← История

История · id 9268

الهجمات المغرضة على التاريخ الإسلامي

محمد مظهر صديقي

Полный текст (149 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لقد وضح من التحليل السابق لحروب الردة أن الدولة الإِسلامية لم تتحول إلى معسكر أو مخزن للسلاح. وتحليل قوتها العسكرية يوضح أن عدد الجيش الإِسلامي كان لا يزيد عن ١٥ أو ٢٠ ألفًا، ثم إن من بينهم جنود معظم المهمات، وهو ما أضاف إلى القوة العسكرية. فمثلاً إن الزيادة في عدد جيوش خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة كانت نتيجة لاشتراك جند المهمات، وبعدها فإن جنود القائدين الأخيرين قد زادوا في القوة العددية للمهمات والمرسلة إلى العرب الجنوبيين، وقد تجاهل المستشرقون هذه الحقيقة، وهي أنه في العهد النبوي لم يكن هناك جيش مستقل منظم، هذا بالإِضافة إلى أن أكثر المجاهدين المشاركين في المهمات كانوا قد عادوا إلى مناطقهم أو إلى قبائلهم بعد انتهاء تلك المهمات. وتوضح بعض الروايات والمراجع والمصادر أنه في الدور الأول للخلافة الرشيدة على وجه خاص، وفي الفترات التالية بوجه عام، ظهرت قضية نقص عدد الجنود، وقد تعرضت بعض الجبهات لأزمات شديدة نتيجة هذا النقص. وقائد بني بكر بن وائل المثنى بن حارثة الذي يتهمه المؤرخون بتهمة قيامه بالهجوم العسكري على جبهة العراق، اضطر إلى أن يكتب عدة مرات إلى المدينة بسبب نقص الجنود، وفي النهاية اضطر إلى أن يأتي إلى المدينة. ولو سلمنا بنظرية الإِرساليات الحربية، واستنفاد الطاقة العسكرية الزائدة، فإن النتيجة المنطقية التي نستخلصها هي ألا يجب أن تكون هناك شكوى من قلة عدد القوة العسكرية، وكان يمكن السيطرة على هذه المشكلة بسهولة. ثم إذا كان الهدف هو استنفاد الطاقة العسكرية الزائدة، فقد كان يكفي فتح جبهة واحدة، إلا أن فتح جبهتين في وقت واحد، ومواجهة مشكلة قلة عدد الجند لا يمكن أن يكون دليلاً على بعد النظرة العسكرية، وهكذا فهذه النظرية بأكملها فريسة للتضارب، ولا تؤيدها الوقائع التاريخية أبدًا. صحيح أن بداية

стр. 107

الفتوحات الإسلامية كانت مع حروب الردة، غير أن لها صورة أخرى غير تلك الصورة. لقد قام العديد من المرتدين والمتمردين باللجوء فقط إلى المناطق الخاضعة للعراق وإيران، بل بدأوا أيضًا في الإغارة على المناطق الإِسلامية، وكانت الحكومات هناك تعضدهم وتساندهم مساندة واضحة، وتقوم بحمايتهم، وفي تلك الحالة أصبحت جبهة العراق أشد خطرًا. ومن الواضح أن القبائل الموالية للمدينة كانت ترد على الغارات الموجهة ضد حدودها. وقد طلب المثنى بن حارثة الشيباني الإذن له بالهجوم على المناطق المغيرة، وذلك للوقوف في وجه تلك العمليات العدوانية على حدود الدولة الإِسلامية، ولم يسمح له في البداية، وفي النهاية وحين عرف الخليفة الأول بخطورة الموقف سمح له باتخاذ الإجراءات المناسبة، وقد وجد خالد بن الوليد فرصة في حروب ردة اليمامة، فصار في ركابه في العودة، وصدر الحكم بالتقدم ناحية الحدود العراقية لمساعدة المثنى ومن معه من المجاهدين، وهكذا بدأت الفتوحات على الجبهة العراقية. وكانت هذه تقريبًا هي الظروف التي ظهرت على جبهة الشام، وكرد فعل لمهمة أسامة قامت الحكومة البيزنطية بالإِعداد للهجوم على الدولة الإِسلامية، ثم نتيجة لحروب الردة قام عمرو بن العاص وخالد بن سعيد بسلسلة من الإجراءات التأديبية ضد المرتدين والبغاة من قبائل قضاعة وكلب وغيرها، ونتيجة لذلك بدأ الاصطدام مع القبائل الموالية للإِمبراطورية البيزنطية. وبناء على المخاطر المتوقعة من جانب الروم قام أبو بكر الصديق بالتشاور مع الصحابة الكرام بإرسال أربع مهمات صغيرة لدرء أبواب هذه المخاطر بقيادة يزيد بن أبي سفيان الأموي، وأبي عبيدة بن الجراح الفهري، وشرحبيل بن حسنة الكندي، وعمرو بن العاص السهمي، ولم يزد عدد جندهم مجتمعين على ٢٧ ألفًا، ولم يكد هؤلاء يبدأون مهماتهم حتى قام هرقل إمبراطور

стр. 108

البيزنطيين -وكان في مدينة حمص آنذاك- بإرسال جيش جرار لمواجهة المسلمين، وأصبح الوضع على جبهة الشام دقيقًا للغاية، فأمر أبو بكر خالد ابن الوليد بالتوجه إلى جبهة الشام على الفور، لأنه لم يكن لديه جيش بالمدينة المنورة من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تتخذ الإمبراطورية الإيرانية أية إجراءات عسكرية بصورة منظمة حتى ذلك الوقت، ونتج عن ذلك فتح باب الحرب بصورة كاملة على مصراعيه على جبهة الشام، وقد قامت الحكومة الإيرانية بإعلان الحرب بصورة منظمة، ففتحت بذلك جبهة ثانية، وهكذا بدأت الفتوحات الإسلامية. وهناك عدة أسباب تفسر ما مضت عليه الفتوحات الإسلامية من سرعة، وما كانت عليه من اتساع وفتوحات في وقت واحد. من بين هذه الأسباب، الحالة السياسية للإمبراطوريتين الإيرانية والبيزنطية المتدهورة، بالإضافة إلى سوء وفساد الوضع الاقتصادي والتمزق والتفتت الاجتماعي والديني، فقد بدأت عظمة هاتين الإمبراطوريتين في الزوال، وهي العظمة التي كانتا عليها في زمان قسطنطين وخسرو برويز، ونتيجة لما أصابهما من انحطاط وتدهور أصبحتا عاجزتين عن مواجهة الإمبراطوريات القوية، ولكن على الرغم من كل هذا فقد كانتا أقوى إمبراطوريات العالم حينذاك، وكانتا أفضل من العرب من ناحية المهارة الحربية والعسكرية وكثرة الجند والسهولة والانسياب في ميدان الحرب، وكذلك من ناحية إعداد وتجهيز الجند بالأسلحة والعدة والعتاد، وكذلك في جميع الإدارات والأقسام الأخرى المتعلقة بالجيوش، ومع هذا فيرى بعض المؤرخين أن التكتيك الحربي للعرب تفوق على ما لدى الروم والإيرانيين، فقد استخدم العرب الأسلوب الحربي المؤثر في ميدان غرب آسيا وشمال أفريقيا، وكانت لهم براعة ومهارة في ركوب الخيل والجمال، وهو ما لم يتوفر أبدًا لدى الروم. ومن الممكن أن يكون " التكتيك " العسكري للعرب قد تفوق في جهة

стр. 109

ما، أو في مرحلة ما من مراحل الحرب، إلا أنه لم يثبت بأي حال من الأحوال تفوق العرب في المجالات الحربية التي سبقت الإِشارة إليها، وعلى الأقل فإن مصادرنا التاريخية تثبت وتؤكد تمامًا تفوق التكتيك العسكري للجيوش المعادية. وهناك سبب آخر يقول بأن نهاية إمارات لخم وغسان، وهي الإمارات التي كانت تقوم بدور Buffer States، أي الدول المصدة أو التي تتلقى الصدمات الأولى بين العرب والإِمبراطوريات المجاورة، مما سهل للعرب إحكام السيطرة على المناطق التي دارت فيها المعارك. والقول بأن العرب كانوا ينظرون بطمع إلى تلك المناطق يتعارض مع الحقائق التاريخية، وهو قول يزيد عليه قول آخر بأنهم تفوقوا في تلك المناطق لأنها مناطق صحراوية، مع أن الجيوش الإِسلامية خاضت معارك شرسة جدًا على الجهتين العراقية والشامية، وتحملت أحيانًا جراح الهزيمة، والضغط المستمر من قبل الجيوش المعادية، ثم هذه حقيقة أن جوًا عسكريًا وسياسيًا لم يكن قد بدا على الجبهتين. وهناك سبب من أسباب الفتح، وهو أن أهل البلاد المفتوحة كانوا يئنون تحت ثقل المتاعب الاقتصادية والسياسية وغيرها، فقد اعتبروا الفاتحين المسلمين منقذيهم مما هم فيه، فرحبوا بالإِجراءات العربية، وتعاونوا مع الجيوش العربية، وهناك سبب آخر مكمل لجملة هذه الأسباب، فقد قيل لقد ذاقت القبائل العربية ذاتها حلاوة النصر الذي تحقق من خلال الفتوحات العربية، وهي القبائل التي كانت تعيش في المناطق الحدودية، ولهذا تعاونت مع العرب الفاتحين من أجل العصبية القبلية والعرقية والفوائد المادية. وليس بالمصادر التاريخية ما يؤيد هذين السببين أيضًا تأييدًا كاملاً، فقل أن تجد في مصادرنا أمثلة وشهادات تؤيد هذا الأمر، بل لا يوجد أبدًا في بعض الأماكن ما يؤكد أن السكان المحليين قد أيدوا الجيوش الإِسلامية، بل هناك شهادات واقعية فعلية تدل على عكس ذلك، وهو وصول طلبات عديدة

