← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فكيف ننصر الظالم؟ قال: (أن تمنعه من الظلم) فإن منعك إياه من الظلم نصر له وإحسان إليه، والمهم أنه ينبغي لك ـ في معاملة الناس ـ أن تستحضر هذه الآية (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فتحسن إليهم بقدر ما تستطيع. (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِم) (آل عمران: ١٣٥) . (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) الفاحشة: ما يستفحش من الذنوب، وهي كبائر الذنوب، مثل الزنا، شرب الخمر، وقتل النفس وما أشبهها، كل مل يستفحش فهو فاحشة (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بما دون الفاحشة من المعاصي الصغار (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا عظمته وذكروا عقابه، ثم ذكروا أيضاً رحمته وقبوله للتوبة وثوابها. فهم يذكرون الله من وجهين: الوجه الأول: من حيث العظمة، والعقوبة، والسلطان العظيم، فيوجلون ويخجلون ويستغفرون. والثاني: من حيث الرحمة وقبول التوبة، فيرغبون في التوبة ويستغفرون الله؛ ولهذا قال: (ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم) ومن أفضل ما يستغفر به سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت،

стр. 597

أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) . قال الله تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) يعني: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله لو أن الأمة كلها من أولها إلى آخرها، والجنة والملائكة اجتمعوا على أن يغفروا لك ذنباً واحداً ما غفروه؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله ، ولكننا نسأل الله المغفرة، لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأما أن يكون بيدنا أن نغفر، فلا يغفر الذنوب إلا الله. قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون َ) يعني: لم يستمروا على معاصيهم وظلمهم؛ وهم يعلمون أنها معاصي وظلم، وفي هذا دليل على أن الإصرار مع العلم أمره عظيم، حتى في صغائر الذنوب؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن الإنسان إذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة. ومن ذلك ما يفعله جهلة الناس اليوم من حلق اللحية، تجدهم يحلقون اللحية ويصرون على ذلك، ولا يرونها إلا زينة وجمالاً، والحقيقة أنها شين، وأنها قبح؛ لأن كل شيء ينتج عن المعصية فلا خير فيه، بل هو قبح، وهؤلاء الذين يصرون على هذه المعصية ـ وإن كانت صغيرة ـ أخطئوا؛ لأنها بالإصرار تنقلب كبيرة والعياذ بالله؛ لأن الإنسان لا يبالي بما يفعل، تجده كل يوم، كلما أراد أن يخرج إلى السوق، أو إلى عمله؛ يذهب وينظر في المرآة، فإذا وجد شعرة واحدة قد برزت، تجده

стр. 598

يسارع إلى حلقها وإزالتها، نسأل الله العافية، وهذا لا شك أنه معصية للرسول ﵊، وإن الإنسان ليخشى عليه من هذا الذنب أن يتدرج به الشيطان إلى ذنوب أكبر وأعظم. قال الله تعالى: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) . اللهم اجعلنا من هؤلاء العاملين واجعل جزاءنا ذلك يا رب العالمين. * * * وأما الأحاديث: ٨٧ ـ فالأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما رواه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بادروا بالأعمال) وبادروا: يعني أسرعوا إليها؛ والمراد الأعمال الصالحة؛ والعمل الصالح ما بني على أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وهذا تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن

стр. 599

محمد رسول الله، فالعمل الذي ليس بخالص ليس بصالح، لو قام الإنسان يصلي؛ ولكنه يرائي الناس بصلاته، فإن عمله لا يقبل؛ حتى لو أتى بشروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، وسننها، وطمأنينتها، وأصلحها إصلاحاً تاماً في الظاهر، لكنها لا تقبل منه، لأنها خالطها الشرك، والذي يشرك بالله معه غيره لا يقبل الله عمله، كما في الحديث الصحيح؛ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) يعني إذا أحد شاركني؛ فأنا غني عن شركه، (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . كذلك أيضاً: لو أن الإنسان أخلص في عمله، لكنه أتى ببدعة ما شرعها الرسول ﵊؛ فإن عمله لا يقبل حتى لو كان مخلصاً، حتى لو كان يبكي من الخشوع، فإنه لا ينفعه ذلك؛ لأن البدعة وصفها النبي ﷺ بأنها ضلالة، فقال: (فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . ثم قال: (فتناً كقطع الليل المظلم) أخبر أنه ستوجد فتن كقطع الليل المظلم ـ نعوذ بالله ـ يعني أنها مدلهمة مظلمة؛ لا يرى فيها النور والعياذ

стр. 600

بالله، ولا يدري الإنسان أين يذهب؛ يكون حائراً، ما يدري أين المخرج، أسأل الله أن يعيذنا من الفتن. والفتن منها ما يكون من الشبهات، ومنها ما يكون من الشهوات، ففتن الشبهات: كل فتنة مبنية على الجهل، ومن ذلك ما حصل من أهل البدع الذين ابتدعوا في عقائدهم ما ليس من شريعة الله، أو أهل البدع الذين ابتدعوا في أقوالهم وأفعالهم ما ليس من شريعة الله، فإن الإنسان قد يفتن ـ والعياذ بالله ـ فيضل عن الحق بسبب الشبهة. ومن ذلك أيضاً: ما يحصل في المعاملات من الأمور المشتبهة التي هي واضحة في قلب الموقن، مشتبهة في قلب الضال والعياذ بالله، تجده يتعامل معاملة تبين أنها محرمة، لكن لما على قلبه من رين الذنوب ـ نسأل الله العافية ـ يشتبه عليه الأمر، فيزين له سوء عمله، ويظنه حسناً، وقد قال الله في هؤلاء: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا ً) (الكهف: ١٠٣، ١٠٤) ، فهؤلاء هم الأخسرون والعياذ بالله. وتكون الفتن ـ أيضاً ـ من الشهوات، بمعنى أن الإنسان يعرف أن هذا حرام، ولكن لأن نفسه تدعوه إليه فلا يبالي النبي صلي الله عليه وسلم بل يفعل الحرام، ويعلم أن هذا واجب، لكن نفسه تدعوه للكسل فيترك هذا الواجب، هذه فتنة شهوة، يعني فتنة إرادة، ومن ذلك أيضاً ـ بل من أعظم ما يكون ـ فتنة شهوة الزنا أو اللواط والعياذ بالله، وهذه من أضر ما يكون على هذه الأمة، قال النبي ﵊: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من

стр. 601

النساء) وقال: (اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) ، ولدينا الآن ـ وفي مجتمعنا ـ من يدعو إلى هذه الرذيلة ـ والعياذ بالله ـ بأساليب ملتوية، يلتوون فيها بأسماء لا تمت إلى ما يقولون بصلة، لكنها وسيلة إلى ما يريدون؛ من تهتك لستر المرأة، وخروجها من بيتها لتشارك الرجل في أعماله، ويحصل بذلك الشر والبلاء، ولكن نسأل الله أن يجعل كيدهم في نحورهم، وأن يسلط حكامنا عليهم؛ بإبعادهم عن كل ما يكون سبباً للشر والفساد في هذه البلاد، ونسأل الله أن يوفق لحكامنا بطانة صالحة؛ تدلهم على الخير، وتحثهم عليه. إن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وهي أعظم فتنة، وهناك أناس الآن يحيكون كل حياكة من أجل أن يهدروا كرامة المرأة، من أجل أن يجعلوها كالصورة، كالدمى، مجرد شهوة وزهرة يتمتع بها الفساق والسفلاء من الناس، ينظرون إلى وجهها كل حين وكل ساعة والعياذ بالله، ولكن ـ بحول الله ـ أن دعاء المسلمين سوف يحيط بهم، وسوف يكبتهم ويردهم على أعقابهم خائبين، وسوف تكون المرأة السعودية ـ بل المرأة في كل مكان من بلاد الإسلام ـ محترمة مصونة، حيث وضعها الله .

