Полный текст (3 784 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أبو داود، والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح وهذا لفظ آبي داود. ٨٣_ العاشر: عن انس ﵁ قال: قال رسول اله صلي الله عليه وسلم: ((من قال_ يعني إذا خرج من بيته_ بسم الله توكلت علي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحي عنه الشيطان)) رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وغيرهم. وقال الترمذي: حديث حسن، زاد أبو داود: ((فيقول: _يعني الشيطان _ لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟)) . الشرح الشاهد من هذا الحديث قوله: ((بسم الله توكلت علي الله)) فان في هذا دليلا علي أن الإنسان ينبغي له إذا خرج من بيته، أن يقول هذا الذكر، الذي منه التوكل علي الله والاعتصام به، لان الإنسان إذا خرج من بيته فهو عرضة لان يصيبه شئ، أو يعتدي عليه حيوان، من عقرب أو حية أو ما أشبه ذلك، فيقول: (
(بسم الله توكلت علي الله)) وسبق لنا أن التوكل علي الله، والاعتماد عليه من الثقة به وحسن الظن. وقوله: ((اللهم أني أعوذ بك أن أضل)) أي: أضل في نفسي
стр. 562
((أو أضل)) أي: يضلني أحد. ((أو أزل)) من الزلل: وهو الخطأ. ((أو أزل)) أي: أحد يتوصل لفعل الخطأ يصدر مني. ((أو اظلم)) او اظلم غيري. ((أو اظلم)) يظلمني غيري. ((أو اجهل)) اسفه. ((أو يجهل علي)) يسفه علي أحد، ويعتدي علي أحد. فهذا الذكر ينبغي أن يقوله الإنسان إذا خرج من بيته، لما فيه من اللجوء إلي الله والاعتصام به. والله والموفق.
стр. 563
٨- باب الاستقامة
قال الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (هود: من الآية١١٢١) ، وقال تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون) َ (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت: ٣٢، ٣٠) ، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف: ٤١، ١٣) . الشرح الاستقامة: هي أن يثبت الإنسان علي شريعة الله_ سبحانه وتعالى_ كما أمر الله، ويتقدمها الإخلاص لله . ثم ذكر المؤلف عدة آيات في هذا، فذكر قول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) الخطاب هنا للنبي صلي الله عليه وسلم يكون له ولامته، إلا إذا قام دليل علي انه خاص به قوله تعالى:) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)
(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) (الشرح: ١_٣) ، فان هذا خاص بالنبي صلي الله عليه وسلم. ومثل قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)
стр. 564
(الحجر: ٨٧) ، هذا أيضا خاص بالرسول صلي الله عليه وسلم. وأما إذا لم يقل الدليل علي أن الخطاب للخصوصية، فهو له ولامته، وعلي هذه القاعدة يكون قوله:) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) عاما له ولامته، كل واحد يجب عليه أن يستقيم كما أمر، فلا يبدل في دين الله، ولا يزيد فيه ولا ينقص، ولهذا قال في آية أخرى: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى: من الآية١٥) . الآية الثانية قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصلت: من الآية٣٠) . (رَبُّنَا اللَّهُ) أي: خالقنا ومالكن ومدبر أمورنا، فنحن نخلص له، (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) علي ذلك، علي قولهم ربنا الله، فقاموا بشريعة الله. هؤلاء الذين اتصفوا بهذين الوصفين: (قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) ملكا بعد ملك (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا) لا تخافوا: فيما
تستقبلون من أموركم، ولا تحزنوا علي ما مضي من أموركم، (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) لان كل من قال ربي الله، واستقام علي دين الله، فانه من أهل الجنة، ويقولن لهم أيضا: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) فالملائكة أولياء للذين قالوا ربنا الله ثم
стр. 565
استقاموا في الحياة الدنيا، تسددهم وتساعدهم وتعينهم، وكذلك في الآخرة تتلقاهم الملائكة يوم البعث والحساب (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (الأنبياء: من الآية١٠٣) فيبشروهم بالخير في مقام الخوف والشدة. قال الله (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت: من الآية٣١) (?لَكُمْ فِيهَا) أي: في الآخرة ما تشتهي أنفسكم، وذلك في نعيم الجنة، لان الجنة فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت: من الآية٣١) أي: تطلبون، بل لهم فوق ذلك: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (قّ: ٣٥) ، لهم زيادة علي ما يدعونه ويطلبونه ويتمنونه. (نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت: ٣٢) يعني: أن الجنة نزل لهم وضيافة من
غفور رحيم. (غَفُورٍ) غفر لهم سيئاتهم (رَحِيمٍ) بهم، رفع لهم درجاتهم، هذا جزاء الذين يقولون ربنا الله ثم يستقيمون. وفي هذا دليل علي أهمية الاستقامة علي دين الله، بان يكون الإنسان ثابتا لا يزيد، ولا ينقص، ولا يبدل، ولا يغير، فأما من غلا في دين الله، أو جفا عنه، أو بدل فانه لم يكن مستقيما علي شريعة الله ، والاستقامة لا بد لها من الاعتدال في كل شئ، حتى يكون الإنسان مستقيما علي شريعة الله .
