تشكيل الدولة الإسلامية:
عرض بعض المستشرقين وعلى رأسهم (مونتجمري وات) نظرية فحواها أن النظام السياسي الذي أقامه رسول الله ﷺ في المدينة المنورة قد قام على أسس قبلية، وطبقًا لرأيه، فقد كان هناك وفاق بين مختلف القبائل والبطون في المدينة المنورة، وكان هذا الوفاق يضم تقريبًا تسع قبائل كبيرة، ويمكن القول بأنها كانت تمثل تسع وحدات سياسية من بينها وحدة تضم المهاجرين، وكان رسول الله ﷺ رئيسًا للمهاجرين فقط، وبالإضافة إليه كان هناك ثمانية رؤساء سياسيين للقبائل كانوا في جميع الأشكال متساويين معه في الرتبة والمكانة، ولم يكن له عليهم أي أفضلية.
ويحاول هؤلاء المستشرقون في النهاية أن يثبتوا أنه لم يكن حاكمًا للمدينة، كما أنه لم تكن هناك دولة إسلامية بالمدينة تحكم جميع القبائل الأخرى.
وهذه نظرية خاطئة من الناحية التاريخية ودلائلها باطلة، ففي بيعة العقبة الثانية اعترف مسلمو المدينة برسول الله زعيمًا وقائدًا مثلما اعترف به مسلمو مكة بعد الهجرة، ولم تنته سيادته ﷺ إلى حد السيادة على المهاجرين فقط، بل امتدت لتشمل قبيلتي الأنصار أيضًا، ويمكن القول بأنه بعد الهجرة مباشرة كان ﷺ هو شيخ ورئيس جميع طبقات المسلمين بلا استثناء وبعد دستور المدينة أصبح ﵊ هو القائد السياسي للمدينة بأكملها بما فيها من يهود وغيرهم من غير المسلمين، ورغم أن اليهود لم يعترفوا به كرسول فإنهم بانضمامهم إلى المعاهدة النبوية أو الصحيفة النبوية سلموا بزعامته السياسية، تلك الزعامة التي جعلتهم يعترفون بالحيثية القانونية للإجراءات العسكرية التي اتخذت ضدهم.
لقد كان ﷺ هو الحاكم الأعلى للمدينة والقائد الديني والسياسي للجميع.
اعترف به الجميع بعد الهجرة مباشرة وحتى غزوة الخندق كانت القبائل
стр. 72
الموجودة في أطراف ونواحي المدينة قد اعترفت بسيادته، وقد كان منبع سيادته وقيادته رسالته ونبوته، والمستشرقون أساسًا لا يريدون التسليم في كتاباتهم بهذه المكانة الأساسية لرسول الله ﷺ لأنها مكانة دينية.
يهود خيبر:
كان يهود خيبر من بين القاطنين خارج المدينة يحيكون المؤامرات ضد الدولة الإسلامية، وكان من أهم العناصر المتآمرة يهود بني نضير الذين نفوا من ديارهم، وخاصة شيوخهم ورؤساءهم الذين كانت نيران الانتقام والحسد تعتلج في داخلهم، فقد لعبت أيديهم دورًا في غزوة الأحزاب، وفي تأليب القبائل العربية على المدينة، وفي دفع بني قريظة إلى الغدر، وبعد صلح الحديبية وحين اطمأن رسول الله ﷺ إلى جانب قريش في مكة رأي أن أول عمل يجب أن يقوم به هو أن يسد باب مؤامرات يهود خيبر، وقام جيش المسلمين الذى ضم مجاهدي غزوة الحديبية بمحاصرة خيبر وكان بها عدة قلاع، تم حصار بعضها ولم تصمد للحصار، فسقطت واحدة بعد الأخرى وحين وضح لليهود أنهم سيهزمون عرضوا الصلح فقبله الرسول، وتم على أن يُقدِّم زراع اليهود نصف نتاج أراضيهم كل موسم بمثابة خراج، وبعدها تم عقد معاهدات أخرى مع يهود خيبر الآخرين الذين يعيشون في قرى فدك وتيماء ووادي القرى على نفس الشروط.