стр. 602

المهم أن الرسول ﵊ حذرنا من هذه الفتن التي هي كقطع الليل المظلم، يصبح الإنسان مؤمناً ويمسي كافراً، والعياذ بالله. يوم واحد يرتد عن الإسلام، يخرج من الدين، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً. نسأل الله العافية. لماذا؟ (يبيع دينه بعرض من الدنيا) ولا تظن أن العرض من الدنيا هو المال، كل متاع الدنيا عرض، سواء مال، أو جاه أو رئاسة، أو نساء، أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع فإنه عرض، كما قال تعالى: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) (النساء: ٩٤) فما في الدنيا كله عرض. فهؤلاء الذين يصبحون مؤمنين ويمسون كفاراً، أو يمسون مؤمنين ويصبحون كفاراً، كلهم يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن. واستعيذوا دائماً يا أخواني من الفتن، وما أعظم ما أمرنا به نبينا ﵊، حيث قال: (إذا تشهد أحدكم ـ يعني التشهد الأخير ـ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال) نسأل الله أن يثيبنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. * * *

стр. 603

٨٨ ـ الثاني: عن أبي سروعة ـ بكسر السين المهملة وفتحها ـ عقبة بن الحارث ﵁ قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: (ذكرت شيئاً من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته) رواه البخاري. وفي رواية له: (كنت خلفت في البيت تبرا ً من الصدقة؛ فكرهت أن أبيته) . (التبر) قطع ذهب أو فضة. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن عقبة بن الحارث ﵁؛ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات يوم صلاة العصر، فقام النبي ﷺ حين أنصرف من صلاته مسرعاً؛ يتخطي رقاب الناس على بعض حجرات زوجاته، ثم خرج فرأى الناس قد عجبوا من ذلك، فبين لهم النبي ﷺ سبب هذا، وقال (ذكرت شيئاً من تبر عندنا) يعني مما تحب قسمته (فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) . ففي هذا الحديث المبادرة إلى فعل الخير، وألا يتوانى الإنسان عن فعله، وذلك لأن الإنسان لا يدري متى يفاجئه الموت؛ فيفوته الخير، والإنسان ينبغي أن يكون كيساً، يعمل لما بعد الموت ولا يتهاون، وإذا كان الإنسان في أمور دنياه يكون مسرعاً، وينتهز الفرص، فإن الواجب

стр. 604

عليه في أمور أخراه أن يكون كذلك بل أولى، قال الله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى: ١٦-١٩) . وفي هذا الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ أسرع الناس مبادرة إلى الخير، أنه ﵊ محتاج إلى العمل؛ كما أن غيره محتاج إلى العمل؛ ولهذا لما حدث فقال: (إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله) ، قالوا: لا أنت؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمد ني الله برحمته) ، هذا هو النبي ﵊. وفي هذا الحديث دليل على جواز تخطي الرقاب بعد السلام من الصلاة، ولا سيما إذا كان لحاجة، وذلك لأن الناس بعد السلام من الصلاة ليسوا في حاجة إلى أن يبقوا في أماكنهم، بل لهم الانصراف، بخلاف تخطي الرقاب قبل الصلاة، فإن ذلك منهي عنه؛ لأنه إيذاء للناس، ولهذا قطع النبي ﷺ خطبته يوم الجمعة حين رأى رجلاً يتخطى الرقاب، فقال له: (أجلس فقد آذيت) . وفي هذا الحديث دليل على أن رسول الله ﷺ كغيره من البشر ـ

стр. 605

يلحقه النسيان، وأنه ينسى كما ينسى غيره، وإذا كان ﷺ ينسى ما كان معلوماً عنده من قبل، فإنه كذلك من باب أولى يجهل ما لم يكن معلوماً عنده من قبل، كما قال الله له (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (الأنعام: ٥٠) فأمره الله أن يعلن للملأ أنه ليس عنده خزائن الله؛ وأنه لا يعلم الغيب، وأنه ليس بملك صلوات الله وسلامه عليه. وفي هذا قطع السبيل على من يلتجئون إلى الرسول ﷺ في مهماتهم وملماتهم، ويدعونه، فإن هؤلاء من أعدائه وليسوا من أوليائه؛ لأنه ﵊ لو كان حياً لاستتابهم، فإن تابوا وإلا قتلهم؛ لأنهم مشركون، فإن الإنسان لا يجوز أن يدعو غير الله ؛ لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، وهو ﵊ إنما جاء لحماية التوحيد وتحقيق عبادة الله، فالنبي ﷺ لا يعلم الغيب، وينسى ما كان قد علم من قبل، ويحتاج إلى الأكل والشرب واللباس والوقاية من الأعداء، وقد ظاهر ـ بين درعين في غزوة أحد ـ يعني لبس درعين ـ خوفاً من السلاح. فهو كغيره من البشر، جميع الأحكام البشرية تلحقه ﵊؛ ولهذا قال الله له: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: ١١٠) ، فتأمل وصفه بأنه بشر مثلكم، لو لم يقل (مِثْلُكُمْ) لكفى، يعني إذا قال: إنما أنا بشر علمنا بطريق القياس أنه بشر كالبشر لكن قال (مِثْلُكُمْ) لا أتميز عليكم بشيءٍ إلا بالوحي، (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ) الآية.

стр. 606

وفي هذا الحديث أيضاً دليل على شدة الأمانة وعظمها، وأن الإنسان إذا لم يبادر بأدائها فإنها قد تحبسه، ولهذا قال: (فكرهت أن يحبسني) ، وإذا كان هذا في الأمانة، فكذلك أيضاً في الدين؛ يجب على الإنسان أن يبادر بقضاء دينه إذا كان حالاً، إلا أن يسمح له صاحب الدين فلا بأس أن يؤخر، أما إذا كان لم يسمح له؛ فإنه يجب عليه المبادرة لأدائه ن حتى إن العلماء ﵏ قالوا: إن فريضة الحج تسقط على من عليه الدين؛ حتى يؤديه؛ لأن الدين أمره عظيم، كان النبي ﵊ قبل أن يفتح الله عليه الفتوح؛ إذا جئ إليه بالرجل سال: (هل عليه دين؟) فإن قالوا: لا، تقدم وصلى عليه، وإن قالوا نعم، سأل: (هل له وفاء؟) فإن قالوا: نعم، تقدم وصلى، وإن قالوا: لا، تأخر ولم يصل. يترك الصلاة على الميت إذا كان عليه دين. فقدم إليه ذات يوم رجل من الأنصار، ليصلي عليه، فخطا خطوات، ثم قال: (هل عليه دين؟) قالوا: نعم يا رسول الله: ثلاثة دنانير وليس لها وفاء، فتأخر وقال: (صلوا على صاحبكم) فعرف ذلك في وجوه القوم، تغيرت وجوههم، كيف لم يصل عليه النبي ﵊؟! فتقدم أبو قتادة ﵁، وقال يا رسول الله، علي دينه، فتقدم النبي ﷺ فصلى عليه. ومع الأسف؛ الآن تجد كثيراً من الناس عليه الدين؛ وهو قادر على