стр. 566
٨٥_ وعن آبي عمرو، وقيل: آبي عمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا اسأل عنه أحد غيرك؟ قال: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم)) رواه مسلم. الشرح قوله: ((قل لي في الإسلام قولا لا اسأل عنه أحدا غيرك)) أي: قل لي قولا لا اسأل عنه أحدا غيرك، فيكون فصلا وحاسما، ولا يحتاج إلي سؤال أحد، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: ((قل: آمنت بالله ثم استقم)) . فقوله ﵊: ((قل: آمنت)) ليس المراد بذلك مجرد القول باللسان، فان من الناس من يقول: آمنت بالله واليوم الآخر، وما هم بمؤمنين. ولكن المراد بذلك قول القلب واللسان أيضا. أي: أن يقول الإنسان
بلسانه، بعد أن يقر ذلك في قلبه، ويعتقده اعتقادا جازما لا شك فيه، لأنه لا يكفي الإيمان بالقلب، ولا الإيمان باللسان، لا بد من الإيمان بالقلب واللسان، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام_ يقول وهو يدعو الناس إلي الإسلام _ يقول: ((يا أيها الناس قولوا لا اله إلا الله تفلحوا)) فقال: ((قولوا)) أي: بألسنتكم. كما انه لا بد من القول بالقلب. وقوله: ((آمنت بالله)) يشمل الإيمان بوجود الله ، وبربو بيته، وبألوهيته، وبأسمائه وبصفاته، وبأحكامه، وبأخباره، وكل ما يأتي من
стр. 567
قبله_ عز وجل_ تؤمن به، فإذا آمنت بذلك فاستقم علي دين الله، ولا تحد عنه يمينا ولا شمالا، لا تقصر ولا تزد. فاستقم علي الدين، واستقم علي شهادة أن لا اله إلا الله وان محمد رسول الله، وذلك بالإخلاص لله ، والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم، واستقم علي الصلاة، وعلي الزكاة، والصيام والحج، وعلي جميع شريعة الله. وقوله: ((قل آمنت بالله ثم)) دليل علي أن الاستقامة لا تكون إلا بعد الإيمان، وان من شرط الأعمال الصالحة، أي: من شرط صحتها وقبولها أن تكون مبنية علي الإيمان، فلو أن الإنسان عمل بظاهره علي ما ينبغي، ولكن باطنه
خراب، وفي شك، أو في اضطراب، أو في إنكار وتكذيب، فان ذلك لا ينفعه، ولهذا اتفق العلماء_ رحمهم الله_ علي أن من شروط صحة العبادة وقبولها، أن يكون الإنسان مؤمنا بالله، أي: معترفا به، وبجميع ما جاء من قبله ﵎. ويستفاد من هذا الحديث: انه ينبغي للإنسان_ إذا قام بعمل_ أن يشعر بأنه قام به لله، وانه يقوم به بالله، وانه يقوم به في الله، لأنه لا يستقيم علي دين الله إلا بعد الإيمان بالله . فيشعر بأنه يقوم به لله، أي مخلصا، وبالله، أي مستعينا، وفي الله، أي متبعا لشرعه، وهذه مستفادة من قوله ﵎: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فالأول: قيام لله، والثاني: قيام به، والثالث: قيام فيه، أي: في شرعه، ولهذا نقول: أن المراد بالسراط المستقيم_ في الآية الكريمة_ هو شرع الله عز وجل
стр. 568
الموصل إليه. والله الموفق. ٨٦_ وعن أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((قاربوا وسددوا، واعلموا انه لن ينجو أحد منكم بعمله)) قالوا: ولا انت يا رسول الله؟ قال: ((ولا انا الا ان يتغمدني الله برحمة منه وفضل)) رواه مسلم. و (
(المقاربة)) القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير. و ((السداد)) : الاستقامة والإصابة، و ((يتغمدني)) يلبسني ويسترني. قال العلماء: معني الاستقامة: لزوم طاعة الله تعالى، قالوا: وهي من جوامع الكلم، وهي نظام الأمور، وبالله التوفيق. الشرح هذا الحديث يدل علي أن الاستقامة علي حسب الاستطاعة، وهو قول النبي صلي الله عليه وسلم ((قاربوا وسددوا)) أي: سددوا علي الإصابة، أي: احرصوا علي أن تكون أعمالكم مصيبة للحق بقدر المستطاع، وذلك لان الإنسان مهما بلغ من التقوى، فانه لابد أن يخطئ، كما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون)) ، وقال عليه الصلاة
стр. 569
والسلام: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجا بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)) فالإنسان مأمور أن يقارب ويسدد بغدر ما يستطيع. ثم قال ﵊: ((واعلموا انه لا ينجوا أحد منكم بعمله)) أي: لن ينجوا من النار بعمله. وذلك لان العمل لا يبلغ ما يجب لله_ عز وجل_ من الشكر، وما يجب له علي عباده من الحقوق، ولكن يتغمد الله_ سبحانه وتعالى_ العبد برحمته فيغفر له. فلما قال: ((لن ينجوا أحد منكم
بعمله)) قالوا له: ولا أنت؟! قال: ((ولا أنا)) حتى النبي ﵊ لن ينجو بعمله ((إلا أن يتغمدني الله برحمة منه)) . فدل ذلك علي أن الإنسان مهما بلغ من المرتبة والولاية، فانه لن ينجو بعمله، حتى النبي ﵊، لولا أن الله من عليه بان غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ما أنجاه عمله. فان قال قائل: هناك نصوص من الكتاب والسنة تدل علي أن العمل الصالح ينجي من النار ويدخل الجنة، مثل قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧) ، فكيف يجمع بين هذا وبين الحديث السابق؟
стр. 570
والجواب عن ذلك: أن يقال: يجمع بينهما بان المنفي دخول الإنسان الجنة بالعمل في المقابلة، أما المثبت: فهو أن العمل سبب وليس عوضا. فالعمل_ لا شك_ انه سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، لكنه ليس هو العوض، وليس وحده الذي يدخل به الإنسان الجنة، ولكن فضل الله ورحمته هما السبب في دخول الجنة وهما اللذان يوصلان الإنسان إلى الجنة وينجيانه من النار. وفي هذا الحديث من الفوائد:
أن الإنسان لا يعجب بعمله، مهما عملت من الأعمال الصالحة لا تعجب بعملك، فعملك قليل بالنسبة لحق الله عليك. وفيه أيضا من الفوائد: انه ينبغي علي الإنسان أن يكثر من ذكر الله دائما: ((اللهم تغمدني برحمة منك وفضل)) لان عملك لن يوصلك إلي مرضاة الله، إلا برحمة الله . وفي دليل علي حرص الصحابة_ رضي الله عنهم_ علي العلم، ولهذا لما قال: ((لن ينجوا أحد منكم بعمله)) استفصلوا، هل هذا العموم شامل له أم لا؟ فبين لهم صلي الله عليه وسلم انه شامل له.
ومن تدبر أحوال الصحابة_ رضي الله عنهم_ مع النبي ﷺ . وجد انهم احرص الناس على العلم، وانهم لا يتركون شئيا يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم إلا ابتدروه وسألوا عنه. والله الموفق
стр. 571
٩- التفكر في عظيم مخلوقات الله تعالى
وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورها
وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة
قال الله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ: من الآية٤٦) ، وقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: ١٩١) وقال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ (الغاشية: ١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (الغاشية: ١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (الغاشية: ١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية: ٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية: ٢١) وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (محمد: من الآية١٠) ، والآيات في الباب كثيرة.
ومن الأحاديث الحديث السابق: ((الكيس من دان نفسه)) .