وصفحات التاريخ الإسلامي شاهد عدل وحكم فصل على أن المسلمين لم يغدروا وصانوا شروط معاهداتهم بكل أمانة وإنصاف وخوف من الله، ويشهد على ذلك الأعداء الذين هزموا، يشهدون على أصول العدل والإنصاف الإسلامي، وعلى سلوك المسلمين السامي، وما اتبعه المسلمون مع أهل خيبر ونواحيها من القرى إنما يثبت بذاته أن الإجراءات العسكرية التي نفذت ضد هذه المناطق لم تكن وراءها أية عوامل أو محركات اقتصادية بل كان هدفها
стр. 73
الأساسي الجهاد الإِسلامي الذي تم به رفع كلمة الله وتقوية الإِسلام وصيانة الأمة الإِسلامية والحفاظ على الدولة الإِسلامية.
والجيش الإِسلامي لم يكن كغيره من الجيوش يعمد إلى السلب أو النهب أو القتل أو الدمار، فلم يكن ليتعرض إلا للسلاح ولأموال الغنيمة التي يحصل عليها في ميدان القتال.
إن القبائل اليهودية التي سلكت مع الدولة الإِسلامية سلوكًا طيبًا سليمًا، ولم تلجأ إلى أسلوب التآمر أو الخداع ولم ترفع في وجه الدولة الإِسلامية السلاح، هؤلاء لم يتخذ المسلمون ضدهم أي إجراء عسكري، ولقد كان الإِجراء العسكري الذي اتخذه المسلمون ضد خيبر والقرى المجاورة لها إجراء اضطر إليه المسلمون حتى يقتلعوا جذور المؤامرات والفتنة والفساد.
الخطّ السياسي للعلاقات مع غير المسلمين:
يتضح من تحليل الخط السياسي للدولة الإِسلامية مع الفئات غير المسلمة أن الخط السياسي الذي اتخذه الرسول بعد الهجرة كان يهدف إلى دعوة القبائل والبطون غير المسلمة إلى الإِسلام، فإن امتنعوا عن قبول الإِسلام عقد معهم معاهدة صلح وتعاون أو على الأقل عدم انحياز.
وهكذا تم عقد معاهدات من هذا القبيل مع القبائل المجاورة للمدينة المنورة، وبخاصة القبائل الغربية مثل مزينة، جهينة، كنانة وغيرها، وبالتدرج وفي فترة بسيطة دخلت هذه القبائل في الإِسلام.
وقبل أن تنجح هذه التدابير والخطط التي وضعها رسول الله ﷺ نجاحًا كاملاً بدأت سلسلة الغزوات مع قريش مكة، وكان من نتيجة ذلك أن بعض القبائل التي ناصبت الإِسلام العداء انتهجت نهجًا يهدف إلى التآمر على الدولة الإِسلامية وقتالها واضطر رسول الله ﷺ إلى أن يعلن الجهاد ضد جميع هذه العناصر المعادية، وأخضع كثيرًا من تلك القبائل بهزيمتها، إلا أن الأسلوب
стр. 74
الذى اتبعه معها كان قائمًا على العدل والإنصاف، فالقبيلة أو الجماعة التي طلبت الصلح، أجيبت إلى طلبها، ولكن حين كان الأمر يقتضي إقامة وحدة سياسية للجزيرة العربية كلها؛ لأنه بدون هذه الوحدة لا يمكن للدولة الإسلامية أن تبقى، ولا يمكن أن تكتمل الفريضة الإلهية الرامية إلى إعلاء كلمة الله، حينئذ أصر رسول الله ﷺ أن يطالب جميع السكان العرب بالموافقة على أحد مطلبين: إما أن يقبلوا الإسلام، ويصبحوا بذلك من مواطنى الدولة الإسلامية بصورة كاملة فيؤدون الفرائض الإسلامية كاملة بما فيها الأحكام التي تخص المال أي الزكاة والصدقات، وإما أن يعترفوا بالتفوق السياسي للدولة الإسلامية إن أرادوا البقاء على دينهم، وعليهم أن يخضعوا لها، ويكون ضمان هذا الوفاء هو دفع الجزية السنوية وفي مقابل دفع الجزية تكون على الدولة الإِسلامية مسئولية حماية أرواحهم وأموالهم وعزتهم وكرامتهم، ويحصلون بذلك على مكانتهم في المجتمع بصفتهم من " أهل الذمة " ويكون لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم التي حددها الإسلام، ومن خلال هذه الخلفية، ومن خلال تحليلنا لجميع الغزوات والسرايا النبوية تحليلاً كاملاً نعرف أن المسلمين قد رفعوا السيف في وجوه تلك العناصر التي أثارت الفتنة والفساد أو كانت عاملاً من عوامل إثارة الفتنة والفساد، وكانت تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية، على أن الدولة الإسلامية قد اتخذت من المصالحة أسلوبًا لها مع جميع الفئات التي كانت تدعو للمصالحة، وتريد الحياة في أمن وسلام.
