← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9264

ميزان العمل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (231 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيميزه ويعرف منافعه ومضاره، ويسلمه لخادمه إلى وقت الحاجة، فحينئذ يتقدم بإخراجه، وكما أن الأعمال التي يتولاّها الملك بنفسه أشرف مما يستعمل فيه غيره، فكذلك ما تتولاه النفس التي هي الملك بالحقيقة، بواسطة المفكرة، من الروية والاعتبار والقياس والفراسة واستنباط المجهول، أشرف مما تستعمل فيه الخدم. وهذا المثال قريب مما روي أن حبر الأمة قال: " دخلت على عائشة، فقالت: الإنسان عيناه مهاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ورجلاه بريدان، والقلب ملك. فإذا طاب طاب جنوده ". فقالت: " هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول ". فهذه جمل من أحوال النفس تلوناها عليك على سبيل الاقتصار، وإنها بعض عجائب النفس. ولو نظرت في تشريح الأعضاء، وفحصت عن عدد العروق والأعصاب والعضل والعظام والشرايين والأوردة،

стр. 37

ثم إلى الأعضاء الآلية التي أعدت للنفس، ولجذب الطعام ثم لهضمه ثم لدفعه، وإلى الآلات التي خلقت للتناسل، ورأيت العجائب في خدمة بعضها بعضاً بالضرورة، ثم بعد فراغك من تشريح الأجسام نظرت في تفصيل قوى تلك الأجسام، واستقصيته بمعرفة حقائق العلوم الطبيعية، لقضيت منها آخر العجب. فتعساً لمن كفر بالله وغفل عن قوله: (وَفي الأرض آيَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ، وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرون) ، بل في كل شيء دليل على أنه واحد. ومن لم يؤمن بالله على الجملة، فليس من العقلاء، وهو أخسّ من أن يخاطب بمثل هذه الكلمات. وإنما كلامنا مع من صدّق بالجملة، فندعوه إلى البحث عن صنع الله، ليزداد بسببه يقينه وإيمانه، ويتفاقم به تعظيمه وإجلاله. فكل ما لا يدرك بالحواس، وإنما يدرك بالعقل بواسطة آثاره، فسبيل استقصاء معرفته استقصاء النظر في آثاره. بل نضرب مثالاً يقرب من فهم الخلق كافة، فما من فقيه إلا وقد اعتقد في المذكورين من العلماء مثل أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، رتبة تتقاضاه التعظيم. وهذا يشترك فيه الخلق، ولكن ليس من يتصفح تصنيف مصنف، فيرى فيه من عجائب صنعه وبدائع حذقه، يبقى اعتقاده في التعظيم على ما كان عليه قبل معرفته، بل لا يزال يطلع على صفة غريبة له في كلامه وتصنيفه أو شعره، وتزداد نفسه له تعظيماً وتوقيراً واعتقاداً

стр. 38

فمن عرف أن الله صانع العالم، كمن عرف أن زيداً متميز عن غيره، بكونه ناظم ديوان، ومصنف كتاب. وأين هذا من اعتقاد من تصفح الشعر، فرأى فيه غرائبه؟ فهذا يعتقد عظمته ورتبته اعتقاداً راسخاً عن تحقيق وبصيرة والآخر يعتقد اعتقاداً مجملاً ضعيفاً، غير مدرك بالبصيرة والتحقيق. وهذا فرق بين رتبة العوام وذوي البصائر في هذا الأمر الواحد. والعالم بما فيه من العجائب تصنيف الله وتأليفه وإبداعه واختراعه، والنفس جزء من أجزاء العالم، وكل جزء من أجزاء العالم مشحون بالعجائب، فلا يزال الباحث عنها مستفيداً زيادة اعتقاد، وتأكيد إيمان، ولذلك حثّ الله على التفكر في الأنفس والآفاق وملكوت السموات والأرض.

стр. 39

بيان نسبة العمل من العلم وإنتاجه السعادة التي اتفق عليها المحققون من الصوفية بأجمعهم، وساعدهم من النظار طوائف سواهم: إن تأثير العمل لإزالة ما لا ينبغي، والسعي في العلم، سعي في تحصيل ما ينبغي وإزالة ما لا ينبغي، شرط لتفريغ المحل لما ينبغي، والمشروط هو المقصود، وهو أشرف من الشرط. ومثاله من أراد استيلاد إمرأة بها علة، تمنع العلوق، فعليه وظيفتان: إحداهما إماطة العلة المفسدة للحمل، المانعة من العلوق، والأخرى إيداع النطفة بعد إزالة العلة المانعة. فالأولى شرط للثانية، والثانية هي الغاية المطلوبة. وإذا فرضت داراً بنيت لملك، رتبة تلك الدار نزول الملك فيها، وقد اغتصبها القردة والخنازير، فجمال تلك الدار وكمالها موقوف على أمرين: أحدهما إزعاج القردة النازلين فيها بغير حق والآخر نزول المستحق.

стр. 40

وإذا فرضنا مرآة صدئة قد ستر الخبث صفاها، ومنع انطباع صورنا فيها، فكمال المرآة أن تستعدّ لقبول الصور، فتحكيها كما هي عليها، وعلى مكملها وظيفتان: إحداهما الجلاء والثقل، وهي إزالة الخبث الذي ينبغي أن لا يكون، والثانية أن يحاذي بها نحو المطلوب حكاية صورته. فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير مرآة، يحاذي بها شطر الحق في كل شيء، فتنطبع به كأنها هو من وجه، وإن كانت غيره من وجه آخر، كما في الصورة والمرآة. وكمالها في مثل هذه الدرجة وهذه الخاصة التي فارقت بها ما تحتها من الحيوانات، إذ هذا الاستعداد مسلوب عن الحيوانات كلها، سوى الآدمي بالقوة والفعل جميعاً، كما انسلب عن التراب والخشب الاستعداد لحكاية الصور، وأن يكون مرآة لها، وهو موجود بالفعل أبداً للملائكة، لا يفارقها، كما أنه موجود للماء الصافي، فإنه يحكي الصورة بطبعه حكاية مخصوصة، وهو موجود للآدمي بالقوة لا بالفعل. فإن جاهد نفسه التحق بأفق الملائكة، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة النفس، باتباع الشهوات، اسودّ قلبه وتراكمت ظلمته، وبطل بالكلية استعداده، والتحق بأفق البهائم، وحرم سعادته وكماله حرماناً أبدياً، لا تدارك له. فإذن العمل معناه كسر الشهوات بصرف النفس عن

