Полный текст (231 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وكلال الشهوة، والوقاحة، والتخنث، والتبذير، والتقتير، والرياء، والهتكة، والكزازة، والمجانة، والعبث، والتحاشي، والشكاسة، والملق، والحسد، والشماتة. فأما الوقاحة، فلجاج النفس في تعاطي القبيح، من غير احتزاز من الذم. وأما التخنث، فحال يعتري النفس من إفراط الحياء، يقبض النفس عن الانبساط قولاً وفعلاً. وأما التبذير فإفناء المال، فيما لا يجب وفي الوقت الذي لا يجب فيه، وأكثر مما يجب. وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة، وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة.
стр. 107
أما البخيل، فهو الذي يفرط ويقصر في الإنفاق، خوفاً من أن تضطره الفاقة إلى المسئلة، والتذلل للأعداء، وكأن سبب البخل هو الجبن عند البحث. وأما الشحيح فهو الذي يجمع إلى ما ذكرناه أن يكره حسن حال غيره، طمعاً في أن يضطره إلى الحاجة إليه، فينال به الجاه والرفعة، ومنشأ هذا ضرب من الجهل. وأما اللئيم، فهو الذي يجمع إلى هذه الصفات احتمال العار في الشيء الحقير، وسببه نوع من الخبث، وذلك مثل المتلصص والدّيوث. وأما الرياء فهو التشبه بذوي الأعمال الفاضلة، طلباً للسمعة والمفاخرة. وأما الهتكة، فالإعراض عن تزيين النفس بالأعمال الفاضلة، والمجاهرة بأضدادها، وأما الكزازة، فاإفراط في الجد. وأما المجانة فالإفراط في الهزل، وأما العبث فالإفراط في الإعجاب بلقاء الجليس والأنيس. وأما التحاشي، فإفراط في التبرم بالجليس. وأما الشكاسة، فمخالفة المعاشرين، في شرائط الأنس، وأما الملق فالتحبب إلى المعاشرين، مع التغافل عما يلحقه من عار الاستخفاف.
стр. 108
وأما الحسد، فالاغتمام بالخير الواصل إلى المستحق، الذي يعرفه الحاسد. وأما الشماتة، فالفرح بالشر الواصل إلى غير المستحق، ممن يعرفه الشامت. وأما العدالة، فجامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها، فجامع لجميع الرذائل، وما من خلق من هذه الأخلاق، إلا وقد ورد في فضائله أخبار باعثة عليه، وفي رذائله زواجر عنه، ولم نر تطويل الكتاب بها، فليطلب ذلك من آداب النبي ﵇، وغيره من الكتب، وإنما الغرض بيان أن الإنسان بسبب هذه القوى الثلاث يحصّل هذه الأخلاق كلها. ولكل واحد طرفان وواسطة، وهو مأمور بالتوسط والاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط في جملة ذلك. حتى إذا حصل ذلك كله، كمل كمالاً بقربه إلى الله تقريباً، بالرتبة لا بالمكان، بحسب قرب الملائكة المقربين من الله . فلله البهاء الأعظم، والكمال الأتم. وكل موجود فمشتاق إلى الكمال الممكن له، وهو غايته المطلوبة منه، فإن ناله التحق بأفق العالم الذي فوقه،
стр. 109
وإن حرم عنه انحط إلى الحضيض الذي تحته، فالإنسان بين أن ينال الكمال، فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة، وذلك سعادته، أو يقبل على ما هو مشترك بينه وبين البهائم، من رذائل الشهوة والغضب، فينحط إلى درجة البهائم، ويملك هلاكاً مؤبداً، وهو شقاوته، ومثاله الفرس الجواد الذي كماله في شدة عدوه، فإن عجز عن ذلك حط إلى رتبة ما دونه، فاتخذ حمولة وأكولة. ومراتب الكمال للإنسان بحسب هذه الأخلاق وبحسب العلوم غير منحصرة، ولذلك تتفاوت درجات الخلق في الآخرة، كما تتفاوت في الدنيا في الخلق والأخلاق، والثورة واليسار وسائر الأحوال.
بيان البواعث على تحري الخيرات والصوارف عنها
أما الخيرات الدنيوية، فالبواعث عليها ثلاثة أنواع: الترغيب والترهيب بما يجري ويخشى في الحال والمال، والثاني رجاء المحمدة وخوف المذمة ممن يعتد بحمده وذمه، والثالث طلب الفضيلة وكمال النفس، لأنه كمال وفضيلة، لا لغاية أخرى وراءها، فالأول مقتضى الشهوة، وهي رتبة العوام،
стр. 110
والثاني من مقتضى الحياء ومبادئ العقل القاصر، وهو من أفعال السلاطين، وأكابر الدنيا، ودهاتهم المعدودين من جملة العقلاء، بالإضافة إلى العوام. والثالث مقتضى كمال العقل، وهو فعل الأولياء والحكماء ومحققي العقلاء.
ولتفاوت هذه الرتب قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن فحياء يمنعه، فإن لم يكن فخوف يزعجه، فإن لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن فصاعقة تحرقه، فيستريح منه العباد والبلاد. وهذا التفاوت يعهد لكل شخص من صباه إلى كبره، إذ هو في ابتداء صباه لا يمكن زجره وحثه بالحمد والذم بل بمطعوم حاضر، أو ضرب ناجز يحس به. فإذا صار مميّزاً مقارباً للبلوغ، أمكن زجره وحثه بالمحمدة والمذمة. فطريق زجره مذمة المزجور عنه. وتقبيح حال متعاطيه، وطريق ترغيبه في تعلم الأدب وغيره لكثرة الثناء على آتيه، وكثرة الذم لمجتنبيه، فيؤثر ذلك تأثيراً ظاهراً. وأكثر الخلق لا يجاوزون هاتين المرتبتين إلى الرتبة الثالثة، فيكون إقدامهم وإحجامهم صادراً عن هذه البواعث والصوارف. وأما الرتبة الثالثة، فيعزو وجودها، والخيرات الآخروية أيضاً هذا شأنها. وبهذا الطريق تتفاوت الناس فيها، إذ لا فرق بين الآخروية
стр. 111
والدنيوية، إلا بتأخر وتقدم، وإلا فالخبر مطلوب كل عاقل عاجلاً وآجلاً.
