← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9264

ميزان العمل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (231 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أول الأمر، حتى توجد في الحيوان الذي هو جنسه، ثم توجد قوة الحمية والغضب بعده. وأما قوة الفكر، فإنها توجد آخراً. والسبب أنه يتأكد الخلق بكثرة العمل بموجبه والطاعة له، وباعتقاد كونه حسناً مرضياً والناس فيه أربع مراتب: الأولى هو الإنسان الغفل، الذي لا يعرف الحق من الباطل، والجميل من القبيح، فيبقى خالياً عن الاعتقاد، وخالياً أيضاً عن تشمير شهواته، باتباع اللذات. فهذا أقبل الأقسام للعلاج، فلا يحتاج إلا إلى تعليم مرشد وإلى باعث في نفسه يحمله على الاتباع، فيحسن خلقه في أقرب وقت. والثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح، ولكنه لم يتعوّد العمل الصالح بل زيّن له شر عمله، يتعاطاه انقياداً لشهواته، وإعراضاً عن صواب رأيه، فأمره أصعب من الأول، إذ تضاعفت علته. فعليه وظيفتان: إحداهما قلع ما رسخ فيه من كثرة التعود للفساد، والآخر صرف النفس إلى ضده. وعلى الجملة هو في محل قبول الرياضة، إن انتهض لها عن جدّ كامل

стр. 72

والثالثة أن يعتقد الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة، وأنها حق وجميل، ثم تربى عليها. فهذا يكاد تمتنع معالجته، ولن يرجى صلاحه إلا على الندور، إذ تضاعفت عليه أسباب الضلال. الرابعة أن يكون، مع وقوع نشوئه على الاعتقاد الفاسد، وتربيته على العمل به، ويرى فضله في كثرة الشر، واستهلاك النفوس، ويتباهى به، ويظن أن ذلك يرفع من قدره. وهذا أصعب المراتب وفي مثله قيل: من التعذيب تهذيب الذئب، ليتأدب وغسل المسخ ليبيّض، فالأول من هؤلاء يقال له جاهل، والثاني جاهل وضال، والثالث جاهل وضال وفاسق، والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير.

стр. 73

بيان الطريق الجملي في تغير الأخلاق ومعالجة الهوى اعلم أن المقصود من المجاهدة والرياضة بالأعمال الصالحة تكميل النفس وتزكيتها وتصفيتها لتهدي بأخلاقها. وبين النفس وبين هذه القوى نوع من العلاقة، تضيق العبارة عن تعريفه على وجه يتشكل في خزانة التخيل، لأن هذه العلاقة ليست محسوسة بل معقولة. وليس من غرضنا بيان تلك العلاقة، ولكن كل واحد من النفس والبدن متأثر بسبب صاحبه. فإن النفس إن كملت وكانت زاكية، حسنت أفعال البدن، وكانت جميلة، وكذا البدن، إن جملت آثاره، حدث منها في النفس هيئات حسنة وأخلاق مرضية. فإذن الطريقة إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتاداً بالتكرر، مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع، فيخف عليه ما كان يستثله من الخير. فمن أراد مثلاً أن يحصّل لنفسه خلق الجود، فطريقة

стр. 74

أن يتكلف تعاطي فعل الجواد، وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جواداً. وكذا من أراد أن يحصّل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبّر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة، على التكرر مع تقارب الأوقات. والعجب أن الأمر بين النفس والبدن دور، إذ بأفعال البدن تكلفاً، يحصل للنفس صفة. فإذا حصلت الصفة فاضت على البدن فاقتضت وقوع الفعل الذي تعوده طبعاً، بعد أن كان يتعاطاه تكلفاً. والأمر فيه كالأمر في سائر الصناعات. فإن من أراد أن يصير له الحذق في الكتابة صفة نفسية ثابتة فطريقه أن يتعاطى ما يتعاطاه الكاتب الحاذق، وهو حكاية الخط الحسن متكلفاً متشبهاً. ثم لا يزال يواظب على تعاطي الخط الحسن، حتى يصير له ذلك ملكة راسخة، ويصير الحذق فيه صفة نفسانية، فيصدر منه بالآخرة بالطبع ما كان يتكلفه ابتداء بالتصنع. فكأن الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسناً، ولكن الأول متكلف والآخر بالطبع، وذلك بواسطة تأثر النفس. وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس، فلا طريق له إلا ممارسة الفقه وحفظه وتكراره. وهو في الابتداء متكلف، حتى

стр. 75

ينعطف منه على نفسه وصف الفقه، فيصير فقيه بمعنى أنه حصل للنفس هيئة مستعدة، نحو تخريج الفقه، فيتيسر له ذلك طبعاً مهما حاوله. وكذلك الأمر في جميع صفات النفس. وكما أن طالب رتبة الفقه لا يحرم هذه الرتبة بتعطيل ليلة، ولا ينالها بزيادة ليلة، فكذلك طالب كمال النفس لا ينالها بعبادة يوم، ولا يحرمها بنقصان يوم. ولكن تعطّله في يوم واحد، يدعو إلى مثله. ثم يتداعى قليلاً قليلاً، حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل فيفوته فضيلة الفقه، فكذا صغائر المعاصي، بعضها يدعو إلى بعض. وكما أن تكرار ليلة لا يحس بأثره في تفقه النفس، فإنه يظهر شيئاً فشيئاً، مثل نمو البدن وارتفاع القامة، فكذلك الطاعة الواحدة، قد لا يحس أثرها في النفس وكمالها في الحال، ولكن ينبغي أن لا يستهان بها، فإن الجملة مؤثرة، وإنما جمعت من الآحاد، فلكل واحد تأثير. ثم ما من طاعة إلا ولها أثر ما وإن خفيى، وكذلك المعصية. وكم من فقيه مسوّف يستهين بتعطيل يوم وليلة، وهكذا على التوالي، فيفوته كمال العلم. فكذا من يستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمر إلى حرمان السعادة.