стр. 41

صوبها، إلى الجنبة العالية الآلهية، ليمحي عن النفس الهيئات الخبيثة، والعلائق الردية التي ربطتها بالجنبة السافلة. حتى إذا محقت تلك العلائق، أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الآلهية، ففاضت عليه من جهة الله تعالى تلك الأمور الشريفة، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين. وذلك صيد ينفق على قدر الرزق، وبأحكام الأصل فيه يزيد الاسترزاق، كما يعرضن من زيادة الاسترزاق بالأسباب في اقتناص الصيد، بل في اقتناص الربح والتجارة، بل في اقتناص فقه النفس. فإن القليل بالاجتهاد قد يجاوز حد المجتهدين بمزيد ذكاء فطري، فكذا طهارة النفس عن هذه العلائق في أول الفطرة في غاية الاختلاف. ثم الجهد أيضاً يختلف وينشأ من ذلك تفاوت لا ينحصر، فكذا سعادة الآخرة. ففيضان هذه الرحمة من الله على النفس غاية المطلوب، وهو عين السعادة التي للنفس بعد الموت، ولكنها مشروطة بإزالة العلائق ومحو الصفات الردية التي تأكدت للنفس باتباع الشهوات. فإذن العمل يرجع إلى مجاهدة النفس بإزالة ما لا ينبغي. وإذا نسب إلى اتباع الشهوات ظهرت فضيلتها، وإذا نسب إلى تحصيل ما ينبغي كانت رتبتها منه مرتبة

стр. 42

الشرط من المشروط، والخادم من المخدوم، وما أريد لغيره بالنسبة إلى ما أريد لنفسه، وعليه نبه النبي ﷺ إذا قال: " الإيمان بضع وسبعون باباً، أدناها إماطة الأذى من الطريق. والمجاهدة بالعبادات أكثر أغراضها إماطة الأذى عن الطريق. ولقائل أن يقول المراد بالحديث التقاط الزجاج العظم والحجارة من الشوارع، وأن هذا هو السابق إلى فهم الأكثرين. ولقائل آخر: أن يقول إن الناس يتفاوتون في فهم معاني الألفاظ، على حسب تفاوت رتبهم، ولذلك قال ﵇: " نضر الله أمراً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". فلولا أن في ألفاظه ما يسبق إلى فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه، لما أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه، لما أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه أو الأفقه أو في جانب غيرهم؟ ولا شك أن هذا عزيز نادر، والغالب خلافه. فالسابق إلى فهم الجماهير يكاد الحق يجانبه، وينحاز إلى ما يفهمه الفقيه والأفقه، ولا سيما في لفظ لا يصرح بالتخصيص. فإن لفظ الأذى عام، ولفظ الطريق عام. ولو أريد الخاص لذكر الزجاج أو المدر ونبه على أمثاله. وذلك الظاهر أيضاً مندرج تحت العموم، فإنه بذلك العمل

стр. 43

أيضاً مصلح نفسه، ومهذب خلقه، ومميط عن النفس رذيلة الغفلة والغشاوة، وقلة الشفقة، على ما سنذكره في تفصيل سوء الأخلاق وحسنها. فقد عرفت أن سعادة النفس وكمالها أن تنتقش بحقائق الأمور الآلهية وتتحد بها حتى كأنها هي، وأن ذلك لا يكون إلا بتطهير النفس عن هيئات ردية تقتضيها الشهوة والغضب، وذلك بالمجاهدة والعمل. فالعمل للطهارة، والطهارة شرط ذلك الكمال. ولذلك قال ﵇: " بني الدين على النظافة ". بيان مفارقة طريق الصوفية في جانب العلم طريق غيرهم: اعلم أن جانب العمل متفق عليه، وأنه مقصود لمحو الصفات الردية، وتطهير النفس من الأخلاق السيئة. ولكن جانب العلم مختلف فيه، وتباين فيه طرق الصوفية طرق النظار، من أهل العلم. فإن الصوفية لم يحرّضوا على تحصيل العلوم ودراستها، وتحصيل ما صنّفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور،

стр. 44

بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها، والإقبال بكل الهمة على الله تعالى. ومهما حصل ذلك فاضت عليه الرحمة، وانكشف له سر الملكوت، وظهرت له الحقائق. وليس عليه إلا الاستعداد بالتصفية المجرّدة، وإحضار النية، مع الإرادة الصادقة والتعطش التام، والترصد بالانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة. إذ الأولياء والأنبياء انكشفت لهم الأمور، وسعدت نفوسهم بنيل كمالها الممكن لها، لا بالتعلم بل بالزهد في الدنيا والإعراض والتبرّي عن علائقها، والاقبال بكل الهمة على الله تعالى. فمن كان لله كان الله له، حتى أن في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذا الطريق، شاورت متبوعاً مقدماً من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن، فمنعني وقال: السيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب مجموع الهمّ، مقبلاً بذكرك على الله تعالى.

стр. 45

وذلك في أول الأمر، بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول: الله الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان، لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير مواظباً عليه إلى أن يمحى أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على هذا الذكر، من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ، وهيئات الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضراً في قلبك على اللزوم والدوام. ولك اختيار إلى هذا الحد فقط، ولا اختيار بعده لك، إلا في استدامة لدفع الوساوس الصارفة. ثم ينقطع اختيارك، فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح، ظهر مثله للأولياء، وهو بعض ما يظهر للأنبياء، قد يكون أمراً كالبرق الخاطف لا يثبت ثم يعود، وقد يتأخر. فإن عاد فقد يتظاهر أمثاله على التلاحق، وقد لا يقتصر على فن واحد، ومنازل أولياء الله فيه لا تحصى، لتفاوت خلقهم وأخلاقهم. فهذا منهج الصوفية، وقد ردّوا الأمر إلى تطهير محض من جانبك، وتصفية وجلاء، ثم استعداد وانتظار فقط. وأما النظّار فلم ينكروا وجود هذا الطريق، وافضاءه إلى