والبواعث على الطلب لا تعدو هذه الأقسام، فكأن من أطاع الله وترك معصيته فرتبه ثلاث: الأولى من يرغب في ثوابه الموصوف له في الجنة، أو يخاف من عقابه الموعود له في النار. وهذه الرتبة للعامة، وهم الأكثرون. والثانية رجاء حمد الله ومخافة ذمه، أعني حمداً وذماً في الحال من جهة الشرع. وهذه منزلة الصالحين، وهي أقل من الأولى بكثير. والثالثة وهي العزيز الفذ رتبة من لا يبتغي إلا التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته، وابتغاء وجهه والالتحاق بزمرة المقربين إليه، زلفى من ملائكته، وهو درجة الصديقين والنبيين، ولذلك قال تعالى: (وَاصْبر نَفْسَكَ مَعَ الّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشْيِ يُريدُونَ وَجْهَه) ، وقيل لرابعة العدوية " ألا تسألين الله الجنة؟ فقالت: الجار ثم الدار " وقال بعضهم:
стр. 112
من عبد الله لعوض، فهو لئيم. ولما كان العقل الضعيف لا يقف على كنه هذا المعنى، وأكثر العقول ضعيفة، خلق الله الجنة والنار، ووعد الخلق بهما زجراً وحثاً، وأطنب في وصفهما ولم يتعرض لهذه المعاني إلا بالمرامز، مثل قوله تعالى: (يريدون وجهه) ، (وأعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) .
وأما الصوارف فقصور أو تقصير. أما القصور، فالمرض المانع والشغل الضروري في طلب قوت النفس والعيال وما يجري مجراه. وهذا معذور غير مذموم، إلا أنه عن ذروة الكمال محروم، ولا دواء له إلا الفزع إلى الله تعالى، لإماطة هذه الصوارف بجودة. وأما التقصير، فقسمان: أهل وشهوة غالبة. أما الجهل، فهو أن لا يعرف الخيرات الآخروية وشرفها وحقارة متاع الدنيا، بالإضافة إليها، وهو على رتبتين: إحداهما أن يكون عن غفلة وعدم مصادفة مرشد منبه، وهذا علاجه سهل، ولأجله وجب أن يكون في كل قطر جماعة من العلماء والوعاظ، ينبهون الخلق عن غفلتهم ويرغّبون عن الدنيا
стр. 113
في الآخرة، لا على الوجه الذي ألفه أكثر وعاظ الزمن، فهذا ما يجرأ الخلق على المعاصي، أو يحقر الدين عندهم. والثاني أن يكون لاعتقادهم أن السعادة هي اللذات الدنيوية والرياسة الحاضرة، وان أمر الآخرة لا أصل له، أو لأن الإيمان وحده كاف، وهو مبذول لكل مؤمن كيف كان عمله، أو يظن الاتكال على عفو الله ينجيه، وأن الله كريم رحيم، لا نقصان له من معصية العصاة، فلا بد أن يرحمهم. وهذه أنواع من الحماقات فترت خلائق كثيرة عن الطاعات، وجرّأتهم على المعاصي.
فأما من ظن أن الآخرة لا أصل لها، فهو الكفر المحض، والضلال الصرف. ومهما كان هذا الاعتقاد مصمماً، بعدت الإنسانية عن صاحبه والتحق بالهلكي على كل حال، وأما من ظن أن مجرد الإيمان يكفيه، فهو جهل بحقيقة الإيمان وغفلة عن قوله: " من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة "، وأن معنى الإخلاص أن يكون معتقده وفعله موافقاً لقوله، حتى لا يكون منافقاً، وأقل درجاته أن لا يتخذ إلهه هواه، فمن اتبع هواه فهو عبده، وصار إلهه هواه. وذلك يبطل قوله لا إله إلا الله
стр. 114
وينافي في إخلاصه. ومن ظن أن سعادة الآخرة تنال بمجرد قوله لا إله إلا الله، دون تحقيقه بالمعاملة، كان كمن ظن أن الطبخ يحلو بقوله طرحت السكر فيه دون أن يطرحه، أو الولد يخلق بقوله وطأت الجارية، دون أن يطأها، والزرع ينبت بقوله بذرت البذر، دون أن يبذره. وكما أن هذه المقاصد في الدنيا، لا تنال إلا بأسبابها، فكذلك أمر الآخرة، فإن أمر الآخرة والدنيا واحد، وإنما خص باسم الآخرة لتأخره، والخروج لقضاء العالم آخرة، بالإضافة إلى الكون في بطن الأم، والبلوغ إلى عالم التمييز آخرة بالإضافة إلى ما قبله، والبلوغ إلى رتبة العقلاء آخرة بالإضافة إلى ما قبلها. وإنما هذه تردد في أطوار الخلقة. والموت طور آخر من الأطوار، ونوع آخر في الترقي، وضرب آخر من الولادة، والانتقال من عالم إلى عالم، كما قال ﵇: " القبر أمّا حفرة من حُفَر النار أو روضة من رياض الجنة "، أي ليس في الموت إلا تبديل منزل.