وفيما يتعلق بالحصول على الفوائد الاقتصادية وأموال الغنيمة فإن التاريخ يثبت أنها لم تكن هي الدافع، ولم تكن هي المحرك، ولم تكن هي الهدف بل كان كل هذا من ثمار الجهاد الإسلامي، وإذا ما حللنا جميع أموال الغنيمة التي تم الحصول عليها أثناء الغزوات والسرايا النبوية فإن نصيب حياة المسلمين الاقتصادية في المدينة كان اثنين بالمائة (٢%) فقط، أما الباقي فقد كان من نصيب الدولة للحفاظ على الأمن، لقد كان الهدف الأساسي لجميع تلك الغزوات والسرايا هو الجهاد الإِسلامي وهو ما يمكن أن تجد له مئات الأمثلة التي قدمها لنا القرآن الكريم وقدمتها لنا الأحاديث النبوية، وقدمها لنا التاريخ الإسلامي.!!
стр. 75
الرسالة العالمية:
مع أن المستشرقين وبعض المؤرخين الجدد يدعون أن رسول الله ﷺ كان رسولاً للعرب دون غيرهم، وأن الرسالة التي حملها كانت قاصرة على منطقته التي عاش فيها، بل كانت وقفًا أيضًا على زمانه هو، وأكثر من هذا فإنهم يدعون بدعوى عجيبة وغريبة وهي أنه لا شرف له في المجىء بهذا " الانقلاب " أو " الثورة الإِسلامية " (١) لأن المجتمع العربي آنذاك كان متعطشًا لثورة اجتماعية وحركة إصلاحية أخلاقية، وحين وجد هذا المجتمع إمكانات قدوم مثل هذه الثورة الاجتماعية والأخلاقية في شكل الإسلام خطا خطوة للأمام فرحب أفراده به.
وهذا الادعاء بشطريه لا يوجد فيه تناقض فقط، بل إنه لا يقوم على محك التحليل والنقد التاريخي وسوف نقوم بتحليله بشطريه.
من بين مستشرقي العصر الحديث المشهورين " مونتجمري وات " وهو من المتعاطفين مع التاريخ الإسلامي، إلا أن إعجابه بالإِسلام لا يمنعه من أن يقدم من خلال كتاباته الاستعراضية تلك النظرية الخاطئة في حق الرسالة العالمية والنبوة العالمية لرسول الله بعد بحث وكد وجهد جهيد، وهو يدعي أن النبي ﷺ بعد تشريفه للمدينة المنورة لم يعرض الإِسلام على يهود المدينة المقدسة لمدة طويلة ولم يقل للفئات الأخرى من غير المسلمين أن يدخلوا في الإِسلام، فلقد كانت رغبته وكان هدفه فقط هو أن يعترفوا به، كواحد من أنبياء الله " حتى يجد لنفسه شهادة تصديق " بين العرب على قبول رسالته، إلا أنهم لم يفعلوا هذا، وهكذا وبعد مدة كافية حين عرض عليهم الدعوة إلى الإسلام، فرفض اليهود قائلين له: إن الإِسلام هو دين العرب فقط، وليس لبقية الفئات والجماعات؛ لأنه ليس دينًا عالميًا، وحتى يرد على استدلال اليهود هذا عرض عليهم تصور الدين الإِبراهيمى، قائلاً بأن الإِسلام الذي جاء به والدين الذي يدعو إليه هو في الأصل الدين الحقيقي لأبي الأنبياء والجد الأكبر للعرب
стр. 76
واليهود، إبراهيم ﵇، وهو الدين الذي يجب أن تقبله البشرية جمعاء، بما فيهم اليهود والنصارى الذين ابتعدوا عن الدين الأصلي لإبراهيم ﵇، وقد حاول المستشرق المذكور بكل جد وجهد أن يثبت أن السور والآيات المكية لا توجد فيها تصورات لدين إبراهيم، إلا أن ذكر إبراهيم ودين إبراهيم قد وردا بكثرة في السور والآيات المدنية، وبسرعة بعد ظهور الاختلاف الفكري والعملي مع اليهود، وكأن ربط الإِسلام بدين إبراهيم لم يكن لمجرد أن اليهود والنصارى عارضوا الإِسلام.
