقرع ليس علي رأسه شعر، والثالث اعمي لا يبصر. فأراد الله_ سبحانه وتعالي_ إن يبتليهم ويختبرهم، لان الله سبحانه يبتلي العبد بما شاء ليبلوه هل يصبر أو يضجر إذا كان ابتلاه بضراء، وهل يشكر أو يقتر إذا كان قد ابتلاه بسراء. فبعث الله إليهم ملكا من الملائكة واتاهم يسألهم: أي شئ احب إليهم؟ فبدا بالأبرص فقال: ((أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به)) لان أهم شئ عند الإنسان إن يكون معافى من العاهات، ولا سيما العاهات المكروهة عند الناس. فمسحه الملك فبرا بإذن الله، وزال عنه البرص، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. ثم قال له: ((أي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال _ البقر!)) والظاهر انه قال: الإبل، لأنه في قصة الأقرع أعطي البقر، فأعطاه ناقة عشراء، وقال له: بارك الله لك فيها. فذهب عنه الفقر، وذهب عنه العيب البدني، ودعا له الملك بان يبارك الله له في هذه الناقة. ثم أتى الأقرع وقال: ((أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس)) فمسحه، فأعطى شعرا حسنا. وقيل له: ((أي المال احب إليك؟ قال البقر، فأعطى بقرة حاملا، وقال له: بارك الله لك فيها أما الأعمى فجاء الملك فقال له: ((أي شئ احب إليك؟ قال: إن يرد

стр. 498

الله علي بصري فابصر به الناس)) ، وتأمل قول الأعمى هذا، فانه لم يسال إلا بصرا يبصر به الناس فقط، أما الأبرص والأقرع فان كل واحد منهما تمني شيئا اكبر من الحاجة، لان الأبرص قال: جلدا حسنا ولونا حسنا، وذاك قال: شعرا حسنا، فليس مجرد جلدا أو شعر أو لون، بل تمنيا شيئا اكبر، أما هذا فان عنده زهدا، لذا لم يسال إلا بصرا يبصر به الناس فقط. ثم أساله: ((أي المال احب إليك؟ قال: الغنم)) وهذا أيضا من زهده، فلم يتمني الإبل ولا البقر، بل الغنم، ونسبة الغنم للبق والإبل قليلة، فأعطاه شاة والدا وقال: بارك الله لك فيها. فبارك الله_ سبحانه وتعالى_ للأول في ابله، والثاني في بقره، وللثالث في غنمه، وصار لكل واحد منهما واد مما أعطي، للأول واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم. ثم إن هذا الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته، صورته البدنية، وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير، وقال له: ((رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك)) . فتوسل إليه بذكر حاله انه فقير، وانه ابن سبيل أي مسافر، وان الحبال أي الأسباب التي توصله إلى أهله قد انقطعت به، وانه لا بلاغ له إلا بالله ثم به. وقال له: ((أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري)) لكنه قال: ((الحقوق كثيرة)) وبخل بذلك، مع إن له واديا من الإبل، لكنه قال: الحقوق كثيرة، وهو فيما يظهر_ والله اعلم_

стр. 499

انه لا يؤدي شيئا منها، لان هذا من أحق ما يكون، لأنه مسافر وفقير وانقطعت به الحبال، ومن أحق ما يكون استحقاقا للمال، ومع ذلك اعتذر له! فذكره بما كان عليه من قبل فقال له: ((كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله)) أي أعطاك المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، ولكنه قال والعياذ بالله: ((إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر)) وانكر نعمة الله. فقال له الملك: ((إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت)) أي: إن كنت كاذبا فيما تقول فصيرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص. والذي يظهر إن الله استجاب دعاء الملك وان كان دعاء مشروطا، لكنه كان كاذبا بلا شك، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط. وأتى القرع فقال له مثلما قال للأبرص، ورد عليه مثلما رد عليه الأبرص، فقال: ((إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت عليه)) وأتى الأعمى وذكره بنعمة الله عليه: ((فقال: كنت اعمي فرد الله إلي بصري)) فاقر بنعمة الله عليه ((فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذته لله ) . أي: لا أمنعك ولا اشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله . فانظر إلى الشكر والاعتراف بالنعمة. فقال له الملك: ((امسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط علي صاحبيك)) . وهذا يدل علي إن القصة كانت مشهورة بين الناس، ولهذا قال: ((سخط علي صاحبيك)) ، فامسك ماله وبقي قد انعم الله

стр. 500

عليه بالصبر، وأما الآخران فان الظاهر إن الله ردهما إلي ما كنا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله. وفي هذا دليل علي إن شكر نعمة الله علي العبد من أسباب بقاء النعم وزيادتها، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: ٧) . وفي قصتهم آيات من آيات الله : منها: إثبات الملائكة، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله _ عز وجل_ من نور، وجعل لهم قوة في تنفيذ أمر الله، وجعل لهم إرادة في طاعة الله، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ومنها: إن الملائكة قد يكونون علي صورة بني آدم، فان الملك أتى لهؤلاء الثلاث بصورة إنسان. ومنها أيضا: انهم_ أي الملائكة_ يتكيفون بصورة الشص المعين، كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى غفي المرة الثانية بصورته وهيئته. ومنها أيضا: انه يجوز الاختبار للإنسان في إن يأتي الشخص علي هيئة معينة ليختبره، فان هذا الملك جاء علي صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرق له هؤلاء الثلاثة، مع إن الملك فيما يبدو_ والعلم عند الله_ لا يصاب في الأصل بالعاهات، ولكن الله_ سبحانه وتعالى_ جعلهم يأتون علي هذه الصورة من اجل الاختبار. ومنها: إن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحة واحدة فأزال الله عيبهم بهذه المسحة، لان الله_ سبحانه وتعالى_ إذا أراد شيئا قال