стр. 76

وكم من فقيه موفق لا يستهين بتعطيل يوم وليلة، فهكذا على التوالي، فيحرز كمال النفس والعلم. فكذا من لا يبستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمرإلى درجات السعادة، إذ القليل يدعو إلى الكثير، ولذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁: " الإيمان يبدو في القلب نكتة بيضاء كلما أزداد الإيمان إزداد ذلك البياض. فإذا استكمل العبد الإيمان ابيّض القلب كله. وإن النفاق يبدو في القلب نكتة سوداء، كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد. فإذا استكمل العبد النفاق، اسود القلب كله ". بيان مجامع الفضائل التي بتحصيلها تنال السعادة إذا عرف أن السعادة تنال بتزكية النفس وتكميلها، وأن تكميلها باكتساب الفضائل كلها، فلا بد من أن يعرف الفضائل جملة وتفصيلاً. فأما الفضائل بجملتها، فتنحصر في معنيين: أحدهما جودة الذهن والتمييز

стр. 77

والآخر حسن الخلق. أما جودة الذهن فليميّز بين طريق السعادة والشقاوة، فيعمل به، وليعتقد الحق في الأشياء على ما هي عليه، عن براهين قاطعة مفيدة لليقين، لا عن تقليدات ضعيفة، ولا عن تخييلات مقنعة واهية. وأما حسن الخلق، فبأن يزيل جميع العادات السيئة، التي عرّف الشرع تفاصيلها، ويجعلها بحيث يبغضها، فيجتنبها كما يجتنب المستقذرات. وأن يتعود العادات الحسنة ويشتاق إليها فيؤثرها، ويتنعّم بها كما قال ﵇: " جعلت قرة عيني في الصلاة ". ومهما كانت العبادات، وترك المحظورات مع استثقال وكراهة، فذلك لنقصان، ولا ينال كمال السعادة به. نعم المواظبة عليه بالمجاهدة غاية الخير، ولكن لا بالإضافة إلى فعله عن طوع ورغبة، وإنما قيل: الحق مرة بالإضافة إلى من لم يتهذب، فبقي فيه صوارف عن الحق. ولذلك قال تعالى: (وإنّها لَكَبِيرَةٌ إلاّ عَلَى الخَاشِعِين) . ولذلك قال ﵇: " إن استطعت أن تعمل في الرضا لله، فأعمل، وإلا ففي الصبر على ما تكره خيرٌ كثير ".

стр. 78

ثم لا يكفي في نيل السعادة استلذاذ الطاعة، واستكراه المعصية في زمان دون زمان، بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام في جملة العمر. وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل. ولذلك لما سئل ﵇ عن السعادة، قال: " طول العمر في طاعة الله ". ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت، فإن الدنيا مزرعة للآخرة. وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر، كان الثواب أكثر، والنفس أزكى وأطهر، وكمالها أتم، وابتهاج صاحبها بجمالها عند التجرد عن علائق البدن أشد وأوفر. وذلك إذا تنبه عن نومه الذي أغفله عن إدراك حال نفسه، من جمال يبتهج به، أو خزي وخيال يفتضح به، وذلك التنبه بإطراح الشواغل. فالناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. فهذه مجامع الفضائل، وغايتها أن تصدر منه الفضائل أبداً بغير فكر وروية وتعب، ويطلع على الحق بغير تعب طويل، حتى كأنه يصدر منه، وهو في غفلته كالصانع الحاذق في الخياطة والكتابة. وغاية الرذالة أن ترشح منه الرذائل بغير تكلف ولا فكر ولا روية.

стр. 79

واعلم أن هذه الفضائل المحصورة في فن نظري، وفي فن عملي، يحصل كل واحد منها على وجهين: أحدهما بتعلم بشريّ وتكلف اختياري، يحتاج فيه إلى زمان وتدرب وممارسة، وتقوي الفضيلة في شيئاً فشيئاً خفي التدريج، كتدريج الشخص في النمو، وإن كان في الناس من يكفيه أدنى ممارسة، وذلك بحسب الذكاء والبلادة. والثاني يحصل بجود إلهيّ، نحو أن يولد الإنسان، فيصير بغير معلم عالماً، كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، وكذا سائر الأنبياء الذين حصل لهم من الاحاطة بحقائق الأمور، ما لم يحصل لطلاب العلم بالتعلم. وقيل: إن ذلك قد يحصل أيضاً لغير الأنبياء، وهم الذين يعبر عنهم بالأولياء. وهذا الآن رزق لا يمكن اكتسابه بالجهد، فمن حرم ذلك، فليجتهد أن يكون من الفريق الثاني، وليعلم نزول رتبته عن رتبة أولئك، " فليس التكحل في العينين كالكحل ". ولا ينبغي أن تستبعد أن يكون بالطبع في مبدأ الفطرة من العلوم ما يحصل بالجهد والاكتساب، كما يكون ذلك في الأخلاق. فرب صبي صادق اللهجة سخيّ جريء،

стр. 80

وربما تخلق بخلافه، وذلك يحصل بالتأديب والتربية. فإذا الفضيلة تارة تحصل بالطبع وطوراً بالاعتياد، ومرة بالتعلم. فمن تضافرت في حقه الجهات الثلاث، حتى صار ذا فضيلة طبعاً واعتياداً وتعلماً فهو في غاية الفضيلة. ومن كان رذلاً من هذه الجهات الثلاث فهو في غاية الرذالة، وبينهما رتبة من اختلفت فيه هذه الجهات. بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق ينبغي أن تعلم أن علاج النفس بمحو الرذائل عنها وبكسب الفضائل، مثاله علاج الأبدان بمحو العلل عنها، وبكسب الصحة لها. وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال، وإنما تعتري العلة المغيرة للاعتدال بعوارض الأغذية وغيرها، فكذا كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.