стр. 115
وكما أن من جلس متكلاً على رحمة الله ونعمته متعطشاً جائعاً، لم يسلك الطريق في شرب الماء وتناول الخبز هلك، ومن اتكل عليه في طلب المال ولم يتجر لم يحصل له المال وكان شقياً، فكذا من أراد الآخرة وسعا لها سعيها، وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكوراً، ولذلك نبه الله تعالى عليه فقال: (وَأنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلاّ مَا سَعَى) ، ومهما عرف أن البهاء الأكمل لله وإن السعادة القصوى في القرب منه وأن القرب منه ليس بالمكان وإنما هو باكتساب الكمال على حسب الإمكان، وأن كمال النفس بالعلم والعمل والاطلاع على حقائق الأمور مع حسن الأخلاق، فمن لم يكمل كيف يقرب من الله تعالى، ومن أراد أن تقرب رتبته عند الملك بنوع من العلم لو تعطل في بيته متكلاً على كرم الملك ملازماً صفة النقصان غير مجتهد طول الليل في طاب العلم معولاً على فضل الله في أن يبيت ليله ويصبح أفضل أهل زمانه، فإن فضل الله أوسع له وقدرته متسعة لأضعافه، قيل له: هذا فعل مشحون بالباطل والحماقة مزين الظاهر بكلام يظن أنه محمود. فكذا من ظن أن الآخرة تنال بالبطالة والعطالة فهذه حاله.
стр. 116
بيان أنواع الخيرات والسعادات
نِعَمُ الله سبحانه، وإن كانت لا تحصى مفصلة، فجملتها منحصرة في خمسة أنواع: الأول السعادة الآخروية، التي هي بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر معه يخالطه، ولن يتوصل إليه إلا بالله ولا يكمل إلا بالنوع الثاني، وهو الفضائل النفسية، التي حصرنا جملتها من قبل في أربعة أمور: العقل وكماله العلم، والعفة وكمالها الورع، والشجاعة وكمالها المجاهدة، والعدالة وكمالها الانصاف، وهي على التحقيق أصول الدين. وإنما تتكامل هذه الفضائل بالنوع الثالث، وهي الفضائل البدنية المنحصرة في أربعة أمور: في الصحة
стр. 117
والقوة والجمال وطول العمر، ويهممها النوع الرابع، وهي الفضائل المطيفة بالإنسان، المنحصرة في أربعة أمور: وهي المال والأهل والعز وكرم العشيرة. ولا يتم الانتفاع بشيء من ذلك إلا بالنوع الخامس، وهي الفضائل التوفيقية، وهي أربعة: هدايا الله ورشده وتسديده وتأييده، فهذه السعادات بعد السعادة الآخروية، ستة عشر ضرباً. ولا مدخل للاجتهاد في اكتساب شيء منها إلا الفضائل النفسية، على الوجه الذي سبق. فقد عرفت أن هذه الخيرات خمسة: وهي الآخروية
стр. 118
والنفسية والبدنية والخارجة والتوفيقية. والبعض منها يحتاج إلى البعض، أما حاجة ضرورية، كالفضائل النفسية التي لا مطمح في الوصول إلى نعيم الآخرة إلا بها، وصحة البدن الذي لا وصول إلى تحصيل الفضائل النفسية إلا به، وإما حاجة نافعة كحاجة هذه الفضائل الخارجة، فإن المال والأهل والعشيرة، إن عدمت، تطرق الخلل إلى أسباب هذه الفضائل.
فإن قلت: فما وجه الحاجة إلى الفضائل الخارجة، من المال والأهل والعز وكرم العشيرة. فاعلم أن هذه الأمور جارية مجرى الجناح المبلغ، والآلة المسهلة للمقصود. أما المال، فالفقير في طلب الكمال، كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، وكباز متصيد بلا جناح. ولذلك قال ﵇: " نعمَ المال الصالح للرجل الصالح ". وقال: " نعمَ العون على تقوى الله المال ". كيف ومن عدم المال، صار مستغرق الأوقات
стр. 119
في طلب القوت واللباس والمسكن وضرورات المعيشة، فلا يتفرغ لاقتناء العلم الذي هو أشرف الفضائل. ثم يحرم عن فضيلة الحج والصدقة والزكاة وإفاضة الخيرات. وأما الأهل والولد الصالح، فالحاجة إليهما ظاهرة. أما المرأة الصالحة، فحرث الرجل وحصين دينه. قال ﵇: " نعم العون على الدين المرأة الصالحة "، وقال في الولد: " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "، ومهما كثر أهل الرجل وأقاربه وساعدوه، كانوا له بمنزلة الآذان والأعين والأيدي، فيتيسر له بسببهم من الأمور الدنيوية، ما يطول فيه شغله لو انفرد. وكلما تخففت الأشغال الضرورية في الدنيا، تفرغ القلب للعبادة والعلم، فهو معين على الدين.
وأما العز فيه يدفع الإنسان عن نفسه الضيم، ولا يستغني عنه مسلم، فإنه لا ينفك عن عدوه يؤذيه، وظالم يقصده، فيشوش عليه وقته ويشغل قلبه. ولذلك قيل: " الدين والسلطان توأمان ".
стр. 120
وقيل: " الدين أس والسلطان حارس وما أسّ له فمهدوم وما لا حارس له فضايع ". ولذلك قال تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسِ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ) وبالجملة دفع الأذى لا بد منه للفراغ للعبادة، ولا يتم ذلك إلا بنوع من العز. وكما أن الموصل إلى الخير خير، فدفع الصارف عن الخير خير أيضاً. وأما كرم العشيرة وشرف الآباء، فقد يستهان به ويقال: " المرء بنفسه، والناس أبناء ما يحسنون، وقيمة كل امرئ ما يحسنه ". ولعمري إذا قوبل شرف الأصل دون شرف النفس، بشرف النفس دون شرف الأصل استحقر شرف الأصل. أما إذا انضم إليه لم تنكر فضيلته، " فأين السري إذا سرى أسراهما ". وقد شرط النسب في الإمامة، وقيل: " الأئمة من قريش ". كيف لا، والأخلاق تتبع الأمزجة، وتسري من الأصول إلى الفروع، ولذلك قال ﵇: " تخيروا لنطفكم "،
стр. 121
وقال: " إياكم وخضراء الدمن "، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء. فهذا أيضاً من السعادات، ولا نعني به الانتساب إلى بني الدنيا ورؤسها وأمرائها، ولكن الانتساب إلى النفوس الزكية الطاهرة المزينة بالعلم والعبادة والعقل.