стр. 110

من الجبهات للمدينة المنورة طلبًا للمدد والعون، وفي معظم الأوقات كان هذا العون مجرد عدة مئات أو ألف جندي، وفيما يتعلق بمسألة الترحيب العام بالفاتحين المسلمين من جانب السكان فهذا أمر صحيح، إلا أنه من الطبيعي بل من الشائع ألاّ يشترك السكان المدنيون في القتال، وبلا شك أمد هؤلاء السكان المسلمين بالعون المعنوي، وهو ما حُرمه القادة والجنود الرومان والإيرانيون. ومن الواضح أنهم تأثروا كثيرًا بالأخلاق الإسلامية. لقد حاول فيليب حتى أن يستطلع ويحلل الفتوحات الإسلامية وكأنها صدام بين الشرق والغرب، ويكتب ناصحًا بوجوب تحليل الفتوحات الإسلامية بتلك الخلفية، إِذ إن الشرق الأوسط القديم كان توّاقًا إلى استرجاع مناطقه المحتلة، والمشرق تحت تأثير الإسلام بدأ يرى حلمه القديم من جديد، فأراد أن ينزع عن نفسه رداء التسلط الغربي الذي استمر لآلاف السنوات. وهو يقول: إن الفتوحات الإسلامية كانت أيضًا عاملاً من عوامل الاستغلال الإقليمي، وهذه النظرية الخاصة بالفتوحات الإسلامية هي بالمصطلح الحديث النظرية التفسيرية، إلا أن زمان الفتوحات الإِسلامية وهو القرن السابع الميلادي لم يشهد تصور الشرق والغرب كما يريد المؤرخ المذكور تفسيره، كما أن الفاتحين المسلمين والحكام المسلمين لم يَرد أبدًا على أذهانهم التصور القائل بتخلص الشرق من تسلط الغرب والاستقلال الإِقليمي واسترجاع السلطة الضائعة. والحقيقة أن السبب المجرد للضغط على أهمية هذه الأسباب والعوامل والتأكيد عليها مرة بعد مرة، إنما يهدف إلى إخفاء العامل الأساسي للفتوحات الإسلامية. والواقع أن السبب الأساسي لسرعة الفتوحات الإسلامية وتماسكها، وهو ما لا يريد المعاندون والمخالفون من أعداء الإسلام الاعتراف به، هو الحماسة الدينية لدى حملة الإسلام، وما كان لذلك من نتائج، ويعترف مؤرخ غربي

стр. 111

بذلك فيقول: " بالإِضافة إلى العوامل والدوافع المساعدة السابقة، فإن سبب هذا النجاح الساحق والتوفيق الباهر يكمن في الإسلام الذي بدّل العرب البدو " المتوحشين " الذين لم يكن يجمعهم نظام إلى جيش وفىّ منظم: ملتزم بالضبط والربط، متمدن ومتحضر .. إنه الإسلام الذي ملأ قلوبهم، والإحساس الذي سيطر عليهم بأن القتال جهاد ينالون أجره رضا من الله ومغفرة، ومال الغنيمة هو إنعام مادي دنيوي دليل على مرضاة الله. ومع أن هذا الاعتراف يضم فقرة كالسم في العسل وهي " القتال ضد أتباع الأديان الأخرى جهاد " ذلك لأن المسلمين قاموا بالجهاد للقضاء على الظلم والبربرية والإِفساد في الأرض، لا لمجرد قتال أتباع الأديان الأخرى، وهو ما يتضح حقيقة للعيان، وفيليب حتى، اضطر إلى الاعتراف بالحقيقة فقال: " وكأن العرب الذين حرموا من الكفاءة والديانة قد تحولوا بعد وفاة النبي بسحر ساحر إلى أبطال عسكريين ومثل هؤلاء الأبطال لم نكن لنفتقدهم في مكان واحد من ناحية العدد أو الكفاءة، فخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ممن قاموا بمهمة فتح إيران والعراق والشام هم أمثلة نادرة جدًا وعظيمة في تاريخ الحروب العالمية، وقد تفوقوا على ما قام به نابليون وهنى بال وحتى الإِسكندر الأكبر ". وفي هذا الاعتراف وردت جملة بريئة في ظاهرها تحمل السم في باطنها وهي " بعد وفاة النبي ". والحقيقة أن المد الإِسلامي السريع كان نتيجة منطقية وضرورية لتعاليم رسول الله ولتربيته الحكيمة لصحابته وللمسلمين، ولما تم قبلاً من إخضاع الجزيرة العربية كلها للإسلام، ومن بعده قام الصحابة الكرام وبتأثير من أعمال رسول الله وتوجيهه فتحوا البلاد المجاورة لنشر كلمة الحق. أهداف الفتوحات: أكبر هجوم على الفتوحات الإسلامية هو الهجوم على سلسلة أهدافها، فقد

стр. 112

أقر " فيليب حتى " أن هدف الحملات الأول [الغزوات] على قبائل الحدود كان الغزو والإِغارة والرغبة في التمتع بالدعة واللذات، والمؤرخ المذكور في بحثه عن أهداف الفتوحات يقدم وجهة نظره في ثلاث نقاط: الأولى: وجهة النظر التي تساير وجهة نظر علماء الإِسلام، والقائلة بأن الفتوحات الإِسلامية كانت دينية خالصة. الثانية: وجهة النظر التي تساير وجهة النظر النصرانية، وهي أن المسلمين الفاتحين قاموا بتخيير الأمم المفتوحة بين الإِسلام أو السيف، أي أن وسيلة الإسلام في انتشاره هي السيف. ووجهة النظر الثالثة يعرضها هو نفسه، وهي أن الجزية والخراج كانا أكثر محبة لدى المسلمين الفاتحين من غيرها. وبعد أن يقدم استشهاده بالآية التاسعة من سورة التوبة (١) يكتب: " نتيجة لضغط الظروف، ثم وجود بديل ثالث، كان على الزردشتيين والبربر والترك اختياره (أي الإسلام) فلقد كوّن الإِسلام لديهم فكرة حربية جديدة، ووجهة نظر اجتماعية سهلة، ومع أن الإِسلام قام بدور لا مثيل له في توحيدهم، إلا أن هذا لا يكفي لتوضيح وشرح الفتوحات العربية بطريقة كاملة، وبدلاً من الحماس الديني فإن الضرورات الاقتصادية قد تفوقت لدى العرب على الحرب، فمشكلات الصحراء كانت سببًا في هجومهم على الهلال الخصيب، حتى ينالوا الراحة والدعة، ومن الممكن أن تكون فكرة الذهاب إلى الجنة قد ظلت تداعب قلوب بعض الناس، إلا أن الهدف الأساسي كان الثروة والحصول على الفوائد المادية.

стр. 113

ويدعى فيليب حتى أن بيانات وتصريحات ليون كيتاني، وبيكر وغيرهما من المؤرخين الجدد، وأن المؤرخين العرب القدامى قد أهملوا تمامًا هذا الجانب الاقتصادي للفتوحات الإِسلامية، وهكذا ينقل نص خطاب الخليفة الأول من فتوح البلدان للبلاذري، والذي كتبه لعرب مكة والطائف واليمن ونجد والحجاز، يدعوهم للمشاركة في الجهاد الإسلامي دافعًا إياهم مشجعًا لهم بما قد يحصلون عليه من أموال الغنيمة. " ولم يثبت سوى بيت من الشعر عن شجاعة القائد الإيراني رستم يخدم به مفاهيمه وأهدافه ". ولقد ترك بعض المؤرخين النظرية القائلة بالأهداف الاقتصادية الخالصة، ولا شك أن بعض المؤرخين المتصلبين لا يزالون يتعلقون بها، والسبب في ذلك هو أن هذه النظرية مبنية على مزاعم عديدة وغير مقبولة، لأنها أولاً تقرر أن الفتوحات الإِسلامية هي عبارة عن حلقة من سلسلة الهجرات السامية المغرقة في القدم، وبناء عليه وبعد الإسلام حدثت زيادة كبيرة بين السكان العرب وبسرعة هائلة مما مثّل بدوره ثقلاً اقتصاديًا، وجعل معيشتهم تواجه صعوبات متنوعة، وبسبب هذا اتخذت الهجرة العربية السامية الجديدة شكل الفتوحات. وقد أبطل المؤرخ فرانسسكو جبرائيل النظرية القائلة بالضغط السكاني الذي نتج عنه هجرة اقتصادية لأنه لا يوجد إثبات يدل على الزيادة في السكان منذ ذلك التاريخ، وبعد مجىء الإسلام، بل أكثر من هذا يقول إن العرب الفاتحين طوال فترات فتوحاتهم الطويلة لم يفرحوا أو يُسروا بالسكن بالمناطق كثيرة السكان، أو يفرحوا بالإِقامة في المناطق التي فتحوها، وكانوا بعد الفتح يفضلون في معظم الأحيان العودة إلى مناطقهم الصحراوية، ثم حتى زمان خلافة عمر ظلت سياسة الحكومة ألاّ تسمح للعرب بالإِقامة بالبلاد المفتوحة، وطبقًا لقول جبرائيل: إن بين الصحراء برمالها والعرب محبة قديمة، استمرت حتى مع العهد الأموي، لدرجة أن خلفاء بني أمية كانوا يفضلون بناء قصورهم في الصحراء والبادية وكانوا يقضون فيها كثيرًا من أوقاتهم.

стр. 114

و " فيليب حتّى " الذي سبق ذكره قدم ثلاثة أمثلة فقط يؤيد بها نظرية العامل الاقتصادي، بينما يمكن تقديم آلاف الأمثلة ضده من التاريخ الإسلامي. والخطاب الذي نقله عن أبي بكر الصديق فيه في البداية حَضٌّ للمسلمين على الجهاد الإسلامي، ثم قرر أن أموال الغنيمة هي جائزة وإنعام، وهو ما تغافل عنه المؤرخ، وهكذا قدم بطريقة ساخرة ما جاء عن رستم القائد الإيرانى، ولم يقدم رد وجواب المبعوث المسلم الذي يتضح منه أن الجهاد هو الهدف المطلوب لا الغنيمة، فقد كان هدف الفتوحات في المقام الأول هو الجهاد الإِسلامي، وهو ما بدأ المستشرقون يعترفون به أيضًا، وعلى رأسهم جبرائيل، وكما قال فإن الدوافع والأهداف الأخرى كانت دوافع وأهدافًا ثانوية، فإذا كان عامل الإِسلام والدين هو منتهى هدف هذه الفتوحات، فإن هذه السرعة التي شهدها الفتح الإسلامي، وهذا التماسك وهذه الصلابة لا يمكن أبدًا أن تكون نتيجة لأسباب أخرى غير نشر الإِسلام لأسباب تتعلق بالفوائد الاقتصادية وما إلى ذلك، ولا أحد ينكر أهمية العوامل الأخرى بالإضافة إلى الإِسلام والجهاد، ولكن طبقًا لقول أحد المستشرقين، إن الجهاد في سبيل الله للحصول على الجنة في الآخرة هو الأساس، وليس الحصول على الأجر الدنيوي كان أصل الدوافع والأهداف التي نتجت عنها الفتوحات الإِسلامية. نوعية الفتوحات الإِسلامية: لقد كان الهدف الأساسي للفتوحات الإِسلامية هو إعلاء كلمة الله، وبصورة أساسية فإن الدولة الإِسلامية كانت تهدف إلى تبليغ رسالة الله إلى غير المسلمين عن طريق الدعوة والإِرشاد، كما حدث في العهد النبوي في شبه الجزيرة العربية، ولو أن هناك فرقًا بين العصر المكي والعصر المدني في زمان النبى ﷺ ، فهو أنه في العصر المكي تم نشر الإسلام بأسلوب التبليغ، ولكن في العهد المدني حين سُدَّت الطرق وأغلقت أمامه، تم تحقيق