стр. 607

الوفاء، ولكنه يماطل والعياذ بالله، وقد ثبت عن النبي ﵊، أنه قال: (مطل الغني ظلم) وأعلم أن الدين ليس كما يفهمه الناس؛ هو الذي يأخذ سلعة بثمن أكثر من ثمنها، الدين كل ما ثبت في الذمة، فهو دين حتى القرض ـ السلف ـ حتى إيجار البيت، حتى أجرة السيارة، أي شيءٍ يثبت في ذمتك فهو دين؛ عليك أن تبادر بوفائه ما دام حالاً. وفي هذا الحديث أيضاً دليل على جواز التوكيل في قسم ما يجب على الإنسان قسمته؛ ولهذا قال: (فأمرت بقسمته) فأمر ﵊ أن يقسم، وهذا التوكيل جائز في كل حق تدخله النيابة من حقوق الله؛ كالحج مثلاً، وأداء الزكاة، وحقوق الآدميين؛ كالبيع، والشراء، والرهن، وما أشبهها. وخلاصة هذا الحديث: هو المبادرة إلى فعل الخيرات، وعدم التهاون في ذلك، واعلم أنك إذا عودت نفسك على التهاون اعتادت عليه وإذا عودتها على الحزم والفعل والمبادرة اعتادت عليه. وأسال الله ـ تعالى ـ أن يعينني وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته. * * *

стр. 608

٨٩ ـ الثالث: عن جابر ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة) فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل. متفق عليه. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن جابر بن عبد الله ﵁ وعن أبيه، أن رجلاً قال للنبي ﷺ يوم أحد: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت حتى قتلت، قال: (أنت في الجنة) ، فألقى تمرات كانت معه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵁، ففي هذا الحديث دليل على مبادرة الصحابة ﵃ إلى الأعمال الصالحة، وأنهم لا يتأخرون فيها، وهذا شانهم؛ ولهذا كانت لهم العزة في الدنيا، وفي الآخرة. ونظير هذا أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عيد، ثم نزل فتقدم إلى النساء فخطبهن، وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة منهن تأخذ خرصها وخاتمها، وتلقيه في ثوب بلال، يجمعه، حتى أعطاه النبي ﷺ ، ولم يتأخرن ﵅ بالصدقة، بل تصدقن حتى من حليهن. وفي حديث جابر من الفوائد: أن من قتل في سبيل الله؛ فإنه في الجنة، ولكن من هو الذي يقتل في سبيل الله؟ الذي يقتل في سبيل الله: هو

стр. 609

الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا يقاتل حمية ولا شجاعة ولا رياء، وإنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، أما من قاتل حمية؛ مثل الذين يقاتلون من أجل القومية العربية مثلاً، فإن هؤلاء ليسوا شهداء؛ وذلك لأن القتال من أجل القومية العربية ليس في سبيل الله، لأنه حمية. وكذلك أيضاً: من يقاتل شجاعة؛ يعني من تحمله شجاعته على القتال لأنه شجاع، والغالب أن الإنسان إذا اتصف بصفة يحب أن يقوم بها، فهذا أيضاً إذا قتل ليس في سبيل الله. وكذلك أيضاً: من قاتل مراءاة والعياذ بالله؛ ليرى مكانه، وأنه رجل يقاتل الأعداء الكفار، فإنه ليس في سبيل الله؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) . وفي هذا دليل على حرص الصحابة ﵃ على معرفة الأمور؛ لأن هذا الرجل سأل النبي ﵊، وكان هذا من عادتهم؛ أنهم لا يفوتون الفرصة حتى يسألوا النبي ﷺ ؛ لأنهم يستفيدون من هذا علماً وعملاً، فإن العالم بالشريعة قد من الله عليه بالعلم، ثم إذا عمل به فهذه منّه أخرى، والصحابة ﵃ كان هذا شأنهم، فيسألون النبي ﷺ عن الحكم الشرعي من أجل أن يعملوا به، بخلاف ما

стр. 610

عليه من الناس اليوم، فإنهم يسألون عن الأحكام الشرعية؛ حتى إذا عملوا بها تركوها، ونبذوها وراء ظهورهم، وكأنهم لا يريدون من العلم لا مجرد المعرفة النظرية، وهذا في الحقيقة خسران مبين؛ لأن من ترك العمل بعد علمه به فإن الجاهل خير منه. فإذا قال قائل: لو رأينا رجلاً يقاتلون، ويقولون: نحن نقاتل للإسلام، دفاعاً عن الإسلام، ثم قتل أحد منهم؛ فهل نشهد له بأنه شهيد؟ فالجواب: لا. لا نشهد بأنه شهيد؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يكلم في سبيله ـ إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك) فقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) يدل على أن الأمر يتعلق بالنية المجهولة لنا، المعلومة عند الله، وخطب عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم فقال: أيها الناس، إنكم تقولون: فلان شهيد وفلان شهيد، ولعله أن يكون قد أوقر راحلته؛ يعني قد حملها من الغلول؛ يعني لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: من مات أو قتل في سبيل الله فهو شهيد، فلا تشهد لشخص بعينه أنه شهيد؛ إلا من شهد له النبي صلى الله عليه سلم فإنك تشهد له، وأما من سوى هذا فقل كلاماً عاماً قل: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، وهذا نرجو أن يكون من الشهداء، وما أشبه ذلك. والله الموفق. * * *

стр. 611

٩٠ ـ الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) متفق عليه. (الحلقوم) : مجرى النفس. و (المريء) : مجرى الطعام والشراب. [الشَّرْحُ] هذا الحديث ساقه المؤلف ﵀ في باب المبادرة إلى فعل الخيرات، وعدم التردد في فعلها إذا أقبل عليها. فإن هذا الرجل سأل النبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ وهو لا يريد أي الصدقة أفضل في نوعها، ولا في كميتها، وإنما يريد ما هو الوقت الذي تكون فيه الصدقة أفضل من غيرها، فقال له: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح) يعني صحيح البدن شحيح النفس؛ لأن الإنسان إذا كان صحيحاً كان شحيحاً بالمال؛ لأنه يأمل البقاء، ويخشى الفقر، أما إذا كان مريضاً، فإن الدنيا ترخص عنده، ولا تساوي شيئاً فتهون عليه الصدقة. قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر) وفي رواية: (تخشى الفقر وتأمل الغنى) ، ولكن الرواية الأولى أحسن، وقوله: (تأمل البقاء) يعني: أنك لكونك صحيحاً تأمل البقاء وطول