فإن قلت: فما غناء هذه الفضائل الجسمية؟ فنقول: أما الحاجة إلى الصحة والقوة وطول العمر، فلا شك فيه. وإنما يستحقر أمر الجمال، فيقال: يكفي أن يكون البدن سليماً من الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل. ولعمري أن الجمال لقليل الغناء، ولكنه من السعادات والخيرات على الجملة. اما في الدنيا فلا يخفي وجهه. وأما في الآخرة فمن وجهين: أحدهما أن القبح مذموم، والطباع منه نافرة، وحاجات الجميل إلى الاجابة أقرب، فكأنه جناح مبلّغ، مثال المال، والمعين على قضاء حاجات الدنيا معين على الآخرة، إذ الوصول إلى الآخرة بهذه الأسباب الدنيوية. والثاني أن الجمال في الأكثر يدل على فضيلة النفس، لأن نور النفس، إذا تم إشراقه تبدى إلى البدن.
стр. 122
والمنظر والمخبر كثيراً ما يتلازمان. ولذلك عوّل أصحاب الفراسة على هيئات البدن واستدلوا بها على الأخلاق الباطنة. والعين والوجه كالمرآة للباطن، ولذلك يظهر فيهما أثر الغضب والشر. وقيل: " طلاقة الوجه عنوان ما في النفس، وما في الأرض قبيح إلا وجهه أقبح منه ". واستعرض المأمون جيشاً، فعرض عليه رجل قبيح فاستنطقه، فإذا هو ألكن، فأسقط اسمه.
وقال: " الروح إن أشرقت على الظاهر ففصاحة وهذا ليس له ظاهر ولا باطن ". وقد قال ﵇: " اطلبوا الحاجة عند حسان الوجوه "، وقال: " إذا بعثتم رسولاً، فاطلبوا حسن الوجه وحسن الاسم "، وقال: " الفقهاء إذا تساوت درجات المصلين، فأحسنهم وجهاً أولاهم بالإمامة ". وقال تعالى ممتناً به: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ والجِسْمِ) ، ولسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة، فإن ذلك أنوثة، وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة، مع الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه، بحيث لا تنبو
стр. 123
الطباع عن النظر إليها.
فإن قلت فما معنى الفضائل التوفيقية، التي هي الهداية والرشد والتسديد والتأييد؟ فاعلم أن التوفيق هو الذي لا يستغني عنه الإنسان في كل حال، ومعناه موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء الله تعالى وقدره. وهو صالح للاستعمال في الخير والشر، ولكن صار متعارفاً في الخير والسعادة. ووجه الحاجة إلى التوفيق بيّن، ولذلك قيل:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفَتَى ... فأكثر مَا يَجني عَليهِ اجتهادهُ
وأما الهداية، فلا سبيل لأحد إلى طلب الفضائل إلا بها فهي مبدأ الخيرات كما قال تعالى: (أَعْطَى كُلَّ خُلْقَهُ ثُمّ هَدَى) وقال تعالى: (وَلَولاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ أَبَدَاً وَلَكِنّ الله يزكِّي مَنْ يَشَاءَ) . وقال ﵇: " ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله " أي بهدايته. قيل: " ولا أنت يا رسول الله " قال: " ولا أنا ".
стр. 124
والهداية ثلاث منازل: الأولى تعريف طريق الخير والشر المشار إليه بقوله : (وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَينِ) ، وقد أنعم الله به على كافة عباده، بعضهم بالعقل وبعضهم على ألسنة رسله. ولذلك قال تعالى: (وَأَمَّا ثمودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلى الهُدَى) . والثانية ما يمد به العبد حالاً بعد حال بحسب ترقيه في العلوم، وزيادته في صالح الأعمال. وإياه عني بقوله تعالى: (وَالَّذينَ اهْتَدُوا زَادَهُمْ هُدى وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، والثالثة هو النور الذي يشرق في عالم الولاية والنبوة، فيهتدي به إلى ما لا يهتدي إليه، ببضاعة العقل الذي به يحصل التكليف وإمكان التعلم. وإياه عني بقوله تعالى: (قُلْ إِنّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى) ،
стр. 125
فإضافة إلى نفسه وسماه الهدى المطلق. وهو المسمى حياة في قوله: (أَوْ مَنْ كَانَ مَيّتَاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورَاً يَمْشي به في النَّاسِس) ، وقوله تعال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) .
وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية، التي تعين الإنسان على توجهه إلى مقاصده، فتوجيه على ما فيه صلاحه، وتفتره عما فيه فساده، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) .