[الشَّرْحُ]
التفكر: هو أن الإنسان يعمل فكره في الأمر، حتى يصل فيه إلى نتيجة، وقد أمر الله تعالى_ به _ أي بالتفكر_ وحث عليه في كتابه، لما يتوصل إليه الإنسان به من المطالب العالية والإيمان واليقين.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ) (سبأ: من الآية٤٦) قل يا محمد للناس جميعا: ما أعظكم إلا بواحدة: ما اقدم لكم موعظة إلا بواحدة فقط،
стр. 572
إذا قمتم بها أدركتم المطلوب، ونجوتم من المرهوب، وهي: (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) .
(تَقُومُوا لِلَّهِ) أي: مخلصين له، فتقومون بطاعة الله_ عز وجل_ على الوجه الذي أمرتم به، مخلصين له، ثم بعد ذلك تتفكروا، فإذا فعلتم ذلك فهذه موعظة، وأي موعظة.
وفي هذه الآية إشارة إلى انه ينبغي للإنسان إذا قام لله يعمل، أن يتفكر ماذا فعل في هذا العمل: هل قام به على الوجه المطلوب، وهل قصر، وهل زاد وماذا حصل له من هذا العمل من طهارة القلب، وزكاة النفس، وغير ذلك.
لا يكن كالذي يؤدي أعماله الصالحة وكأنها عادات يفعلها كل يوم، بل تفكر، ماذا حصل لك من هذا العبادة، وماذا أثرت على قلبك وعلى استقامتك.
ولنضرب لهذا مثلا بالصلاة، قال الله ﵎: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (البقرة: من الآية٤٥) ، وقال: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية٤٥) ، فلنفكر، هل نحن إذا صلينا زدنا طاقة وقوة ونشاطا على الأعمال الصالحة، حتى تكون الصلاة معينة لنا؟ الواقع أن هذا لا يكون إلا نادرا باعتبار أفراد الناس، فانظر ماذا حدث لك من الصلاة، هل صارت معينة لك على طاعة الله تعالى، وعلى المصائب وعلى غيرها.
كما يذكر عن النبي ﵊: ((انه كان إذا حزبه أمر فزع إلى
стр. 573
الصلاة)) أي: إذا أهمه وأغمه فزع إلى الصلاة.
كذلك قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية٤٥) فانظر في صلاتك، هل أنت إذا صليت وجدت في نفسك كراهية للفحشاء، وكراهية للمنكر، وكراهية المعاصي، أو أن الصلاة لا تفيدك في هذا؟
إذا عرفت هذه الأمور، عرفت نتائج هذه الأعمال الصالحة، وكنت متعظا بما وعظك به النبي ﷺ .
ز مثال آخر في الزكاة وهي: المال الواجب في الأموال الزكوية، يصرفه الإنسان في الجهات التي أمر الله بها، وقد بين الله فوائدها، وقد قال الله لرسوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: من الآية١٠٣) فإذا أديت الزكاة فانظر هل طهرتك هذه الزكاة من الأخلاق الرذيلة، هل طهرتك من الذنوب، وهل زكت مالك؟ هل زكت نفسك؟ !
كثير من الناس يؤدي الزكاة وكأنها غرم، يؤديه وهو كاره _ نسأل الله العافية_ يؤديها وهو لا يشعر بأنها تزكي نفسه، وعلى هذا بقية الأعمال، قم لله ثم تفكر ماذا حصل.
فهذه موعظة عظيمة إذا اتعظ الإنسان بها، نفعته وصلحت أحواله، نسأل الله أن يصلح لنا الأعمال والأحوال.
ثم ذكر المؤلف_ رحمه الله تعالى _ قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ
стр. 574
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِى الألباب (آل عمران: ١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (آل عمران: من الآية١٩١) .
هذه الآية في أول الآيات العشر التي كان النبي ﷺ يقرؤها كلما استيقظ من صلاة الليل فينبغي للإنسان إذا استيقظ من صلاة الليل أن يقرا من هذه الآية إلى آخر سورة آل عمران: (العشرة الأخيرة من سورة إلا عمران) .
قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: من الآية١٦٤) يعني في خلقهما من حيث الحجم والكبر والعظمة، وغير ذلك مما أودع الله فيهما، في هذا الخلق آيات ففي النجوم آية من آيات الله، وفي الشمس آية من آيات الله، وكذا القمر، آيات من آيات الله، وكذا الأشجار والبحار والأنهار، وفي كل ما خلق الله في السماوات والأرض آيات عظيمة، تدل على كمال وحدانيته جل وعلا، وعلى كمال قدرتهن وعلى كمال رحمتهن وعلى كمال حكمته، يقول : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: من الآية١٦٤) .
وجمع السماوات وافرد الأرض، لان السماوات سبع كما ذكره الله في عدة آيات: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) (الطلاق: من الآية١٢) (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (المؤمنون: ٨٦) .
أما الأرض، فان الله تعالى لم يذكرها في القران إلا منفردة، لان المراد
стр. 575
بها الجنس الشامل لجميع الأرضيين، وقد أشار الله في سورة الطلاق إلى أن الأرضيين سبع، فقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (الطلاق: من الآية١٢) ، أي: مثلهن في العدد، وليس مثلهن في الخلقة والعظم، بل السماوات اعظم من الأرض بكثير لكنهن مثل السماوات في العدد، وقد جاءت السنة صريحة في ذلك، مثل قول النبي عليه الصلاة السلام: ((من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع ارضين))
(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) يكون من وجوه متعد:
أولا: من جهة أن الليل مظلم والنهار مضي، كما قال الله تعالى: (وجعلنا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) (الإسراء: من الآية١٢) .
ثانيا: اختلافهما في الطول والقصر، أحيانا يطول الليل، وأحيانا يطول النهار، وأحيانا يتساويان كما قال الله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) (الحج: من الآية٦١) ، أي: يدخل هذا في هذا مرة فيأخذ منه، وهذا في هذا فيأخذ منهن هذا من اختلاف الليل والنهار.
ثالثا: ومن اختلاف الليل والنهار اختلافهما في الحر والبرودة تارة يكون الجو باردا وتارة يكون حارا.
رابعا: ومن اختلافهما أيضا، الخصب والجدب، تارة تكون الدنيا
стр. 576
جدبا وقحطا وسنين، وتارة تكون خصبة وربيعا ورخاء.
خامسا: ومن اختلاف الليل والنهار اختلافهما في الحرب والسلم، تارة تكون حربا وتارة تكون سلما وتارة تكون عزا وتارة تكون ذلة، كما قال الله تعالى: (? وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية١٤٠) .
ومن تأمل اختلاف الليل والنهار وجد فيهما من آيات الله_ عز وجل_ ما يبهر العقول.
وقوله تعالى: (لَآياتٍ) أي: علامات واضحات على وحدانية الله، وكمال قدرته وعزته وعلمه ورحمتهن وغير ذلك من آياته.