стр. 46

المقصد، وهو أكبر أحوال الأولياء والأنبياء، ولكن استوعروا هذا الطريق، واستبعدوا فضاءه إلى المقصود، وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد بالاجتهاد كالممتنع، وإن حصل في حالة، فثباته أبعد منه، وأدنى إلى ذلك الحد بالاجتهاد كالممتنع، وإن حصل في حالة، فثباته أبعد منه، وأدنى وسواس وخاطر يشوّش. وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج، ويختلط العقل ويمرض البدن، ويفضي إلى الماليخوليا. فإذا لم تكن النفس قد ارتاضت بالعلوم الحقيقة البرهانية، اكتسبت بالخاطر خيالات تظنها حقائق تنزل عليها. فكم من صوفيّ بقي في خيال واحد عشر سنين، إلى أن تخلص عنه. ولو كان قد أتقن العلوم أولاً، لتخلص منه على البديهة. فالاشتغال بتحصيل العلوم بمعرفة معيار العلم، وتحصيل براهين العلوم المفصلة أولى، فإنه يسوق إلى المقصود سياقة موثوقاً بها، كما يوثق بالاجتهاد، في أن يحصل فقه النفس. وقد كان، ﵇، فقيه النفس من غير اجتهاد، لكن لو أراد مريد أن ينال رتبته بمجرد الرياضة، فقد توقع بعيداً، فيجب تحصيل نفس العلوم الحقيقة في النفس، بطريق البحث والنظر على غاية الإمكان، وذلك بتحصيل ما حصّله الأولون أولاً. ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف للعلماء

стр. 47

الباحثين عن الأمور الآلهية، فما لم ينكشف للخلق أكثر مما انكشف. وهذا تباين الفريقين. وقد خطر لي مثال لا يبعد أن يكون منبهاً للافهام الضعيفة، المفتقرة إلى الأمثلة المحسوسة، في درك الحقائق العقلية، ومعرفاً لوجه الفرق بين الفريقين. فقد حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير، بين يدي بعض الملوك، فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانباً، وأهل الروم جانباً، ويرخي بينهم حجاب، بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه، فإذا فرغوا رفع الحجاب، ونظر إلى الجانبن، وعرف رجحان من رجح من الفريقين، ففعل ذلك، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ، وهم يجلون جانبهم ويصقلونه، والناس يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أننا أيضاً قد فرغنا. فقيل لهم: كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ، ولا اشتغلتم بنقش؟ فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب، وعلينا تصحيح دعوانا. فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة، إذ قد صار كالمرآة لكثرة التصفية

стр. 48

والجلاء، فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعى من تحصيله غيرهم. فقدّر كأن النفس محل نقش العلوم الآلهية، ولك في تحصيله طريقان: أحدهما تحصيل عين النقش، كطريق أهل الروم والثاني الاستعداد لقبول النقش من خارج. والخارج ههنا اللوح المحفوظ، ونفوس الملائكة، فإنها منقوشة بالعلوم الحقيقية نقشاً بالفعل على الدوام، كما أن دماغك منقوش بالقرآن كله، إن كنت حافظاً له، وكذلك جملة علومك، لا نقشاً يحسّ ويبصر، ولكن نوعاً من الانتقاش عقلياً، ينكره من اقتصرت به خساسة نفسه على المحسوسات ولم يترقّ عنها. بيان الأولى من الطريقين فإن قلت: فقد مهّدت للسعادة طريقين متباينين، فأيهما أولى عندك؟ فاعلم أن الحكم في مثل هذه الأمور بحسب الاجتهاد الذي يقتضيه حال المجتهد، ومقامه الذي هو فيه. والحق الذي يلوح لي، والعلم عند الله فيه، إن الحكم بالنفي أو الإثبات في هذا على الإطلاق خطأ، بل يختلف بالإضافة إلى الأشخاص والأحوال.

стр. 49

فكل من رغب في السلوك، فقد كبر شأنه، فالأولى به أن يقتنع بطريق الصوفية، وهو المواظبة على العبادة، وقطع العلائق. فإن البحث عن العلوم الكسبية لتحصل ملكة كتابته في النفس شديد، ولا يتيسّر إلا في عنفوان العمر، والتعلم في الصغر كالنقش على الحجر. ومن العناء رياضة الهرم. وقيل لأحد الأكابر: من أراد أن يتعلم شيخاً، ما يفعل؟ فقال: إغسل مسخاً فعساه يبيض. وقد خرج من هذا أن الأولى بأكثر الخلق الاشتغال بالعمل والاقتصاد من العلم على القدر الذي يعرف به العمل. فإن الأكثر لا ينتبهون لهذا الأمر في عنفوان الشباب، وإن تنبه في عنفوان شبابه، نظر إلى طبعه وذكائه. فإن علم أنه لا يستعدّ لفهم الحقائق العقلية الدقيقة، وجب عليه أن يشتغل بالعمل أيضاً، فلا فائدة في اشتغاله بالعلوم النظرية، وهم الأكثرون من الأقل، الذي تتبعناه. فإن ذكياً قابلاً للعلوم، فإن لم يكن في بلده أو في العصر مستقلّ بالعلوم النظرية، مترق عن رتبة تقليد من سبقه، فالأولى به العمل. فإن هذه لا يمكن تحصيلها إلا بمعلم، فليس في القوة البشرية، في شخص واحد، الوصول إليها إلا قليل بطول الزمن. ولذلك لو لم يكن علم الطب مثلاً صار متقناً بالخواطر المتعاونة، في الأزمنة المتطاولة، لافتقر أذكى الناس إلى عمر طويل، في معرفة علاج علة واحدة، فضلاً عن الجميع. والغالب في البلاد الخلّو عن مثل هذا العالم المستقل.