وأما التسديد، فهو أن يقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب، ليهجم عليه في أسرع وقت، فالرشد تنبيه بالتعريف، والتسديد إعانة ونصرة بالتحريك، وأما التأييد، فهو تقوية أمره بالبصيرة من داخل، وتقوية البطش من خارج، وهو المراد بقوله تعالى: (إذْ أَيَّدتُكَ بروحِ القُدُسِ) ، ويقرب منه العصمة، وهو فيض إلهي يقوى به الإنسان
стр. 126
على تحري الخير، وتجنب الشر، حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس. وإياه عنى بقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا لَوْلاَ أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّه) ، ولن تستتب هذه الأمور، إلا بما يمد الله به عبده من الفهم الثاقب الصافي، والسمع المصغي الواعي، والقلب البصير المراعي، والمعلم الناصح، والمال الزائد، على مقتضى المهمات لقلة القاصر، لا ما يشغل عن الدين لكثرته، والعشيرة والعز الذي يصون عن سفه السفهاء، ويرفع ظلم الأعداء. فبهذه الأسباب تكمل السعادات.
بيان غاية السعادات ومراتبها
اعلم أن السعادة الحقيقية هي الآخروية، وما عداها سميت سعادة إما مجازاً أو غلطاً، كالسعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة، وإما صدقاً ولكن الاسم على الآخروية أصدق. وذلك كل ما يوصل إلى السعادة الآخروية ويعين عليه. فإن الموصل
стр. 127
إلى الخير والسعادة، قد يسمى خيراً وسعادة.
والأسباب النافعة المعينة، تشرحها تقسيمات أربعة: الأول منها ما هو نافع في كل حال، وهي الفضائل النفسية، ومنها ما ينفع في حال دون حال، ونفعها أكثر كالمال القليل. ومنها ما ضرره أكثر في حق أكثر الخلق، وذلك بعض أنواع العلوم والصناعات. ولما كثر الالتباس في هذا، وجب على العاقل الاستظهار بمعرفة حقائق هذه الأمور، حتى لا يؤثر الضار على النافع، بل النافع على الرفيع، والرفيع على النفيس الأهم، فيطول عليه الطريق. فكم من ناظر يحسب الشحم فيمن شحمه ورم! وكم من طالب حبلاً ليتمنطق به، فيأخذ حية فيظنها حبلاً فتلدغه! والعلم الحقيقي هو الذي يكشف عن هذه الأمور.
التقسيم الثاني: إن الخيرات بوجه آخر تنقسم إلى مؤثرة لذاتها، وإلى مؤثرة لغيرها، وإلى مؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها. فينبغي أن يعرف مراتبها، ليعطي كل رتبة حقها.
стр. 128
فالمؤثرة لذاتها السعادة الآخروية، فليس وراء تلك الغاية غاية أخرى. والمؤثرة لغيرها من المال، كالدراهم والدنانير. فلولا أن الحاجات تنقضي بها لكانت كالحصباء، وسائر الجواهر الخسيسة. والمؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها، كصحة الجسم. فإن الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي يراد سلامة الرجل له، فيريد أيضاً سلامة الرجل م حيث هي سلامة.
التقسيم الثالث: إن الخيرات تنقسم من وجه آخر إلى نافع وجميل ولذيذ. والشرور ثلاثة ضار وقبيح ومؤلم. فكل واحد ضربان، أحدهما مطلق، وهو الذي يجمع الأوصاف الثلاثة في الخير، كالحكمة، فإنها نافعة وجميلة ولذيذة، وفي الشر، كالجهل، فإنه ضار وقبيح ومؤلم. والثاني مقيد، وهو الذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض. فرب نافع مؤلم، كقطع الأصبع الزائدة، والسلعة الخارجة، ورب نافع قبيح كالحمق، فإنه راحة حيث قيل: استراح من لا عقل له، أي لا يغتم للعواقب، فيستريح في الحال،
стр. 129
ورب نافع من وجه، ضار من وجه، كإلقاء المال في البحر، عند خوف الغرق فإنه ضار للمال، ونافع في نجاة النفس، والنافع قسمان: قسم ضروري، كالفضائل النفسية، والاتصال إلى سعادة الآخرة، وقسم قد يقوم غير مقامه، فلا يكون ضرورياً، كالسكنجبين في تسكين الصفراء.
التقسيم الرابع: إن اللذات بحسب القوى الثلاث والمشتهيات الثلاثة ثلاث، إذ اللذة هي عبارة عن إدراك المشتهى، والشهوة عبارة عن انبعاث النفس لنيل ما تتشوقه، لذة عقلية أو بدنية مشتركة مع جميع الحيوانات، وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات. أما العقليات، كلذة العلم والحكمة، وهي أقلها وجوداً وأشرفها. أما قتلها، فلأن الحكمة لا يستلذها إلا الحكيم، وقصور الرضيع عن إدراك لذة العسل والطيور السمان والحلاوات الطيبة لا يدل على أنها ليست لذيذة، واستطابته للبن لا تدل على أنه أطيب الأشياء. والناس كلهم إلا النادر ممنون في صبا الجهل بالعنة في رتبة العلم. فلذلك يستلذون الجهل، وقال الشاعر:
ومَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يَجِدُ مُرّاً به الماء الزّلالا
وأما أشرفيتها، فلأنها لازمة لا تزول، ودائمة لا تحول،
стр. 130
وباقية لذاتها، وثمرها في الدار الآخرة إلى غير نهاية. والقادر على الشريف الباقي، إذا رضي بالخسيس الفاني، كان مصاباً في عقله، محروماً بشقاوته وإدباره. وأقل أمر فيه أن الفضائل النفسية، لا سيما العلم والعقل، لا تحتاج إلى أعوان وحفظة، بخلاف المال. فإن العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم يزيد بالإنفاق، والمال ينقص به، والعلم نافع في كل حال ومطلقاً وأبداً، والمال يجذب إلى الرذيلة وتارة إلى الفضيلة. ولذلك ذمّ في القرآن في مواضع، وإن سمي خيراً في مواضع.