стр. 612

الحياة؛ لأن الإنسان الصحيح يستبعد الموت، وإن كان الموت قد يفجأ الإنسان، بخلاف المريض؛ فإنه يتقارب الموت. وقوله: (وتخشى الفقر) يعني: لطول حياتك، فإن الإنسان يخشى الفقر إذا طالت به الحياة؛ لأن ما عنده ينفد، فهذا أفضل ما يكون؛ أن تتصدق في حال صحتك وشحك. (ولا تهمل) أي لا تترك الصدقة، (حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا ولفلان كذا) يعني لا تمهل، وتؤخر الصدقة، حتى إذا جاءك الموت وبلغت روحك حلقومك، وعرفت أنك خارج من الدنيا، (قلت: لفلان كذا) يعني صدقة، (ولفلان كذا) يعني صدقة، (وقد كان لفلان) أي قد كان المال لغيرك، (لفلان) : يعني للذي يرثك. فإن الإنسان إذا مات انتقل ملكه، ولم يبق له شيء من المال. ففي هذا الحديث دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يبادر بالصدقة قبل أن يأتيه الموت، وأنه إذا تصدق في حال حضور الأجل، كان ذلك أقل فضلاً مما لو تصدق وهو صحيح شحيح. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا تكلم في سياق الموت فإنه يعتبر كلامه إذا لم يذهل، فإن أذهل حتى صار لا يشعر بما يقول فإنه لا عبرة بكلامه، لقوله: (حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان: كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) . وفيه دليل على أن الروح تخرج من أسفل البدن، تصعد حتى تصل إلى أعلى البدن، ثم تقبض من هناك، ولهذا قال: (حتى إذا بلغت الحلقوم) ، وهذا كقوله تعالى: (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ

стр. 613

تَنْظُرُونَ) (الواقعة: ٨٣-٨٤) فأول ما يموت من الإنسان أسفله، تخرج الروح بأن تصعد في البدن، إلى أن تصل إلى الحلقوم، ثم يقبضها ملك الموت، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير والسعادة. والله الموفق. * * * ٩١ ـ الخامس: عن أنس رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد فقال: (من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا. قال: (فمن يأخذه بحقه؟) فأحجم القوم، فقال أبو دجانة ﵁: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. رواه مسلم. اسم أبي دجانة: سماك بن خرشة. قوله: (أحجم القوم) أي توقفوا. و (فلق به) : أي شق، (هام المشركين) : أي رؤوسهم. [الشَّرْحُ] في هذا الحديث يقول أنس: إن الرسول ﷺ في غزوة أحد؛ وغزوة أحد إحدى الغزوات الكبار التي غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، وأحد جبل قرب المدينة، وكان سبب الغزوة: أن قريشاً لما أصيبوا يوم بدر بقتل زعمائهم وكبرائهم؛ أرادوا أن يأخذوا بالثار من النبي ﷺ فجاءوا إلى المدينة يريدون غزو الرسول ﷺ فاستشار النبي ﷺ أصحابه حين علم بقدومهم، فأشار عليه بعضهم بالبقاء في المدينة، وأنهم إذا دخلوا المدينة أمكن أن يرموهم بالنبل وهم متحصنون في البيوت، وأشار بعضهم؛

стр. 614

ولا سيما الشباب منهم والذين لم يحضروا غزوة بدر؛ أشار أن يخرج إليهم، فدخل النبي ﷺ بيته ولبس لامته، يعني لامة الحرب، ثم خرج، وأمر بالخروج إليهم في أحد. فالتقوا في أحد، وصف النبي ﷺ أصحابه صفاً مرتباً من أحسن ما يكون، وجعل الرماة الذين يحسنون الرمي بالنبل ـ وهم خمسون رجلاً ـ على الجبل، وأمر عليهم عبد الله بن جبير ﵁ وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم، وابقوا في مكانكم، سواء كانت لنا أو علينا. فلما التقى الصفان، انهزم المشركون وولوا الأدبار، وصار المسلمون يجمعون الغنائم، فقال الرماة الذين في الجبل: انزلوا نأخذ الغنائم، ونجمعها. فذكرهم أميرهم بقول النبي ﷺ لهم أن يبقوا في مكانهم، سواء كانت للمسلمين أو عليهم، ولكنهم ﵃ ظنوا أن الأمر قد انتهى؛ لأنهم رأوا المشركين ولوا ولم يبقى إلا نفر قليل، فلما رأى فرسان قريش أن الجبل قد خلا من الرماة؛ كروا على المسلمين من خلفهم، ثم اختلطوا بالمسلمين، فصار ما كان بقدر العزيز الحكيم جل وعلا، واستشهد من المسلمين سبعون رجلاً، ومنهم حمزة بن عبد المطلب ﵁ عم رسول الله ﷺ ، أسد الله وأسد رسوله. فلما أصيب المسلمين بهذه المصيبة العظيمة؛ قالوا: أنى هذا، كيف نهزم ومعنا رسول الله ﷺ ونحن جند الله، وأولئك معهم الشياطين: وهم جنود الشياطين، فقال الله لهم: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: من الآية١٦٥) ، أنتم

стр. 615

السبب، لأنكم عصيتم، كما قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) (آل عمران: من الآية١٥٢) يعني حصل ما تكرهون. فحصل ما حصل؛ لحكم عظيمة؛ ذكرها الله في سورة آل عمران، وتكلم عليها الحافظ ابن القيم ﵀ كلاماً جيداً لم أر مثله في كتاب (زاد المعاد) ؛ في بيان الحكم العظيمة من هذه العزوة. المهم أن الرسول ﵊ أخذ سيفاً، فقال لأصحابه: (من يأخذ مني هذا السيف؟) كلهم قال: نأخذه، رفعوا أيديهم وبسطوها، يقولون: أنا أنا، فقال: (فمن يأخذه بحقه؟) ، فأحجم القوم؛ لأنهم يعلمون ما حقه، يخشون أن حقه يكون كبيراً جداً لا يستطيعون القيام به، ويخشون أيضاً أن يعجزوا عن القيام به، فيكونون قد أخذوا هذا السيف على العهد من رسول الله ثم لا يوفون به، ولكن الله وفق أبا دجانة ﵁ فقال: أنا آخذه بحقه، فأخذه بحقه؛ وهو أن يضرب به حتى ينكسر، أخذه بحقه ﵁ وقاتل به؛ وفلق به هام المشركين ﵁. في هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يبادر بالخير، وألا يتأخر، وأن يستعين بالله ، وهو إذا استعان بالله وأحسن به الظن؛ أعانه الله. كثير من الناس ربما يستكثر العبادة، أو يرى أنها عظيمة، يستعظمها، فينكص على عقبيه، ولكن يقال للإنسان: استعن بالله، توكل على الله، وإذا استعنت بالله، وتوكلت عليه، ودخلت فيما يرضيه ؛ فأبشر