стр. 81

والمقصود أنه بالتعليم والاعتياد يكتسب الرذائل. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً، وإنما يكمل بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة، وإنما تكتمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم. وكما أن البدن، إن كان صحيحاً فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة، فإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحة إليه، فكذا النفس منك إن كانت زاكية، طاهرة، مهذبة الأخلاق، فينبغي أن تسعى لحفظ صحتها وجلب مزيد قوة وصفاء إليها. وكما أن العلة المغيرة للاعتدال، الموجبة للمرض، لا تعالج إلا بضدها، إن كانت من حرارة فبالبرودة وبالعكس، فكذا الرذيلة الموجبة لنقصان النفس، علاجها بضدها، كما سبق من علاج الجهل بالتعلم، والبخل بالتسخي تكلفاً، والكبر بالتواضع تكلفاً، والشره بالكف عن المشتهى تكلفاً. وكما أن كل مبرد لا يكفي لعلة أوجبتها الحرارة، إلا إذا كان على حد مخصوص، ويختلف ذلك بالشدة والضعف،

стр. 82

والدوام وعدمه، وبالكثرة والقلة، ولا بد له من عيار يغرف به مقدار النافع منه، فإن لم يحفظ عياره زاد الفساد، فكذلك النقيض، الذي يعالج به الأخلاق لا بد له من عيار. وكما أن عيار الدواء مأخوذ من عيار العلة، حتى أن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، وإن كانت الحرارة، فما درجتها، أهي ضعيفة أو قوية، فإذا عرف التفت معه إلى أحوال البدن، وأحوال الزمان والصناعة التي المريض بصددها وعالج بحسبها، فكذلك الشيخ المتبوع، الذي يطلب نفوس المريدين والمسترشدين، ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص، ما لم يعرف أخلاقهم. فإذا عرف ما هو الغالب على المريد من الخلق السيء، وعرف مقداره، ولاحظ حاله وسنه، وما يحتمله من المعالجة، عيّن له الطريق. ولذلك ترى الشيخ يشير على بعض المريدين أن يخرج إلى السوق للكدية وذلك أن توسم فيه نوع رياسة وتكبر، فيعالجه بما يراه ذلاً، وهو نقيض خلقه، حتى ينكسر به تكبره، ويشير على بعضهم بتعهد بيت الماء، واعداد نبل

стр. 83

الاستنجاء، وذلك إذا رأى نفسه مائلة إلى الرعونة في النظافة المجاوزة حد الاعتدال. وقد يشير عليه بالصوم، ويأمره بالوصال، إلا بمقدار يخرج به عن موجب النهي، وذلك إذا رآه شاباً قوي الشهوة، مولعاً بشهوة البطن والفرج، إلى غير ذلك من طرق التهذيب. وعن بعضهم: أنه كان يعالج قوة الغضب، ويتكلف صفة الحلم، فكان يعطي السفهاء الأجرة، ليجبهوه بالشتم في المحافل، فيتعود احتماله، فصار بحيث يضرب به المثل في الحلم. وكان آخر يدرج نفسه في الشجاعة، فيركب البحر في الشتاء، وآخر كان يهيئ المآكل الطيبة ويطعمها غيره بحضرته، وهو يقتصر على خبز الشعير لكسر الشره، وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بقيام طول ليلة على رجل واحدة لا ينتقل عنها. وآخر عالج حب المال بأن باع كل ماله ورمى بثمنه في البحر. فهذا طريق جملي في تهذيب الأخلاق، والكلام في تفصيله يطول، والغرض أن تنظر، أيها المتشوق إلى تزكية نفسك في أخلاقك.

стр. 84

فإن كانت مهذبة فاحفظها، وإن كانت مائلة فقومها بالرد إلى حد الاعتدال، على ما سيأتي تفصيله، فإن المقصود من جلب الاعتدال سلب الطرفين، إذ الغرض تطهير النفس عن الصفات التي تلحقها بعوارض البدن، حتى لا تلتفت إليها بعد المفارقة، عاشقة ومتأسفة على قوتها، وممنوعة بالاشتغال والتألم بها عن السعادات اللائقة بجوهرها. ومهما أردنا أن لا يكون الماء حاراً ولا بارداً، طلبنا فيه الاعتدال وكان الفاتر لا حاراً ولا بارداً، فكذلك هذه الصفات. فإن قلت: فبماذا اعلم أن الحاصل لي هو الخلق الجميل، وهو الوسط المعتدل بين طرفي الافراط والتفريط؟ فطريقك أن تنظر في الأفعال، التي يوجبها ذلك الخلق الذي فيه مجاهدتك، فإذا التذذت بفعله، فاعلم أن الخلق الموجب له راسخ في نفسك، فإن كان ذلك الفعل قبيحاً فاعلم أن الخلق قبيح، مثل أن تلتذ بامساك المال وجمعه. فموجبه خلق البخل، فعوّد نفسك نقيضه، والأخلاق الحسنة والسيئة قد فصّلها الشرع ويجمعها ما صنف في آداب النبي ﵇، وهي مشهورة وسنشير إلى جملها. ونعني بالاعتدال أنك لو كنت تلتذ بالاسراف في تفريق

стр. 85

المال، فتعلم أن هذا أيضاً مذموم وهو الذي يعبّر عنه بالتبذير. والمحمود المعتدل هو السخاء الواقع بين التحرق والتبذير، وهو أن يتيسر عليك بذل ما يقتضي الشرع والعقل إمساكه، عن طوع ورغبة، وكذا في سائر الصفات، والواحد منها كاف في المثال، وإذا عرفت أن معيار الأعمال مأخوذ من مقدار الصفات والأخلاق، لم يخف عليك أن الطريق في هذا تختلف باختلاف الأشخاص، وتختلف في حق شخص واحد باختلاف الأحوال. فمن رزق البصيرة، تتبع العلة وعالجها بطريقها. ولما كان أكثر الناس يعجزون عنه، وعسر على الشرع تفصيل يفي بجميع الأشخاص، في جميع الأعصار، اقتصر الشرع في التفصيل على القوانين المشتركة، التي تعم جدواها من الطاعات وترك المعاصي المحذورة، ثم رغب عن المباحاة التي تقصد للتلذذ بأمور جميلة كقوله: " حب الدنيا رأس كل خطيئة "، وأمثاله. ثم عرف أهل البصيرة منه غاية المطلوب وطريقه،

стр. 86

وغاية المحذور وطريقه، ووقفوا به على التفصيل، وأرشدوا إليه من وفّق لاتباعهم، فكانوا نواباً عن الأنبياء في تفصيل ما أجملوه وشرح ما مهدوه. ولذلك قال ﵇: " العلماء ورثة الأنبياء ". بيان أمهات الفضائل الفضائل، وإن كانت كثيرة فتجمعها أربعة تشمل شعبها وأنواعها، وهي الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة. فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، والعدالة عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب فيها تتم جميع الأمور، ولذلك قيل: بالعدل قامت السموات والأرض. فلنشرح آحاد هذه الأمهات، ثم لنشرح بيانها وما ينطوي من الأنواع تحتها. فأما الحكمة فنعني بها مع عظم الله تعالى في قوله: (وَمَنْ يُؤت الحِكْمَة فَقَد أوتيَ خَيْراً كَثِيراً) .