الثانية هي اللذة المشتركة بين الإنسان وبين سائر الحيوانات، كلذة المأكل والمشرب والمنكح، وهي أكثرها وجوداً. الثالثة التي يشارك فيها الإنسان بعض الحيوانات، وهي لذة الرياسة والغلبة، وهي أشد التصاقاً بالعقلاء، ولذلك قيل: " آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة ". وكيف تكون لذة الجماع والأكل لذة مطلقة، وهي من وجه إزالة ألم؟ ولذلك قال الحسن: " الإنسان صريع جوع وقتيل شبع ". وجميع لذات الدنيا سبع: مأكل ومشرب ومنكح
стр. 131
وملبس ومسكن ومشموم ومسموع ومبصرز وهي بجملتها خسيسة، كما روي عن عليّ كرم الله وجهه، إذ قال لعمار بن ياسر، وقد رآه يتنفس كالحزين: " يا عمار، إن كان تنفسك على الآخرة فقد ربحت تجارتك، وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك. فإن وجدت لذاتها المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملبوسات والمسكونات والمشمومات المسموعات والمبصرات. فأما المأكولات، فأفضلها العسل، وهو صنعة ذباب. والمشروبات أفضلها الماء، وهو أهون موجود، وأعز مفقود. وأما المنكوحات، فمبال في مبال، وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها، ويراد أقبح شيء منها. وأما الملبوسات فأفضلها الديباج وهو نسج دودة. والمشمومات فأفضلها المسك، وهو دم فارة، والمسموعات، فريح هابة في الهواء، والمبصرات فخيالات صائرة إلى فناء ". هذا كلامه.
стр. 132
ومن آفاتها أن كل واحدة منها يتبرم بها بعد استيفائها في لحظة. فليعتبر حالة الفراغ عن الجماع والأكل بما قبله، ولينظر كيف ينقلب المطلوب مهروباً عنه في الحال، فأين يوازي هذا ما تدوم لذته، ولا تفنى أبد الآباد راحته؟ وهو الابتهاج بكمال النفس بالفضائل النفسية، خصوصاً الاستيلاء على الكل بالعلم والعقل.
بيان ما يحمد ويذم من أفعال شهوة البطن
والفرج والغضب:
أما شهوة البطن فداعية إلى الغذاء، والمطعم ضربان: ضروري وغير ضروري. أما الضروري، فهو الذي لا يستغني عنه في قوام البدن، كالطعام الذي يتغذى به، والماء الذي يرتوي به، وهو ينقسم إلى محمود ومكروه، ومذموم ومحظور. أما المحمود، فأن يقتصر على تناول ما لا يمكنه الاشتغال والتقوى على العلم والعمل إلا به، ولو اقتصر عنه لتحللت قواه واختل بدنه، فهذا المقدار، إذا تناوله من حيث يجب كما يجب، فهو
стр. 133
معذور، بل مشكور ومأجور، إذ البدن مركب النفس، لتقطع به منازلها إلى الله تعالى. وكما أن الجهاد عبادة، فإمداد فرس المجاهدة بما يقويه على السير بالمجاهد أيضاً عبادة، ولذلك قال ﵇: " عند أكل الصالحين تنزل الرحمة "، وذلك إذا تناوله تناول من اضطر إلى شيء، يود لو استغنى عنه. وإدخال الطعام البطن وإخراجه قريب. ولذلك قيل: من كان همّه ما يدخل في بطنه، كانت قيمته ما يخرج منه. وليعلم الآكل أنه في تناول فضلات الأشجار والنبات كالخنزير في تناول عذرة الإنسان وفضلته، وكالجعل في تناول فضلة الحيوان. ولو كان للأشجار ألسنة، لناطقت متناول فضلاتها بالتشبيه بهذا المتناول لفضلة الحيوان.
وأما المكروه، فهو الإسراف والإمعان من الحلال والزيادة على قدرة البلغة. قال ﵇:
стр. 134
" ما من وعاء أبغض إلى الله تعالى من بطن مليء من حلال "، وهو أيضاً مضر من جهة الطب، فإنه أصل كل داء. قال ﵇: " البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء، وعوّدوا كل جسد ما اعتاد ". فقال محققو الطب: لم يدع ﵇ شيئاً من الطب إلا وأدرجه تحت هذه الكلمات الثلاث.
ولا ينبغي أن يستهين طالب السعادة بهذه الزيادة، وإن سميناها مكروهاً لا محظوراً، فإنه مكروه سريع السياقة إلى المحظورات، بل إلى أكثر المحظورات. فإن مثار الشرور قوة الشهوات، ومقوي الشهوات هي الأغذية. فامتلاء البطن مقوي للشهوب، وتقوي الشهوة داعية للهوى، والهوى أعظم جند الشيطان، الذي إذا تسلط سباه عن ربه وصرفه عن بابه. وإمداد جنود الأعداء بالمقويات يكاد ينزل منزلة عين العداوة. فلهذا يكاد تكون الكراهية فيه حضراً. ولذلك قيل لبعضهم: " ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد أنهك ".
стр. 135
فقال: " لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن يجمع بي فيورّطني. ولئن أحمله على الشدائد أحب إليّ من أن يحملني على الفواحش ". فإن قلت: فما المقدار المحمود؟ فعلم أنه نبه ﵇ على التقدير بخبرين، أحدهما قوله: " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس "، فأما اللقيمات فهي دون العشرة ويقرب منه قوله ﵇: " المؤمن يأكل في معي واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء "، والأحب الأكل في سبع البطن، فإن غلب النهم ففي الثلث. وأظن أن الحد ثلث في حق الأكثر، وإن كان ذلك قد يختلف باختلاف الأشخاص. وعلى الجملة فلا بد أن يكون دون الشبع، حتى يخف البدن للعبادة والتهجد باليل، وتضعف القوى عن الانبعاث إلى الشهوات.