стр. 501

له كن فيكون، ولو شاء الله لاذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببا للابتلاء والامتحان. ومنها: إن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فان هؤلاء النفر الثلاث صار لواحد واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم، وهذا من بركة الله . وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة. ومنها: تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله ونفع عباد الله، فان الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرا عن كابر، وهم كذبة في ذلك، فانهم كانوا فقراء أعطاهم الله المال، لكنهم_ والعياذ بالله_ جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فانه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذاك وفق وهداه الله وقال للملك: ((خذ ما شئت ودع ما شئت)) ومنها أيضا: إثبات الرضا والسخط لله ، أي انه يرضي علي ما شاء ويسخط علي ما شاء، وهما من الصفات التي يجب إن نثبتها لربنا ، لأنه وصف نفسه بها. ففي القران الكريم: الرضا: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة: من الآية١٠٠) ، وفي القران الكريم: (أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (المائدة: من الآية٨٠) ، وفي القران العظيم الغضب: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (النساء: من الآية٩٣) ، وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة

стр. 502

والجماعة بأنها ثابتة لله علي وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما إن الله_ عز وجل_لا يشبه المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. ومن فوائد هذا الحديث: إن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلي الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتعظ. ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاث الذين لجاءوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها، وتوسل كل واحد منهم إلى الله تعالى بصالح عمله. فالنبي _ عليه الصلاة والسلام_ يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا إن نأخذ من هذا الحديث عبرة بان الإنسان إذا شكر نعمة الله، واعترف لله بالفضل، وادي ما يجب عليه في ماله، فان ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله. والله الموفق. ٦٦_ السابع: عن أبي يعلي شداد بن اوس_ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمني علي الله))

стр. 503

رواه الترمذي وقال صيح حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء: معني: ((دان نفسه)) أي: حاسبها. الشرح قوله: ((الكيس)) معناه الإنسان الحازم الذي يغتنم الفرص ويتخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع. وقوله: ((من دان نفسه)) أي: من حاسبها ونظر ما فعل من المأمورات وماذا ترك من المهينات: هل قام بما أمر به، وهل ترك ما نهي عنه، فإذا رأي من نفسه تفريطا في الواجب استدركه إذا أمكن استدراكه، وقام به أو بدله، وإذا راء من نفسه انتهاكا لمحرم اقلع عنه وندم وتاب واستغفر. وقوله: ((عمل لما بعد الموت)) يعني عمل للآخرة، لان كل ما بعد الموت فانه من الآخرة، وهذا هو الحق والحزم، إن الإنسان يعمل لما بعد الموت، لأنه في هذه الدنيا مارا بها مرورا، والمال هو ما بعد الموت، فاذا فرط ومضت عليه الأيام وأضاعها في غير ما ينفعه في الآخرة فليس بكيس، الكيس هو الذي يعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وصار لا يهتم إلا بأمور الدنيا، فيتبع نفسه هواها في التفريط في الأوامر، ويتبع نفسه هواها في فعل النواهي، ثم يتمني علي الله الأماني فيقول: الله غفور رحيم، وسوف أتوب إلى الله في المستقبل، وسوف اصلح من حالي إذا كبرت، وما أشبه من الأماني الكاذبة التي يمليها الشيطان عليه، فربما

стр. 504

يدركها وربما لا يدركها. ففي هذا الحديث: الحث علي انتهاز الفرص، وعلي إن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله_ عز وجل_وان يدع الكسل والتهاون والتمني، فان التمني لا يفيد شيئا، كما قال الحسن البصري ﵀: ((ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)) . فعلينا أيها الاخوة إن ننتهز الفرصة في كل ما يقرب إلى الله من فعل الاوامر واجتناب النواهي، حتى إذا قدمنا علي الله كنا علي اكمل ما يكون من حال. نسأل الله إن يعيننا وإياكم علي ذكره وشكره وحسن عبادته. ٦٧_ الثامن: عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: فالرسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) حديث حسن رواه الترمذي وغيره. الشرح إسلام المرء هو استسلامه لله_ عز وجل_ ظاهرا وباطنا. فأما باطنا فاستسلام العبد لربه بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه، وذلك بان يكون مؤمنا بكل ما يجب الإيمان به علي ما سبق في حديث جبريل.

стр. 505

وأما الاستسلام ظاهرا فهو إصلاح عمله الظاهر، كأقواله بلسانه وأفعاله بجوارحه. والناس يختلفون في الإسلام اختلافا ظاهرا كثيرا، كما إن الناس يختلفون في اشكالهم وصورهم، منهم الطويل ومنهم القصير، ومنهم الضخم ومنهم من دون ذلك، ومنهم القبيح ومنهم الجميل، فيختلفون اختلافا ظاهرا. فكذلك أيضا يختلفون في إسلامهم لله_ عز وجل_ حتى قال الله في كتابه: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: من الآية١٠) . وإذا كان الناس يختلفون في الإسلام، فان مما يزيد في حسن إسلام المرء إن يدع ما لا يعنيه ولا يهمه لا في دينه ولا في دنياه. فالإنسان المسلم إذا أراد إن يجعل إسلامه حسنا فليدع ما لا يعنيه، فالشيء الذي لا يهمه يتركه. فمثلا: إذا كان هناك عمل وترددت هل تفعل أو لا تفعل؟ انظر هل هو من الأمور الهامة في دينك ودنياك فافعله، وإلا فاتركه، والسلامة اسلم. كذلك أيضا إن لا تدخل في شؤون الناس إذا كان هذا لا يهمك، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، من حرصه علي اطلاعه علي أعراض الناس وأحوالهم، ويجد اثنان يتكلمان فيحاول إن يتقرب منهما حتى يسمع ما يقولان، ويجد شخصا جاء من جهة من الجهات فتراه يبحث وربما يبادر الشخص نفسه ويقول له: من أين جئت؟ وماذا قال لك فلان؟ وماذا قلت له؟ وما أشبه ذلك في أمور لا تعنيه ولا تهمه. فالأمور التي لا تعنيك اتركها، فان هذا من حسن إسلامك، وهو أيضا