وقوله: (? لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: لأصحاب الألباب والألباب جمع لب: وهو العقل، وأولوا الألباب: هم أصحاب العقول وذلك لان العقل لب، والإنسان بلا عقل قشور بلا لب، فالأصل في الإنسان هو العقل، فلهذا نسمي لبا، وأما الإنسان بلا عقل فانه قشور.
ولكن ما المراد بالعقل؟ هل المراد بالعقل الذكاء؟
الجواب: لا، الذكاء شيء والعقل شيء آخر، رب ذكي نابغ في ذكائه لكنه مجنون في تصرفاتهن فالعقل في الحقيقة هو ما يعقل صاحبه عن سوء التصرف، هذا العقل، وأن لم يكن ذكيا فإذا من الله على الإنسان بالذكاء والعقل تمت عليه النعمة، وقد يكون الإنسان ذكيا وليس بعاقل، أو عاقلا وليس بذكي.
جميع الكفار_ وأن كانوا أذكياء_ فانهم ليسوا عقلاء، كما قال الله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (الأنفال: ٢٢) .
стр. 577
كل إنسان يتصرف تصرفا سيئا فليس بعاقل، فأولوا الألباب هم أولوا العقول الذين تفكرون في خلق السماوات والأرض وينظرون في الآيات، ويعتبرون بها، ويستدلون بها على على من هي آيات له، هؤلاء هم أصحاب العقول، وهم أصحاب الألباب فاحرص يا أخي على أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، وأن تتدبر ما فيهما من الآيات، وكذلك في الأيام والليالي، وكيف تتغير الأحوال، وكيف تنقلب من حال إلى حال وكل ذلك بيد الله ، وكل ذلك من آياته.
ثم قال تعالى: في وصف أولي الألباب: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (آل عمران: من الآية١٩١) ، أي: يذكرون الله في كل حال قياما وقعودا وعلى جنوبهم،
وذكر الله_ عز وجل_ نوعان: نوع مطلق في كل وقت، وهو الذي يشرع للإنسان دائما، أوصى النبي ﷺ رجلا قال له: أن شرائع الإسلام كثرت علي، وأني كبير فأوصيني. فقال: ((لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله))
وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل احيانه، أي في كل حين، فذكر الله هنا مطلق لا يتقيد بعدد، بل هو إلى
стр. 578
الإنسان على حسب نشاطه.
والنوع الثاني: ذكر مقيد بعدد، أو في حال من الأحوال، وهو كثير، منها أذكار الصلوات في الركوع والسجود وبعد السلام، وأذكار الدخول للمنزل، والخروج منه، وأذكار الدخول للمسجد والخروج منه، وأذكار النوم والاستيقاظ وأذكار الركوب على الدابة وأشياء كثيرة شرعها الله ، لعباده من اجل أن يكونوا دائما على ذكر الله ، فالمهم أن الله شرع لعباده من الأذكار ما يجعلهم إذا حافظوا عليها يذكرون الله، قياما وقعودا وعلى جنوبهم.
واعلم أن الذكر أيضا يكون على وجهين: ذكر تام: وهو ما تواطأ عليه القلب واللسان.
وذكر ناقص: وهو ما كان باللسان مع غفلة القلب، واكثر الناس_ نسأل الله أن يعاملنا جميعا بعفوه_ عندهم ذكر الله باللسان مع غفلة القلب، فتجده يذكر الله وقلبه يذهب يمينا وشمالا، في دكانه وسيارته وفي بيعه وشرائه.
لكن هو مأجور على كل حال، ولكن الذكر التام هو الذي يكون ذكرا لله باللسان وبالقلب، يعني انك تذكر الله بلسانكن وتذكر الله بقلبك، فأحيانا يكون الذكر بالقلب انفع للعبد من الذكر المجرد، إذا تفكر الإنسان في نفسه وقلبه، في آيات الله الكونية والشرعية، بقدر ما يستطيع، حصل على خير كثير.
قال: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ويقولون: (رَبَّنَا مَا
стр. 579
خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) يتفكرون في خلق السماوات والأرض لماذا خلقت؟ وكيف خلقت؟ وما أشبه ذلك، ثم يقولون بقلوبهم وألسنتهم (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) أي: لا بد أن يكون لخلق السماوات والأرض غاية محمودة، يحمد الرب عليها ، ليس لخلق السماوات والأرض باطلا، خلقت ليوجد الناس يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام! لا، بل هي مخلوقة لغرض عظيم.
قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) .
(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) فالذين يظنون خلق السماوات والأرض باطلا، هم أصحاب النار، قال الله ﵎: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ: ٢٧) .
فكل من ظن أن الله_ سبحانه تعالى_ خلق هذه الخليقة لتوجد وتفنى فقط، بدون أن يكون هنالك غاية ومرجع، فانه من الذين كفروا (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) .
فالناس لا بد أن يموتوا، ولا بد أن يحاسبوا، ولا بد أن يبعثوا، ولا بد أن يؤولوا إلى دارين لا ثالث لهما، أما الجنة وأما النار، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة وأن يعيذنا من النار.
وقوله: (سُبْحَانَكَ) أي: تنزيها لك أن تخلق هذه السماوات والأرض باطلا.
(فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فيتوسلون إلى الله_ عز وجل_ بما يثنون عليه من صفات الكمال، أن يقيهم عذاب النار، والوقاية من عذاب النار تكون بأمرين:
стр. 580
الأمر الأول: أن يعصمك الله من الذنوب، لان الذنوب هي سبب دخول النار.
الأمر الثاني: أن يمن الله عليك إذا عصيت بالتوبة والإقلاع، لان الإنسان بشر لا بد أن يعصي، ولكن باب التوبة مفتوح ولله الحمد، قال الله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) (الزمر: من الآية٥٣)
مهما عملت من المعاصي، إذا رجعت إلى الله، وتبت، تاب الله عليك، ولكن إذا كانت المعصية تتعلق بآدمي، فلا بد من الاستبراء من حقه، إما بوفائه أو باستحلاله منه، لأنه حق ادمي لا يغفر، فحق الله يغفره مهما عظم، وحق الآدمي لا بد أن تستبراء منه أما بإبراء أو أداء، بخلاف حق الله.
ومع هذا، لو فرض انك لم تدرك صاحبك ولم تعرفه، أو لم تتمكن من وفائها، لأنها دراهم كثيرة، وليس عندك وفاء، وعلم الله أن نيتك انك صادق في توبتك، فان الله يتحمل عنك يوم القيامة ويرضي صاحبك.