стр. 87

وما أراده رسول الله حيث قال: " الحكمة ضالةُ المؤمن ". وهي منسوبة إلى القوة العقلية، وقد عرفت فيما سبق، أن للنفس قوتين: إحداهما تلي جهة فوق، وهي التي بها تتلقى حقائق العلوم الكلية الضرورية والنظرية من الملأ الأعلى، وهي العلوم اليقينية الصادقة أزلاً وأبداً، لا تختلف باختلاف الأعصار والأمم، كالعلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله، وأضاف خلقه في العالم. بل من جملة العلم أن النفي والاثبات لا يصدقان على شيء واحد في حال واحدة، وكذلك العلوم الحقيقية. فهذه العلوم هي الحكمة الحقيقية. والقوة الثانية هي التي تلي جهة تحت، أعني جهة البدن وتدبيره وسياسته، وبها تدرك النفس الخيرات في الأعمال وتسمى العقل العملي، وبها يسوس قوى نفسه ويسوس أهل بلده ومنزله، واسم الحكمة لها من وجه كالمجاز لأن معلوماتها كالزيبق تتقلب ولا تثبت، فمن معلوماتها أن بذل المال فضيلة، وقد يصير رذيلة في بعض الأوقات، وفي حق بعض الأشخاص. فلذلك كان اسم الحكمة بالأول أحق، وهذا الثاني كالكمال والتتمة للأول، وهذه هي الحكمة الخلقية،

стр. 88

والأولى هي الحكمة العلمية النظرية، ونعني بالحكمة الخلقية حالة وفضيلة للنفس العاقلة، بها تسوس القوة الغضبية والشهوانية، وتقدر حركاتها بالقدر الواجب في الانقباض والانبساط، وهي العلم بصواب الأفعال. وهذه الفضيلة تكتنفها رذيلتان، وهما الخب والبله، فهما طرفا إفراطها وتفريطها، أما الحب فهو طرف إفراطها، وهو حالة يكون بها الإنسان ذا مكر وحيلة، بإطلاق الغضبية والشهوانية يتحركان إلى المطلوب حركة زائدة على الواجب. وأما البله، فهو طرف تفريطها ونقصانها عن الاعتدال. وهي حالة للنفس، تقصر بالغضبية والشهوانية عن القدر الواجب، ومنشأه بطؤ الفهم، وقلة الاحاطة بصوب الأفعال. وأما الشجاعة فهي فضيلة للقوة الغضبية، لكونها قوية، ومع قوة الحمية، منقادة للعقل المتأدب بالشرع، في إقدامها وإحجامها، وهي وسط بين رذيلتيها المطيفتين بها، وهما التهور والجبن. فالتهور لطرف الزيادة عن الاعتدال، وهي الحالة التي بها يقدم الإنسان على الأمور المحظورة، التي يجب في العقل الاحجام عنها، وأما الجبن فلطرف النقصان، وهي حالة بها تنقص حركة

стр. 89

الغضبية عن القدر الواجب، فتصرف عن الإقدام حيث يجب الإقدام. ومهما حصلت هذه الأخلاق، صدرت منها هذه الأفعال، أي يصدر من خلق الشجاعة الإقدام حيث يجب وكما يجب، وهو الخلق الحسن المحمود، وإياه أريد بقوله تعالى: (أشِدّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُم) ، فلا الشدة في كل مقام محمودة، ولا الرحمة، بل المحمود ما يوافق معيار العقل والشرع. فمن حصل له ذلك، فليحفظه بالمواظبة على أفعاله. ومن لم يحصل له، فلينظر، فإن كان طبعه مائلاً إلى النقصان الذي هو الجبن، فليتعاط أفعال الشجعان، متكلفاً مواظباً عليه، حتى يصير له الاعتياد طبعاً وخلقاً، فيفيظ منه أفعال الشجعان بعد ذلك طبعاً، وإن كان مائلاً إلى طرف الزيادة، وهو التهور، فليشعر نفسه بعواقب الأمور، وليعظم أخطارها، وليتكلف الإحجام إلى الاعتدال، أو ما يقرب منه. فإن الوقوف على حد الاعتدال شديد، ولو تصور ذلك، لارتحلت النفس عن البدن، وليس معها علاقة منه، فكانت لا تتعذب أصلاً بالتأسف على ما يفوتها منه،

стр. 90

وكان لا يتكدر عليها ابتهاجها بما يتجلى لها من جمال الحق وجلاله. ولكن لما عسر ذلك قيل: (وإنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا) . وقد رأى بعض المشايخ رسول الله في المنام فقال: ما الذي أردت بقولك " شيبتني سورة هود "، فقال: قوله (اَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت) ، يعني الاستمرار على الصراط المستقيم. وطلب الوسط بين هذه الأطراف شديد، وهو أدق من الشعر وأحدّ من السيف، كما وصف من حال الصراط في الدار الآخرة، ومن استقام على الصراط في الدار الدنيا، استقام على الصراط في الآخرة مستقيماً، إذ يموت المرء على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه. ولذلك وجب في كل ركعة من الصلاة قراءة الفاتحة المشتملة على قوله: (إهدنا الصراط المستقيم) ، فإنه أعقد الأمور وأعصاها على الطالب. ولو كلّف ذلك في خلق واحد لطال العناء فيه. وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق، مع خروجها عن