стр. 616

بالخير وأن الله ـ تعالى ـ سيعينك؛ كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: من الآية٣) . وفي هذا دليل ـ أيضاً ـ على حسن رعاية النبي ﷺ لأمته؛ لأنه لم يخص بالسيف أحد من الناس، ولكنه جعل الأمر لعموم الناس، وهكذا ينبغي للإنسان الذي استرعاه الله رعية، ألا يحابي أحداً، وألا يتصرف تصرفاً يظن أنه محاب فيه، لأنه إذا حابى أحداً، أو تصرف تصرفاً يظن أنه حابى فيه، حصل من القوم فرقة، وهذا يؤثر على الجماعة. أما لو امتاز أحد من الناس بميزة لا توجد في غيره، ثم خصه الإنسان بشيء، ولكنه يبين للجماعة أنه خصه لهذه الميزة؛ التي لا توجد فيهم؛ فهذا لا بأس به. والله الموفق. * * * ٩٢ ـ السادس: عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك ﵁ فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج. فقال: (اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) سمعته من نبيكم ﷺ . رواه البخاري. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن الزبير بن عدي؛ أنهم أتوا إلى أنس بن مالك ﵁؛ خادم رسول الله ﷺ ، وكان قد عمر، وبقى إلى حوالي تسعين سنة من الهجرة النبوية، وكان قد أدرك وقته شيء من

стр. 617

الفتن، فجاءوا يشكون إليه ما يجدون من الحجاج بن يوسف الثقفي؛ أحد الأمراء لخلفاء بني أمية، وكان معروفاً بالظلم وسفك الدماء، وكان جباراً عنيداً والعياذ بالله. وهو الذي حاصر مكة لقتال عبد الله بن الزبير ﵁، وجعل يرمي الكعبة بالمنجنيق؛ حتى هدمها أو هدم شيئاً منها، وكان قد آذى الناس، فجاءوا يشكون إلى أنس بن مالك ﵁، فقال لهم أنس ﵁: اصبروا؛ أمرهم بالصبر على جور ولاة الأمور، وذلك لأن ولاة الأمور قد يسلطون على الناس؛ بسبب ظلم الناس، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام: ١٢٩) . فإذا رأيت ولاة الأمور قد ظلموا الناس في أموالهم، أو في أبدانهم، أو حالوا بينهم وبين الدعوة إلى الله ، أو ما أشبه ذلك؛ ففكر في حال الناس؛ تجد أن البلاء أساسه من الناس، هم الذين انحرفوا؛ فسلط الله عليهم من سلط من ولاة الأمور، وفي الأثر ـ وليس بحديث ـ كما تكونون يولى عليكم. ويذكر أن بعض خلفاء بني أمية ـ وأظنه عبد الملك بن مروان ـ جمع وجهاء الناس؛ لما سمع أن الناس يتكلمون في الولاية، جمع الوجهاء وقال لهم: أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم كما كان أبو بكر وعمر؟ قالوا: بلى نريد ذلك، قال: كونوا كالرجال الذين تولى عليهم أبو بكر وعمر؛ لنكون لكم كأبي بكر وعمر، يعني أن الناس على دين ملوكهم، فإذا ظلم ولاة الأمور الناس؛ فإنه غالباً يكون بسبب أعمال الناس.

стр. 618

وجاء رجل من الخوارج إلى على بن أبي طالب ﵁ وقال: ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر، قال: لأن رجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورجالي أنت وأمثالك؛ يعني أن الناس إذا ظلموا سلطت عليهم الولاة. ولهذا قال أنس: اصبروا، هذا هو الواجب، الواجب أن يصبر الإنسان، ولكل كربة فرجة، لا تظن أن الأمور تأتي بكل سهولة، الشر ربما يأتي بغتة ويأتي هجمة، ولكنه لن يدال على الخير أبداً، ولكن علينا أن نصبر، وأن نعالج الأمور بحكمة، لا نستسلم ولا نتهور، نعالج الأمور بحكمة وصبر وتأن، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: ٢٠٠) ، إن كنت تريد الفلاح فهذه أسبابه وهذه طرقه؛ أربعة أشياء: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) . ثم قال أنس بن مالك: فإنه لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم محمد ﷺ . يعني أن الرسول ﷺ قال: (لا يأتي على الناس زمان إلا وما بعده أشر منه) . شر منه في الدين، وهذا الشر ليس شراً مطلقاً عاماً، بل قد يكون شراً في بعض المواضع، ويكون خيراً في مواضع أخرى وهكذا. ومع هذا؛ فإن الناس كما ازادوا في الرفاهية، وكلما انفتحوا على الناس؛ انفتحت عليهم الشرور، فالرفاهية هي التي تدمر الإنسان؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى الرفاهية وتنعيم جسده؛ غفل عن تنعيم قلبه، وصار

стр. 619

أكبر همه أن ينعم هذا الجسد الذي مآله إلى الديدان والنتن، وهذا هو البلاء، وهذا هو الذي ضر الناس اليوم، لا تكاد تجد أحداً إلا ويقول: ما قصرنا؟ ما سيارتنا؟ ما فرشنا؟ ما أكلنا؟ حتى الذين يقرءون العلم ويدرسون العلم، بعضهم إنما يدرس لينال رتبة أو مرتبة يتوصل بها إلى نعيم الدنيا. وكأن الإنسان لم يخلق لأمر عظيم، والدنيا ونعيمها إنما هي وسيلة فقط. نسأل الله أن نستعمله وإياكم وسيلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما معناه: ينبغي على الإنسان أن يستعمل المال كما يستعمل الحمار للركوب، وكما يستعمل بيت الخلاء للغائط. فهؤلاء هم الذين يعرفون المال ويعرفون قدره، لا تجعل المال أكبر همك، اركب المال، فإن لم تركب المال ركبك المال، وصار همك هو الدنيا. ولهذا نقول: إن الناس كلما انفتحت عليهم الدنيا، وصاروا ينظرون إليها، فإنهم يخسرون من الآخرة بقدر ما ربحوا من الدنيا، قال النبي ﷺ : (والله ما الفقر أخشى عليكم) يعني ما أخاف عليكم الفقر، فالدنيا ستفتح. (ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوا كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتكم) ، وصدق الرسول

стр. 620

عليه الصلاة والسلام، هذا الذي أهلك الناس اليوم، الذي أهلك الناس اليوم التنافس في الدنيا، وكونهم كأنهم إنما خلقوا لها لا أنها خلقت لهم، فاشتغلوا بما خلق لهم عما خلقوا له، وهذا من الانتكاس نسأل الله العافية. وفي هذا الحديث وجوب الصبر على ولاة الأمور وإن ظلموا وجاروا، لأنك سوف تقف معهم موقفاً تكون أنت وإياهم على حد سواء؛ عند ملك الملوك، سوف تكون خصمهم يوم القيامة إذا ظلموك، لا تظن أن ما يكون في الدنيا من الظلم سيذهب هباءً أبداً، حق المخلوق لابد أن يؤخذ يوم القيامة؛ فأنت سوف تقف معهم بين يدي الله ليقضي بينكم بالعدل، فاصبر وانتظر الفرج، فيحصل لك بذلك اطمئنان النفس والثبات، وانتظار الفرج عبادة، تتعبد لله به، وإذا انتظرت الفرج من الله فقد قال النبي ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) . وفي هذا التحذير من سوء الزمان، وأن الزمان يتغير، ويتغير إلى ما هو أشر. وقد قال النبي ﵊ ذات يوم لأصحابه: (من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) وأظن أننا ـ وعيشنا في الدنيا قليل