وقوله تعالى: (LL أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ (الغاشية: ١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (الغاشية: ١٨)
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (الغاشية: ١٩) . وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية: ٢٠) .
(أَفَلا يَنْظُرُونَ) هذا من باب الحث على النظر في هذه الأمور الأربعة: الأول: (إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) فتتأمل كيف خلقها الله على هذا الجسم الكبير، المتحمل لحمل الأثقال، كما قال تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) (النحل: من الآية٧) .
стр. 581
هذه الإبل الكبيرة الأجسام القوية زللها الله للعبادة، حتى كان الصبي يقودها إلى ما يريد، مع إنها لو عتت ما استطاع الناس أن يدركوها، ولهذا كان من المشروع أن يقول الإنسان إذا استوى على ظهرها راكبا: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف: من الآية١٣) أي: مطيقين، لان قرين الإنسان من كان على مثله وعلى شاكلته، فمعنى المقرن يعني المطيق، أي لسنا مطيقين لها لولا أن سخرها الله ، سخرها الله للعبادة، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، منها يركب ويحمل عليه، ويكون مرنا على ذلك، ومنها ما يؤكل: يأكله الناس وينتفعون به، وكذلك أيضا لهم فيها منافع ومشارب فيتخذون من جلودها بيوتا ومن أصوافها واوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، إلى غير ذلك من الآيات
العظيمة التي تحملها هذه الإبل.
الثاني: (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) هذه السماء العظيمة، رفعها الله _ عز وجل_ رفعا عظيما باهرا لا يستطيع أن يناله أحد من الخلق، حتى الجن على قوتهم يقولون: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً) (الجن: ٩) يقول الله : (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) (الأنبياء: من الآية٣٢) وفي هذه السماوات العظيمة، كيف رفعها الله تعالى بغير عمد: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) (الرعد: من الآية٢) ، أي: ترونها مرفوعة بغير عمد فاعتبروها. وفي هذه السماوات من آيات الله_ عز وجل_الشيء الكثير، فهي
стр. 582
رفعت هذا الرفع العظيم، وفيما بينها وبين الأرض آيات عظيمة من الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحب، وغير ذلك من آيات الله.
الثالث: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) هذه الجبال الصم العظيمة الكبيرة، لو أن الخلق اجتمعوا كلهم بقواهم ما كونوا مثلها. الآن تجد المعدات الكبيرة إذا أرادوا أن يردموا شيئا لا يردمون إلا شيئا، يسيرا مع المشقة الشديدة، هذه الجبال الصم يجب أن نتفكر فيها، كيف نصبها الله ؟ نصبها الله على حكمة عظيمة، لان الله سبحانه وتعالى_ يجعل في هذه الجبال التي نصبها مصالح عظيمة وكبيرة، منها إنها رواسي ترسي الأرض وتمسكها عن الاضطراب، كما قال الله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (النحل: من الآية١٥) ، أي: أن تضطرب، فلولا أن الله أرساها بهذه الجبال، لكانت مضطربة كالسفينة على ظهر الماء في شدة الأمواج، ولكن الله جعلها بهذه الجبال ساكنة قارة، لا تضطرب ولا تميد بأهلها. هذه الجبال أيضا تقي من رياح شديدة عاصفة في بعض الأماكن، وتقي أيضا من برودة عظيمة تأتى من ناحية القضب، وتقي أيضا من حرارة شديدة وكذلك من سفوحها آية من آيات الله_ عز وجل_ من النبات، والأودية، والمعادن شيء عظيم كثير، فلهذا قال: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) .
الرابع: (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) فجعلها الله سطحا، وسخرها للعباد، وجعلها ذلولا لا مذللة، بحيث لم تكن تربتها لينة جدا لا يستقرون
стр. 583
عليها، ولا صلبة جدا لا ينتفعون منها، بل جعلها_ سبحانه وتعالى_ رخوة مسطحة مبسوطة، حتى ينتفع الناس على سطحها بما يسر الله_ سبحانه وتعالى_ لهم من الأسباب النافعة.
وهذه الأرض المسطحة هي أيضا كروية، أي إنها شبه الكرة، مستديرة من كل جانب، إلا إنها مفلطحة من الناحية الشمالية الجنوبية، من ناحية القضبين الشمالي والجنوبي.
ولذلك لو أن أحدا من الناس ركب طائرة متجهة إلى المغرب_ على خط مستقيم_ لكان يخرج إلى المكان الذي أقلعت منه الطائرة، وهذا يدل على إنها مستديرة، لان الإنسان يصل طرفها بطرفها.
ويدل على هذا قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (: ١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (: ٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (: ٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) (الانشقاق: ٤) ، وهذا يكون يوم القيامة، فقوله: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) يدل على إنها الآن ليست ممدودة، لكنها مسطحة، يعني إنها كالسطح، لأنها لكبر حجمها لا يتبين فيها الانحناء الذي يكون في الكرة، فهذه الأشياء الأربعة: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نصبت وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية: ٢٠) يحثنا الله بالنظر فيها بعين البصر، وعين البصيرة، بعين البصر الذي هو الإدراك الحسي ويمين البصيرة التي هي الإدراك العقلي، حتى نستدل بها على ما تدل عليه من آيات الله من قدرة وعلم ورحمة وحكمة وغير ذلك.
وقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) ولم يكمل المؤلف الآية،
стр. 584
لان هذا ورد في عدة آيات من كتاب الله، ففي عدة آيات يحث الله عباده إلى أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ومنها قوله تعالى في سورة القتال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد: ١٠) فأمر الله بالسير والسير ينقسم إلى قسمين.
سير بالقدم وسير بالقلب.
١_ أما السير بالقدم: بان يسير الإنسان في الأرض على أقدامه، أو على راحلتهن من بعير أو سيارة، أو طائرة، أو غيرها حتى ينظر ماذا حصل للكافرين، وماذا كانت حال الكافرين.
٢_ وأما السير بالقلب: فهذا يكون بالتأمل والتفكير فيما نقل عن أخبارهم.
واصح كتاب، واصدق كتاب، وانفع كتاب، نقل أخبار الأولين كتاب الله_عز وجل_، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: من الآية١١١) .
والقران مملؤ من أخبار الأولين المكذبين للرسل، والمؤيدين للرسل، وبين الله عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يقرا الآيات التي فيها أخبار من سبق، وأن يسال عن معناها ويستفسر، حتى يكون على بصيرة من الأمر، وكذلك ايضا ما جاءت به السنة من أخبار الماضين، فإنها جاء بالأحاديث الكثيرة النافعة، وهي إذا صحت عن النبي ﵊ فإنها
стр. 585
اصدق منقول من الأخبار.