стр. 91

الحصر، كما سيأتي. ولا مخلص عن هذه المحظورات إلا بتوفيق الله ورحمته ولذلك قال ﵇: " الناس كلهم موتى إلا العالمون! والعالمون كلهم موتى إلا العاملون، والعاملون كلهم موتى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم "، فنسأل الله تعالى أن يمدنا بتوفيقه لنجاوز الأخطار في هذه الدار، ولا ننخدع بدواعي الاغترار. وأما العفة، فهي فضيلة القوة الشهوانية، وهي انقيادها على تيسر وسهولة للقوة العقلية، حتى يكون انقباضها وانبساطها بحسب إشارتها، ويكتنفها رذيلتان: الشره والخمود، فالشره هو إفراط الشهوة، إلى المبالغة في اللذات التي تستقبحها القوة العقلية وتنهي عنها، والخمود هو خمود الشهوة عن الانبعاث إلى ما يقتضي العقل نيله وتحصيله، وهما مذمومان، كما أن العفة التي هي الوسط محمودة، وعلى الإنسان أن يراقب شهوته، والغالب عليها الإفراط لا سيما إلى منقضى الفرج والبطن، وإلى المال والرياسة وحب الثناء، والإفراط والتفريط في كل ذلك نقصان،

стр. 92

وإنما الكمال في الاعتدال، ومعيار الاعتدال العقل والشرع، وذلك أن يعلم الغاية المطلوبة من خلق الشهوة والغضب، مثلاً بأن يعلم أن شهوة الطعام، إنما خلقت لتبعث على تناول الغذاء الذي يسد خلل ما ينحلّ من أجزائه بالحرارة الغريزية، حتى يبقى البدن حياً والحواس سليمة، ليتوصل بالبدن إلى نيل العلوم، ودرك حقائق الأمور، ويتشبه بالطبقة العليا بالإضافة إليه، وهي رتبة الملائكة، وبها كمالها وسعادتها. ومن عرف هذا كان قصده من الطعام التقوى على العبادة، دون التلذذ به، فيقتصر ويقتصد لا محالة، ولا يشتد إليه شرهه، ويعلم أن شهوة الجماع خلقت فيه لتكون باعثة على الجماع الذي هو سبب بقاء النوع محفوظاً ليطلب النكاح للولد والتحصّن، لا للعب والتمتع، وإن تمتع ولعب كان باعثه عليه الآلف والاستمالة الباعثة على حسن الصحبة ودوام النكاح، ويقتصر من الأنكحة على القدر الذي لا يعجزه عن القيام بحقوقه. ومن عرف ذلك سهل عليه الاقتصار، وعند ذلك لا يقيس نفسه بصاحب الشرع ﵇، إذ كان لا يشغله كثرة الأنكحة عن ذكر الله تعالى، ولا يلزمه طلب الدنيا لأجل الأزواج. ومن ظن أن ما لا يضر صاحب الشرع لا يضرّه، كان كمن ظن أن ما لا يغّير البحر الخضم من النجاسات، لا يغير كوزاً مغترفاً من البحر، وأن ما لا يضر الشخص القوي البنية

стр. 93

السيّ من الأطعمة اللذيذة، لا يضر الصبي الرضيع السخيف البنية. وكم من أحمق يتكايس، فيقيس نفسه بصاحب الشرع، مقايسة الملائكة بالحدادين، فيهلك من حيث لا يدري. نعوذ بالله من عمش البصيرة، فإنه يكاد يكون أردى من العمى، إذ الأعمى يعتقد عجزه فيقلد فيهديه غيره، والأعمش ينفتح من بصيرته بقدر ما يستنكف به من الاتباع ثم لا يكمل نوره بحيث يستكمل مستمراً في سواء السبيل، ومن هذه حاله لا يبالي الله في أي واد هلك. ولقد رأيت جماعة من الحمقى العوام يتكايسون في التصوف بآرائهم ويزعمون أن هذه الشهوات لم خلقت إن كان اتباعها مذموماً ومهلكاً، ولم يعلموا أن تحت خلق الشهوتين، أعني شهوة الفرج والبطن، حكمتين عظيمتين: إحداهما إبقاء الشخص بالغذاء والنوع بالحرث، فإنهما ضروريتان في الوجود بحكم إجراء الله سنته بمشيئة الله الأزلية التي لا يجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، والثانية ترغيب الخلق في السعادات الآخروية، فإنهم ما لم يحسوا بهذه اللذات والآلام لم يرغبوا في الجنة ولم يحذروا النار، ولو وعدوا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر

стр. 94

على قلب بشر، لما أثر ذلك بمجرده في نفوسهم، هذا حد العفة. وأما العدل فهو حالة للقوى الثلاث في انتظامها على التناسب، بحسب الترتيب الواجب في الاستعلاء والانقياد، فليس هو جزءاً من الفضائل، بل هو عبارة عن جملة من الفضائل، فإنه مهما كان بين الملك وجنده ورعيته ترتيب محمود، بكون الملك بصيراً قاهراً، وكون الجند ذوي قوة وطاعة، وكون الرعية ضعفاء سلسي الانقياد، قيل: إن العدل قائم في البلد. ولن ينتظم العدل بأن يكون بعضهم بهذه الصفات دون كلهم، وكذلك العدل في مملكة البدن بين هذه الصفات. والعدل في أخلاق النفس يتبعه لا محالة العدل في المعاملة والسياسة، ويكون كالمتفرّع منه. ومعنى العدل الترتيب المستحب، إما في الأخلاق، وإما في حقوق المعاملات، وإما في أجزاء ما به قوام البلد. والعدل في المعاملة وسط بين رزيلتي الغبن أن