стр. 506

فيه راحة للإنسان، فكون الإنسان لا يهمه إلا نفسه هذا هو الراحة، أما الذي يتتبع أحوال الناس ماذا قيل؟ وماذا حدث لهم؟ ... فانه سوف يتعب تعبا عظيما، ويفوت علي نفسه خيرا كثيرا، مع انه لا يستفيد شيئا، فاجعل دأبك داب نفسك، وهمك هم نفسك، وانظر إلى ما ينفعك فافعله، والذي لا ينفعك اتركه، وليس من حسن إسلامك إن تبحث عن أشياء لا تهمك. ولو أننا مشينا علي هذا وصار الإنسان دأبه داب نفسه ولا ينظر إلا إلى فعله، لحصل خيرا كثيرا. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة. وتجد الرجل الدؤوب الذي ليس له هم إلا نفسه وما يعنيه، تحده ينتج ويثمر ويحصل، ويكون في راحة فكرية وقلبية وبدنية، ولذا يعد هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلي الله عليه وسلم فإذا أردت شيئا فعلا أو تركا انظر هل يهمك أو لا؟! إن كان لا يهمك اتركه ولا تتعرض له واسترح منه، وأرح قلبك وفكرك وعقلك وبدنك، وان كان يهمك فاشتغل به بحسبه، فعلي كل حال كل إنسان عاقل كما جاء في الحديث السابق: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)) . فكل إنسان عاقل يحرص علي إن يعمل لما بعد الموت، ويحاسب نفسه علي أعمالها. والله الموفق. التاسع: عن عمر_ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((لا يسال الرجل فيما ضرب امرأته)) رواه آبو داود وغيره

стр. 507

الشرح تساهل المؤلف _ رحمه الله_ في هذا الحديث حيث قال: ((رواه آبو داود وغيره)) ، لان الغير يشمل جميع من خرج الأحاديث، وان كان مثل هذه الصيغة لا يذكر الأعلى، فمثلا إذا قيل: ((رواه آبو داود وغبره)) فيعني ذلك انه لم يروه البخاري ولا مسلم ولا من هو اعلي من أبي داود، وإنما رواه آبو داود وغيره ممن هو دونه. ومعني الحديث: إن الرجل المتقي الله_ عز وجل_ الذي انتهي به الأمر إلى آخر المراتب الثلاث التي أشار الله إليها في قوله L وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) (النساء: من الآية٣٤) ، فالضرب آخر المراتب، فقد يضرب الرجل زوجته علي أمر يستحيا من ذكره، فإذا علم تقوي الرجل لله_ عز وجل_ وضرب امرأته فانه لا يسال، هذا إن صح الحديث، ولكن الحديث ضعيف. أما من كان سيئ العشرة فهذا يسال فيم ضرب امرأته، لأنه ليس عنده من تقوي الله تعالى ما يردعه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحق أن تضرب. والله الموفق

стр. 508

٦- باب التقوى التقويم اسم مأخوذ من الوقاية، وهو إن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله. والذي يقيك من عذاب الله هو فعل أوامر الله ، إن تأخذ أوامر الله وان تترك ما نهي عنه. واعلم إن التقوى أحيانا تقترن بالبر، فيقال بر وتقوي كما في قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية٢) . وتارة تذكر وحدها، فإذا قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر واجتناب النواهي. وإذا أفردت صارت شاملة، تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي، وقد ذكر الله_ تعالى_ في كتابه إن الجنة أعدت للمتقين، فأهل التقوى هم أهل الجنة_ جعلنا الله منهم_ ولذلك يجب علي الإنسان إن يتقي الله ، امتثالا لأمره وطلبا لثوابه والنجاة من عقابه. ثم ذكر المؤلف آيات متعددة فقال ﵀: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (آل عمران: من الآية١٠٢) . وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية١٦) ، وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى. وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (الأحزاب: ٧٠) ، والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: من الآية٣، ٢) ، وقال تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال: من الآية٢٩) ، والآيات في الباب كثيرة ومعلومة.

стр. 509

الشرح قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) فوجه الأمر إلى المؤمنين، إلى المؤمنين، لا المؤمن يحمله إيمانه علي تقوي الله. وقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وحق التقوى مفسرا بما عقبه المؤلف من قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) بعد هذه الآية أي: إن معني قوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) إن تتقي الله ما استطعت، لان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وهذه الآية: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ليست آية يقصد بها التهاون بتقوى الله، ونما يقصد بها الحث علي التقوى بقدر المستطاع، أي: لا تدخر وسعى في تقوي الله، ولك الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيعه، كما قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية٢٨٦) ، ويستفاد من قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) إن الإنسان إذا لم يستطع القيام بأمر الله علي وجه الكمال، فانه يأتي منه بما قدر عليه، ومن ذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائما فان لم تستطع فقاعدا، فان لم تستطع فعلي جنب)) ، فرتب النبي صلي الله عليه وسلم الصلاة بحسب الاستطاعة، وبان يصلي قائما، فان لم يستطع فقاعدا، فان لم يستطع فعلي جنب، وهكذا أيضا بقية الأوامر، ومثله الصوم، إذا لم يستطع الإنسان إن يصوم في رمضان، فانه يؤخره (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ

стр. 510

أُخَرَ) (البقرة: من الآية١٨٥) ، وفي الحج أيضا: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: من الآية٩٧) فإذا لم تستطع الوصول إلى البيت فلا حج عليك، لكن إن كنت قادرا بمالك دون بدنك، وجب عليك إن تقيم من يحج ويعتمر عنك، والحاصل إن التقوى كغيرها منوطة بالاستطاعة، فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فانه يعدل علي ما يستطيع، ومن اضطر إلى شئ من محارم الله، حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة، لقوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: من الآية١١٩) ، حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة، أو أكل لحم الخنزير، أو أكل لحم الحمار، أو غير ذلك من المحرمات، فانه يجوز له إن يأكل منه ما تندفع به ضرورته، فهذه هي تقوي الله! إن تفعل أوامر ما استطعت وتجنب نواهيه ما استطعت. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) فأمر الله تعالى بأمرين، بتقوى الله، وان يقول الإنسان قولا سديدا، أي صوابا. وقد سبق الكلام علي التقوى، وإنها فعل أوامر الله واجتناب نواهيه. أما القول السديد، فهو قول الصواب وهو يشمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله، أو من طلب العلم، أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من الكلام الحسن الذي يستجلب به الإنسان مودة الناس

стр. 511

ومحبتهم، أو غير ذلك، ويجمعه قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) (،) وضد ذلك القول غير السديد، وهو القول الذي ليس بصواب، بل خطا أما في موضوعه وأما في محله: أما في موضوعه: بان يكون كلاما فاحشا يشتمل علي السب، والشتم، والغيبة، والنميمة، وما أشبه ذلك. أو في محله: أي إن يكون هذا القول في نفسه هو خير، لكن كونه يقال في هذا المكان ليس بخير، لان لكل مقام مقالا، فإذا قلت كلاما هو في نفسه ليس بشر، لكنه يسبب شرا إذا قلته في هذا المحل فلا تقله، لان هذا ليس بقول سديد، ففي هذا الموضوع لا يكون قولا سديد، بل خطا، وان كان ليس حراما بذاته. فمثلا، لو فرض إن شخصا راء إنسانا علي منكر، ونهاه عن المنكر، لكن نهاه في حال لا ينبغي إن يقول له فيها شيئا، أو اغلظ له في القول، أو ما أشبه، لعد هذا قولا غير سديد. فإذا اتقي الإنسان ربه، وقال قولا سديدا، حصل علي فائدتين: (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (الأحزاب: من الآية٧١) فبالتقوى صلاح الإيمان ومغفرة الذنوب، وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب. وعلم من هذه الآية إن من لم يتق الله ويقل قولا سديدا، فانه حري بان لا يصلح الله له أعماله، ولا يغفر له ذنبه، ففيه الحث علي تقوي الله وبيان فوائدها. وقال تعالى_ وهي الآية الرابعة_:) (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)

стр. 512

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) يتق الله بفعل ما أمر به، ويترك ما نهي عنه. يجعل له مخرجا من كل ضيق، فكلما ضاق عليه الشيء وهو متق لله_ عز وجل_ جعل له مخرجا، سواء كان في معيشة، أو في أموال، أو في أولاد، أو في مجتمع، أو غير ذلك. متي كنت متقيا الله فثق إن الله سيجعل لك مخرجا من كل ضيق، واعتمد ذلك، لأنه قول من يقول للشيء كن فيكون (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) وما اكثر الذين اتقوا الله فجعل لهم مخرجا، ومن ذلك قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فنزلت صخرة علي باب الغار فسدته، فأرادوا إن يزيحوها فعجزوا، فتوسل كل واحد منهم بصالح عمله إلى الله ، ففرج الله عنهم وزالت الصخرة وجعل الله لهم مخرجا، والأمثلة علي هذا كثيرة! وقوله (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) هذا أيضا فائدة عظيمة، إن الله يرزقك من حيث لا تحتسب، فمثلا لو فرضنا أن رجلا يكتسب المال من طريق محرم، كطريق الغش أو الربا أو ما أشبه ذلك، ونصح في هذا وتركه لله، فان الله سيجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولكن لا تتعجل، ولا تظن إن الأمر إذا تأخر فلن يكون، ولكن قد يبتلي الله العبد فيؤخر عنه الثواب، ليختبره هل يرجع إلى الذنب أم لا، فمثلا إذا كنت تتعامل بالربا، ووعظك من يعظك من الناس، وتركت ذلك، ولكنك بقيت شهرا أو شهرين وجددت ربحا، فلا تياس،

стр. 513

ولا تقل أين الرزق من حيث لا احتسب، بل انتظر، وسق بوعد الله وسق به، وستجده، ولا تتعجل، ولهذا جاء في الحديث: ((يستجاب لأحدكم_ أي إذا دعا_ ما لم يعجل، قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول دعوت فلم يستجب لي)) ، فاصبر، واترك ما حرم الله عليك، وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب. الآية الخامسة قوله تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال: من الآية٢٩) ، هذه ثلاث فوائد عظيمة: الفائدة الأولى: (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً) أي يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وهذا يدخل فيه العلم، بحيث يفتح الله علي الإنسان من العلوم ما لغا يفتحها لغيره، فان التقوى يحصل بها زيادة الهدي، وزيادة العلم، وزيادة الحظ، ولهذا يذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بان العلم نور ... ونور الله لا يؤتيه عاصي

стр. 514

ولا شك إن الإنسان كلما اذداد علما، ازداد معرفة، وازداد فرقانا بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وكذلك يخل فيه ما يفتح الله علي الإنسان من الفهم، لان التقوى سبب لقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فانك تري الرجلين يحفظان آية من كتاب الله، يستطيع أحدهما إن يستخرج منها ثلاث أحكام مثلا، ويستطيع الآخر إن يستخرج أربعة، أو خمسة، أو عشرة، أو اكثر من هذا بحسب ما آتاه من الفهم. فالتقوى سبب لزيادة الفهم، ويدخل في ذلك أيضا الفراسة، إن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس، فبمجرد ما يري الإنسان يعرف انه كاذب أو صادق، أو انه بر أو فاجر، حتى انه ربما يحكم علي الشخص وهو لم يعاشره ولم يعرف عنه شيئا، بسبب ما أعطاه الله من الفراسة. ويدخل في ذلك أيضا: ما يحصل للمتقين من الكرامات التي لا تحصل لغيرهم، ومن ذلك: ما حصل لكثير من الصحابة والتابعين ﵃، فكان عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه_ ذات يوم يخطب علي المنبر في المدينة، فسمعوه يقول في أثناء الخطبة: ((يا سارية الجبل، يا سارية الجبل)) ، فتعجبوا من يخاطب وكيف يقول هذا الكلام في أثناء الخطبة، فإذا الله_ سبحانه وتعالى_ قد كشف له عن سرية في العراق كان