ثم بعد ذلك ما نقله المؤرخون، ولكن يجب أن تكون مما نقله المؤرخون على حذر، لان غالب كتب التاريخ ليس لها اصل وليس لها إسناد، وإنما هي أخبار تتناقل بين الناس، فيجب الحذر كل الحذر منها، وأن يحرص الإنسان على أن يتتبعها برفق، ثم هذه الأخبار الواردة في غير الكتاب والسنة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد شرعنا ببطلانه، فهذا يجب رده وبيان خطئه وكذبه حتى يكون الناس منه على بصيرة.
القسم الثاني: ما أيده القران والسنة، فهذا يقبل بشهادة القران والسنة له بالصحة.
القسم الثالث: ما لم يؤيده القران ولا السنة، فهذا يتوقف فيه، لان الأمم السابقة ليس بيننا وبينهم إسناد متصل حتى يمكن أن نعرف صحة ما نقل عنهم، ولكنه ينقل، وتكون أخبار إسرائيلية، ينظر فيها، ولكن يتوقف فيها فلا تقبل ولا ترد هذا هو العدل.
ثم أشار المؤلف_ ﵀، إلى الحديث السابق، وهو قول النبي ﷺ : (٠ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني))
الكيس: هو الحازم الفطن المتنبه المنتهز للفرص، هو الذي يدين نفسه، أي يحاسبها، فينظر ماذا أهمل من الواجب وماذا فعل من المحرم،
стр. 586
وماذا أتى به من الواجب، وماذا تجنب من المحرم، حتى يصلح نفسه.
أما العاجز: فهو الذي يتبع نفسه هواها، فما هوت نفسه اخذ به، وما كرهت نفسه لم يأخذ به، سواء وافق شرع الله أم لا.
هذا هو العاجز، وما اكثر العاجزين اليوم، الذين يتبعون أنفسهم هواها، ولا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة، ولا يهتمون بهذا، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
وقوله: ((تمنى على الله الأماني)) يعني: يقول سيغفر لي، وسوف استقيم فيما بعد، وسوف أقوم بالواجب فيما بعد، وسوف اترك هذا فيما بعد، أو يقول: الله يهديني، وإذا نصحته قال: اسأل الله لي الهداية، وما أشبه ذلك، هذا عاجز.
والكيس: هو الذي يعمل بحزم وجد، ويحاسب نفسه، ويكون عنده قوة في أمر الله، وفي دين الله، وفي شرع الله، حتى يتمكن من ضبط نفسه، وإلا فان الله يقول في كتابه: عن زوجة العزيز (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف: من الآية٥٣) ، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، ويعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
تم بحمد الله تعالى المجلد الأول ويليه بمشيئة الله المجلد الثاني
стр. 587
١٠ـ باب المبادرة إلى الخيرات
وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد.
قال الله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المبادرة إلى الخيرات وحث من أقبل على الخير أن يتمه من غير تردد) وهذا العنوان تضمن أمرين:
الأول: المبادرة والمسارعة إلى الخير.
والثاني: أن الإنسان إذا عزم على الشيء ـ وهو خير ـ فليمض فيه ولا يتردد.
أما الأول: فهو المبادرة، وضد المبادرة التواني والكسل، وكم من إنسان توانى وكسل؛ ففاته خير كثير، ولهذا قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) .
فالإنسان ينبغي له أن يسارع في الخيرات، كل ذكر له شيء من الخير
стр. 588
بادر إليه، فمن ذلك الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، إلى غير ذلك من مسائل الخير التي ينبغي المسارعة إليها؛ لأن الإنسان لا يدري، فربما يتوانى في الشيء ولا يقدر عليه بعد ذلك، إما بموت، أو مرض، أو فوات، أو غير هذا، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵊: (إذا أراد أحدكم الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة) .
فقد يعرض له شيءٌ يمنعه من الفعل. فسارع إلى الخير ولا تتوانى.
ثم ذكر المؤلف قول الله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات ِ) واستبقوها: يعني اسبقوا إليها، وهو أبلغ من: سابقوا إلى الخيرات، فالاستباق معناه: أن الإنسان يسبق إلي الخير، ويكون من أول الناس في الخير، ومن المسابقة في الصفوف في الصلاة؛ فإن النبي ﷺ قال: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها) وقال في النساء: (وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) .
ورأى النبي ﷺ أقواماً في مؤخرة المسجد؛ لم يسبقوا ولم يتقدموا، فقال: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله . فانتهز الفرصة
стр. 589
واسبق إلى الخير.
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ... ) (آل عمران: ١٣٣، ١٣٤) . قال: سارعوا إلى المغفرة والجنة.
أما المسارعة إلى المغفرة: فأن يسارع الإنسان إلى ما فيه مغفرة الذنوب؛ من الاستغفار، كقول: أستغفر الله، أو اللهم اغفر لي، أو اللهم إني أستغفرك، وما أشبه ذلك، وكذلك أيضاً: الإسراع إلى ما فيه المغفرة، مثل الوضوء، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، فإن الإنسان إذا توضأ، فأسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين؛ فإنه تفتح له أبواب الجنة الثمانية؛ ويدخل من أيها شاء، وكذلك إذا توضأ؛ فإن خطاياه تخرج من أعضاء وضوئه؛ مع آخر قطرة من قطر الماء، فهذه من أسباب المغفرة.
ومن أسباب المغفرة أيضاً: الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر،
стр. 590
رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، فليسارع الإنسان إلى أسباب المغفرة.
الأمر الثاني (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ، وهذا يكون بفعل المأمورات، أي: أن تسارع للجنة بالعمل لها، ولا عمل للجنة إلا العمل الصالح، هذا هو الذي يكون سبباً لدخول الجنة، فسارع إليه.
ثم بين الله هذه الجنة؛ بأن عرضها السماوات والأرض، وهذا يدل على سعتها وعظمها، وأنه لا يقدر قدرها إلا الله . فسارع إلى هذه الجنة بفعل ما يوصلك إليها من الأعمال الصالحة، ثم قال الله (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) يعني: هيئت لهم، والذي أعدها لهم هو الله ، كما جاء في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) .
ومن هم المتقون؟ قال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ
стр. 591
الْعَامِلِينَ) (آل عمران: ١٣٤-١٣٦) .
هؤلاء هم المتقون: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) يعني: يبذلون أموالهم (فِي السَّرَّاءِ) يعني في حال الرخاء، وكثرة المال، والسرور، والانبساط، (وَالضَّرَّاءِ) يعني في حال ضيق العيش والانقباض.