وقد واجه " مونتجمري وات " ومن هم على شاكلته مثل " ريتشارد بيل " وغيره، صعوبة في أن يثبتوا مزاعمهم وأفكارهم، فصرفوا النظر تمامًا لا عن الروايات الإسلامية فقط بل عن روايات وآيات الكتاب المقدس أيضًا، وقاموا بتأويلها تأويلات عجيبة، ولا بد أن في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والروايات الجاهلية وشواهد التاريخ الإِسلامي، ما يثبت بصورة حتمية أن العرب قبل ظهور الإِسلام لم يعتبروا أنفسهم من أولاد إبراهيم فقط، بل كانوا يعتبرون أنفسهم أتباع دينه ومذهبه.
وأكثر من هذا هو تسليم بعض المستشرقين بالحقيقة القائلة بأن اليهود إنما عارضوا رسول الله لمجرد شعورهم بالتفوق والتمييز الجنسي وشعورهم بالتفوق الديني، فقد كان تفكيرهم منحصرًا في أن آخر الأنبياء سيولد من بين بني إسرائيل ولكن حين كانت بعثته ﷺ من بني إسماعيل أنكروا الإِيمان برسالته، لما فيهم من عصبية إسرائيلية، ولكن كان من بينهم علماء حق وعدل وعلى رأسهم العالم اليهودي الشهير عبد الله بن سلام، الذي صدق بالبشارات الواردة في التوراة والإِنجيل فيما يتعلق ببعثته ﷺ ، وآمن برسالته وقال: إنها رسالة عالمية، وإن محمدًا مرسل لجميع البشر، ودعا أهل دينه أيضًا للدخول في الإِسلام، وفضلاً عن ذلك يتضح من خلال عدد من آيات القرآن أن إبراهيم وعيسى ﵉ قد بشرا بقدوم رسول مكي
стр. 77
يأتي من بعدهما اسمه أحمد، والعديد من الآيات القرآنية تخبرنا بوضوح تام بأنه ﷺ مرسل إلى البشرية جمعاء، وهناك شهادات لا حصر لها يمكن استخراجها من الحديث والتاريخ على عالمية رسالته وإنسانية نبوته. والنتيجة المنطقية والشهادة المنطقية هي أن هذه الجماعة الضخمة من البشر قد اعترفت به رسولاً لله مرسلاً للناس كافة، ولما كانت نبوته ورسالته للناس كافة فإن النتيجة اللازمة والمنطقية هي أنه خاتم النبيين وخاتم المرسلين، بالإضافة إلى هذا فإن الحفاظ على القرآن الكريم وتعليمات الإسلام حتى يوم القيامة هو شهادة منطقية على ختم نبوته ﵇. هذا بالإضافة إلى الشهادات العديدة التي لا تقبل الرفض والتي تتخلل جميع مصادر التاريخ الإسلامي ومراجعه، ومع ذلك يلاحظ إصرار المستشرقين وعنادهم وتغاضيهم عن جميع تلك الحقائق والشواهد.
أما الشطر الثاني من دعواهم فتتضح حقيقته في السطور التالية:
تبليغ الدين ونشر الإسلام:
قام المستشرقون وأعداء الإسلام بالهجوم هجومًا خطرًا على أهم أبواب التاريخ الإسلامي ألا وهو تبليغ الرسالة -وهي الفريضة الأساسية- قائلين بأن نشر الإِسلام في العهد النبوي قد تم على نطاق محدود جدًّا.