стр. 515

قائدها سلرية بن زنيم، وكان العدو قد حصرهم، فكشف الله لعمر عن هذه السرية، كأنما يشاهدها راء عين، فقال لقائدها: ((يا سارية الجبل)) أي: تحصن بالجبل، فسمعه سارية وهو القائد، وهو في العراق، ثم اعتصم بالحبل. هذه من التقوى، لان كرامات الأولياء كلها جزاء لهم علي تقواهم لله . فالمهم إن من آثار التقوى إن الله_ تعالى_ يجعل للمتقين فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وبين البر والفاجر، وبين أشياء كثيرة لا تحصل إلا للمتقي. الفائدة الثانية: (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وتكفير السيئات يكون بالأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر)) . وقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) ، فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة، وهذا يعني إن الإنسان إذا اتقي الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه. الفائدة الثالثة: قوله (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) بان يسركم للاستغفار والتوبة، فان هذا من نعمة الله علي العبد إن ييسره للاستغفار والتوبة.

стр. 516

ومن البلاء للعبد، إن يظن إن ما كان عليه من الذنوب ليس بذنب، فيصر عليه والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف: ١٠٤، ١٠٣) ، فكثي من الناس لا يقلع عن الذنب، لأنه زين له_ والعياذ بالله_ فألفه وصعب عليه إن ينتشل نفسه منه، لكن إذا كان متقيا لله_ عز وجل_ سهل الله له الإقلاع عن الذنوب حتى يغفر له، وربما يغفر الله له بسبب تقواه، فتكون تقواه مكفرة لسيئاته، كما حصل لأهل بدر ﵃، ((فان الله اطلع علي أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) ، فتقع الذنوب منهم مغفورة لما حصل لهم فيها، أي في الغزوة من الأجر العظيم. وقوله: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (لأنفال: من الآية٢٩) ، أي: صاحب الفضل العظيم الذي لا يعدله شئ ولا يواذيه شئ، فإذا كان الله موصوفا بهذه الصفة، فاطلب الفضل منه ، وذلك بنقواه والرجوع إليه. والله اعلم. ٦٩_ وأما الأحاديث فالأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، من اكرم الناس، قال: ((اتقاهم)) فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: ((فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)) قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال ((فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية

стр. 517

خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) . متفق عليه. و ((فقهوا)) بضم القاف علي المشهور، وحكي كسرها، أي: اعلموا أحكام الشرع. الشرح قوله: من كرم الناس؟ قال: ((اتقاهم)) يعني إن اكرم الناس اتقاهم لله وهذا الجواب مطابق تماما لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية١٣) ، فالله_ سبحانه وتعالى_ لا ينظر إلى الناس من حيث النسب، ولا من حيث الحسب، ولا من حيث المال، ولا من حيث الجمال، وإنما ينظر سبحانه إلى إلا عمال، فاكرم الناس عنده اتقاهم له، ولهذا يمد أهل التقوى بما يمدهم به من الكرامات الظاهرة أو الباطنة، لانهم هم اكرم خلقه عنده، ففي هذا حث علي تقوي الله ، وانه كلما كان الإنسان اتقي لله فهو اكرم عنده، ولكن الصحابة لا يريدون بهذا السؤال الأكرم عند الله! ((قالوا: لسنا عن هذا نسألك)) ثم ذكر لهم إن اكرم الخلق يوسف ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فانه_ عليه الصلات والسلام_ كان نبيا من سلالة الأنبياء، فكان من اكرم الخلق.

стр. 518

((قالوا: لسنا عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟)) معادن العرب يعني أصولهم وأنسابهم! ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) يعني إن اكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول، هم الخيار في الجاهلية، لكن بشرط إذا فقهوا. فمثلا بنو هاشم من المعروف هم خيار قريش في الإسلام، لكن بشرط إن يفقهوا في دين الله، وان يتعلموا من دين الله، فان لم يكونوا فقهاء فانهم_ وان كانوا من خيار العرب معدنا_ فانهم ليسو اكرم الخلق عند الله، وليسو خيار الخلق. ففي هذا دليل علي إن الإنسان يشرفه بنسبه، لكن بشرط إن يكون ليه فقه في دينه، ولا شك إن النسب له اثر، ولهذا كان بنو هاشم أطيب الناس وأشرفهم نسبا، ومن ثم كان رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي هو اشرف الخلق (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: من الآية١٢٤) ، فلولا إن هذا البطن من بني آدم اشرف البطون، ما كان فيه النبي صلي الله عليه وسلم فلا يبعث الرسول صلي الله عليه وسلم إلا في اشرف البطون واعلي الأنساب، والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلي الله عليه وسلمان اكرم الخلق اتقاهم لله. فإذا كنت تريد إن تكون كريما عند الله وذا منزلة عنده، فعليك بالتقوى، فكلما كان الإنسان لله اتقي كان عنده اكرم. أسال الله إن يجعلني وإياكم من المتقين.