стр. 115

نفس الهدف في ظل الفتح والنصر، ولو سمحت الظروف لما اضطرت الدولة الإِسلامية لإشهار السيف في وجه أحد، ولكن حين قام الكفر بسل سيوفه ضد الإِسلام اضطر الإسلام أيضًا إلى رفع السيف، وهذه هي أصول الجهاد الإِسلامي التي لا تقبل تعديلاً أو نسخًا. إن استخدام كل طريقة مشروعة في سبيل الحفاظ على الإسلام وإعلاء كلمة الله، واستخدام التبليغ والإِرشاد في حالات السلم، واستخدام القوة والشوكة والفتح والنصر على الجبهات لا يحتاج بالضرورة إلى تقديم أي اعتذار. ولنقارن فتوحات فاتحي العالم مثل الإِسكندر وجنكيز وهني بال ونابليون وغيرهم بالفتوحات الإِسلامية. إن أهمية أهدافها ومقاصدها تقل بل تصغر أمام أهمية الفتوحات الإِسلامية، ولا شك أن فاتحي العالم هؤلاء قد سيطروا على العالم في معظمه، إلا أن سيطرتهم كانت مجرد سيطرة وتحكم في شعوب العالم المفتوحة، لا امتلاكًا للعالم، وهناك فرق بين السيطرة والامتلاك، لقد أصابوا قلوب الناس بسيوفهم، ثم لم يضمدوا جراحها، لكن الفاتحين المسلمين حرروا الإِنسانية من عبودية الإِنسان، ورفعوا عن كاهل الناس الثقل الاقتصادي، وأعطوا البشرية الحرية الدينية وأقاموا حكم القانون، وبعد الفتوحات أقاموا الأمن والنظام، وعملوا على بناء ورقي البلاد المفتوحة، كما أصلحوا جميع جوانب الحياة وطوروها، عملوا على رقي التجارة والزراعة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والتمدن، وقد شهدت جميع جوانب الحياة في البلاد المفتوحة ازدهارًا ورخاء وقام المسلمون بإضاءة قناديل العلم والمعرفة، أعطوا ما عندهم لأهل البلاد المفتوحة، كما أخذوا ما عند هؤلاء من علم وفضل. لقد أرست الفتوحات الإِسلامية أسسًا جديدة للثقافة والحضارة من أهمها: الحاكمية الإِلهية، المحبة النبوية، العظمة الإِنسانية، وهذا هو السبب الذي جعل أهالي البلاد المفتوحة يرحبون دائمًا بالفاتحين المسلمين، لأنهم رأوا فيهم منقذي

стр. 116

البشرية، وبالتدرج وبدون أي جبر أو إكراه دخلوا في دين الله أفواجًا، تعلموا العربية، وقبلوا الثقافة الإِسلامية لدرجة أنه لم يكن هناك فرق بين البلاد المفتوحة في عهد الصحابة ومركز الإِسلام، حيث انتشر نور الإِسلام في جميع البلاد التي تمثل اليوم العالم الإِسلامي كله. انتخاب الخليفة الثالث: يوجه بعض محبي النقد، نقدًا إلى مجلس انتخاب الخليفة الثالث، وهو المجلس الذي شكله عمر ﵁، ويثيرون حوله الشبهات من الناحية التاريخية، إلا أن الواقعة المسلم بها في التاريخ الإِسلامي هي أن الخليفة الثاني عمر ﵁ قد أقام قبيل وفاته ديوانًا للمرشحين للخلافة يتكون من ستة صحابة أجلاء هم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأسند إلى عبد الرحمن بن عوف مسئولية أن يتولى رئاسة عملية انتخاب الخليفة الجديد. ومن تحليل الروايات يفهم أن الثلاثة الآخرين قاموا بسحب أسمائهم من الترشيح لصالح الثلاثة الأوائل بناء على رأي عبد الرحمن بن عوف، ثم سحب عبد الرحمن نفسه وأسند إلى نفسه فقط مسئولية المساعدة في انتخاب الخليفة، وكانت الأغلبية العظمى من الأمراء والرؤساء والصحابة الكرام بالمدينة في صف عثمان، ولهذا أصدر عبد الرحمن قراره في صالحه، وهكذا تم اختيار عثمان خليفة رسول الله الثالث. ويقرر سيد أمير علي، وهو يمثل طبقة من مؤرخي المسلمين، أن قرار عمر تشكيل ديوان مرشحي الحكومة كان قرارًا خاطئًا، وقائمًا على مجرد عصبية دينية، ويقول -وهو حزين- إن عليًّا كان يمكن أن يكون خليفة بسهولة من بعده، إلا أنه لم يفعل ذلك، فأعطى فرصة لتآمر الأمويين على الاستيلاء على الحكم والسلطة، لأنهم كانوا أصحاب أثر وسلطة، ليس فقط

стр. 117

في المدينة، بل كانت بينهم عداوة سابقة مع بني هاشم أيضًا، ولهذا فقد حُرِم عليّ من حقه المشروع، وفتح لقرن من الزمان الباب للظلم والقهر الأموي. وهو يرى أن خلافة عثمان كانت دمارًا ووباءً على الإِسلام. وهذا التحليل الذى يعرضه المؤرخ المذكور إنما يخفي وراءه تعصبًا فكريًا وعقديًا، وإلا فالتاريخ الإسلامي يرشدنا إلى أن عهد خلافة عثمان ﵁ كان عهد رقي وازدهار. ثم يأتي من ناحية أخرى خورشيد أحمد فاروق فلا يترك شخصية من الشخصيات دون لوم أو تجريح، وذلك في معرض حديثه عن انتخاب الخليفة الثالث، فهو يتهم الصحابة الستة بأنهم متآمرون، وأنهم يحبون الدنيا ويحبون الرئاسة، وكان من وراء تآمرهم على الحكومة والرئاسة الحصول على فوائد مادية، فقد اتهم عبد الرحمن وسعدًا بالتحيز، واتهم عليًّا بالتآمر ضد الخليفة، كما اتهم أيضًا عليًّا بالتهرب من إعلان بيعته لعثمان وأنه أجبر فيما بعد على أن يبايعه (١)، كما اتهم عمار بن ياسر باتهامات كثيرة، منها مخالفته ومعارضته للخلافة العثمانية وأنه " أمات الإِسلام " وغير ذلك من تعبيرات مشينة. وقد قام فاروق بتوجيه اتهاماته بمهارة فائقة فقدمها كلها في رداء نقله عن الروايات، ومعظم رواياته روايات شيعية، وكذلك عن ابن أبي حديد، أو أنه قام بنفسه بتفسير معنى روايات لم ينقلها وعبر عنها هو كما يحلو له، واختار المؤرخ المذكور الأسلوب المتعصب المنحاز، فقام بنقل مثل هذه الروايات التي تتعلق بمشاجرات الصحابة الكرام، إلا أنه تعمد ألا يذكر جميع تلك الروايات التي تشهد على سمو عملهم ومسلكهم، وتشهد على إخلاصهم وإيمانهم، ويكفي أن نورد مثالاً واحدًا، وهو اتهامه لعلي بأنه لم يبايع عثمان ﵁، وبعد مدة، وبعد ضغط من الصحابة اضطر علىّ إلى مبايعة عثمان، بينما

стр. 118

الصحيح وما ورد في الروايات المسندة أن عليًّا كان أول من بايع عثمان ﵁ بعد اختياره خليفة، والحقيقة أن خورشيد أحمد فاروق ومن على شاكلته من المؤرخين يريدون أن يجعلوا التاريخ الإسلامي كله تاريخ صراع طبقي، حتى يمكن أن يثبتوا أن أثر الإسلام وأثر الصحبة النبوية لم يكن أبدًا له وجود، أو أنه لم يثبت مطلقًا أن هناك أثرًا.

стр. 119

التآمر على الخلافة الإسلامية لقد تعرض عثمان ﵁ لقدر من الطعن واللعن والذم واللوم بطريقة لم تتعرض لها أية شخصية في التاريخ الإسلامي، وكان الأمر بالنسبة للأعداء والمعارضين بسبب خططهم النجسة، ومؤامراتهم الرامية إلى الطعن في شخصيته الكريمة، وإذا كان لنا من أسف فإنه على قلة فهمهم، فقد سقطوا في شبكة ما يروجه أعداء الإسلام عن شخصية عثمان. ومن بين المؤرخين المسلمين طبقة مخلصة مؤمنة، إلا أنها بسبب قصورها في التحليل الصحيح للتاريخ قبلت الكثير من الاتهامات الخاطئة الموجهة ضد عثمان واعتبروها وقائع تاريخية صحيحة، فاتهموه بها، وقاموا بمسخ هذا الباب من التاريخ الإسلامي بسبب تلك المزاعم التي ارتسمت ورسخت في عقولهم وأفكارهم وقلوبهم. وهناك عدد كبير من أولئك الناس الذين قاموا بتحليل خلافة عثمان تحليلاً غير تاريخي وغير علمي، وذلك بسبب عصبية عرقية أو اعوجاج فكري أو قصور ذهني، والحقيقة أن سلسلة الاتهامات الموجهة ضد عثمان إنما نبعت من تلك المؤامرة التي أحيكت حول الصحابة الأمويين عامة والخلفاء الأمويين بصفة خاصة. وسوف نحاول تحليل هذه المؤامرة بشىء من التفصيل لأنها تهم المهتمين بشئون التاريخ الإسلامي. عزل وتعيين العمال في عهد عثمان: يقسم هؤلاء المعترضون مساوىء عهد خلافة عثمان (١٢ سنة) ﵁ بصفة عامة إلى قسمين:

стр. 120

القسم الأول مضى فيه الخليفة الثالث يدير شئون الخلافة على النهج الصحيح، وكان هذا العهد من الخلافة يمضي على نهج النبوة. القسم الثاني انحرف فيه عن السنة النبوية وسنة الشيخين، وأتى بتصرفات خالف فيها حتى أكابر الصحابة، وفي النهاية وبسبب كل هذا حدث العصيان والتمرد ضده، وهو ما انتهى بمأساة استشهاده. ومع أن بعض المؤرخين لم يثيروا قضية تقسيم زمان خلافته إلى تلك الفترتين إلا أنهم قاموا بترديد خُرافة الأعمال الصحيحة والأعمال الخاطئة، وقد وجهت العديد من التهم إلى عثمان ﵁، وفيما يلي عرض وتحليل لهذه الاتهامات في ضوء الروايات الإسلامية الصحيحة حتى نضع أمام القارىء الصورة التاريخية الصحيحة واضحة جلية. أكبر اتهام وجه إلى عثمان ﵁ أنه في البداية ظل على عهوده مع الصحابة الكرام، إلا أنه تدريجيًا بدأ في عزل أكابر الصحابة، ومن بينهم عمرو ابن العاص حاكم مصر، وسعد بن أبي وقاص حاكم الكوفة، وأبو موسى الأشعرى حاكم البصرة، والمغيرة بن شعبة حاكم البصرة، وعبد الله بن الأرقم القائم على بيت المال بالمدينة، وعبد الله بن مسعود القائم على بيت المال بالكوفة، مما نتج عنه -كما يقول المؤرخون- هيجان شديد بين كبار الصحابة والعامة أيضًا. والاتهام الثاني يتعلق بهذا الاتهام، وهو أن الخليفة الثالث قام بتعيين شباب قريش في مناصب كبار الصحابة، وبخاصة الشباب من أقاربه ممن لم يؤدوا أي عمل يستحقون به تلك المناصب، ولم يكن لهم أي دور إسلامي، ولقد أدت محاباته لأقاربه إلى مزيد من الهيجان. ويرى بعض المؤرخين أن هذا هو السبب في ظهور التمرد والعصيان وحدوث النهاية التي أدت إلى استشهاد الخليفة.