стр. 50

فإذن لم يبق إلا قليل من قليل وهو ذكيّ تنبه في عنفوان عمره لهذا الأمر، وهو مستعد لفهم العلوم، وصادف عالماً مستقلاً بالعلوم تحقيقاً لا إسماً، وحسبة لا رسماً، كما ترى أكثر العلماء، فهم إما مقلّدون في أعيان المذاهب، أو في أعيان المذاهب وأدلة تلك المذاهب جميعاً، على الوجه الذي تلقوه من أرباب المذاهب. ومن قلد أعمى، فلا خير في متابعة العميان وأتباعهم أو شاب نشأ في طلب العلم وهو زكي في نفسه، وتنبه له بعد الارتياض بأنواع العلوم، ولكن بهذا النوع من العلم الذي تنبه له، فمثل هذا الشخص مستعد للطريقين جميعاً. فالأولى به أن يقدّم طريق التعلم، فيحصّل من العلوم البرهانية ما للقوة البشرية إدراكه بالجهد والتعلم، فقد كفى المؤنة فيه تعب من قبله، فإذا حصّل ذلك على قدر إمكانه، حتى لم يبق علم من جنس هذه العلوم، إلا وقد حصّله، فلا بأس بعده أن يؤثر الاعتزال عن هذا الخلق، والإعراض عن الدنيا، والتجرد لله وأن ينتظر، فعساه ينفتح له بذلك الطريق ما التبس على سالكي هذا الطريق. هذا ما أراه، والعلم عند الله. وقد يخرج منه أن الصواب لأكثر الاشتغال بالعمل،

стр. 51

ومن العمل العلم العملي أعني ما يعرف به كيفيته. فإن العلم العملي ليس بأشرف من العمل، بل هو دونه، فإن مراد له دون العلم الذي يراد منه المعلوم، كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالنفس وصفاتها. والعلم بملكوت السموات والأرض وغيره. فهذه العلوم نظرية، وليست بعملية وإن كان قد ينتفع بها في العمل، على سبيل العرض، لا على سبيل القصد، ولكون الصواب في العمل لأكثر الخلق استقصاء النبي ﷺ ، تفصيلاً وتأصيلاً، حتى علّم الخلق الاستنجاء وكيفيته، ولما آل الأمر إلى العلوم النظرية أجمل ولم يفصّل، ولم يذكر من صفات الله إلا أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. نعم بعد إجمال العلم، ذكر من تعظيمه وتشريفه وتقديمه على العمل ما لا يكاد يحصى كقوله: " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " وكقوله: " فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر " إلى غير ذلك مما ورد فيه. ثم ذلك العلم المقدم على العمل لا يخلو أما أن يكون هو العلم بكيفية العمل وهو الفقه وعلم العبادات وأما أن يكون علماً سواه. وباطل أن يكون الأول هو المراد لوجهين:

стр. 52

أحدهما أنه فضل العالم على العابد، والعابد هو الذي له العلم بالعبادة وإلا فهو عابد فاسق. والثاني: أن العلم بالعمل لا يكون أشرف من العمل لأن العلم العملي لا يراد لنفسه، وإنما يراد للعمل. وما يراد لغيره يستحيل أن يكون أشرف منه. بيان جنس العلم والعمل الموصلين إلى جنة المأوى فإن قلت: العلوم أصنافها كثيرة، والأعمال وأنواعها مختلفة، وليس الكل مطلوباً، فما الصنف النافع حتى اشتغل به؟ فأقول: أما العلم فمنقسم إلى العملي والنظري. أما النظري فكثير، ولكن كل علم يتصور أن يختلف بالاعصار والبلدان والأمم، فلا يورث كمالاً يبقى في النفس أبد الدهر. ونحن نبتغي من العلم تبليغ النفس كمالها، لتسعد بكمالها، مبتهجة بما لها من البهاء والجمال أبد الدهر، فخرج عن هذا البيان العلم باللغات، وموجبات الألفاظ، كالعلم باللغة والإعراب والنحو والشعر والترسل وشرح الألفاظ وتفصيلها. فإن افتقر إلى شيء منها، فيطلب لا لنفسه، بل ليكون ذريعة للعلم المقصود. لكننا الآن في بيان العلم المقصود، فإنا

стр. 53

إن نعرف ذات الحج، لم يلزمنا ذكر الخف والمطهرة، وإن كان يحتاج إليهما في التوصل إليه. وإنما نميّز العلوم التي تبقى معلوماتها أبد الآبدين، لا تزول ولا تحول. ومثل ذلك لا يختلف باختلاف الإعصار والأمم، وذلك يرجع إلى العلم بالله وصفاته، وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت السموات والأرض، وعجائب النفوس الإنسانية والحيوانية، من حيث أنها مرتبطة بقدرة الله ، لا من حيث ذواتها. فالمقصود الأقصى العلم بالله، وملائكة الله لا بد من معرفتهم، لأنهم واسطة بين الله وبين النبي. وكذا معرفة النبوة والنبي، لأن النبي واسطة بين الخلق والملائكة، كما أن الملك واسطة بين الله والنبي. وهكذا يتسلسل إلى آخر العلوم النظرية، وغايتها وأقصاها العلم بالله . ولكن يتشعب القول فيه اشتعاباً كثيراً، إذ يدل بعضها على بعض. ولذلك يكثر التفصيل فيه. القسم الثاني العلم العملي، وهو ثلاثة علوم: علم النفس بصفاتها وأخلاقها، وهو الرياضة ومجاهدة الهوى، وهو أكبر مقصود هذا الكتاب،

стр. 54

وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد، فإنهم خدمك أيضاً كأطرافك وأبعاضك وقواك. وكما لا بد من سياسة قوى بدنك، من الشهوة والغضب وغيرهما، فلا بد من سياسة هؤلاء، وعلم سياسة أهل البلد والناحية، وضبطهم. ولأجله يراد علم الفقه في الأكثر، إلا ما يتعلق بربع العبادات من جملة العبادات الخاصة بالنفس. ومنه آداب القضاء ولا يتم بمعرفة ربع النكاح والبيع والخراج. وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس، وسياسة البدن، ورعاية العدل من هذه الصفات، حتى إذا اعتدلت تعدّت عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل والولد، ثم إلى أهل البلد. " فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وما سواه يجري منه مجرى الزكاة من النصاب، والضوء من الشمس، والظل من الشجر. وكيف يتوقع استقامة الظل، مع اعوجاج ذي الظل؟ فإذا لم يقدر الإنسان على سياسة نفسه، وضبطها، فكيف يقدر على سياسة غيره. فهذه مجامع العلوم العملية. ولنذكر جمل العلم الأخص من هذه العلوم السياسية، فإنه المقصود بالبيان. ومجامع القوى التي لا بد من تهذيبها ثلاث: قوة التفكير،