стр. 519

٧٠_ الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) رواه مسلم. الشرح هذا الحديث ساقه المؤلف_ رحمه الله_ لما فيه من أمر النبي صلي الله عليه وسلم بالتقوى، بعد إن ذكر حال الدنيا فقال: ((إن الدنيا حلوة خضرة)) حلوة في المذاق خضرة في المراي، والشيء إذا كان خضرا حلوا فان العين تطلبه أولا، ثم تطلبه النفس ثانيا، والشيء إذا اجتمع فيه طلب العين وطلب النفس، فانه يوشك للإنسان إن يقع فيه. فالدنيا حلوة في مذاقها، خضرة في مراها، فيغتر الإنسان بها وينهمك فيها ويجعلها اكبر همه، ولكن النبي صلي الله عليه وسلم بين إن الله_ تعالى_ مستخلفنا فيها فينظر كيف نعمل، فقال: ((إن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون)) هل تقومون بطاعته، وتنهون النفس عن الهوى، وتقومون بما أوجب الله عليكم، ولا تغترون بالدنيا، أو إن الأمر بالعكس؟ ولهذا قال: ((فاتقوا الدنيا)) أي: قوموا بما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، ولا تغرنكم حلاوة الدنيا ونضرتها. كما قال تعالى: (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان: من الآية٣٣) .

стр. 520

ثم قال: ((فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)) ، أي: احذ روهن وهذا يشمل الحذر من المرأة في كيدها مع زوجها، ويشمل أيضا الحذر من النساء وفتنتهن، ولهذا قال: ((فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) . فافتتنوا في النساء، فضلوا وأضلوا_ والعياذ بالله_ ولذلك نجد أعداءنا وأعداء ديننا_ أعداء شريعة الله عز وجل_ يركزون اليوم علي مسالة النساء، وتبرجهن، واختلاطهن بالرجال، ومشاركتهن للرجال في الأعمال، حتى يصبح الناس كأنهم الحمير، لا يهمهم إلا بطونهم وفروجهم والعياذ بالله، وتصبح النساء وكأنهن دمي، أي صور، لا يهتم الناس إلا بشكل المرأة، كيف يزينوها، وكيف يجملونها، وكيف يأتون لها بالمجملات والمحسنات، وما يتعلق بالشعر، وما يتعلق بالجلد، ونتف الشعر، والساق، والذراع، والوجه، وكل شئ، حتى يجعلوا أكبرهم النساء إن تكون المرأة كالصورة من البلاستيك. لا يهمها عبادة ولا يهمها أولاد. ثم إن أعداءنا_ أعداء دين الله، وأعداء شريعته، وأعداء الحياء_ يريدون إن يقحموا المرأة في وظائف الرجال، حتى يضيقوا علي الرجال الخناق، ويجعلوا الشباب يتسكعون في الأسواق، ليس لهم شغل، ويحصل من فراغهم هذا شر كبير وفتنة عظيمة، لان الشباب والفراغ والغني من اعظم المفاسد كما قيل: إن الشباب والفراغ والجد ... مفسدة للمرء أي مفسده

стр. 521

فهم يقحمون النساء الآن بالوظائف الرجالية ويدعون الشباب، ليفسد الشباب وليفسد النساء. أتدرون ماذا يحدث؟ يجدث بتوظيفهن مع الرجال مفسدة الاختلاط، ومفسدة الزنا والفاحشة، سواء في زني العين، أو زني اللسان، أو زني اليد، أو زني الفرج، كل ذلك محتمل إذا كانت المرأة مع الرجل في الوظيفة. وما اكثر الفساد في البلاد التي بتوظف الرجال فيها مع النساء. ثم إن المرأة إذا وظفت، فإنها سوف تنعزل عن بيتها، وعن زوجها، وتصبح الآسرة متفككة، ثم إنها إذا وظفت سوف يحتاج البيت إلى خادم، وحيئذ نستجلب نساء العالم من كل مكان، وعلي كل دين، وعلي كل خلق، ولو كان الدين علي غير دين الإسلام، ولو كان الخلق خلقا فاسدا، نستجلب النساء ليكن خدما في البيوت، ونجعل نساءنا تعمل في محل رجالنا، فنعطل رجالنا ونشغل نساءنا، وهذا أيضا فيه مفسدة عظيمة وهي تفكك الأسرة، لان الطفل إذا نشا وليس أمامه إلا الخادم، نسي أمه ونسي أباه، وفقد الطفل تعلقه بهما. ففسدت البيوت، وتشتت الأسر، وحصل في ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله. ولا شك إن أعداءنا وأذناب أعداءنا_ لأنه يوجد فينا أذناب لهؤلاء الأعداء، درسوا عندهم وتلطخوا بأفكارهم السيئة، ولا أقول انهم غسلوا أدمغتهم، بل أقول انهم لوثوا أدمغتهم بهذه الأفكار الخبيثة المعارضة لدين الإسلام_ وقد يقولون: إن هذا لا يعارض العقيدة، بل نقول انه يهدم العقيدة بان يقول الإنسان بان الله له شريك، أو إن

стр. 522

الله ليس موجودا وما أشبه فحسب، بل هذه المعاصي تهدم العقيدة هدما، لان الإنسان يبقي ويكون كأنه ثور أو حمار، لا يهتم بالعقيدة ولا بالعبادة، لأنه متعلق بالدنيا وزخارفها وبالنساء، وقد جاء في الحديث الصحيح: ((ما تركت بعدي الضر علي الرجال من النساء)) . ولهذا يجب علينا نحن_ ونحن_ والحمد لله_ أمة مسلمة_ إن نعارض هذه الأفكار، وان نقف ضدها في كل مكان وفي كل مناسبة، علما بأنه يوجد عندنا قوم_ لا أكثرهم الله ولا أنالهم مقصودهم_ يريدون هذا الأمر، ويريدون الفتنة والشر لهذا البلد المسلم المسالم المحافظ، لانهم يعلمون إن آخر معقل للمسلمين هو هذه البلاد، التي تشمل مقدسات المسلمين، وقبلة المسلمين، ليفسدوها حتى تفسد الأمة الإسلامية كلها، فكل الأمة الإسلامية ينظرون إلى هذه البلاد ماذا تفعل، فإذا انهدم الحياء والدين في هذه البلاد فسلام عليهم، وسلام علي الدين والحياء. لهذا أقول، يا إخواني، يجب علينا شبابا، وكهولا، وشيوخا، وعلماء، ومتعلمين، إن نعارض هذه الأفكار، وان نقيم الناس كلهم ضدها، حتى لا تسري فينا سريان النار في الهشيم فتحرقنا، نسأل الله تعالى إن يجعل كيد هؤلاء الذين يدبرون مثل هذه الأمور في نحورهم، وان لا يبلغهم منالهم، وان يكبتهم برجال صالحين حتى تخمد فتنتهم، انه جواد كريم.