стр. 121

إن سياسة عزل وتعيين العمال (الحكام) كانت اتخذت كسلاح ضد عثمان، ولكن هذه السياسة ذاتها كانت قائمة منذ العهد النبوي وفي عهد الشيخين، فقد كان الخليفة في كل وقت يقوم بمثل هذه التغييرات في أعضاء الحكومة طبقًا للمصالح والسياسة ولما يراه صوابًا. وقد قام عمر ﵁ فعزل عددًا من حكامه وقادته ومنهم خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة وهم من أكابر الصحابة ويفهم من واقعة سعد بن أبي وقاص أن تغييره لم يكن نتيجة لأي خطأ ارتكبه، بل كان بناء على المصلحة السياسية، إذ كانت سياسة الخليفة الثاني في الكوفة والبصرة قائمة على استبدال الحكام إذا ما لزم الأمر، وإذا ما طالب المسلمون. ويفهم من الروايات أن عمر درءًا للفتن التي حدثت في المدن قام بالترتيب وبناء على شكاوى أهل البصرة والكوفة فعزل سعد بن أبي وقاص، وعمار ابن ياسر، وأبا موسى الأشعري، وعمر بن سراقة، والمغيرة بن شعبة الثقفي. ومن الجدير بالذكر أن شكاوى الناس ضد هؤلاء الحكام شكاوى مسبَّبة فسعد ابن أبي وقاص الزهري لا يؤدى الصلاة بطريقة جيدة، وعمار ضعيف ولم تكن له قدرة على الإِدارة، وأبو موسى أيضًا مثله، أما المغيرة بن شعبة فقد اتهم مرة بارتكاب الزنا، ومرة أخرى بقبول الرشوة. وطبقًا لإحدى الروايات فقد أوصى عمر خليفته أن يعيد تعيين سعد بن أبي وقاص حاكمًا على الكوفة مرة أخرى، وهكذا قام الخليفة الثالث في بداية خلافته بالعمل بالوصية وعينه واليًا على الكوفة، وكان هذا أول مثال لتعيين صحابي جليل القدر في خلافة عثمان، غير أن مشادة حدثت بين سعد بن أبي وقاص والقائم على بيت المال عبد الله بن مسعود، إذ أخذ الأول قرضًا من بيت المال ولم يعده، وقد ضخّم أهل الكوفة الأمر، ولهذا رأى عثمان أن الواجب يقتضي استدعاءه، وبعدها استدعى أيضًا عبد الله بن مسعود. والذي كان يحز في

стр. 122

نفس عبد الله بن مسعود هو أمر الخليفة بالاستيلاء على مصحفه، وكان عزيزًا عليه، والاستيلاء على المصحف المسعودي لم يكن أبدًا نتيجة ظلم أو قهر ولكن كان من سياسة عثمان ﵁ أن يقوم بجمع المصاحف الخاصة بالقراءات، والعمل على توحيد القراءات من مصحف واحد في جميع أنحاء الدولة الإِسلامية. أما عزل المغيرة فكان بناء على وصية الفاروق. إذ إن الصحابي المذكور قد اتهم خطأ بقبول الرشوة. أما عزل أبي موسى والي البصرة فتم طبقًا لسياسة الدولة، إذ تم بناء على شكاية أهل البصرة ضده، وعزل عبد الله بن الأرقم المخزومي كان بسبب تقدمه الكبير في السن، وعزل عمرو ابن العاص حاكم مصر إنما كان بسبب ما حدث بالنسبة لخراج الإِقليم، وحتى لو لم توجد هذه الأسباب فإن للخليفة الحق في عزل قادته أو خلفائه مثل الحكام، فتعيينهم مشروط بقبول الخليفة وثقته بهم. وفيما يتعلق بالاتهام القائل بعزل كبار الصحابة، وعدم تعيين كبار الصحابة بدلاً منهم، فهناك ردود عدة على هذا الاتهام، إلا أن هذا الاتهام غير تاريخي بالمرة، فبعد عزل المغيرة بن شعبة عين الخليفة مكانه أبا موسى الأشعري، كما قرر تعيين زيد بن ثابت الأنصاري مكان القائم على بيت المال عبد الله بن الأرقم المخزومي، وعلاوة على ذلك فإن كبار الصحابة كانوا قد كبروا في السن بالمقارنة بأعمارهم في خلافة الفاروق، أو قبلها في خلافة الصديق وفي العهد النبوي. والحقيقة هي أنه كان يتم ترجيح الصف الثاني دائمًا، والصف الثالث من الصحابة أو الشباب في ولاية الأقاليم والأعمال، ففي العهد النبوي كان عتاب بن أسيد الأموي في مكة، وعثمان بن أبي العاص الثقفي في الطائف، والحارث بن نوفل الهاشمي في جدة، ويزيد بن أبي سفيان في تيماء، وخالد بن سعيد الأموي في صنعاء، وعمرو بن سعيد الأموي في وادي القرى، وأبان بن سعيد الأموي في البحرين، وحكم بن سعيد الأموي في

стр. 123

قرى عربية، وعدد من الأفاضل من مجموعة الشباب مثل معاذ بن جبل الخزرجي، وعمرو بن حزم الخزرجي، وزياد بن لبيد الخزرجي، وكان بعضهم حديثي العهد بالإِسلام تمامًا، وأبو سفيان الأموي وابنه الشهير معاوية توليا أهم المناصب في العهد النبوي. وفي خلافة الفاروق، وبعد وفاة أخيه الأكبر تم تعيينه على ولاية الشام، وظل هكذا لعدة سنوات، بل ظل على ولاية الشام طوال عهد خلافة الفاروق. ويمكن تقديم العديد من الأمثلة على تعيين الشباب في عهد خلافة الصديق وخلافة الفاروق . والجزء الثاني من الاعتراض الأول، وهو أن عثمان قد عين أقاربه وأصدقاءه بدلاً من كبار الصحابة، وعين الوليد بن عقبة الأموي، وسعيد بن العاص الأموي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري على -بالترتيب- الكوفة والكوفة ومصر، بينما فاز عبد الله بن عامر بولاية البصرة، ومروان بن الحكم بوظيفة كاتب الخليفة، ولم تتم إعادة تعيين معاوية بن أبي سفيان على الشام فقط، بل أُعطي المزيد من المناطق أيضًا. ومن الناحية التاريخية يمكن اعتبار هذا الاتهام صحيحًا بصورة جزئية، فالبعض قد عينهم عثمان، والبعض كان تعيينهم قد تقرر في خلافة الفاروق، وما جاء بالنسبة لمعاوية فقد فاز بالولاية في خلافة الفاروق ولمدة ثمان سنوات، وأقامه عثمان طوال مدة خلافته على ولايته هذه، نظرًا لما كان له من كفاءة وقدرة على الإِدارة، والجميع يعترف بهذه الحقيقة، أن ولايته من أحسن الولايات من حيث النظام والربط والضبط والإِدارة. فهل يعزل الوالي لما يؤديه من واجب جعل ولايته تمتاز عن غيرها بنظامها وانتظامها وحسن إدارتها؟! ثم إن الخليفة كان يثق كل الثقة فيه، ولم تصدر ضده أية شكوى، دينية كانت أو سياسية أو إدارية. وبعض المؤرخين يقدمون هذا المنطق، بل هم يتمنطقون قائلين بأن معاوية صار ملكًا للشام بسبب طول مدة حكمه عليها، وقد امتدت

стр. 124

جذوره داخل البلاد، وأصبحت قوية متينة بحيث أصبح من الصعب زعزعته، ولهذا السبب حدث ما حدث من خلاف مع الخليفة الرابع، رغم أن الخلاف مع الخليفة الرابع كان من نوعية أخرى سوف نبحثها فيما بعد. وقد كان الوليد بن عقبة الأموي أكثر من تعرضوا للذم من عمال عثمان ﵁، فقد وجهت له الاتهامات من كل نوع، من بينها الاهتمام بالسحرة، والخمر، ونقض العهد. وإشاعة الفرقة بين طبقات المسلمين، وفي العهد النبوي عُهد إليه بجمع الصدقات من قبيلة بني المصطلق، لكنه -طبقًا لبعض الروايات- عاد دون أن يجمع الصدقات، وبسبب عناده الجاهلي، وصل إلى رسول الله وأخبره بأن القبيلة رفضت أداء الصدقات، وأنهم يعدون العدة للهجوم على المدينة، وكان رسول الله على وشك الهجوم عليهم، وإذا بوفد من بني المصطلق يصل ويطلع الرسول على أمر الوليد بن عقبة، فنزلت الآية رقم ٦ من سورة الحجرات في حقه (١). والتي ورد فيها لفظ " فاسق " صفة لعامل الصدقات. وهذه الرواية بأكملها تضمنت نقاطًا جديرة بالاعتراض والرفض. وقد قرر عدد من المفسرين بوضوح أن المراد بـ ((فاسِقٌ)) ليس الوليد؛ لأنه كان صحابيًا جليلاً، وتأكيد هذا الأمر هو أنه ﵁ قد تولى عهدة عامل الصدقات في أوائل خلافة الصديق، ثم تم تعيينه أيضًا قائدًا للجيش الإسلامي، وفي عهد عمر عين عاملاً للصدقات أولاً، وبعدها حاكمًا للجزيرة، ومن هنا غيّره عثمان وجعله حاكمًا على الكوفة، ويتضح تمامًا من رواية ابن خلدون أن تعيينه في الأصل كان تغييرًا، فقد ظل منذ خلافة الفاروق في وظيفة حاكم، ويعترض بعض المؤلفين بأن الخليفة الثالث قد نقله من وظيفته