стр. 95

يأخذ ما ليس له، والتغابن أن يعطي في المعاملة ما ليس عليه حمد وأجر. والعد في السياسة أن ترتب أجزاء المدينة الترتيب المشاكل لترتيب أجزاء النفس، حتى يكون المدينة في ائتلافها وتناسب أجزائها، وتعاون أركانها على الغرض المطلوب من الاجتماع، كالشخص الواحد، فيوضع كل شيء موضعه، وينقسم سكانه إلى مخدوم لا يخدم وإلى خادم ليس بمخدوم، وغلى طبقة يخدمون من وجه، ويخدَمون من وجه آخر، كما ذكرناه في قوى النفس. ولا يكتنف العدل رذيلتان، بل رذيلة الجور المقابلة له، إذ ليس بين الترتيب وعدم الترتيب وسط، وبمثل هذا الترتيب والعدل قامت السموات والأرض حتى صار العالم كله كالشخص الواحد، متعاون القوى والأجزاء، وإذ قد ذكرنا جملة هذه الأمهات فلنذكر تفصيل ما يندرج تحت كل فضيلة ورذيلة من أنواع الفضائل والرذائل، مبتدئين فيه بالقوة العقلية، ثم الغضبية، ثم الشهوانية، ليكون ذلك أشفى في البيان.

стр. 96

بيان ما يندرج تحت فضيلة الحكمة ورذيلتيها من الخب والبله: أما الحكمة فيندرج تحت فضيلتها حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وصواب الظن. أما حسن التدبير فهو جودة الروية في استنباط ما هو الأصلح والأفضل في تحصيل الخيرات العظيمة والغايات الشريفة مما يتعلق بك أو تشير به على غيرك في تدبير منزل أو مدينة أو مقاومة عدو ودفع شر، وبالجملة في كل أمر متفاقم خطير، فإن كان الأمر هيناً حقيراً سمي كيساً ولم يسمى تدبيراً. وأما جودة الذهن فهو القدرة على صواب الحكم عند اشتباه الآراء وثوران النزاع فيها. وأما نقابة الرأي فهو سرعة الوقوف على الأسباب الموصلة في الأمول إلى العواقب المحمودة، وأما صواب الظن فهو موافقة الحق لما تقتضيه المشاهدات من غير استعانة بتأمل الأدلة.

стр. 97

وأما رذيلة الخب فيندرج تحتها الدهاء والجربزة، فالدهاء هو جودة استنباط ما هو أبلغ في إتمام ما يظن صاحبه أنه خير، وليس بخير في الحقيقة، ولكن فيه ربح خطير، فإن كان الربح خسيساً سمي جربزة، فالفرق بين الدهاء والجربزة، يرجع إلى الحقارة والشرف. وأما رذيلة البله، فتندرج تحتها الغمارة والحمق والجنون. فأما الغمارة فهي قلة التجربة بالجملة في الأمور العملية، مع سلامة التخيل. وقد يكون الإنسان غمراً في شيء، بحسب التجربة، والغمر بالجملة هو الذي لم تحنّكه التجارب. وأما الحمق فهو فساد أول الرؤية فيما يؤدي إلى الغاية المطلوبة، حتى ينهج غير السبيل الموصل، فإن كان خلقه، سمي حمقاً طبيعياً ولا يقبل العلاج. وقد يحدث عند مرض، فيزول بزوال المرض.

стр. 98

وأما الجنون فهو فساد التخيل في انتقاء ما ينبغي أن يؤثر، حتى يتجه إلى إيثار غير المؤثر، فالفاسد من الجنون غرضه، ومن الأحمق سلوكه، إذ غرض الأحمق كغرض العاقل، ولذلك لا يعرف في أول الأمر إلا بالسلوك إلى تحصيل الغرض، والجنون هو فساد الغرض، ولذلك يعرف في أول الأمر. بيان ما يندرج تحت فضيلة الشجاعة وهو الكرم، والنجدة، وكبر النفس، والاحتمال، والحلم، والثبات والنبل، والشهامة، والوقار.

стр. 99

أما الكرم فهو وسط بين البذخ والنذالة، وهو طيب النفس بالاتفاق في الأمور الجليلة القدر، العظيمة النفع وقد يسمى حرية. وأما النجدة، فهو وسط بين الجسارة والانخذال، وهو ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، مهما وجب ذلك من غير خوف. وأما كبر النفس فهو وسط بين التكبر وصغر النفس، وهو فضيلة يقدر بها الإنسان أن يؤهل نفسه للأمور الجليلة، مع استحقاره لها وقلة مبالاته بها، ابتهاجاً منه بقدر نفسه وجلالتها. وأثره أن يقل شروره بالإكرام الكبير من العلماء، ولا يسر بإكرام الأوغال، ولا بالأمور الصغار، ولا بما يجري مجرى البخت والاتفاق من السعادات. وأما الاحتمال فهو وسط بين الجسارة والهلع، وهو حبس النفس عن مسايرة المؤذيات. وأما الحلم فهو وسط بين الاستشاطة والانفراك، وهي حالة تكسب النفس الوقار. وأما الثبات فهو شدة النفس، وبعدها من الخور. وأما الشهامة، فهو الحرص على الأعمال توقعاً للجمال. وأما النبل فهو سرور النفس بالأفعال العظام. وأما الوقار فهو وسط بين الكبر والتواضع، وهو أن يضع

стр. 100

نفسه موضع استحقاقها لمعرفته بقدرها. وأما رذيلتا الشجاعة، وهما التهور والجبن، فيندرج تحتهما البذخ، والنذالة، والجسارة، والنكول، والتبجح، وصغر النفس، والهلع، والاستشاطة، والانفراك، والتكبر، والتخاسس، والتعجب، والمهانة، فما يميل منها إلى جانب الزيادة، فهو تحت التهور. وما يميل إلى جانب النقصان، فهو تحت الجبن. فأما البذخ فهو الانفاق فيما لا يجب من الزينة، وغيرها طلباً للصلب. وأما النذالة فهي الدنائة وترك الانفاق فيما يجب، والافتخار بالأشياء الصغار. وأما الجسارة، فالاستهانة بالموت، حيث لا تجب الاستهانة،