стр. 621

بالنسبة لمن سبق ـ نرى اختلافاً كثيراً. رأينا اختلافاً كثيراً بين سنين مضت وسنين الوقت الحاضر. حدثني من أثق به؛ أن هذا المسجد ـ مسجد الجامع ـ كان لا يؤذن لصلاة الفجر إلا وقد تم الصف الأول، يأتي الناس إلى المسجد يتهجدون، أين المتهجدون اليوم إلا ما شاء الله؟ . قليل!! تغيرت الأحوال، كنت تجد الواحد منهم كما قال النبي ﵊: (كالطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) إذا أصبح يقول: اللهم ارزقني، قلبه معلق بالله فيرزقه الله، وأما الآن، فأكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، يعتمدون على من سوى الله، ومن تعلق شيئاً وكل إليه. نعم في الآونة الأخيرة ـ والحمد لله ـ لا شك أن الله فتح على الشباب فتحاً؛ أسأل الله تعالى أن يزيدهم من فضله، فتح عليهم وأقبلوا إلى الله، فتجد بين سنواتنا هذه الأخيرة، والسنوات الماضية بالنسبة للشباب فرقاً عظيماً، قبل نحو عشرين سنة؛ كنت لا تكاد تجد الشباب بالمسجد، أما الآن ـ ولله الحمد ـ فأكثر من في المسجد هم الشباب، وهذه نعمة ولله الحمد، يرجو الإنسان لها مستقبلاً زاهراً، وثقوا أن الشعب إذا صلح فسوف تضطر ولاة أموره إلى الصلاح مهما كان فنحن نرجو لإخواننا في غير هذه البلاد ـ الذين من الله ـ عليهم بالصلاح

стр. 622

واستقاموا على الحق ـ أن يصلح لهم الولاة، ونقول: اصبروا فإن ولاتكم سيصلحون رغماً عنهم، فإذا صلحت الشعوب؛ صلحت الولاة بالاضطرار. نسأل الله أن يصلح للمسلمين ولاة أمورهم وشعوبهم؛ إنه جواد كريم. * * * ٩٣ ـ السابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. [الشَّرْحُ] سبق لنا أن النبي ﵊ ذكر في أحاديث متعددة؛ ما يدل على أنه من الحزم أن يبادر الإنسان بالأعمال الصالحة، وفي هذا الحديث أشار النبي ﷺ إلى أشياء متعددة، ينبغي للإنسان أن يبادر بالأعمال حذراً منها. فقال: (بادروا بالأعمال سبعاً) : يعني سبعة أشياء كلها محيطة بالإنسان؛ يخشى أن تصيبه، منها الفقر. قال: (هل تنظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً) . الإنسان بين حالتين بالنسبة للرزق: تارة يغنيه الله ويمده بالمال، والبنين، والأهل، والقصور، والمراكب، والجاه، وغير ذلك من أمور الغنى، فإذا رأى نفسه في هذه

стр. 623

الحال؛ فإنه يطغى والعياذ بالله، ويزيد ويتكبر، ويستنكف عن عبادة الله، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (العلق: ٦-٨) ، يعني: مها بلغت من الاستغناء والعلو؛ فإن مرجعك إلى الله. ونحن نشاهد أن الغنى يكون سبباً للفساد والعياذ بالله، تجد الإنسان في حال فقره مخبتاً إلى الله، مبنياً إليه، منكسر النفس، ليس عنده طغيان، فإذا أمده الله بالمال؛ استكبر ـ والعياذ بالله ـ وأطغاه غناه. أو بالعكس: (فقراً منسياً) الفقر: قلة ذات اليد، بحيث لا يكون مع الإنسان مال، فالفقر ينسي الإنسان مصالح كثيرة؛ لأنه يشتغل بطلب الرزق عن أشياء كثيرة تهمه، وهذا شيء مشاهد؛ ولهذا يخشى على الإنسان من هذين الحالين؛ إما الغنى المطغي؛ أو الفقر المنسي. فإذا من الله على العبد بغنى لا يطغي، وبفقر لا ينسي، وكانت حاله وسطاً، وعبادته مستقيمة، وأحواله قويمة، فهذه هي سعادة الدنيا. وليست سعادة الدنيا بكثرة المال؛ لأنه قد يطغي؛ ولهذا تأمل قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧) ، لم يقل: من عمل عملاً صالحاً من ذكر أو أنثى فلنوسعن عليه المال ولنعطينه المال الكثير، قال: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) ؛ إما بكثرة المال أو بقلة المال، ويذكر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله في الحديث القدسي: (إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى، وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده

стр. 624

الفقر) . وهذا هو الواقع، من الناس من يكون الفقر خيراً له، ومن الناس من يكون الغنى خيراً له، ولكن الرسول ﵊ حذر من غنى مطغٍ وفقر منسٍ. الثالث: قال: (أو مرضاً مفسداً) المرض يفسد على الإنسان أحواله، فالإنسان ما دام في صحة؛ تجد منشرح الصدر، واسع البال، مستأنساً، لكنه إذا أصيب بالمرض انتكب، وضاقت عليه الأرض، وصار همه نفسه، فتجده بمرضه تفسد عليه أمور كثيرة، لا يستأنس مع الناس، ولا ينبسط إلى أهله؛ لأنه مريض ومتعب في نفسه. فالمرض يفسد على الإنسان أحواله، والإنسان ليس دائماً يكون في صحة، فالمرض ينتظره كل لحظة. كم من إنسان أصبح نشيطاً صحيحاً وأمسى ضعيفاً مريضاً، بالعكس؛ أمسى صحيحاً نشيطاً، وأصبح مريضاً ضعيفاً. فالإنسان يجب عليه أن يبادر إلى الأعمال الصالحة؛ حذراً من الأمور. الرابع: (أو هرماً منفداً) الهرم: يعني الكبر، فالإنسان إذا كبر وطالت به الحياة، فإنه ـ كما قال الله (يرد إلى أرذل العمر) أي إلى أسوئه وآرائه، فتجد هذا الرجل الذي عهدته من أعقل الرجال، يرجع حتى يكون مثل الصبيان، بل هو أردأ من الصبيان؛ لأن الصبي لم يكن قد عقل، فلا يدري عن شيء، لكن هذا قد عقل وفهم الأشياء، ثم رد إلى أرذل العمر، فيكون هذا أشد عليه؛ ولذلك نجد أن الذين يردون إلى أرذل العمر ـ من كبار