стр. 55

وقوة الشهوة، وقوة الغضب، ومهما هذّبت قوة الفكر وأصلحت كما ينبغي، حصلت بها الحكمة، التي أخبر الله عنها حيث قال: (وَمَنْ يُؤْتَ الحِكمة فَقد أُوتِي خَيْراً كَثِيراً) . وثمرتها أن يتيسر له الفرق بين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الصدق والكذب في المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، ولا يلتبس عليه شيء من ذلك، مع أنه الأمر الملتبس على أكثر الخلق، ويعين على إصلاح هذه القوة وتهذيبها ما أودعناه " معيار العلم ". والقوة الثانية هي الشهوة، وبإصلاحها تحصل العفّة، حتى تنزجر النفس عن الفواحش، وتنقاد للمواساة والإيثار المحمود بقدر الطاقة. والثالثة الحميّة الغضبية، وبقهرها وإصلاحها يحصل الحلم، وهو كظم الغيظ، وكف النفس عن التشفي، وتحصل الشجاعة، وهي كفّ النفس عن الخوف والحرص المذمومين في كتاب الله تعالى.

стр. 56

ومهما أصلحت القوى الثلاث وضبطت على الوجه الذي ينبغي، وإلى الحد الذي ينبغي وجعلت القوتان منقادتين للثالثة، التي هي الفكرية العقلية، فقد حصلت العدالة. وبمثل هذا العدل قامت السموات والأرض، وهي جماع مكارم الشريعة، وطهارة النفس وحسن الخلق المحمود، بقوله ﵇: " أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً وألطفهم بأهله ". وقوله ﵇: " أحببكم إلي أحسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون ". وثناء الشرع على الخلق الحسن خارج عن الحصر ومعناه إصلاح هذه القوى الثلاث. وقد جمعه الله سبحانه في قوله: (إنّما المؤمنونَ الذينَ آمنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لم يَرْتَابُوا، وَجَاهَدُوا بَأموالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ في سَبيلِ الله أولئكَ هُمُ الصادقون) ، فدّل الإيمان بالله ورسوله، مع نفي الارتياب، وعلى العلم اليقين والحكمة الحقيقة التي لا يتصور حصولها، إلا بإصلاح قوة الفكر، ودلّ بالمجاهدة بالأموال على العفّة والجود، اللذين هما تابعان بالضرورة لإصلاح الشهوة،

стр. 57

ودلّ بالمجاهدة بأنفسهم على الشجاعة والحلم، اللذين هما تابعان بالضرورة لإصلاح الحمية وإسلالها للدين والعقل حتى تنبعث مهما انبعثت، وتسكن مهما سكن. وعليه دلّ قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُر بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَن الجاهِلِين) . وقال ﵇ في تفسيره: " هو أن تعفو عمن ظلمكَ، وتعطي من حرمَك، وتصل من قطعك، وتحسن لمن أساء إليك ". فالعفو عمّن ظلمك هو نهاية الحلم والشجاعة، وإعطاء من حرمك هو نهاية الجود، ووصل من قطعك هو نهاية الإحسان. بيان مثال النفس مع هذه القوى المتنازعة مثل نفس الإنسان في بدنه كمثل والِّ في مدينته ومملكته. وقواه وجوارحه الخادمة للبدن بمنزلة الصنّاع والعملة، والقوة العقلية المفكرة له، كالمشير الناصح والوزير العاقل.

стр. 58

والشهوة له كعبد سوء يجلب الميرة والطعام، والحمية كصاحب شرطته. والعبد الجالب للميرة مكّار خداع خبيث ملّبس، يتمثل بصورة الناسح، وتحت نصحه الداء العضال، والشر الشِمّر، وديدنه منازعة الوزير في التدبير حتى لا يغفل عن منازعته ومعارضته في آرائه ساعة. فكما أن الوالي في مملكته، متى استشار في تدبيرات لوزيره، معرضاً عن إشارة هذا العبد الخبيث، بل مستدلاً باشارته على أن الصواب في نقيض رأيه، ودأب صاحب شرطته، وأسلسه لوزيره وجعله مؤتمراً له، مسلطاً من جهته على هذا العبد الخبيث، وأتباعه وأنصاره، حتى يكون العبد مسوساً لا سايساً، ومأموراً ومدبّراً لا آمراً مدبّراً، استقام أمر بلده، وانتظم لقيام العدل بسببه. كذلك النفس متى استعانت بالعقل، وأدّبت الحمية الغضبية، وسلّطتها على الشعوة، واستعانت بالعقل على الأخرى، تارة بأن تقلل من تيه الغضب وغلوائه، بخلابة الشهوة وتقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها، وتقبيح مقتضياتها استشاطة عليها، اعتدلت قواه وحسنت أخلاقه. ومن عدل عن هذه الطريقة فهو كما قال الله تعالى:

стр. 59

(أفرأيتَ مَنِ اتّخَذَ إلَههُ وأَضَلهُ اللهُ عَلَى عِلمٍ) . وقال: (واتّبعَ هَواهُ فَمثَلهُ كَمَثَلِ الكلْبِِ) . وقال ﵇: " أعدى عدوك نفسك، التي بين جنبيك ". وقال تعالى لمن قهر هواه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهى النّفْسِ عن الهوى، فإنّ الجنّةَ هيَ المأْوَى) . وليس الأمر كما ظنه فريق من لزوم قمع الغضب وإماطته بالكلية، وقلع الشهوة وإماطتها بالكلية، بل الواجب ضبطها وتأديبها، فإن العقل لا يقدر على التأديب دون الحمية الغضبية، إذ ليس له إلا الإشارة بالصواب وهو أشرف القوى. وبه صار الإنسان خليفة الله في أرضه، ولكنه كطبيب مشير إلى ما فيه البرّ، فإن لم يستعن بالغضب والحمية التي ترهق الشهوة إلى الطاعة وتنتهض خادمة للعقل في الزجر والكسر لم تفد إشارته. ولذلك لا يتبيّن فضيلة العقل لمن لا حمية له، ولكن ينبغي أن يتأدب بحيث لا ينبعث إلا بإشارة العقل. وكذلك الشهوة