ولكن؛ لم يبين الله هنا مقدار، ولكنه بينه في آيات كثيرة، فقال تعالى (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة: ٢١٩) .
العفو: يعني ما زاد عن حاجاتكم وضروراتكم فأنفقوه، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان: ٦٧) . فهم ينفقون إنفاقاً ليس فيه إسراف ولا تقتير، وينفقون ـ أيضاً ـ العفو، أي: ما عفا وزاد عن حاجاتهم وضروراتهم.
(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) أي: الذين إذا اغتاظوا ـ أي اشتد غضبهم ـ كظموا غيظهم، ولم ينفذوه، وصبروا على هذا الكظم، وهذا الكظم من أشد ما يكون على النفس، كما قال النبي ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) .
الصرعة: يعني يصرع الناس، أي: يغلبهم في المصارعة، فليس هذا هو الشديد، ولكن الشديد: هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛
стр. 592
لأن الإنسان إذا غضب ثارت نفسه، فانتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وصار يحب أن ينتقم، فإذا كظم الغيظ وهدأ، فإن ذلك من أسباب دخول الجنة.
واعلم أن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم؛ إذا أتاه ما يهزه، ولكن النبي ﷺ أعلمنا بما يطفئ هذه الجمرة، فمن ذلك: أن يتعوذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم، فإذا أحس بالغضب ـ وأن الغضب سيغلبه ـ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومنها: أن يجلس إن كان قائماً، ويضطجع إن كان قاعداً، يعني: يضع نفسه، وينزلها من الأعلى إلى الأدنى، فإن كان قائماً جلس، وإن كان جالساً اضطجع، ومنها: أن يتوضأ بتطهير أعضائه الأربعة؛ الوجه واليدين والرأس والرجلين، فإن
стр. 593
هذا يطفئ الغضب، فإذا أحسست بالغضب؛ فاستعمل هذا الذي أرشدك إليه النبي ﷺ حتى يزول عنك، وإلا فكم من إنسان أي به غضبه إلى مفارقة أهله فما أكثر الذين يقولون: أنا غضبت على زوجتي فطلقتها ثلاثاً، وربما يغضب ويضرب أولاده ضرباً مبرحاً، وربما يغضب ويكسر أوانيه، أو يشق ثيابه، أو ما أشبه ذلك مما يثيره الغضب، ولهذا قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) مدحهم لأنهم ملكوا أنفسهم عند ثورة الغضب.
(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) يعني الذين إذا أساء الناس إليهم عفوا عنهم، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله، وقد أطلق الله العفو هنا، ولكنه بين في قوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) أن العفو لا يكون خيراً إلا إذا كان فيه إصلاح، فإذا أساء إليك شخص معروف بالإساءة والتمرد والطغيان على عباد الله، فالأفضل ألا تعفو عنه، وأن تأخذ بحقك؛ لأنك إذا عفوت ازداد شره، أما إذا كان الإنسان الذي أخطأ عليك قليل الخطأ، قليل العدوان، لكن الأمر حصل على سبيل الندرة، فهنا الأفضل أن تعفو، ومن ذلك حوادث السيارات التي كثرت، فإن بعض الناس يتسرع، ويعفو عن الجاني الذي حصل منه الحادث، وهذا ليس بالأحسن، الأحسن أن تتأمل وتنظر: هل هذا السائق متهور ومستهتر؛ لا يبالي بعباد الله ولا يبالي بالأنظمة؛ فهذا لا ترحمه، خذ بحقك منه كاملاً،
стр. 594
أما إذا كان إنساناً معروفاً بالتأني، وخشية الله، والبعد عن أذية الخلق، والتزام النظام، ولكن هذا أمر حصل من فوات الحرص، فالعفو هنا أفضل؛ لأن الله قال (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فلابد من مراعاة الإصلاح عند العفو.
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) محبة الله للعبد هي غاية كل إنسان؛ فكل إنسان مؤمن غايته أن يحبه الله ، وهي المقصود لكل مؤمن؛ لقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران: ٣١) ، ولم يقل: اتبعوني تصدقوا فيما قلتم، بل عدل عن هذا إلى قوله (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) لأن الشأن - كل الشأن ـ أن يحبك الله ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه.
وأما المحسنون في قوله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالمراد بهم المحسنون في عبادة الله، والمحسنون إلى عباد الله.
والمحسنون في عبادة الله؛ بين النبي ﵊ مرتبتهم في قوله حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) يعني: أن تعبد الله بقلب حاضر؛ كأنك ترى ربك تريد الوصول إليه، فإن لم تفعل؛ فاعلم أن الله يراك، فاعبده خوفاً وخشية، وهذه المرتبة دون المرتبة الأولى.
стр. 595
فالمرتبة الأولى: أن تعبد الله طلباً ومحبة وشوقاً.
والثانية: أن تعبده هرباً وخوفاً وخشية.
أما الإحسان إلى عباد الله: فأن تعاملهم بما هو أحسن؛ في الكلام، والأفعال، والبذل، وكف الأذى، وغير ذلك، حتى في القول؛ فإنك تعاملهم بالأحسن، قال الله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (النساء: ٨٦) ، يعني: إن لم تفعلوا فتردوا بأحسن منها، فلا أقل من أن تردوها؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إذا قال المسلم: السلام عليكم ورحمة الله، قل: وعليكم السلام ورحمة الله. هذا أدنى شيء، فإن زدت: (وبركاته) فهو أفضل؛ لأن الله قال: بأحسن منها، فبدأ بالأحسن ثم قال: (أَوْ رُدُّوهَا) كذلك إذا سلم عليك إنسان بصوت واضح بين؛ ترد عليه بصوت واضح بين على الأقل، كثير من الناس ـ أو بعض الناس ـ إذا سلمت عليه رد عليك السلام بأنفه، حتى إنك تكاد لا تسمعه في رد السلام، وهذا غلط؛ لأن هذا خلاف ما سلم عليك به، يسلم عليك بصوت واضح ثم ترد بأنفك!! هذا خلاف ما أمر الله به.
كذلك الإحسان بالفعل؛ مثل معونة الناس ومساعدتهم في أمورهم. فإذا ساعدت إنساناً فقد أحسنت إليه، مساعدة بالمال، بالصدقة بالهدية، بالهبة وما أشبه ذلك هذا من الإحسان.