стр. 125

كحاكم على جزيرة صغيرة ليعينه على الكوفة، وهي ولاية كبيرة، وهذا الأمر خطأ من الناحية التاريخية، فمقاطعة الجزيرة لم تكن أبدًا قليلة الأهمية، فقد عين عليها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. ومن التهم الأخرى الموجهة إليه تهمة شرب الخمر، وهي تهمة كبيرة تستلزم الحد إذا ما ثبتت عليه، وهناك تناقض كامل في جميع الروايات الخاصة بهذه التهمة، رواية تقول لقد كان هذا في صلاة الفجر، أو صلاة أخرى، وصلى أربع ركعات وهو سكران وتضرر المأمومون وغير ذلك من الاتهامات. هذا ... وقد ذكر الطبري رواية برَّأته مما نسب إليه من تهم، وربما كانت أقرب إلى التصديق، وقرينة للقياس، وطبقًا لهذه الرواية فقد كانت هناك مؤامرة تحاك للطعن في الوليد بن عقبة، مما نتج عنها اتهامه بالسكر. وكان القائمون على هذه المؤامرة ثلاثة، هم: أبو مورع الأسدي، وجندب بن زهير الأزدي، وأبو مصعب بن جثامة، ومعهم مالك الأشتر النخعي. والثلاثة الأوائل من مثيري الفتنة، وقد أرادوا الانتقام من الوليد لقتله أبناءهم، وقد حكم على قاتلهم بالموت، أما مالك النخعي فقد كان من مثيري الفتن والعصيان ضد عثمان. ومن الجدير بالذكر أن تهمة الشراب والسكر يمكن إثباتها عن طريق شهادة كاذبة، وكانت التهمة أساسًا نتيجة لمؤامرة حاكها أكابر الكوفة الغاضبون، وطبقًا لرواية الطبري كان للوليد مكانة طيبة ومحبة في قلوب العامة، بينما كان الأكابر غاضبين منه، ولم يكن هذا الغضب بناء على أي سبب ديني أو أي سبب معقول، بل كان بناء على أغراض ذاتية. والحقيقة أن أي حاكم من حكام الكوفة لم ينج أبدًا من الاتهامات؛ لأن أهلها وبخاصة أكابرها اعتادوا إثارة الفتن. وبعد عزل الوليد بن عقبة الأموي عن حكم الكوفة قام الخليفة الثالث في سنة ٢٩ هـ بتعيين أحد أقاربه وهو سعيد بن العاص الأموي واليًا على

стр. 126

الكوفة، إلا أن أحدًا لم يعترض على هذا التعيين، بل إن أشراف الكوفة الذين تسببوا في عزل الوليد عادوا معه إلى الكوفة، ولم يتهم أحد الخليفة الثالث بأنه عين أحد أقاربه؛ لأنه كان صحابيًا جليلاً، وكان عضوًا من أعضاء مجلس كتابة وتدوين المصحف العثماني، وكان ذا شخصية عالية، وظل واليًا على الكوفة لخمس سنوات، واعترف الجميع بما له من قدرة على الإدارة، وبما له من كفاءة وصلاحية. وفي نهاية خلافة عثمان حين طالب أهل الكوفة بتغيير الحاكم، قام عثمان بناءً على طلبهم بتعيين أبي موسى الأشعرى حاكمًا للكوفة. أما طلب عزل أبي موسى الأشعرى عن ولاية البصرة، فقد قدمه أكابر المدينة. كما طالبوا أيضًا بتعيين حاكم شاب قادر على الإدراة، وهكذا قام عثمان بالاستجابة إلى طلبهم. وعين عبد الله بن عامر بن كُريز حاكمًا للبصرة. وكان بقاؤه في وظيفته هذه راجعًا إلى ما له من قدرة إدارية أو ما أدَّاه من خدمات جليلة. بل كان ذلك لأنه يُرضي مثيري الفتن بالبصرة، وهذا هو السبب الذى جعله يبقى في وظيفته هذه حتى آخر خلافة عثمان، ولم يشك أحد منه، وقد جاء مدح أعماله الطيبة على لسان علي ﵁. وبعد عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر تم تعيين عبد الله بن سعد ابن أبي سرح العامري، ولم يكن أمويًا، بل كان أخًا لعثمان ﵁ في الرضاعة. وصحيح أن عبد الله ارتد عن الإسلام بعد أن أسلم، إلا أن الحقيقة تشهد أنه تاب وأصلح وعاد إلى الإسلام، وجميع الروايات تشهد بأنه كان مسلمًا صالحًا وصادقًا. وأولئك الذين أساءوا إليه بسبب ارتداده ينسون أن الإِسلام يَجُبُّ ما قبله، كما ينسون أن سخريتهم به ليست من العدل في شىء، ففي زمان ولاية سعد ﵁ على مصر، زاد خراجها زيادة كبيرة، وهذه الزيادة قد رآها البعض نتيجة للظلم والقهر، على حين تثبت الأبحاث أن ذلك كان نتيجة لحسن إدارته. لقد أقام صلة مباشرة بين الحكومة والزراع

стр. 127

وأصحاب المنتوجات، وقام بفصل الوسطاء (١)، الذين كانوا يقومون بتحصيل المبالغ كاملة لكنهم لا يؤدونها للحكومة كاملة، بل يحجزون لأنفسهم بعضها، وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق الباحث أن يعترف بما كان له من حسن الإدارة والنظام. والحقيقة أن الناس غفلوا عن منجزاته هذه، واتهموه بناء على عداوتهم لبني أمية، ولم يفهموا لم يرتكبون من مخالفات في حق التاريخ الإسلامي. لقد قامت جماعة من المؤرخين بنقد مروان بن الحكم الأموي أيضًا، ومن المؤسف أنهم استخدموا لذلك أسلوبًا غير لائق، ووجهوا له اتهامات يصعب على العقل أن يقبلها، ومن تلك الاتهامات أنه قد سمح لأبيه بالتدخل في شئون الحكومة، وأنه قد اختاره كاتبًا [سكرتيرًا] للخليفة، وهذا المنصب من المناصب المهمة، وأنه سلك سلوكًا غير مقبول مع بعض الصحابة الكرام، وغير ذلك. لقد قبل المؤرخون كثيرًا من الروايات التي سيقت ضد مروان، وسكت بعضهم عن كثير من الروايات التي تتحدث عن الجوانب المضيئة في شخصيته وسيرته. لقد كان عالمًا بالتفسير، ولقد قرر الحافظ الذهبي أنه كان قارئًا وفقيهًا ومتمسكًا بالحدود الإلهية. والمحدثون يرون أنه محدث ثقة، وقد روى عنه الإمام البخاري في كتابه، وقد قرر الحافظ ابن حجر في الإِصابة ومقدمة فتح الباري أنه كان ثقة في الحديث. وهي تدل على علو مقامه. إن ما جاء ذكره بالنسبة لاتهام عثمان ﵁ بتفضيله ومحاباته للأمويين هو اتهام يتنافي مع حقائق التاريخ. والدليل الذي يقدمه المتَّهِمُون هو أن عظماءهم لم يعينوا أقاربهم في مناصب الحكومة، والصحيح أن القرابة لم تكن أساسًا للتعيين، كما لم تكن شرطًا

стр. 128

ضروريًا للحرمان من المناصب، والشرط الأصلي كان اللياقة والكفاءة، وقد انطبقت هذه الشروط بتمامها على عمال عثمان ﵃، ونظرًا للكثرة العددية لأسرته وجد من بينهم العديد من الأفراد الأكفاء. ويذكر التاريخ أنه ابتداءً من العهد النبوي وحتى العهد العثماني تولى الأمويون باستمرار مناصب الحكومة، ولهذا فاتهام بعض المؤرخين لهم بأنهم حاولوا في العهد العثماني الاستيلاء على مناصب الحكومة عن طريق التآمر، وأنهم نجحوا في ذلك، اتهام ربما ابتعد عن الصواب كثيرًا، ثم إن اتهام أحد بمحاباة أقاربه وتفضيلهم إنما يكون صحيحًا إذا ما أسندت إليهم الوظائف لمجرد أنهم أقارب فقط، كما أن حرمان القريب الكُفء من الوظيفة بسبب القرابة ليس عدلاً إسلاميًا، بالإضافة إلى ذلك فهناك حقيقة هامة يجب أن ننظر إليها من منطق أن عدد أقارب الخليفة بين جميع عمال عثمان كان قليلاً، ونسبتهم كانت بسيطة وعادية، ومن بينهم عدد قام بتعيينه رؤساؤهم المباشرون، والحقيقة أن إلصاق تهمة المحاباة وتفضيل الأقارب بالخليفة الثالث، والقول بأنه تسلط، فعزل هذا وعين ذاك، إنما هو جزء من مؤامرة كريهة حيكت ضد الخلافة الإسلامية، ولسوف نلقي الضوء عليها بعد قليل. التصرف في بيت المال: من بين العديد من التهم الأخرى الموجهة من جانب المؤرخين المغرضين في حق عثمان ﵁، تهمة أكبر من جميع التهم الأخرى، وهي التصرف بطريقة غير مناسبة في بيت المال الرسمي، وإغداق الأموال دون وجه حق على أقاربه، وهناك رواية تقول بأن الخليفة الثالث قد وهب مروان بن الحكم خمس أفريقية، وأعطى عبد الله بن مسعود خمس مصر ووهب خيبر لعبد الله بن خالد. لقد كان عثمان ﵁ ثريًّا، رزقه الله المال الوفير، وما كان يعطيه

стр. 129

لأحبابه وأقاربه إنما كان يعطيه من ماله الخاص. لا من خزانة الدولة الرسمية. أما الهبات والهدايا لأصحاب الوظائف فقد كانت لحسن خدماتهم، وهي سياسة قديمة قام بها عمر ﵁ إذ وهب أنس بن مالك مبالغ وصلت من البحرين، بالإضافة إلى هذا، فهناك روايات أخرى تفيد بأن سبب اعتراض الناس هو أن الخليفة الثالث قام باسترداد هذه العطايا المقدمة للثلاثة المذكورين، وأدخلها في بيت المال، وقد ذكر ابن خلدون أن مروان كان قد اشترى خمس أفريقية. وأنه لم يكن عطية من الخليفة، وقد خطّأ جميع الروايات التي تشير إلى مسألة العطية، وعلى ذلك فربما كانت هذه الاتهامات من تعصب بعض كتاب التاريخ. القطائع: وهناك اتهام آخر موجه ضد عثمان، ويتعلق بالقطائع أو الإقطاعيات، والتاريخ يشير إلى أنه قد جرى العرف طوال العهد النبوي بذلك، فقد قام رسول الله ﷺ بإعطاء مختلف الناس إقطاعات متنوعة، وكذلك كان أبو بكر وعمر، فقد قام أبو بكر بمنح إقطاعات للزبير وطلحة، وكانا من أقاربه، وممن نالوا كرم قطائع الفاروق: عثمان وعلي والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت الخزرجي، وطبقًا للعرف السابق، فإن الخليفة الثالث قام في فترة خلافته بإعطاء بعض الناس قطائع نظير خدماتهم واستحقاقاتهم، من بينهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، والزبير وخباب بن الأرت، وأسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وكان من بينهم فقط الزبير الذي تربطه به علاقة مصاهرة. ويثبت في ضوء جميع هذه الحقائق أن الاتهام الموجه للخليفة الثالث إنما هو اتهام غير صحيح. محاسبة العمال: ومن الاتهامات الموجهة إلى عثمان تأخره في محاسبة عماله على جرائمهم،