стр. 101

وأما النكول، فهو الانقباض فيما لا يجب عنه الانقباض، خوفاً من الهلاك، وأما التبجح فهو تأهيل النفس للأمور الكبار، من غير استحقاق. وأما صغر النفس، فهو تأهيل النفس لما دون الاستحقاق. وأما الجسارة، فهو قلة التأثر بأسباب الهلاك، من غير أثر جميل تقتضيه، وأما الهلع، فهو سوء احتمال الآلام والمؤذيات، وأما الاستشاطة فهو سرعة الغضب وحدته، وأما الانفراك، فهو بطؤ الغضب وبلادته، وأما التكبر فهو رفع النفس فوق قدرها، وأما التخاسس، فحط النفس في الكرامة والتوقير إلى ما دون قدرها، فإن كان على الوجه الواجب سمي تواضعاً محموداً، والمولد للكبر هو العجب، وذلك جهل الإنسان بمقدار نفسه، وظنه أنها على رتبة عالية من غير أن تكون كذلك. وذم الناس للتكبّر والبخل أشد من ذمهم للتخاسس والتبذير، فإنهما في غاية القبح، وهذان وإن كانا مذمومين، فهما شبيهان بالسخاء والتواضع، وربما يدق الفرق بينهما، فيظن أنهما محمودان، وهما رذيلتان بالحقيقة، ومائلتان عن الوسط. ولذلك قال ﵇: " طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذلّ في نفسه من غير مسكنة ".

стр. 102

بيان ما يندرج تحت فضيلة العفة ورذيلتها أما فضائل العفة فهي الحياء، والخجل، والمسامحة، والصبر، والسخاء، وحسن التقدير، والانبساط، والدماثة، والانتظام، وحسن الهيئة، والقناعة، والهدوء، والورع، والطلاقة، والمساعدة، والتسخط،

стр. 103

والظرف. أما الحياء فهو وسطبينقاحة والخنوثة، وقيل في حده أنه ألم يعرض للنفس عند الفزع من النقيصة. وقيل: إنه خوف الإنسان من تقصير، يقع فيه عند من هو أفضل منه، وقيل أنه رقة الوجه عند إتيان القبائح، وتحفظ النفس عن مذمومة يتوجه عليها الحق فيها. وبالجملة، فإنه يستعمل في الانقباض عن القبح ويستعمل في الانقباض عمّا يظنه المستحي قبحاً. وهذا الأخير يليق بالصبيان والنساء وهو مذموم من العقلاء. والأول جميل من كل أحد والمراد بقوله: " إن الله يستحي من ذي شيبة في الإسلام أن يعذبه "، أنه يترك تعذيبه. وأما الخجل، فهو فترة النفس لفرط الحياء، وإنما يحمد في الصبيان والنساء، دون الرجال. وإنما يستحي الإنسان ممن يكبر في نفسه. فأما من يستحي من الناس، فنفسه أخسّ عنده من غيره، ومن لا يستحي من الله فلعدم معرفته لجلاله، ولذلك قال ﵇: " استحيوا من الله حق الحياء ". ولذلك قال تعالى:

стр. 104

(أَلَمْ يَعْلَمْ بَأَنَّ اللهَ يَرَى) ، فإنه مهما أحس في نفسه أن الله يراه، فيستحي لا محالة إن كان متديناً معظماً، كما قال ﵇: " لاَ إيمانَ لمنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ " لأن الحياء للإنسان، هو أول إمارات العقل، والإيمان آخر مراتب العقل، وكيف ينال المرتبة الأخيرة من لم يجاوز الأولى؟. وأما المسامحة، فهو التجافي عن بعض الاستحقاق باختيار وطيب نفس، وهو وسط بين المنافسة والإهمال. وأما الصبر، فهو مقاومة النفس للهوى، واحتماؤها عن اللذات القبيحة. وأما السخاء فهو وسط بين التبذير والتقتير، وهو سهولة الانفاق وتجنب اكتساب الشيء من غير وجهه. وأما حسن التقدير، فهو الاعتدال في النفقات احترازاً عن طرفي التقتير والتبذير. وأما الدماثة، فهو حسن هيئة النفس الشهوانية في الاشتياق إلى المشتهيات. وأما الانتظام، فهو حال للنفس يدعوها إلى نظر ما يقدّره من النفقات حتى يناسب بعضها بعضاً. وأما حسن الهيئة فمحبة الزينة الواجبة التي لا رعونة فيها. وأما القناعة، فحسن تدبير المعاش، من غير خب. وأما الهدوء، فسكون النفس فيما تناله من اللذات الجميلة. وأما الورع، فوسط بين الرياء والهتكة، وهو تزيين النفس

стр. 105

بالأعمال الصالحة الفاضلة طلباً لكمال النفس، وتقرباً إلى الله دون الرياء والسمعة. وأما الطلاقة فهو المزاج بالأدب من غير فحش وافتراء، وهو وسط بين الإفراط والتفريط في الجد والهزل، وأما الظرف، فهو وسط بين التقطيب الذي هو الإفراط في التحاشي وبين الهزل، وهو أن يعرف الإنسان طبقات الجلساء، ويحفظ أوقات الأنس ويعطي كلاً ما هو أهله من المباسطة في الوقت معه. ولما كان الإنسان مفتقراً إلى استراحة ضرورية ترويحاً للقلب، لم يكن بد من نوع من العشرة. والدعابة مستطابة غير مترقية إلى الهزل، لكن بمقدار ما يفارق به الإنسان حدّ التوحش وسيرة الجفاء غير مجاوز إلى دأب المساخر في المضحكات. وقد نقل من دعابة رسول الله وأصحابه ما ينبّه على جنسه، ولسنا نطول به، وأما المساعدة، فهو وسط بين الشكاسة والملق، وهو ترك الخلاف، والإنكار على المعاشرين في الأمور الاعتيادية إيثاراً للتلذذ بالمخاطبة. وأما التسخط، فهو وسط بين الحسد والشماتة، وهو الاغتمام بالخيرات الواصلة إلى من لم يستحقها، والشرور التي تلحق من لا يستحقها. وأما الرذائل المندرجة تحت رذيلتي العفة، فهي الشره،

стр. 106

وكلال الشهوة، والوقاحة، والتخنث، والتبذير، والتقتير، والرياء، والهتكة، والكزازة، والمجانة، والعبث، والتحاشي، والشكاسة، والملق، والحسد، والشماتة. فأما الوقاحة، فلجاج النفس في تعاطي القبيح، من غير احتزاز من الذم. وأما التخنث، فحال يعتري النفس من إفراط الحياء، يقبض النفس عن الانبساط قولاً وفعلاً. وأما التبذير فإفناء المال، فيما لا يجب وفي الوقت الذي لا يجب فيه، وأكثر مما يجب. وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة، وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة.