وأما المحظور فهو التناول مما حرم الله من مال الغير أو المحرمات.
стр. 136
وأفحشها شرب المسكر، فإنه أعظم آلات الشيطان في إزالة العقل، الذي هو من حزب الله، وأوليائه، وآثار الشهوة والقوى السبعية التي هي من أحزاب الشيطان وأوليائه. وهذا حكم المطاعم على الإجمال. ولا يطمعن أحد في سلوك طريق السعادة، قبل أن يراعي أمر المطعم في مقداره ووجه حله، فإن المعدة منبع القوى، فكأنه الباب والمفتاح إلى الخير والشر جميعاً. ولذا عظم في الشرع أمر الصوم لأنه على الخصوص يتوجه إلى قهر أعداء الله تعالى كما روي: " إن الصوم لي وأنا الذي أجزي به "، إلى غير ذلك مما ورد فيه.
وأما شهوة الفرج، فأفعالها تنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور. أما المحمود فهو المقدار الذي لا بد منه لحفظ النوع، فإن النكاح ضروري لبقاء نوع الإنسان باتصال نسله، كما أن الغذاء ضروري لبقاء شخصه إلى حين أجله. والشهوة خلقت باعثة على إبقاء النسل، بطريق الوطء، كما
стр. 137
خلق الجوع باعثاً على إبقاء الشخص بالأكل، ولذلك قال: " تناكحوا، تناسلوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم ". فمن كان قصده في النكاح أمرين: أحدهما النسل لكثرة المباهاة، وأن يلحقه بعده ولد صالح يدعو له، والثاني أن يدفع عن نفسه فضلة المني، التي إذا اجتمعت كانت كالمرة، والدم إذا اجتمع عظمت نكايته في البدن بإثارة المرض، وفي الدين بالدعوة إلى الفجور، فالنكاح على هذا الوجه محمود وسنة وداخل تحت قوله: " من احب فطرتي فليستسن بسنتي ". ومن نكح فقد حصّن نصف دينه. ولا بأس بغرض ثالث، وهو أن يكون في بيته من يدبر أمر منزله، ليتفرغ هو للعلم والعبادة، فيصير النكاح على هذا الوجه من جملة العبادات، فإن الأعمال بالنيات. وإمارة هذا أن لا يطلب من المرأة إلا الجمال للتحصن، وحسن الخلق في تدبير المنزل، والديانة للصيانة والنسب الديني فقط. فإنه إمارة الديانة وحسن الخلق، فإن
стр. 138
العرق نزاع، ولذلك قال ﵇: " عليك بذات الدين، تربت يداك، وإياكم وخضراك الدمن ". وقال: " تخيروا لنطفكم ". وليطلب صحة البدن وأن لا يكون عقيماً لأجل الولد فإنه المقصود. ولذلك كره العزل، وإتيان المرأة من ورائها، فإنه إهمال للحراثة، ونساؤكم حرث لكم. ولا بأس بطلب الأبكار، لتستحكم الألفة، وقد ندب الشرع إليها.
وأما المكروه فأن يقصد التمتع بقضاء الشهوة فقط، ثم يمعن فيه ويواظب عليه، وربما يتناول ما يزيد في شهوته، وذلك مضر شرعاً، ولا كراهية فيه في نفسه، فإنه مباح،
стр. 139
ولكنه انصراف عن الله إلى اتباع الهوى وتشبّه بالثيران والحمر. وإثارة لشهوة بالمطعومات القوية والأسباب الباعثة تضاهي إثارة سراسباع ضارية، وبهائم عادية، ثم الانتهاض بعدها للخلاص منها.
وأما المحظور، فعلى وجهين: أحدهما أن يقضي الشهوة في محل الحرث، ولكن بغير عقد شرعي، ولا على الوجه المأمور، وهو الزنا. وقد قرن ذلك بالشرك حيث قال: (الزاني لا يَنْكَحُ إلا زَانِيَة أو مُشْرِكة) . والثاني تعاطيه في غير محل الحرث، وهو أفحش من الزنا لأن الزاني لم يضيع الماء، بل وضعه في محل الحرث على غير الوجه المأمور. وهذا قد ضيّع، وكان ممن قال الله تعالى: (وَيُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسَلَ) . ولذلك سميت اللواطة الإسراف، فقال تعالى: (إنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُم قَوْمٌ مُسْرِفُون) . فهذه مراتب الناس في شهوة الفرج.
وقد ينتهي بعض الضلال إلى العشق، وهو عين الحماقة وغاية الجهل بما وضع الجماع له،
стр. 140
ومجاوزة لحدّ البهائم في تملك النفس، وضبطها لها، لأن المتعشق لم يقنع بإرادة شهوة الجماع، وهي أقبح الشهوات وأجدرها بأن يستحي منها، حتى اعتقد أن لا تنقضي إلا في محل واحد، والبهيمة تقضي الشهوة أنى اتفق فتكتفي به. وهذا لا يكتفي إلا من معشوقته، حتى ازداد به ذلاً إلى ذل وعبودية إلى عبودية. واستسخر العقل لخدمة الشهوة، وقد خلق ليكون آمراً مطاعاً لا يكون خادماً للشهوة، محتاناً لأجلها، وهو مرض نفس فارغة لا همة لها. وإنما يجب الاحتراز من أوائلها، وهو معاودة النظر والفكر، وإلا فبعد الاستحكام يعسر دفعها. وكذلك عشق الجاه والمال والعقار والأولاد، حتى حب اللعب بالطيور والنرد والشطرنج، فإن هذه الأمور تستولي على طائفة ينقضي عليهم الدين والدنيا، ولا يصبرون عنها. ومثال ردّ الشهوة في أول انبعاثها صرف عنان الدابة عن توجهها إلى باب دار تدخله، فما أهون منعها وصرف عنانها. ومثال علاجها بعد استحكامها أن تترك الدابة، حتى تدخل وتجاوز الباب، ثم تأخذ بذنبها جاراً لها إلى وراء، وما أعظم التفاوت بين الأمرين! فليكن الاحتياط في بدايات الأمور، فأما أواخرها فلا تقبل الإصلاح في الأكثر، إلا بجهد شديد يوازي نزع الروح.