стр. 130

ومثال ذلك أنه لم يقم بإجراء حد شرب الخمر على الوليد بن عقبة، كما أنه لم يحاسب مروان بن الحكم، ولم يوقفه عن تهديداته، وطبقًا للروايات التاريخية فإن الخليفة حين سمع الشهادات كاملة عن شرب الخمر في حق الأول لم يتباطأ في إقامة الحد عليه. ويتضح من الروايات أنه قام بالحجر على مروان في حينه. أما ما يتعلق بموضوع عدم إقامة الحد على ابن عمر لقتله الهرمزان وجفنية فقد قام هو نفسه طبقًا للإجازة الشرعية، وطبقًا لإجماع الصحابة الكرام بدفع دية القتلى من جيبه الخاص كخليفة، ولهذا فليس هناك قضية تتعلق باتهامه بتأخير تنفيذ الحكم. الاتهامات الأخرى: إن قائمة الاتهامات الموجهة ضد عثمان ﵁ قائمة طويلة، إلا أن عددًا من المؤرخين قاموا بتفنيدها والرد عليها، واعتبروها اتهامات باطلة أساسًا، وهذه الاتهامات من النوع القائل بالصلاة أربع ركعات أثناء الحج في مكة، وأمور كثيرة يمكن أن يطلق عليها أنها اختلافات فقهية، وكان عثمان رجلاً صاحب بصيرة، وعارفًا بالشريعة، ولا يمكن أن يقال هنا غير ذلك. كما يتضح من استعراض الأحداث التاريخية أن هذه الاتهامات كانت نتيجة لمجرد تعصب أعمى وعداء دون حق، وجهل بالتاريخ. أهم ملامح السياسة العثمانية: هناك نقطتان تتعلقان بملامح السياسة العثمانية بالنسبة للعمال الأولى: أن الخليفة أعلن في جميع البلاد أنه ستتم محاسبة العمال علنًا كل سنة وفي موسم الحج، ومن لديه شكوى فعليه أن يقدمها للخليفة مباشرة، وتم تنفيذ هذا الأمر. الثانية هي أنه حين وصلت الشكاوى ضد العمال بكثرة إلى المدينة المنورة قام عثمان بناء على مشورة كبار الصحابة بتشكيل لجنة للتحقيق نيابة عنه فيما نسب إلى عمال الأمصار وبموجب رواية للطبري، تم إرسال محمد بن مسلمة

стр. 131

الأنصاري وأسامة بن زيد الكلبي وعبد الله بن عمر العدوي، وعمار بن ياسر إلى الكوفة والبصرة والشام، ومصر بالترتيب، وذلك للتحقيق في الشكاوى، وأشار جميع هؤلاء الصحابة (ما عدا عمار بن ياسر) بعد أن أجروا التحقيقات المطلوبة " إلى أنهم لم يروا هناك أي أمر غير مرض ". وقد خالف عمار في ذلك. ولم يكتف عثمان بهذا، بل طلب عمال الولايات واستجوبهم واطمأن إلى إجاباتهم، وأصدر حكمه بإعادتهم، ولكن في أثناء ذلك تمت المؤامرة الخبيثة التي هدفت إلى الطعن في عثمان وعماله، وأعلن العصيان ضد الخلافة الإسلامية، واستشهد عثمان ﵁، وتفتتت الوحدة الإِسلامية. وتشير المصادر إلى أن أول شخص وضع البذرة الأولى في المؤامرة ضد عثمان هو عبد الله بن سبأ، الذي ارتدى رداء الإسلام بعد ترك يهوديته، حتى يكمل أهدافه الكريهة ولقد أصاب بسهمه عصفورين، إذ عرض تصورًا مبالغًا فيه لحب أهل البيت، وجعل الخلافة حقًّا موروثًا لعلي ﵁، ومن ناحية أخرى جعل خلافة عثمان غير شرعية. وطبقًا لما ورد بالطبري فقد بدأ نشر مؤامرته من محاور ثلاثة. المحور الأول أنه أثار الناس ضد عثمان تحت غطاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمحور الثاني محاولة التشنيع والإِساءة إلى العمال العثمانيين. والثالث نشر الإشاعات عن محاباة الخليفة الثالث لأقاربه. ويفهم من رواية أخرى للطبري أن المتآمرين قاموا بنشر الكراهية ضد الحكومة بطريقة مخططة محكمة، وكانوا يعرفون تمامًا أن العامة والخاصة لن يتحملوا أبدًا أي اتهام ضد شخصية عثمان وذاته، وأنهم لو اعتمدوا على ذلك فسوف تفشل حركتهم من أولها، ولهذا بدأوا معارضتهم للحكومة بإثارة الفتنة ضد عمال عثمان على أساس توجيهها إلى الخليفة فيما بعد إذا قبلها الناس،

стр. 132

واختار هؤلاء لتنفيذ مخططهم معسكرات الكوفة والبصرة، حيث التربة خصبة تمامًا للمؤامرات، فهي من حيث كونها مدنًا جديدة ليس لها سكان أصليون، وليس لها مثل أو تقاليد، وكان لعبد الله بن سبأ في مراكز الغدر هذه العديد من المؤيدين وقد قام هو بنفسه كما أرسل دعاته ونقباءه فقاموا بالدعاية التي كان من نتيجتها إثارة الفتنة، تلك الفتنة التي خُدع بها الكثيرون من البسطاء، وانطلقت الشرارة الأولى للمؤامرة في الكوفة، أما نيران الفتنة في البصرة فقد أوقدها عبد الله بن سبأ بنفسه، إذ تآمر مع أحد قطاع الطرق المشهورين هناك، ويدعى حكيم بن جبلة، وقاد حركة النقد واللوم والتجريح. إلا أنه أخرج من هناك بسرعة فوصل إلى الكوفة حيث انضم إلى أهل الفتنة التي اشتدت هناك، ثم أخرج من هناك فذهب إلى الشام، لكنه لم يتمكن من التحرك هناك فوصل في النهاية إلى مصر، حيث وجد بها معارضين لعثمان، هما محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، ونظرًا لعداوتهم الشخصية، قادا حركة العداء ضد عثمان وحكومته. وتُلقي روايات الطبري وابن الأثير الضوء على نشاطاتهم. وبوصول عبد الله بن سبأ إلى مصر وجدت حركته لها قائدًا. وبدأ عدد المتآمرين ومثيري الفتنة يزداد تدريجيًا، وبعد ذلك، وطبقًا لخطته تم الهجوم على المدينة المنورة مركز الخلافة، حيث وضعت خطة قتل الخليفة الثالث، وطبقًا لهذه الخطة وصل المتآمرون في وقت واحد من ثلاث جهات مختلفة، الكوفة، والبصرة، والفسطاط. ولقد اختاروا وقتًا كانت فيه المدينة خالية من معظم الصحابة الكرام ومن الجيش، فقد كان ذلك في شهر الحج، ووصول المجموعات الثلاث في وقت واحد إلى المدينة إنما يدل على التآمر الدنىء. وكانت ذريعتهم في ذلك هي الحصول على موافقة الخليفة على مطالبهم، وهكذا وحين وافق الخليفة الثالث على مطالبهم بناء على مشورة

стр. 133

ووساطة كبار الصحابة لم يكن أمامهم من سبيل سوى العودة، إلا أنهم لم يكونوا ليعودوا دون أن يحققوا مرامهم وهدفهم الخبيث، وفي الطريق قاموا بالعودة بحجة بعض الخطابات المزورة، ويُعلم من الطبري والمصادر الأخرى أن عليًّا ناقش هؤلاء المتمردين، وحاول أن يثنيهم عن عزمهم، إلا أنهم في هذه المرة جاءوا مصممين على تنفيذ مخططهم. فحاصروا المدينة، ولم يكن أهل المدينة وكبار الصحابة على علم بهذه المؤامرة الخطرة، كما لم يكونوا على استعداد لمواجهة هذه المحاصرة، لهذا كانوا جميعًا بلا حول ولا قوة، ولم ينج أحد من أيدي المتمردين إلا ونال الإيذاء، وهكذا جلس الكثير من الناس في بيوتهم لا يبارحونها، ولا شك أن عددًا من الصحابة الكرام وأولادهم قاموا بحماية الخليفة الثالث حماية كاملة ودافعوا عنه. قام المتمردون أولاً بالإساءة إلى عثمان في المسجد، وأخذوا يلقون عليه بالطوب، لدرجة أنه سقط مغشيًا عليه وهو يخطب في الناس وبعد ذلك قاموا بمحاصرة منزله، فمنعوا عنه الطعام والماء. وقام عدد من الصحابة وأمهات المؤمنين بالمخاطرة بالروح حتى أوصلوا إليه الطعام، وفي النهاية قرر العصاة المتمردون اغتيال الخليفة لأنه رفض طلبهم بالتنازل عن الخلافة، فقاموا بالهجوم على بيته لكنهم لم يتمكنوا من الدخول من البوابة الرئيسية، حيث وجد عدد من الفدائيين يدافعون عن الخليفة، ولهذا تسلقوا الحائط المؤدي من منزله إلى طريق المسجد، وكان من بين هؤلاء محمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر النخعي وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر التيمي وغيرهم، وهجموا على الخليفة، بينما كان يتلو القرآن الكريم. وتفجر الدم الطاهر على أوراق المصحف، ونجحت مؤامرة المتآمرين، وانفرط عقد الأمة الإسلامية. الفتنة الكبرى: يطلق المؤرخون المسلمون على الفترة من بداية المؤامرة ضد الخليفة الثالث

стр. 134

عثمان ﵁ اسم " الفتنة الكبرى " وهذا اسم على مُسمى، إذ انفرط عقد الخلافة الإسلامية وتفتتت وحدة الأمة، وتخاصم المسلمون وتناحروا وانقسمت الأمة الإسلامية حينذاك إلى ثلاث مجموعات متحاربة، وإلى جماعة غير منحازة. مجموعة كانت في صف علي تؤيده وتسانده وقامت لانتخابه خليفة رابعًا بعد استشهاد عثمان في المدينة المنورة. ومجموعة أخرى كانت مع عائشة الصديقة ﵂، وكان من حماتها الزبير وطلحة ومن في صفهم ممن وقفوا يطالبون بالقصاص لمقتل عثمان، وقادوا حركتهم أولاً في مكة وبعد ذلك في البصرة. والمجموعة الثالثة وهي المجموعة القوية، وضمت حماة معاوية ابن أبي سفيان والي الشام والأوفياء له، وقد قاموا يطالبون بالقصاص من مقتل عثمان، وأنكرت هذه المجموعة الاعتراف بخلافة علي. والمجموعة الرابعة ضمت من احتاط من الصحابة الكرام وكبار المسلمين ممن لم يرغبوا في أن يلوثوا أنفسهم بالحرب الداخلية بين المسلمين، ولهذا ظلت هذه المجموعة واقفة وحدها منفصلة عن الجميع. حدث هذا في حين وصلت الأمور إلى درجة من الغموض والتعقيد يصعب معها التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحق والباطل، إذ كانت كل جماعة تعتبر نفسها على حق والآخرين على باطل، كان علي يرى أنه الأحق بالخلافة، ولهذا كان من الضروري أن يبايعه جميع المسلمين، ومن ناحية أخرى كان الحق مع مطالبة عائشة ومعاوية بالقصاص من قاتل عثمان. وعلى الخليفة الرابع أن يقتص منهم، فإن لم يفعل فهو متهم بحمايته لهم، هذا بينما كانت دعوى علىّ ﵁ أنه لا حول له ولا قوة، وكان هذا إلى حد كبير صحيحًا في بداية خلافته، نتيجة لما كانت عليه الظروف من تعقيد في هذا العصر الذي سمي بحق عصر الفتنة الكبرى. وربما حملت وجهة نظر المؤرخين القدامى بعض التعصب وربما كان في