стр. 107

أما البخيل، فهو الذي يفرط ويقصر في الإنفاق، خوفاً من أن تضطره الفاقة إلى المسئلة، والتذلل للأعداء، وكأن سبب البخل هو الجبن عند البحث. وأما الشحيح فهو الذي يجمع إلى ما ذكرناه أن يكره حسن حال غيره، طمعاً في أن يضطره إلى الحاجة إليه، فينال به الجاه والرفعة، ومنشأ هذا ضرب من الجهل. وأما اللئيم، فهو الذي يجمع إلى هذه الصفات احتمال العار في الشيء الحقير، وسببه نوع من الخبث، وذلك مثل المتلصص والدّيوث. وأما الرياء فهو التشبه بذوي الأعمال الفاضلة، طلباً للسمعة والمفاخرة. وأما الهتكة، فالإعراض عن تزيين النفس بالأعمال الفاضلة، والمجاهرة بأضدادها، وأما الكزازة، فاإفراط في الجد. وأما المجانة فالإفراط في الهزل، وأما العبث فالإفراط في الإعجاب بلقاء الجليس والأنيس. وأما التحاشي، فإفراط في التبرم بالجليس. وأما الشكاسة، فمخالفة المعاشرين، في شرائط الأنس، وأما الملق فالتحبب إلى المعاشرين، مع التغافل عما يلحقه من عار الاستخفاف.

стр. 108

وأما الحسد، فالاغتمام بالخير الواصل إلى المستحق، الذي يعرفه الحاسد. وأما الشماتة، فالفرح بالشر الواصل إلى غير المستحق، ممن يعرفه الشامت. وأما العدالة، فجامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها، فجامع لجميع الرذائل، وما من خلق من هذه الأخلاق، إلا وقد ورد في فضائله أخبار باعثة عليه، وفي رذائله زواجر عنه، ولم نر تطويل الكتاب بها، فليطلب ذلك من آداب النبي ﵇، وغيره من الكتب، وإنما الغرض بيان أن الإنسان بسبب هذه القوى الثلاث يحصّل هذه الأخلاق كلها. ولكل واحد طرفان وواسطة، وهو مأمور بالتوسط والاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط في جملة ذلك. حتى إذا حصل ذلك كله، كمل كمالاً بقربه إلى الله تقريباً، بالرتبة لا بالمكان، بحسب قرب الملائكة المقربين من الله . فلله البهاء الأعظم، والكمال الأتم. وكل موجود فمشتاق إلى الكمال الممكن له، وهو غايته المطلوبة منه، فإن ناله التحق بأفق العالم الذي فوقه،

стр. 109

وإن حرم عنه انحط إلى الحضيض الذي تحته، فالإنسان بين أن ينال الكمال، فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة، وذلك سعادته، أو يقبل على ما هو مشترك بينه وبين البهائم، من رذائل الشهوة والغضب، فينحط إلى درجة البهائم، ويملك هلاكاً مؤبداً، وهو شقاوته، ومثاله الفرس الجواد الذي كماله في شدة عدوه، فإن عجز عن ذلك حط إلى رتبة ما دونه، فاتخذ حمولة وأكولة. ومراتب الكمال للإنسان بحسب هذه الأخلاق وبحسب العلوم غير منحصرة، ولذلك تتفاوت درجات الخلق في الآخرة، كما تتفاوت في الدنيا في الخلق والأخلاق، والثورة واليسار وسائر الأحوال. بيان البواعث على تحري الخيرات والصوارف عنها أما الخيرات الدنيوية، فالبواعث عليها ثلاثة أنواع: الترغيب والترهيب بما يجري ويخشى في الحال والمال، والثاني رجاء المحمدة وخوف المذمة ممن يعتد بحمده وذمه، والثالث طلب الفضيلة وكمال النفس، لأنه كمال وفضيلة، لا لغاية أخرى وراءها، فالأول مقتضى الشهوة، وهي رتبة العوام،

стр. 110

والثاني من مقتضى الحياء ومبادئ العقل القاصر، وهو من أفعال السلاطين، وأكابر الدنيا، ودهاتهم المعدودين من جملة العقلاء، بالإضافة إلى العوام. والثالث مقتضى كمال العقل، وهو فعل الأولياء والحكماء ومحققي العقلاء. ولتفاوت هذه الرتب قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن فحياء يمنعه، فإن لم يكن فخوف يزعجه، فإن لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن فصاعقة تحرقه، فيستريح منه العباد والبلاد. وهذا التفاوت يعهد لكل شخص من صباه إلى كبره، إذ هو في ابتداء صباه لا يمكن زجره وحثه بالحمد والذم بل بمطعوم حاضر، أو ضرب ناجز يحس به. فإذا صار مميّزاً مقارباً للبلوغ، أمكن زجره وحثه بالمحمدة والمذمة. فطريق زجره مذمة المزجور عنه. وتقبيح حال متعاطيه، وطريق ترغيبه في تعلم الأدب وغيره لكثرة الثناء على آتيه، وكثرة الذم لمجتنبيه، فيؤثر ذلك تأثيراً ظاهراً. وأكثر الخلق لا يجاوزون هاتين المرتبتين إلى الرتبة الثالثة، فيكون إقدامهم وإحجامهم صادراً عن هذه البواعث والصوارف. وأما الرتبة الثالثة، فيعزو وجودها، والخيرات الآخروية أيضاً هذا شأنها. وبهذا الطريق تتفاوت الناس فيها، إذ لا فرق بين الآخروية
следующие страницы →