стр. 60

فإن إماتتها عن الجماع عسرة، وقاطعة للتناسل الذي به بقاء النوع، وعن الطعام صعب، وينقطع به بقاء الشخص. ولكن بكسر الشره في الطعام، حتى لا يكون المقصود من الطعام التلذذ بالتناول، بل استيفاء القوة للتوصّل به إلى العلم والعمل، فيكون في أكله كهو في أعلافه دابته، إذا انتهض للجهاد فمقصوده التوصل فقط، ويود لو استغنى عن الطعام وبقيت قوته على العلم والعمل. مثال آخر: الإنسان حيث خلق بنفسه عالماً، كبيراً في المعنى صغيراً في الحجم، فبدنه كمدينة، وعقله كملك مدبّر لها. وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه، وأعضاؤه كرعيته. والنفس الأمارة بالسوء، التي هي الشهوة والغضب، كعدوّ ينازع في مملكته، ويسعى في إهلاك رعيته. فصار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوّه وأسره وقهره على ما يجب، حمد أثره إذا عاد إلى حضرته تعالى، كما قال:

стр. 61

(فَضَّلَ اللهُ المجاهدينَ بأموالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسْنى) . وإن ضيّع ثغره وأهل رعيته، ذمّ أثره وانتقم منه عند لقاء الله تعالى. وقال اللهيوم القيامة كما ورد في الخبر: " يا راعي السوء أكلت اللحم، وشربت اللبن، ولم ترد الضالة، ولم تجبر الكسير، اليوم أنتقم منك ". وهذا الجهاد ذكره باللسان مفرح، وغذاء للروح، وتحقيقه بالعمل بالحقيقة هو نزع الروح. ولن يعرف ذلك إلاَّ من طالب نفسه بترك شهواته. ولذلك قالت الصحابة: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". فسموا مجاهدة الكفار بالسيف الجهاد الأصغر. وكذلك سئل رسول الله ﷺ : " أي الجهاد أفضل يا رسول الله؟ " فقال ﵇: " جهادك هواك ". ولذلك قال: " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من ملك نفسه عن الغضب ". مثال آخر: مثل العقل مثل فارس متصيد، وشهوته كفرسه، وغضبه ككلبه،

стр. 62

فمتى كان الفارس حاذقاً وفرسه مروّضاً، وكلبه مؤدباً معلماً منقاداً، صار حرّياً بالنجح. ومتى كان هو في نفسه أحمق، وكان الفرس جموحاً، والكلب عقوراً، فلا فرسه ينبعث تحته منقاداً، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعاً، فهو خليق بأن يعطب، فضلاً عن أن ينال ما طلب. بيان مراتب النفس في مجاهدة الهوى والفرق بين إشارة الهوى والعقل: إعلم أن للإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال: الأولى أن يغلبه الهوى، فيملكه ولا يستطيع له خلافاً، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله تعالى فيه: (أَرَأَيتَ مَنْ اتِّخَذَ إلههُ هَوَاه) . إذ لا معنى للإله إلا المعبود، والمعبود هو المتبوع إشارته. فمن كان تردده في جميع أطواره خلف أغراضه البدنية وأوطاره، فقد اتخذ إلهه هواه

стр. 63

الثانية أن يكون الحر بينهم سجالاً، تارة لها اليد وتارة عليها اليد. فهذا الرجل من المجاهدين. فإن اخترمته المنية في هذه الحالة، فهو من الشهداء، لأنه مشغول بامتثال قوله ﷺ : " جاهدوا أهواءكم، كما تجاهدون أعداءكم "، وهذه الرتبة العليا للخلق، سوى الأنبياء والأولياء. الثالثة أن يغلب هواه فيصير مستولياً عليه لا يقهره بحال من الأحوال. وهذا هو الملك الكبير، والنعيم الحاضر، والحرية التامة، والخلاص عن الرق. ولذلك قال ﵇: " ما من أحد إلا وله شيطان، ولي شيطان. وإن الله قد أعانني على شيطاني، حتى ملكته ". وقال في حق عمر: " ما سلك عمر فجاً، إلا وسلك الشيطان فجاً غيره ". وهذا الآن مزلة قدم، فكم من إنسان يظن أنه نال هذه الرتبة، وهو في الحقيقة شيطان مريد، فإنه يتبع أغراضه، ولكن يتعلل لأغراضه أنها من الدين، وأن طلبه لها لأجل الدين، حتى رأيت جماعة اشتغلوا بالوعظ والتدريس، والقضاء والخطابة، وأنواع الرياسة، وهم فيه متبعون للهوى. ويزعمون أن باعثهم الدين ومحركهم طلب الثواب، ومنافستهم عليها من جهة الشرع،

стр. 64

وهي نهاية الحمق والغرور. وإنما يعرف حقيقة ذلك بأمر، وهو أن الوعظ المقبول، إن كان يعظ الله، لا لطلب القبول وقصده دعوة الخلق إلى الله، فعلامته أنه لو جلس على مكانه واعظ أحسن منه سيرة، وأغزر منه علماً، وأطيب منه لهجة، وتضاعف قبول الناس به بالنسبة إلى قبوله، فرح به وشكر الله على إسقاط هذا الفرض عنه بغيره، وبمن هو أقوم به منه. كمن تعين عليه جهاد كافر، وقتله لارتداده، فنزلت بالكافر صاعقة أحرقته، وكفا مؤنته، والجهاد معه، فرح به وشكر الله تعالى. وهذه الحالة لا يصادفها من نفسه إلا الأولياء، وتكون إحدى آثارها الاحتراز بأقصى الإمكان كل ساعة، وتصريحه بقوله: " اقتلوني فلست بخيركم "، كما نقل عن الصدّيق ﵁. فإن قلت فإذا كنا لا نأمن مثل التلبيس والخداع، بتزوير الشيطان والتدلي بحبل الغرور، كما حكي عن هؤلاء، فبم تميز بين إشارة العقل وإشارة الهوى؟ فاعلم أن هذا مطلب عويص، ولا خلاص منه إلا بالعلوم الحقيقية، ولا مغني فيه مثل ما اودعناه " معيار العلم "،