ومن الإحسان أيضاً: أنك إذا رأيت أخاك على ذنب؛ أن تبين له ذلك وتنهاه عنه؛ لأن هذا من أعظم الإحسان إليه، قال النبي ﵊: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم
стр. 596
فكيف ننصر الظالم؟ قال: (أن تمنعه من الظلم) فإن منعك إياه من الظلم نصر له وإحسان إليه، والمهم أنه ينبغي لك ـ في معاملة الناس ـ أن تستحضر هذه الآية (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فتحسن إليهم بقدر ما تستطيع.
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِم) (آل عمران: ١٣٥) .
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) الفاحشة: ما يستفحش من الذنوب، وهي كبائر الذنوب، مثل الزنا، شرب الخمر، وقتل النفس وما أشبهها، كل مل يستفحش فهو فاحشة (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بما دون الفاحشة من المعاصي الصغار (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا عظمته وذكروا عقابه، ثم ذكروا أيضاً رحمته وقبوله للتوبة وثوابها.
فهم يذكرون الله من وجهين:
الوجه الأول: من حيث العظمة، والعقوبة، والسلطان العظيم، فيوجلون ويخجلون ويستغفرون.
والثاني: من حيث الرحمة وقبول التوبة، فيرغبون في التوبة ويستغفرون الله؛ ولهذا قال: (ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) ومن أفضل ما يستغفر به سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت،
стр. 597
أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) .
قال الله تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) يعني: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله لو أن الأمة كلها من أولها إلى آخرها، والجنة والملائكة اجتمعوا على أن يغفروا لك ذنباً واحداً ما غفروه؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله ، ولكننا نسأل الله المغفرة، لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأما أن يكون بيدنا أن نغفر، فلا يغفر الذنوب إلا الله.
قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون َ) يعني: لم يستمروا على معاصيهم وظلمهم؛ وهم يعلمون أنها معاصي وظلم، وفي هذا دليل على أن الإصرار مع العلم أمره عظيم، حتى في صغائر الذنوب؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن الإنسان إذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة. ومن ذلك ما يفعله جهلة الناس اليوم من حلق اللحية، تجدهم يحلقون اللحية ويصرون على ذلك، ولا يرونها إلا زينة وجمالاً، والحقيقة أنها شين، وأنها قبح؛ لأن كل شيء ينتج عن المعصية فلا خير فيه، بل هو قبح، وهؤلاء الذين يصرون على هذه المعصية ـ وإن كانت صغيرة ـ أخطئوا؛ لأنها بالإصرار تنقلب كبيرة والعياذ بالله؛ لأن الإنسان لا يبالي بما يفعل، تجده كل يوم، كلما أراد أن يخرج إلى السوق، أو إلى عمله؛ يذهب وينظر في المرآة، فإذا وجد شعرة واحدة قد برزت، تجده
стр. 598
يسارع إلى حلقها وإزالتها، نسأل الله العافية، وهذا لا شك أنه معصية للرسول ﵊، وإن الإنسان ليخشى عليه من هذا الذنب أن يتدرج به الشيطان إلى ذنوب أكبر وأعظم.
قال الله تعالى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) .
اللهم اجعلنا من هؤلاء العاملين واجعل جزاءنا ذلك يا رب العالمين.
* * *
وأما الأحاديث:
٨٧ ـ فالأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما رواه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بادروا بالأعمال) وبادروا: يعني أسرعوا إليها؛ والمراد الأعمال الصالحة؛ والعمل الصالح ما بني على أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وهذا تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
стр. 599
محمد رسول الله، فالعمل الذي ليس بخالص ليس بصالح، لو قام الإنسان يصلي؛ ولكنه يرائي الناس بصلاته، فإن عمله لا يقبل؛ حتى لو أتى بشروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، وسننها، وطمأنينتها، وأصلحها إصلاحاً تاماً في الظاهر، لكنها لا تقبل منه، لأنها خالطها الشرك، والذي يشرك بالله معه غيره لا يقبل الله عمله، كما في الحديث الصحيح؛ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) يعني إذا أحد شاركني؛ فأنا غني عن شركه، (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) .
كذلك أيضاً: لو أن الإنسان أخلص في عمله، لكنه أتى ببدعة ما شرعها الرسول ﵊؛ فإن عمله لا يقبل حتى لو كان مخلصاً، حتى لو كان يبكي من الخشوع، فإنه لا ينفعه ذلك؛ لأن البدعة وصفها النبي ﷺ بأنها ضلالة، فقال: (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) .
ثم قال: (فتناً كقطع الليل المظلم) أخبر أنه ستوجد فتن كقطع الليل المظلم ـ نعوذ بالله ـ يعني أنها مدلهمة مظلمة؛ لا يرى فيها النور والعياذ
стр. 600
بالله، ولا يدري الإنسان أين يذهب؛ يكون حائراً، ما يدري أين المخرج، أسأل الله أن يعيذنا من الفتن.
والفتن منها ما يكون من الشبهات، ومنها ما يكون من الشهوات، ففتن الشبهات: كل فتنة مبنية على الجهل، ومن ذلك ما حصل من أهل البدع الذين ابتدعوا في عقائدهم ما ليس من شريعة الله، أو أهل البدع الذين ابتدعوا في أقوالهم وأفعالهم ما ليس من شريعة الله، فإن الإنسان قد يفتن ـ والعياذ بالله ـ فيضل عن الحق بسبب الشبهة.
ومن ذلك أيضاً: ما يحصل في المعاملات من الأمور المشتبهة التي هي واضحة في قلب الموقن، مشتبهة في قلب الضال والعياذ بالله، تجده يتعامل معاملة تبين أنها محرمة، لكن لما على قلبه من رين الذنوب ـ نسأل الله العافية ـ يشتبه عليه الأمر، فيزين له سوء عمله، ويظنه حسناً، وقد قال الله في هؤلاء: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا ً) (الكهف: ١٠٣، ١٠٤) ، فهؤلاء هم الأخسرون والعياذ بالله.
وتكون الفتن ـ أيضاً ـ من الشهوات، بمعنى أن الإنسان يعرف أن هذا حرام، ولكن لأن نفسه تدعوه إليه فلا يبالي النبي صلي الله عليه وسلم بل يفعل الحرام، ويعلم أن هذا واجب، لكن نفسه تدعوه للكسل فيترك هذا الواجب، هذه فتنة شهوة، يعني فتنة إرادة، ومن ذلك أيضاً ـ بل من أعظم ما يكون ـ فتنة شهوة الزنا أو اللواط والعياذ بالله، وهذه من أضر ما يكون على هذه الأمة، قال النبي ﵊: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من
следующие страницы →