стр. 141
وأما أفعال الغضب فتنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور. أما المحمود ففي موضعين: أحدهما المسمى غيرة، وهو أن يقصد حريم الرجل ويتعرض لمحارمه. فالغضب له ولدفعه محمود، وقلة التأثر به خنوثة وركاكة، ولذلك قال ﵇: " إن سعداً لغيور، وإن الله أغير منه "، وقد وضع الله الغيرة في الرجال، لحفظ الأنساب. فإن النفوس لو تسامحت بالتزاحم على النساء لاختلطت الأنساب. ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في نسائها. والثاني الغضب عند مشاهدة المنكرات والفواحش، غيرة على الدين، وطلباً للانتقام، ولذلك مدحوا بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولذلك قال ﵇: " خير أمتي أحداؤها "،
стр. 142
فالمراد به الحدة لحمية الدين. ولذلك قال تعالى: (وَلاَ تَأْخْذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دينِ اللهِ) . ومع هذه فالسلطان إذا غضب عند جناية جانٍ، فينبغي أن يحبسه ولا يبادر إلى عقوبته حتى يجدد النظر فيه، فإن الغضب غول العقل، فربما يحمله على مجاوزة حد الواجب في الانتقام. وأما المكروه فغضبه عند فوات حظوظه المباحة نيلها، كغضبه على خادمه وعبده عند كسر آنيته، أو توانيه في خدمته، بحكم تغافل يمكن الاحتزاز عنه. فهذا لا ينتهي إلى حد المذموم، ولكن العفو والتجاوز أولى وأحب. ولذلك قيل لواحد حكيم: لا تصفح عن عبدك وهو يقصر في خدمتك، فيفسد باحتمالك. فقال: " لأن يفسد عبدي في صلاح نفسي خير من أن تفسد نفسي في صلاح عبدي ". فإن احتمال ذلك إصلاح للنفس والانتقام إصلاح للعبد.
стр. 143
وأما المذموم فهو الاستشاطة عن الفخر والتكبر والمباهاة والمنافسة والحقد والحسد، وعن أمور واهية تتعلق بالحظوظ البدنية، من غير أن يكون في الانتقام مصلحة في المستقبل ديناً ودنيا، وهو الغالب على أكثر الخلق، وهو انقياد للخلق الذي يضاد الحلم والتحلم. فإن الحلم عبارة عن إمساك النفس عن هيجان الغضب، والتحلم عن إمساكها عن قضاء الوطر منه، إذا هاج، والكمال في الحلم، ولكن التحلم صبر على المكروه، وفيه أيضاً خير كثير. فهذه مراتب أفعال الغضب. والناس في الغضب يختلفون، فبعضهم كالحلفاء، سريع التوقد، سريع الخمود، وبعضهم كالقطا بطيء الخمود، وبعضهم بطيء التوقد سريع الخمود، وهو الأحمد، ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة. وأسباب الغضب أما من جهة المزاج، فالحرارة واليبوسة، يدل عليهما تعريف الغضب، فإن الغضب معناه غليان دم القلب، فإن كان على من فوقك في القدرة على الانتقام، تولد منه
стр. 144
انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى القلب، وكان حزناً، ولأجله يصفر الوجه. وإن كان على من دونك تولد منه ثوران دم القلب، لا انقباضه، فيكون منه الغضب الحقيقي وطلب الانتقام. وإن كان على نظيرك في القدرة على الانتقام، تولد منه تردد الدم بين انقباض وانبساط، ويختلف به لون الوجه فيحمر ويصفر ويضطرب. وبالجملة قوة الغضب محلها القلب، ومعناه حركة الدم وغليانه. وأما ما وراء المزاج، فالاعتياد، فإن من يعاشر جماعة يباهون بالغضب والطباع السبعية انطبع ذلك فيه. وإن من خالط أهل الهدوء والوقار أثرت العادة أيضاً فيه. وأما سببه المخرج له من القوة إلى الفعل في الحال، فهو العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والاستهزاء والضيم وطلب ما فيه التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام، وكل ذلك مذموم. وحق من اعتراه الغضب أن يتفكر فيما قاله بعض الحكماء لبعض السلاطين وقد سأله حيلة في دفع الغضب، فقال: " ينبغي أن تذكر أنه يجب
стр. 145
أن تطيع لا أن تطاع فقط، وأن تَخدم لا أن تُخدم فقط، وأن تَحتمل لا أن تُحتَمل فقط، وأن تعلم أن الله يراك دائماً، فإذا فعلت ذلك لم تغضب ".
واعلم أن الغضب له فروع كما سبق، ومن جملتها الشجاعة والتهور والمنافسة والغبطة والحسد على ما سبق، ولكن نزيدها شرحاً. أما الشجاعة فخلق بين التهور والجبن، فإن اعتبر إضافتها إلى النفس فهي صرامة القلب في الأهوال وربط الجأش عند المخاوف، وإن اعتبر بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة وتولدها من الغضب وحسن الأمل وبها يصابر الإنسان الشدائد، بل بها يصبر عن المعاصي، فإن الغضب إذا سلّط على الشهوة زجرها. ولما كان الدين شطره رغبة في الخير، وشطره تركاً للشر قال ﵇: " الصبر نصف الإيمان "، ولما كان بعض الشرور في شهوة الفرج والبطن،
следующие страницы →