стр. 625

السن ـ يؤذون أهليهم أشد من إيذاء الصبيان؛ لأنهم كانوا قد عقلوا، وقد استعاذ النبي ﷺ من أن يرد إلى أرذل العمر. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الرد إلى أرذل العمر؛ لأن الإنسان إذا رد إلى أرذل العمر؛ تعب وأتعب غيره، حتى إن أخص الناس به يتمنى أن يموت؛ لأنه آذاه وأتعبه، وإذا لم يتمن بلسان المقال؛ فربما يتمنى بلسان الحال. أما الخامس: (فالموت المجهز) : يعني أن يموت الإنسان، والموت لا ينذر الإنسان قد يموت الإنسان بدون إنذار، قد يموت على فراشه نائماً، وقد يموت على كرسيه عاملاً، وقد يموت في طريقه ماشياً، وإذا مات الإنسان انقطع عمله، كما قال النبي ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو لد صالح يدعو له) فبادر بالعمل قبل الموت المجهز، الذي يجهزك ولا يمهلك. السادس: (أو الدجال فشر غائب ينتظر) الدجال: صيغة مبالغة من الدجل؛ وه الكذب والتمويه، وهو رجل يبعثه الله في آخر الزمان، يصل إلى دعوى الربوبية، يدعي أنه رب، فيمكث في فتنته

стр. 626

هذه أربعين يوماً؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع؛ يعني كجمعة. وسائر أيامه كالأيام المعتادة، لكن يعطيه الله من القدرات ما لم يعط غيره، حتى إنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، ويأمر الأرض فتجدب، والسماء فتقحط: تمنع المطر، ومعه جنة ونار، لكنها مموهة؛ جنته نار، وناره جنة. هذا الرجل أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، مكتوب بين عينيه (كافر) كاف. فاء. راء. يقرؤه كل مؤمن؛ الكاتب وغير الكاتب، ولا يقرؤه المنافق ولا الكافر ـ ولو كان قارئاً كاتباً ـ وهذا من آيات الله. هذا الرجل يرسل الله عليه عيسى ابن مريم عليه الصلاة السلام، فينزل من السماء فيقتله. كما جاء في بعض الأحاديث بباب لدّ في فلسطين حتى يقضي عليه. فالحاصل أن الدجال شر غائب ينتظر؛ لأن فتنته عظيمة؛ ولهذا نحن في صلاتنا ـ في كل صلاة ـ نقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. خصمها، لأنها أعظم فتنة تكون في حياة الإنسان. السابع: (أو الساعة) يعني قيام الساعة الذي فيه الموت العام،

стр. 627

والساعة أدهى وأمر كما قال الله : (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) . فهذه سبع حذر منها النبي ﵊، وأمرنا أن نبادر بالأعمال هذه السبع، فبادر يا أخي المسلم بأعمالك الصالحة قبل أن يفوتك الأوان، فأنت الآن في نشاط، وفي قوة، وفي قدرة، لكن قد يأتي عليك زمان لا تستطيع ولا تقدر على العمل الصالح، فبادر وعود نفسك، وأنت إذا عودت نفسك العمل الصالح إعتادته، وسهل علينا وانقادت له، وإذا عودت نفسك الكسل والإهمال؛ عجزت عن القيام بالعمل الصالح، نسأل الله أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. * * * ٩٤ ـ الثامن: عنه أن رسول ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه) قال عمر ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يؤمئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁، فأعطاه إياها، وقال: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) فسار على شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت؛ فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) رواه مسلم.

стр. 628

(فتساورت) هو بالسين المهملة: أي وثبت متطلعاً. [الشَّرْحُ] قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله) ، وفي لفظ: (ويحبه الله ورسوله) يوم خيبر: يعني يوم غزوة خيبر، وخيبر حصون ومزارع كانت لليهود؛ تبعد عن المدينة نحو مائة ميل نحو الشمال الغربي، فتحها النبي ﵊ كما هو معروف في السير، وكان الذين يعملون فيها اليهود، فصالحهم النبي ﵊ على أن يبقوا فيها مزارعين بالنصف؛ لهم نصف الثمرة، وللمسلمين نصف الثمرة، وبقوا على ذلك حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، أجلاهم إلى الشام وإلى أذرعات. قال النبي ﵊: (لأعطينه الراية رجلاً يحب الله ورسوله) الراية: هي ما يسمى عندنا العلم، يحمله القائد من أجل أن يهتدي به الجيش وراءه، فقال: (لأعطينه الراية رجلاً يحب الله ورسوله) وقوله: (رجلاً) نكرة لا يعلم من هو، قال عمر بن الخطاب: فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، رجاء أن يصيبه ما قاله النبي ﵊، فتسورت لها وبات الناس تلك الليلة يخوضون ويدوكون، كل منهم يرجو أن يعطاها، فلما أصبحوا قال النبي ﷺ : أين علي بن أبي طالب؟ ابن

стр. 629

عمه قالوا: يا رسول الله، إنه يشتكي عينيه، يعني عنده وجع في عينيه، فدعا به، فجاء، فبصق في عينيه؛ فبرأ كأن لم يكن به وجع في الحال، والله على كل شيء قدير، ثم أعطاه الراية، وقال له: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله) . ففعل ﵁ فلما مشى قليلاً وقف، ولكنه لم يلتفت؛ لأن النبي ﷺ قال له: لا تلتفت، فصرخ بأعلى صوته: يا رسول الله، على ماذا أقاتلهم؟ بدون التفات؛ لأن الرسول ﷺ قال لا تلتفت؛ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ؛ هذه الكلمة كلمة عظيمة، ولو وزنت بها السماوات والأرض لرجعت بالسماوات والأرض، هذه الكلمة يدخل بها الإنسان من الكفر الإسلام، فهي باب الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، (فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) يعني إذا قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإنهم لا يقاتلون، منعوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، أي بحق لا إله إلا الله؛ أي بالحقوق التابعة لها؛ لأن لا إله إلا الله ليست مجرد لفظ يقوله الإنسان بلسانه، بل لها شروط ولها أمور لابد أن تتم، ولهذا قيل لبعض السلف: إن النبي ﷺ قال: (مفتاح الجنة لا إله إلا الله) ؟ فقال نعم، مفتاح الجنة لا إله إلا الله، لكن لابد من عمل؛ لأن المفتاح يحتاج إلى أسنان، وقد صدق ﵀: المفتاح يحتاج إلى أسنان، لو جئت بمفتاح بدون أسنان ما فتح لك. إذن: قول الرسول ﵊: (إلا بحقها) يشمل كل شيء

стр. 630

يكفر به الإنسان مع قول لا إله إلا الله، فإن من كفر وإن كان يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكنه أتى بمكفر؛ فإن هذه الكلمة لا تنفعه. ولهذا كان المنافقون يذكرون الله، يقولون: لا إله إلا الله، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، هيئتهم وشكلهم كأنهم أكمل المؤمنين إيماناً، ويأتون للرسول ﷺ يقولون له: نشهد إنك لرسول الله، الكلام مؤكد بثلاث مؤكدات (نشهد) و (إن) و (اللام) في (نَشْهَدُ إِنَّك لَرَسُولُ َاللَّهُ) فقال رب العزة والجلال الذي يعلم ما في الصدور: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون: ١) ، أعطاهم شهادة بشهادة، يشهد إن المنافقون لكاذبون، وأكد الله كذب هؤلاء في قولهم: نشهد إنك لرسول الله، بثلاثة مؤكدات، فليس كل من قال لا إله إلا الله؛ يعصم دمه وماله؛ لأن النبي ﷺ استثنى فقال: (إلا بحقها) . ولما منع الزكاة من منعها من العرب بعد وفاة النبي ﷺ ، واستعد أبو بكر ﵁ لقتالهم، تكلم معه من تكلم من الصحابة، وقالوا: كيف تقاتلهم وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ قال ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، الزكاة حق المال، وقد قال النبي ﷺ : (إلا بحقها) فقاتلهم ﵁ على ذلك، وانتصر ولله الحمد. فالحاصل: أنه ليس كل من قال لا إله إلا الله، فإنه يمنع دمه وماله، ولكن لابد من حق، ولذلك قال العلماء ﵏: لو أن قرية من القرى تركوا الأذان والإقامة؛ فإنهم لا يكفرون، ولكن يقاتلون، وتستباح دمائهم حتى يؤذنوا ويقيموا، مع أن الأذان والإقامة ليسا من أركان