стр. 135

رواياتهم فيها الكثير من الميول القبلية أو الميول الطائفية؛ لذا كان من واجبنا الوقوف بحذر أمام كثير من رواياتهم. السيدة عائشة وحركتها الإصلاحية: يتهم بعض المؤرخين المؤيدين لعلي ﵁ سواء القدامى منهم أو المحدثون عائشة ومن معها بإعلان العصيان ضد الخليفة صاحب الحق، وقالوا بأنهم كانوا على باطل، وفي هذا الصدد ذكر المؤرخون القدامى بعض الروايات التي تؤيد عليًا وتعارض هؤلاء الكبار من الصحابة والتابعين. وعلى سبيل المثال ففي حديثهم عن واقعة الجمل ذكروا رواية عائشة، وهي رواية نباح كلاب قرية مروا عليها، وأن رسول الله ﷺ قال ما معناه أن هؤلاء الثلاثة على باطل وسوف يحاربون عليًا في يوم ما، وطبقًا للرواية الأخيرة فإن طلحة والزبير تركا ميدان القتال بناء على تذكير علىّ لهم، واعترفا بخطئهم؛ والحقيقة أن الروايات الثلاث موضوعة ولا تستقيم على محك الرواية والدراية كليهما، ويفهم من الروايات الصحيحة للمصادر أن هدف عائشة ومن معها هو القصاص من قاتل عثمان حتى يمكن سد باب الفتنة وينصلح حال الأمة. لكن خورشيد أحمد فاروق لم يترك شخصية في هذا الأمر دون طعن أو تجريح، فرأى أن طلحة والزبير كانا يريدان الخلافة، وأنهما قد حاولا بكل قوة الحصول عليها مثلهم في ذلك مثل علىّ، وقاموا بالإغداق على مؤيديهم السياسيين من أموالهم وثرواتهم في الكوفة والبصرة، ولكن حين أيدت الكوفة عليا وبايعته ... ضعفت الفرق الأخرى وأخذت البيعة بالقوة من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام. إن اتهام طلحة والزبير باتخاذ إجراءات تهدف إلى الحصول على الخلافة، وتشكيل فرق سياسية، والتمسح بدم عثمان هو مجرد اتهام. إنهما لم يحاولا أبدًا الحصول على الخلافة، وقد كانا أول من قاما بسحب اسميهما بناء على اقتراح عبد الرحمن بن عوف من بين المرشحين في المجلس الذي شكله عمر،

стр. 136

وهذا دليل بيّن وواضح في سلوكهما، ثم إن الوقائع التاريخية في مكة والبصرة ترد بطريقة كاملة هذه التهمة، فلو كانا يريدان الخلافة لما تصالحا أبدًا مع عليّ. " إن هذين الصاحبين الجليلين قد طالبا عليًّا بحكومة الكوفة والبصرة، ورفض عليّ إعطاءهما هذا المطلب ولهذا خالفاه ". هذا اتهام لا تصدقه ولا تؤيده أية رواية تاريخية. وصحيح أنهما كانا يؤمنان بضرورة القصاص من قاتل عثمان، وقد كانا صادقين في هذا الأمر، ورؤيتهم لقتلة عثمان في جيش عليّ جعلهم على يقين من صدق موقفهم. ولقد اتهم سيد أمير على السيدة عائشة قائلاً بأنها عارضت عليًّا بسبب عداء شخصي، واشتركت في حرب الجمل، بينما قام خورشيد أحمد فاروق باتهامها بمحاولة تعيين طلحة بن عبيد الله التيمي أحد أقاربها طمعًا في الثروة، ونظرًا للعصبية القبلية بالإِضافة إلى اتهامها بالشكوى من أمور شخصية، والتهمتان لم تثبتا بأي شكل من الأشكال في أي مصدر من المصادر، ويتضح من خطابات عائشة، ومن بياناتها التاريخية، ومن سير الأحداث أنها أرادت حل قضية تهم الأمة، ولو كانت فيها هذه العصبية لما اقترحت أن يقوم عمر بإمامة الصلاة بدلاً من والدها في مرحلة مرض رسول الله ﷺ ، ثم يتضح من كلامها قبل وقعة الجمل أنها كانت تعمل بكل إيمان وصدق من أجل الحق. سلوك عليّ: اعتبر خورشيد أحمد حماية علي لقاتلي عثمان، وتأييده لهم، وتنصيب نفسه خليفة بتعاونهم، ورفضه تقديمهم للقصاص، خطأ كبيرًا، كتب يقول: " إن أولئك الذين اشتركوا أو قاموا بقتل الخليفة السابق، قاموا بتنصيب عليّ خليفة، ولا يمكن أن يهز أساس خلافته بتسليمه إياهم لمعارضيه ليقتصوا منهم " وكانت الصعوبة التي تواجه عليًّا أنه كان يعرف أن القتلة موجودون داخل جيشه، إلا أنه لم يكن قادرًا على معرفتهم وتمييزهم، ولكن المودودي يرى

стр. 137

أنه قد تأذى وأعلن براءته منهم، وقبل حرب صفين وصل مبعوث معاوية للتباحث مع عليٍّ، فقام جيش علي الذي كان يضم الآلاف بالدق على الطبول معلنا أنهم جميعًا قاتلو عثمان، وصار الوضع في غاية التعقيد والغموض، ووسط هذه الظروف كان التعرف على القتلة وعقابهم أمرًا مستحيلاً، فلو كانت الظروف مواتية لأمكن الكشف عن القتلة، ولأمكن عقابهم. إلا أن الأحداث تطورت بسرعة فائقة لم تسمح بوجود تلك الفرصة. احتجاج معاوية: معظم مؤرخينا يعارضون معاوية، ويلقون على أكتافه بمسئوليات حرب صفين، وهم يرون أن معاوية اتخذ من قصة القصاص لعثمان ذريعة لاستكمال أهدافه السياسية، فأثار مشاعر أهل الشام، وأغدق على الناس بالأموال، حتى جعلهم في صفه ونتيجة لذلك نجح نجاحًا كاملاً في تحقيق أهدافه. وكان معاوية ورفاقه في العمل من مثل عمرو بن العاص يرون قتلة عثمان داخل جيش عليّ فيشعرون أنهم على حق، وقد أعلنوا عن ذلك فيما كتبوه إلى علي خاصة وكبار الأمة بصفة عامة. وأكبر المدافعين عن علي من مؤرخينا وهو المودودي يكتب أن عليًّا: " بعد موقعة الجمل ... تغير سلوكه تجاه قاتلي عثمان، وظل يتأذى من هؤلاء الناس حتى وقعة الجمل، وتحملهم بقلب غاضب، وكان ينتظر الفرصة للقبض عليهم، إلا أنه تدريجيًا حدث تقارب بينه وبين أولئك الناس الذين أثاروا الفوضى ضد عثمان، ثم صاروا في النهاية مسئولين عن قتله، حتى أنه أسند منصب الولاية لمالك بن الحارث الأشتر ومحمد بن أبي بكر، بينما يعرف الجميع الدور الذي لعباه في مقتل عثمان ... " ومن الواضح أنه وسط هذه الظروف المعقدة فإنّ اتهام معاوية بأنه على باطل تمامًا إنما هو اتهام غير صحيح، والتحليل المقبول هو ما ينسب في التاريخ إلى سيدنا عليّ، حين سئل عمن مات على حق وعمن مات على باطل، فقال:

стр. 138

" إن من حارب في سبيل مرضاة الله سينال الجنة، ومن حارب طلبًا للجاه والحرص على الدنيا فهو في النار " ولقد لجأ المؤرخون عمومًا إلى الإفراط والتفريط وهم بصدد تحليل أحداث الفتنة الكبرى، والسبب في ذلك هو جميع المزاعم والأفكار التي رسخت في أذهان الناس منذ فترات طويلة، ولقد ساهم مؤرخونا القدامى بدور أساسي في تشكيل هذه الأفكار، والذين كانوا بصورة واضحة منحازين إلى صف عليّ، وكانوا يعارضون من يعارضه، ولهذا يجب على القراء أن يحتاطوا حين يطالعون كتبهم بصورة عامة، وكتب المؤرخين الجدد بصفة خاصة، ويجب أن نقبل الروايات بشقيها بعد دراسة وفحص وتمحيص.

стр. 139

خاتمة المطاف يتضح من البحث المفصل السابق نوعية الهجمات المغرضة للمستشرقين والمؤرخين المغرضين على أهم فترات وأحداث التاريخ الإسلامي، وقد ألقينا بنظرة في هذا الصدد على كتابات المؤرخين المسلمين الأوائل وكتابات المستشرقين والمؤلفين المحدثين التي بنيت على تحليل وتفسير الروايات التاريخية بطريقة خاطئة. وكان ذلك نتيجة للميول الفكرية لهؤلاء المؤرخين، ونتيجة لتأثير عامل العقائد الدينية، ولهذا يجب علينا أن نقف من كتاباتهم في يقظة، وألا نقبل آراءهم في سهولة، وأن نلاحظ الأمور التالية: الأمر الأول: أن نلاحظ دائمًا في الروايات والمصادر الإسلامية القديمة أن الراوى كثيرًا ما يتأثر بميوله الذاتية، فلا يحتاط في قبول أو رفض الروايات، كما أنه قد يتأثر بعاطفته القبلية، ومع هذا فإن أكثر ما كتبوه طبقًا لإيمانهم وطبقًا لعقيدتهم كان صحيحًا من وجهة نظرهم، فليست كل رواية من رواياتهم مشكوكًا ومشتبهًا فيها، وأكثر الروايات صحيحة، ولو علم القارىء الاتجاه الفكري لكل راوٍ ومؤلف فسوف يفهم جيدًا وجهة نظره ومدى الصدق في رواياته. الأمر الثاني: يجب الانتباه فيما يتعلق بالمؤرخين المسلمين الكبار إلى ما يذكر عن الرواة الأوائل لأنهم كانوا ينتمون إلى مناطق مختلفة، ولأنهم كانوا عراقيين، وقد يلاحظ موقفهم ضد الشاميين والأمويين على الخصوص، وقد يميلون إلى العباسيين ويعارضون الأمويين. الأمر الثالث: أن مؤرخي القرن الثالث الهجري وما بعده كانوا جامعي روايات، فإذا ما وجدت في كتاباتهم تأييدًا أو معارضة لطبقة ما أو فرد ما،