стр. 65

إذ به ينكشف التلبيس عن الحق. ولكن القدر الذي ينبغي أن يفزع إليه عند التحير أن يعلم أن العقل في أكثر الأمر يشير بالأصلح للعواقب، وإن كان فيه كلفة ومشقة في الحال، والهوى يشير بالاستراحة وترك التكلف. فمهما عرض لك أمر، ولم تدر أيهما أصوب، فعليك بما تكرهه لا بما تهواه. فأكثر الخلق في الكراهة. قال ﵇: " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". وقال تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلُ اللهُ فيه خَيراً كثيراً) . وقال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لَكُم) . فكلما يشير عليك بالدعة والرفاهية، وحظر الكلف وإيثار الراحة في الحال، فاتهم فيه نفسك، فإن حبك الشيء يعمي ويصم. وبالجملة فما يشير إليه العقل بقوته أفزع إلى العبادة والاستخارة فيه حتى ينشرح الصدر ويعضده الاستشارة، إذا استشير فيه أهله.

стр. 66

وأكثر ما يلبس به الهوى معاذير مزخرفة. والعقل يرشد بحجج حقيقية. والعاشق لشخص قبيح، أو المتناول لطعام بشع شغف به لعادته، لو روجع لزخرف فيه معاذير مموّهة، يشهد عليه العقل بأنه متصنع متكلف. وبالجملة إدراك هذه الحقيقة لا يكون إلا بنور إلهي، وتأييد سماويّ. فليكن الفزع إلى الله في مضانّ الحيرة. فقد قال بعض العلماء: إذا مال العقل إلى مؤلم في الحال، نافع في العاقبة، ومال الهوى نحو نقيضه الملذ في الحال، الوخيم في العقبى، وتنازعا وتحاكما إلى القوة المدبّرة المفكرة، سارع نور الله تعالى إلى نصرة العقل، وبادر وسواس الشيطان وأولياؤه إلى نصرة الهوى، وقام صف القتال بينهما. فإن كانت القوة المدبّرة من حزب الشيطان وأوليائه، ذهلت عن نور الحق، وعميت عن نفع الآجل، واغترت بلذة العاجل، وجنحت إليه، وقهر أولياء الله. وإن كانت من حزب الله وأوليائه، اهتدت بنوره، واستهانت بالعاجلة، وطلبت الآجلة. قال الله تعالى: (الله وَلِيُّ الّذينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إلَى النُّورِ، وَالّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلماتِ) .

стр. 67

وشبه الله العقل بشجرة طيبة، والهوى بشجرة خبيثة، فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرعُهَا في السَّمَاءِ) . فعند قيام الصفّ والتحام القتال بين هذين الجندين اللذين أحدهما من أعداء الله، والآخر من أوليائه، لا سبيل إلا الفزع إلى الله تعالى، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: (وَأمّا يَنزَغَنَّكَ من الشَّيطَانِ نَزَغٌ، فَاسْتَعِذْ باللهِ إنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إنّ الّذِينَ أتّقُوا إِذَا مَسَّهُم طَائفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُبْصِرون) . فإن قلت فهل من فرق بين الهوى والشهوة؟ قلنا لا حجر في العبارات، ولكن نعني الهوى المذموم

стр. 68

من جملة الشهوات، دون المحمود. والمحمود من فعل الله تعالى، وهي قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما فيه صلاح بدنه، إما بإبقاء بدنه أو بإبقاء نوعه، وإصلاحها جميعاً. والمذموم من فعل النفس الأمارة بالسوء، وهو استحبابها لما فيه لذتها البدنية. وهذه الشهوة إذا غلبت سمّيت هوى، فإنها ستتبع الفكرة وتستخدمها لتستغرق وقتها في الامتثال لأمرها. والفكرة مترددة بين الشهوة والعقل، يخدمها العقل فوقها، والشهوة تحتها. فمتى مالت الفكرة نحو العقل ارتفعت وشرفت وولدت المحاسن، وإذا مالت إلى الشهوة تسفّلت إلى أسفل السافلين، وولدت القبائح.

стр. 69

بيان إمكانية تغير الخلق لقد ظنّ بعض المائلين إلى البطالة أن الخُلق كالخَلق، فلا يقبل التغيير. والتفت إلى قوله ﵇: " فرغ الله من الخلق ". وظن أن المطمع في تغيير الخلق، طمع في تغيير خلق الله ، وذهل عن قوله ﵇: " حسّنوا أخلاقكم ". وإن ذلك لو لم يكن ممكناً، لما أمر به، ولو امتنع ذلك لبطلت الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب، فإن الأفعال نتائج الأخلاق، كما أن الهويّ إلى أسفل نتيجة الثقل الطبيعي، فلم يتوجه الملام إلى أحدهما دون الآخر. بل كيف ينكر تهذيب الإنسان مع استيلاء عقله، وتغيير خلق البهائم ممكن، إذ ينتقل الصيد من التوحش إلى التأنس، والكلب من الأكل إلى التأدب، والفرس من الجماح إلى السلاسة، وكل ذلك تغيير خلق؟ والقول الشافي فيه أن ما خلق الله سبحانه قسمان:

стр. 70

قسم لا فعل لنا فيه، كالسماء والكواكب، بل أعضاء أبداننا وأجزائها، وما هو حاصل بالفعل، والقسم الثاني ما خلق وجعلت فيه قوة لقبول كمال بعده، إذا وجد شرط التربية. وتربيته قد تتعلق بالاختيار، فإن النواة ليست بتفاح، ولا نخل، ولكنها قابلة بالقوة لأن تصير نخلاً بالتربية، وغير قابلة لأن تصير تفاحاً، وإنما تصير نخلاً إذا تعلق بها اختيار الآدمي في تربيتها. فلذلك لو أردنا أن نقلع بالكلية الغضب والشهوة من أنفسنا، ونحن في هذا العالم عجزنا عنه، ولكن لو أردنا قهرهما، واسلاسهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه. وقد أمرنا بهذا، وصار ذلك شرط سعادتنا ونجاتنا. نعم الجبلات مختلفة، فبعضها سريعة القبول، وبعضها بطيئة القبول. ولاختلافهما سببان: أحدهما باعتبار التقدم في الوجود، فإن قوة الشهوة، وقوة الغضب، وقوة التفكر موجودة في الإنسان، وأصعبها تغييراً وأعصاها على الإنسان قوة الشهوة، فإنها أقدم القوى وجوداً وأشدها تشبثاً والتصاقاً، فإنها توجد معه في