стр. 631

الإسلام، لكنها من حقوق الإسلام، قالوا: ولو تركوا صلاة العيد مثلاً، مع أن صلاة العيد ليست من الفرائض الخمس، لو تركوا صلاة العيد وجب قتالهم، يقاتلون بالسيف والرصاص حتى يصلوا العيد، مع أن صلاة العيد فرض كفاية، أو سنة عند بعض العلماء، أو فرض عين على القول الراجح، لكن الكلام على أن القتال قد يجوز مع إسلام المقاتلين؛ ليذعنوا لشعائر الإسلام الظاهرة؛ ولهذا قال هنا: (إلا بحقها) . وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يقول: لأفعلن كذا في المستقبل، وإن لم يقل: إن شاء الله. ولكن يجب أن نعلم الفرق بين شخص يخبر عما في نفسه، وشخص يخبر أنه سيفعل، يعني يريد الفعل. أما الأول فلا بأس أن يقول سأفعل بدون إن شاء الله؛ لأنه إنما يخبر عما في نفسه، وأما الثاني: الذي يريد أنه يفعل؛ أي يوقع الفعل فعلاً. فهذا لا يقل إلا مقيداً بالمشيئة، قال تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ُ) (الكهف: ٢٣-٢٤) ، فهناك فرق بين من يخبر عما في نفسه، وبين من يقول إنني سأفعل غداً. غداً ليس إليك، ربما تموت قبل غد، وربما تبقى، ولكن يكون هناك موانع وصوارف، وربما تبقى ويصرف الله همتك عنه، كما يقع كثيراً، كثيراً ما يريد الإنسان أن يفعل فعلاً غداً أو آخر النهار، ثم يصرف الله همته. ولهذا قيل لبعض الأعراب ـ والأعراب سبحان الله عندهم أحياناً جواب فطري ـ قيل له: بم عرفت ربك؟ فأجاب قائلاً: الأثر يدل على المسير، والبعير تدل على البعير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج،

стр. 632

وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ ـ الله أكبر ـ أعرابي لا يعرف؛ لكنه استدل بعقله، فهذه الأمور العظيمة ألا تدل على خالق يخلقها ويدبرها؟ بلى والله. وسئل آخر: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الههم؛ فكيف هذا؟ يعزم الإنسان على شيء ثم تنتقض عزيمته بدون أي سبب ظاهر، إذن: من الذي نقضها؟ الذي نقض العزيمة هو الذي أودعها أولاً، وهو الله ، وصرف الههم؛ حيث يهم الإنسان بالشيء ـ وربما يبدأ به فعلاً ـ ثم ينصرف. إذن نقول: إن في هذا الحديث دليل على أن الإنسان له أن يقول سأفعل كذا؛ إخباراً عما في نفسه، لا جزماً بأن يفعل، لأن المستقبل له الله، لكن إذا أخبرت عما في نفسك فلا حرج. والله الموفق.

стр. 633

١١ ـ باب المجاهدة قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: ٦٩) . وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين ُ) (الحجر: ٩٩) . وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) (المزمل: ٨) ، أي انقطع إليه. وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧) ، وقال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) (المزمل: ٢٠) ، وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣) ، والآيات في الباب كثيرة معلومة. [الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المجاهدة) المجاهدة تعني مجاهدة الإنسان نفسه ومجاهدة غيره، فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء، ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولاً، ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين، على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي؛ لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، فتحتاج النفس إلى مجاهدة لا سيما مع قلة الرغبة في الخير، فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناةً شديدة؛ ليحملها على فعل الخير. ومن أهم ما يكون من هذا مجاهدة النفس على الإخلاص لله في العبادة؛ فإن الإخلاص، أمره عظيم وشاق جداً، حتى إن بعض

стр. 634

السلف يقول: (ما جاهدت نفسي على شيءٍ مجاهدتها على الإخلاص ولهذا كان جزاء المخلصين أن من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه حرمه الله على النار. لكن متى يكون هذا الأمر؟ إن هذا الأمر شديد جداً، فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشق ما يكون على النفوس؛ لأن النفوس لها حظوظ؛ ولأن الإنسان يحب أن يكون مرموقاً عند الناس، ويحب أن يكون محترماً بين الناس، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابد، هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير، فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، ويحمله على مراءاة الناس. وقد قال النبي ﷺ (من سمع سمّع الله به، ومن راءَى راءى الله به) . يعني أظهر أمره للناس حتى ينكشف والعياذ بالله. كذلك أيضاً مما يجاهد الإنسان نفسه عليه: فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم، فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح، فتجده يكون شاقاً على الناس إلا من يسره الله عليه وخفف عنه. تجد بعض الناس مثلاً إذا دخل رمضان كأنما وضع على ظهره جبل ـ والعياذ بالله ـ لأنه يستثقل الصوم ويرى أنه شاق، حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم، وحظ ليله السهر في أمر لا خير له فيه؛ كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه.

стр. 635

كذلك أيضاً من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة؛ كثير من الناس يسهل عليه أن يصلي في بيته، لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المسجد، فتجده مع نفسه في جهاد، يقول: أصبر، أؤدي هذا الشغل، أو أفعل كذا، أو أفعل كذا، حتى.. سوف.. فتفوته صلاة الجماعة، وثقل صلاة الجماعة على الإنسان يدل على أن في قلب الإنسان نفاقاً، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) وهذا يحتاج إلى المجاهدة. أما مجاهدة النفس علي ترك المحرم؛ فما أكثر المحرمات التي يشق علي بعض الناس تركها، فتجد البعض يعتاد على فعل المحرم ويشق عليه تركه، ولنضرب لهذا مثلين. المثل الأول: الدخان، فإن كثيراً من الناس ابتلي بشرب الدخان، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه؛ منهم من قال: إنه حلال، ومنهم من قال: إنه حرام، ومنهم من قال: إنه مكروه، ومنهم من ألحقه بالخمر حتى أوجب الحد على شاربه، ولكن بعد أنه مضت الأيام تبين تبيناً لا شك فيه أنه حرام؛ لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضر بالصحة، وأنه سبب لأمراض مستعصية تؤدي بالإنسان إلى الموت، ولهذا تجد بعض
следующие страницы →