стр. 140

فيجب أن ينتبه القارئ، فقد يكون الأمر على عكس ذلك، لأنهم يعتبرون جمع الروايات من كل نوع، سواء كانت صحيحة أو ضعيفة واجبًا عليهم، ولا يرون من الضرورة أو من واجبهم نقدها أو التعليق عليها، ولا يرون ذلك من واجبات عملهم، بل يتركون عملية النقد للقراء، ولهذا لا يجب أن تقبل رواياتهم على علاّتها دون أن توضع دائمًا على محك النقد. الأمر الرابع: يسود هذه الروايات طابع المبالغة والغلو، ولهذا وجب ملاحظة هذه الأمور عند قراءتها، كما لا يجب أن تقبل المعجزات والكرامات والخوارق والتنبؤات دون نقد أو تحليل، لأنه كثيرًا ما تكون مملوءة بالمبالغة، بالإضافة إلى أن تكون موضوعة أو مختلقة. الأمر الخامس: يجب الاحتياط دائمًا فيما يتعلق بمشاجرات الصحابة، فهم ليسوا بمعصومين، فصدور الأخطاء أو ارتكابها من جانبهم ليس بالمستحيل، بل هو ضرورة من ضرورات البشر، ولكن لا يوجد لديهم، وخاصة أكابر الصحابة سوء النية أو سواد الباطن، لهذا فما قاموا به، قاموا به بكل إيمان، فلو تذكرنا الأهداف والمقاصد فيما يتعلق باختلافاتهم فإننا حينها يجب أن نفهم تعليقات الرواة وكتاب الأخبار، ولا يجب أن نقبلها طالما لا توجد لها شواهد تاريخية مؤكدة. الأمر السادس: لا يجب أن نقبل بعيون مغلقة ما يذكره أصحاب الأخبار أو النقلة، أو بيانات المفسرين أو علماء الجرح والتعديل؛ لأنهم عادة ما يذكرون آراءهم الذاتية المبنية على معلوماتهم، وكثيرًا ما تكون معلوماتهم عن شخص ما أو طبقة ما أو إدارة ما ناقصة، وهكذا يكون تعليقهم بالضرورة غير مكتمل وغير واقعي. الأمر السابع: يجب أن ننظر إلى كتابات المستشرقين بالشك دائمًا، ويجب أن نشك فيما يكتبون حتى نتيقن بأنفسنا من صحته، فمعظم المستشرقين

стр. 141

لهم موقف متعصب ضد التاريخ الإسلامي والإسلام، ومعظمهم لم يطالع التاريخ الإسلامي جيدًا. كما أنهم لا يعرفون اللغة العربية جيدًا. كما أن معرفتهم بالهيئات الإسلامية غير دقيقة. ولهذا فكتاباتهم في معظمها تفتقد إلى التوازن والصواب. الأمر الثامن: معظم المؤرخين المحدثين إما تأثروا بالرواة القدامى أو تأثروا بكتابات المستشرقين، ولهذا يجب على القارىء أن يضع في ذهنه عنصر التأثير هذا حتى لا ينخدع بأسلوبهم وشرحهم للأحداث. الأمر التاسع: لا يجب قبول أية كتابات مهما كانت دون نقد أو تحليل. يجب أن يكون عقلنا واعيًا وقلبنا مدركًا، فنحن يمكن أن نشاهد جيدًا من خلال وجهات نظرنا نحن التضارب والتضاد في بيانات المؤرخين وميولهم الفكرية والعقدية، وأهدافهم وأغراضهم. وعليها يجب أن نقرأ التاريخ الإِسلامي بتناظره الصحيح.

стр. 142

المراجع ١ - ابن الأثير، عز الدين على بن محمد. م (٣٦٠ هـ / ١٢٣٣ م). الكامل في التاريخ - بيروت ١٩٦٥ م. أسد الغابة - طهران ١٩٠٩ م. ٢ - ابن أبي الحديد. م (٦٥٥ هـ / ١٢٥٩ م). شرح نهج البلاغة القاهرة ١٩٥٩ م. ٣ - ابن حجر العسقلاني م (٨٥٢ هـ/ ١٤٤٨ م). الإِصابة في تمييز الصحابة - القاهرة ١٩٣٨ م. تهذيب الأخلاق - حيدر أباد الدكن ١٩١١ م. لسان الميزان - حيدر أباد الدكن ١٩١١ م. فتح الباري في شرح البخاري - بولاق ١٨٨٢ م. ٤ - ابن حزم، علي بن أحمد م (٤٥٦ هـ / ١٠٦٤ م). جمهرة أنساب العرب - القاهرة ١٩٤٨ م. جوامع السيرة - القاهرة ١٩٥٦ م. ٥ - ابن حنبل، أحمد بن محمد م (٢٤١ هـ / ٨٥٥ م). المسند - القاهرة ١٩٤٩ م. ٦ - ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد م (٨٠٤ هـ/ ١٤٠٦ م). كتاب العبر - بيروت ١٩٥٦ م.

стр. 143

المقدمة - القاهرة - ط مصطفي محمد. ٧ - ابن سعد محمد م (٢٣٠ هـ/ ٨٤٥ م). الطبقات الكبرى بيروت ١٩٥٧. ٨ - ابن الطقطقي، محمد بن علي بن طباطبا م (٧٠٩ هـ/ ١٣٠٩ م). كتاب الفخري - القاهرة ١٨٩٩ م. ٩ - ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم دينوري م (٢٧٦ هـ / ٨٨٩ م). كتاب المعارف القاهرة ١٩٦٠ م. عيون الأخبار - القاهرة ١٩٢٥ م. كتاب الإمامة والسياسة - القاهرة ١٩٢٥ م. (منسوب). ١٠ - ابن كثير، إسماعيل بن عمر م (٧٧٤ هـ / ١٣٧٣ م). البداية والنهاية - القاهرة ١٩٣٢. ١١ - ابن هشام. عبد الملك م (٢١٨ هـ/ ٨٣٣ م). السيرة النبوية - القاهرة ١٩٢٥ م. ١٢ - أبو حنيفة الدينوري م (٢٨٢ هـ / ٨٩٥ م). كتاب الأخبار الطوال - ليدن ١٨٨٨ م. ١٣ - أبو داود. سليمان بن الأشعث. م (٢٧٥ هـ / ٨٨٨ م). السنن - القاهرة ١٩٢٢ م. ١٤ - أبو عبيدة قاسم بن سلام م (٢٢٤ هـ / ٨٣٦ م). كتاب الأموال - القاهرة ١٩٣٤ م. ١٥ - أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم م (١٨٢ هـ / ٧٩٨ م). كتاب الخراج القاهرة ١٩٣٣ م. ١٦ - أرزقي. محمد بن عبد الله م (٢٤٤ هـ/ ٨٥٨ م).

стр. 144

أخبار مكة بيروت ١٩٦٤. ١٧ - البخاري. محمد بن إسماعيل م (٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م). الجامع الصحيح - القاهرة ١٩٥٥ م. التاريخ الكبير - حيدر أباد الدكن ١٩٤١ م. ١٨ - البغدادي، محمد بن حبيب م (٢٤٥ هـ / ٨٥٩ م). كتاب المحبر حيدر أباد الدكن ١٩٤٢ م. كتاب المنمق حيدر أباد - الدكن ١٩٦٤ م. ١٩ - البلاذري، أحمد بن يحيى م (٢٧٩ هـ / ٨٩٢ م). أنساب الأشراف ط١ القاهرة ١٩٥٩ م، الرابع - القدس ١٩٣٨ م. الخامس - القدس ١٩٣٦ م. فتوح البلدان القاهرة ١٩٣٢ م. ٢٠ - الطبري، محمد بن جرير م (٣١١ هـ/ ٩٢٣ م). تاريخ الرسل والملوك القاهرة ١٩٦٠ م. جامع البيان عند تأويل آي القرآن، القاهرة ١٩٦٠ م. ٢١ - الفاكهي - محمد بن إسحاق م (٢٧٢ هـ/ ٨٨٢ م). المنتقى في أخبار أم القرى - بيروت ١٩٩٤ م. ٢٢ - مالك بن أنس م (١٧٩ هـ / ٧٩٥ م). الموطأ القاهرة ١٩٥١ م. المدونة القاهرة ١٩٠٥ م. ٢٣ - مسلم بن الحجاج القشيري م (٢٦١ هـ / ٩١٥ م). الجامع الصحيح - القاهرة ١٩٥٢ م. ٢٤ - المسعودي. على بن حسين م (٣٤٥ هـ / ٩٥٦ م). مروج الذهب - القاهرة ١٩٢٧ م.

стр. 145

كتاب التنبيه و الأشراف - ليدن ١٨٩٢ م. ٢٥ - الواقدي، محمد بن عمر م (٢٠٧ هـ / ٨٢٢ م). كتاب المغازي - لندن ١٩٦٦ م. ٢٦ - يعقوب، أحمد بن أبي يعقوب م (٢٩٢ هـ / ٩٠٣ م). التاريخ - بيروت ١٩٦٠ م. كتاب البلدان - ليدن ١٨٦٠ م. ٢٧ - يحيى بن آدم م (٢٠٢ هـ/ ٨١٨ م). كتاب الخراج - ليدن ١٨٩٦ م. ٢٨ - أحمد أمين، فجر الإِسلام - القاهرة ١٩٦٤ م. ضحى الإِسلام - القاهرة ١٩٦٤ م. ٢٩ - طه حسين، على هامش السيرة - القاهرة ١٩٧٤ م. الشيخان - القاهرة ١٩٦٠ م. الفتنة الكبرى - ط دار المعارف. ٣٠ - عمر أبو النصر، خلفاء محمد - بيروت ١٩٣٥. محمد وعصره - بيروت ١٩٤٩ م. ٣١ - أبو الأعلى المودودي، خلافت أورملة آيت دهلي ١٩٦٩ م. ٣٢ - خورشيد أحمد فاروق تاريخ إسلام دهلي ١٩٨٢ م. ٣٣ - شبلي نعمان - سيرة النبي أعظم كَرمق ١٩٧٣ م. ٣٤ - نقوش. (مجلة) رسول غير إراده فروغ ارندلوصور (مجلد) ١٩٨٢ م. ٣٥. Andre , Tor , Mohammad the Man and His Faith , London ١٩٥٦. ٣٦. Arnold , T.W., The Caliphate , London ١٩٥٦ ; The Preaching of Islam London ١٩٣٥.
следующие страницы →