стр. 523

٧١_ الثالث: عن أبي مسعود ﵁ إن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول: اللهم أني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني)) رواه مسلم الشرح من الأحاديث التي أوردها المصنف_ رحمه الله_ في باب التقوى هذا الحديث: إن النبي ﵊ كان يدعوا الله_ عز وجل_ بهذا الدعاء: ((اللهم أني أسألك الهدي والتقي والعفاف والغني)) . ((الهدي)) هنا بمعني العلم، والنبي صلي الله عليه وسلم محتاج إلى العلن كغيره من الناس، لان الله قال له: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طه: من الآية١١٤) . وقال الله له: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء: من الآية١١٣) ، فهو ﵊ محتاج إلى العلم، فيسال الله الهدي. والهدي إذا ذكر وحده يشمل العلم والتوفيق للحق، أما إذا قرن معه ما يدل علي التوفيق للحق فانه يفسر بمعني العلم، لان الأصل في اللغة العربية إن العطف يقتضي المغايرة، فيكون الهدي له معني، وما بعده مما يدل علي التوفيق له معني آخر. وأما قوله: ((والتقي)) فالمراد بالتقي هنا: تقوي الله ، فسال

стр. 524

النبي صلي الله عليه مسلم ربه التقي أي: إن يوفقه إلى تقوي الله، لان الله_ عز وجل_ هو الذي بيده مقاليد كل شئ، فإذا وكل العبد إلى نفسه ضاع ولم يحصل علي شئ، فإذا وفقه الله ، ورزقه التقي، صار مستقيما علي تقوي الله . وأما قوله: ((العفاف)) فالمراد به إن يمن الله عليه بالعفاف والعفة عن كل ما حرم الله عليه، فيكون عطفه علي التقوى من باب عطف الخاص علي العام، إن خصصنا العفاف بالعفاف عن شئ معين، وإلا فهو من باب عطف المترادفين. فالعفاف: إن يعف عن كل ما حرم الله عليه فيما يتعلق بجميع المحارم التي حرمها الله . وأما ((الغني)) فالمراد به الغني عما سوي الله، أي: الغني عن الخلق، بحيث لا يفتقر الإنسان إلى أحد سوي ربه . والإنسان إذا وفقه الله ومن عليه بالاستغناء عن الخلق، صار عزيز النفس غير ذليل، لان الحاجة إلى الخلق ذل ومهانة، والحاجة إلى الله تعالى عز وعبادة، فهو ﵊ يسال الله الغني. فينبغي لنا إن نقتدي بالرسول ﵊ في هذا الدعاء، وان نسأل الله الهدي والتقي والعفاف والغني. وفي هذا الحديث دليل علي إن النبي صلي الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وان الذي يملك ذلك هو الله. وفي دليل أيضا علي أبطال من تعلقوا بالأولياء والصالحين في جلب

стр. 525

المنافع ودفع المضار، كما يفعل بعض الجهال الذين يدعون الرسول ﵊ إذا كانوا عند قبره، أو يدعون من يزعمون أهم أولياء من دون الله، فان هؤلاء ضالون في دينهم، سفهاء في عقولهم، لان هؤلاء المدعوين هم بأنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئا، قال الله تعالى لنبيه صلي الله عليه وسلم (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (الأنعام: من الآية٥٠) ، وقال له: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (لأعراف: من الآية١٨٨) ، وقال له:) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الجن: ٢٢، ٢١) . فالإنسان يجب إن يعلم إن البشر مهما أتوا من الوجاهة عند الله ، ومن النزلة والمرتبة عند الله، فانهم ليسوا بمستحقين إن يدعوا من دون الله، بل انهم_ اعني من لهم جاه عند الله من الأنبياء والصالحين_ يبرؤون تبرؤنا تاما ممن يدعونهم من دون الله . قال عيسي ﵊ لما قال له الله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) (المائدة: من الآية١١٦) ، ليس من حق عيسي ولا غيره إن يقول للناس اتخذوني إلها من دون الله: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة: من الآية١١٧، ١١٦) . فالحاصل إنما نسمع عن بعض جهال المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية، الذين يأتون إلى قبور من يزعموهم أولياء، فيدعون هؤلاء الأولياء، فان هذا العمل سفه في العقل، وزلال في الدين. وهؤلاء لن

стр. 526

ينفعوا أحدا أبدا، فهم جثث هامدة، هم بانفهم لا يستطيعون الحراك فكيف يتحركون لغيرهم، والله الموفق. ٧٢_ الرابع: عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((من حلف علي يمين ثم راء اتقي الله منها فليأت التقوى رواه مسلم الشرح اليمين هي الحلف بالله ، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، ولا يجوز الحلف بغير الله، لا بالنبي صلي الله عليه وسلم، ولا جبريل ﵊، ولا بأي أحد من الخلق، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) . وقال: ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) فمن حلف بغير الله فهو آثم، ولا يمين عليه، لأنها يمين غير منعقدة،