стр. 71

أول الأمر، حتى توجد في الحيوان الذي هو جنسه، ثم توجد قوة الحمية والغضب بعده. وأما قوة الفكر، فإنها توجد آخراً. والسبب أنه يتأكد الخلق بكثرة العمل بموجبه والطاعة له، وباعتقاد كونه حسناً مرضياً والناس فيه أربع مراتب: الأولى هو الإنسان الغفل، الذي لا يعرف الحق من الباطل، والجميل من القبيح، فيبقى خالياً عن الاعتقاد، وخالياً أيضاً عن تشمير شهواته، باتباع اللذات. فهذا أقبل الأقسام للعلاج، فلا يحتاج إلا إلى تعليم مرشد وإلى باعث في نفسه يحمله على الاتباع، فيحسن خلقه في أقرب وقت. والثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح، ولكنه لم يتعوّد العمل الصالح بل زيّن له شر عمله، يتعاطاه انقياداً لشهواته، وإعراضاً عن صواب رأيه، فأمره أصعب من الأول، إذ تضاعفت علته. فعليه وظيفتان: إحداهما قلع ما رسخ فيه من كثرة التعود للفساد، والآخر صرف النفس إلى ضده. وعلى الجملة هو في محل قبول الرياضة، إن انتهض لها عن جدّ كامل

стр. 72

والثالثة أن يعتقد الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة، وأنها حق وجميل، ثم تربى عليها. فهذا يكاد تمتنع معالجته، ولن يرجى صلاحه إلا على الندور، إذ تضاعفت عليه أسباب الضلال. الرابعة أن يكون، مع وقوع نشوئه على الاعتقاد الفاسد، وتربيته على العمل به، ويرى فضله في كثرة الشر، واستهلاك النفوس، ويتباهى به، ويظن أن ذلك يرفع من قدره. وهذا أصعب المراتب وفي مثله قيل: من التعذيب تهذيب الذئب، ليتأدب وغسل المسخ ليبيّض، فالأول من هؤلاء يقال له جاهل، والثاني جاهل وضال، والثالث جاهل وضال وفاسق، والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير.

стр. 73

بيان الطريق الجملي في تغير الأخلاق ومعالجة الهوى اعلم أن المقصود من المجاهدة والرياضة بالأعمال الصالحة تكميل النفس وتزكيتها وتصفيتها لتهدي بأخلاقها. وبين النفس وبين هذه القوى نوع من العلاقة، تضيق العبارة عن تعريفه على وجه يتشكل في خزانة التخيل، لأن هذه العلاقة ليست محسوسة بل معقولة. وليس من غرضنا بيان تلك العلاقة، ولكن كل واحد من النفس والبدن متأثر بسبب صاحبه. فإن النفس إن كملت وكانت زاكية، حسنت أفعال البدن، وكانت جميلة، وكذا البدن، إن جملت آثاره، حدث منها في النفس هيئات حسنة وأخلاق مرضية. فإذن الطريقة إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتاداً بالتكرر، مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع، فيخف عليه ما كان يستثله من الخير. فمن أراد مثلاً أن يحصّل لنفسه خلق الجود، فطريقة

стр. 74

أن يتكلف تعاطي فعل الجواد، وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جواداً. وكذا من أراد أن يحصّل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبّر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة، على التكرر مع تقارب الأوقات. والعجب أن الأمر بين النفس والبدن دور، إذ بأفعال البدن تكلفاً، يحصل للنفس صفة. فإذا حصلت الصفة فاضت على البدن فاقتضت وقوع الفعل الذي تعوده طبعاً، بعد أن كان يتعاطاه تكلفاً. والأمر فيه كالأمر في سائر الصناعات. فإن من أراد أن يصير له الحذق في الكتابة صفة نفسية ثابتة فطريقه أن يتعاطى ما يتعاطاه الكاتب الحاذق، وهو حكاية الخط الحسن متكلفاً متشبهاً. ثم لا يزال يواظب على تعاطي الخط الحسن، حتى يصير له ذلك ملكة راسخة، ويصير الحذق فيه صفة نفسانية، فيصدر منه بالآخرة بالطبع ما كان يتكلفه ابتداء بالتصنع. فكأن الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسناً، ولكن الأول متكلف والآخر بالطبع، وذلك بواسطة تأثر النفس. وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس، فلا طريق له إلا ممارسة الفقه وحفظه وتكراره. وهو في الابتداء متكلف، حتى

стр. 75

ينعطف منه على نفسه وصف الفقه، فيصير فقيه بمعنى أنه حصل للنفس هيئة مستعدة، نحو تخريج الفقه، فيتيسر له ذلك طبعاً مهما حاوله. وكذلك الأمر في جميع صفات النفس. وكما أن طالب رتبة الفقه لا يحرم هذه الرتبة بتعطيل ليلة، ولا ينالها بزيادة ليلة، فكذلك طالب كمال النفس لا ينالها بعبادة يوم، ولا يحرمها بنقصان يوم. ولكن تعطّله في يوم واحد، يدعو إلى مثله. ثم يتداعى قليلاً قليلاً، حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل فيفوته فضيلة الفقه، فكذا صغائر المعاصي، بعضها يدعو إلى بعض. وكما أن تكرار ليلة لا يحس بأثره في تفقه النفس، فإنه يظهر شيئاً فشيئاً، مثل نمو البدن وارتفاع القامة، فكذلك الطاعة الواحدة، قد لا يحس أثرها في النفس وكمالها في الحال، ولكن ينبغي أن لا يستهان بها، فإن الجملة مؤثرة، وإنما جمعت من الآحاد، فلكل واحد تأثير. ثم ما من طاعة إلا ولها أثر ما وإن خفيى، وكذلك المعصية. وكم من فقيه مسوّف يستهين بتعطيل يوم وليلة، وهكذا على التوالي، فيفوته كمال العلم. فكذا من يستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمر إلى حرمان السعادة.
следующие страницы →