стр. 527

لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد)) . ولا ينبغي للإنسان إن يكثر من اليمين، فان هذا هو معني قوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) (المائدة: من الآية٨٩) ، علي راء بعض المفسرين، قالوا: واحفظوا إيمانكم: أي لا تكثروا الحلف بالله، وإذا حلفت ينبغي إن تقيد اليمين بالمشيئة، فتقول: والله إن شاء الله، لتستفيد بذلك فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: إن يتيسر لك ما حلفت عليه. والفائدة الثانية: انك لو حنثت فلا كفارة عليك، فمن حلف علي يمين وقال إنشاء الله لم يحنث، ولو خالف ما حلف عليه، ولكن اليمين التي توجب الكفارة هي اليمين علي شئ مستقبل، أما اليمين علي شئ ماضي فلا كفارة فيها، ولكن إن كان الحالف كاذبا فهو آثم، وان كان صادقا فلا شئ عليه، ومثال هذا لو قال قائل: والله ما فعلت كذا! فهنا ليس عليه كفارة صدق أو كذب، لكن إن كان صادقا انه لم يفعله فهو سالم من الإثم، وان كان كاذبا بان كان قد فعله فهو آثم. وأما اليمين التي فيها الكفارة فهي اليمين علي شئ مستقبل، فإذا حلفت علي شئ مستقبل فقلت: والله لا افعل كذا، فهنا نقول: إن فعلته فعليك الكفارة، وان لم تفعله فلا كفارة عليك، والله لا افعل كذا، فهذه يمين

стр. 528

منعقدة، فان فعلته وجبت عليك الكفارة، وان لم تفعله فلا كفارة عليك، ولكن: هل الأفضل إن افعل ما حلفت علي تركه، أو الأفضل إن لا افعل؟ في هذا الحديث بين النبي ﵊: انك إذا حلفت علي يمين، ورأيت غيرها اتقي لله منها، فكفر عن يمينك، وات الذي هو اتقي. فإذا قال قائل: والله لا اكلم فلانا، وهو مسلم، فان التقي لله إن تكلمه، لان هجر المسلم حرام، فكلمه وكفر عن يمينك، لان هذا اتقي لله ولو قلت: والله لا ازور قريبي، فهنا نقول: زيارة القريب صلة رحم، وصلة الرحم واجبة، فصل قريبك، وكفر عن يمينك، لان النبي ﵊ يقول: ((فراء غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه فليأت الذي هو خير)) وعلي هذا فقس والخلاصة إن نقول: اليمين علي شئ ماض لا يبحث فيها عن الكفارة، لأنه ليس فيها الكفارة، لكن أما إن يكون الحالف سالما أو يكون آثما. فان كان كاذبا فهو آثم، وان كان صادقا فهو سالما. واليمين علي المستقبل هي التي فيها الكفارة، فإذا حلف الإنسان علي شئ مستقبل وخالف ما حلف عليه، وجبت عليه الكفارة، إلا إن يقرن يمينه بمشيئة الله، فيقول إن شاء الله، فهذا لا كفارة عليه ولو خالف. والله الموفق.

стр. 529

٧٣_ الخامس: عن أبي إمامة صدي بن عجلان الباهي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: ((اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم)) رواه الترمذي، في آخر كتاب الصلاة وقال: حديث حسن صحيح)) . الشرح كانت خطب الرسول ﵊ علي قسمين: خطب راتبة وخطب عارضة. فأما الراتبة: فهي خطبة في الجمع والأعياد، فانه صلي الله عليه وسلم كان يخطب الناس في كل جمعة وفي كل عيد، واختلف العلماء_ رحمهم الله_ في خطبة صلاة الكسوف، هل هي راتبة أو عارضة، وسبب اختلافهم: إن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلي الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، ولما صلي قام فخطب الناس ﵊، فذهب بعض العلماء فذهب بعض العلماء إلى إنها من الخطب الراتبة، وقال: إن الأصل إن ما شرعه النبي صلي الله عليه وسلم فهو ثابت مستقر، ولم يقع الكسوف مرة أخرى فيترك النبي صلي الله عليه وسلم الخطبة، حتى نقول إنها من الخطب العارضة. وقال بعض العلماء: بل هي من الخطب العارضة، التي إن كان لها ما

стр. 530

يدعوا إلها خطب وإلا فلا، ولكن الأقرب إنها من الخطب الراتبة، وانه يسن للإنسان إذا صلي صلاة الكسوف إن يقوم فيخطب الناس ويذكرهم ويخوفكم كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم. أما الخطب العارضة فهي التي يخطبها عند الحاجة أليها، مثل خطبته صلي الله عليه وسلم حينما اشترط أهل بريرة_ وهي جارية اشترتها عائشة رضي الله عنها_ فاشترط أهلها إن يكون الولاء لهم، ولكن عائشة_ رضي الله عنها_ لم تقبل بذلك، فأخبرت النبي صلي الله عليه وسلم فقال: ((خذيها فاعتقيها، واشترطي لهم الولاء، ثم قام فخطب الناس واخبرهم إن الولاء لمن اعتق)) . وكذلك خطبته حين شفع أسامة بن زيد_ رضي الله عنه_ في المرأة المخزومية، التي كانت تستعير المتاع فتجدده، فأمر النبي صلي الله عليه وسلم إن تقطع يدها، فاهم قريشا شانها، فطلبوا من يشفع لها إلى الرسول صلي الله عليه وسلم، فطلبوا من أسامة بن زيد_ رضي الله عنهما_ إن يشفع، فشفع، ولكن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: ((أتشفع في حد من حدود الله)) ثم قال ( (فخطب الناس واخبرهم بان الذي اهلك من كان قبلنا انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد)) وفي حجة الوداع خطب النبي صلي الله عليه وسلم يوم عرفة، وخطب يوم النحر، ووعظ الناس وذكرهم، وهذه خطبة من الخطب الرواتب التي يسن لقائد
следующие страницы →