وطبقًا لتفكيرهم فهم يعتبرون أن الحياة النبوية في مكة [١٣ سنة] كانت محدودة التوفيق والنجاح، وفي خارج مكة أسلم عدد قليل جدًا من الأشخاص، وفي حياته بالمدينة [١٠ سنوات] لم يستطع أن يعطي لفريضة التبليغ حقها؛ لأنه اضطر في معظم الأوقات أن يواجه قريشًا وبقية القبائل العربية، وأن يخوض معها قتالاً مسلحًا. وعام الوفود (٩ هـ/ ٦٣٠ - ٦٣١ م) الذى يشهد بأن الجزيرة العربية بأكملها قد قبلت الإسلام. هو أيضًا غير مقبول لدى المستشرقين، لأنه طبقًا لتفكيرهم فإن معظم القبائل العربية قد
стр. 78
قبلت الرفعة السياسية للدولة الإسلامية ولم تقبل الإسلام.
وقد ذهب بعض المستشرقين اليهود والنصارى إلى حد أنهم قسموا حياة الرسول الطيبة إلى قسمين منفصلين، فجعلوه رسولاً مكيًّا مرة، ورسولاً مدنيًا مرة أخرى، ففي رأيهم أنه في مكة المكرمة يبدو وكأنه رسول بينما هو في المدينة جعل من نفسه قيصر العرب وحاكمًا سياسيًا؛ لأنه طبقًا لتفكيرهم الباطل هذا فإن الرسول في المدينة أنهى الرسالة وأبطل تبليغ الدين. وطبقًا لدعواهم هذه فقد قضى معظم وقته في هذه الفترة في الحرب وفي إقامة التنظيم السياسي، وفي تكوين وتشكيل الحكومة والدولة، ولا شك أن بعض المؤرخين من ذوي الحس والشعور يقدمون هذا العذر قائلين: ولابد أنه قام بمحاولات من أجل تبليغ الدين غير أنها انحصرت في المشاكل السياسية وطبقًا لاعتقادهم فالإسلام قد انحصر داخل القبائل المتركزة بالقرب من المدينة ومكة، أما قبائل مثل هوازن وغطفان فقد قبلت الإسلام فقط لتنال الرفعة السياسية، ولم تقبله لتنال رفعة دينية أو رفعة بالإسلام، أما القبائل اليهودية والمسيحية فقد قبلت بالحاكمية السياسية فقط، وأنكرت ورفضت تمامًا فكرة تغيير الدين، بينما لم يصل الإسلام إلى المناطق العربية الجنوبية والمناطق الشرقية ولا إلى قبائل المنطقة الشمالية الشرقية وإلى المناطق الشمالية، وطبقًا لدعواهم تلك فإن جميع هذه المناطق إذا كانت قد سلمت برفعة المدينة وحكمها إلا أن هذا الأمر اقتصر فقط على المعاملات السياسية، ولم تكن له أي علاقة بالدين. وعلى المسلمين أن يحللوا تاريخيًا هذه الدعوى الطائشة التي يدعيها المستشرقون.
ورغم أننا حتى الآن لم نحلل تحليلاً كاملاً قضية تبليغ الإسلام ونشره في العهد النبوي مرحلة تلو مرحلة إلا أننا عرضنا عرضًا سريعًا لبعض المطالعات فقط، ويفهم من مطالعة مصادر التاريخ الإسلامي ومراجعه أن رسول الله ﷺ قد حالفه التوفيق الكامل في تبليغ ونشر الدين في مكة المكرمة، فقد وجد
стр. 79
في أسر وبطون قريش مسلمون وكان كل بيت من بيوت مكة فيه مسلم، وذلك قبل أن يثبت الإسلام رايته هناك بعد فتح مكة ويفهم من المؤلفات المتقدمة لابن إسحاق وابن سعد والطبري والبلاذري، وكذلك الكتب المتأخرة لابن عبد البر وابن الأثير وابن حزم أن بطونًا وأسرًا متعددة من قريش البطائح (بنو هاشم، بنو أمية، بنو مطلب، بنو نوفل، بنو تيم، بنو مخزوم، بنو زهرة، بنو سهم، بنو أسد، بنو جُمح). وقريش الظواهر (بنو حارث، بنو فهر، بنو عامر، بنو لؤي وغيرها). قد وجد فيهم من أعلن الإِسلام، ثم كانت الأسر والبيوت المتفرعة من هذه البطون.
وطبقًا لما ورد في المصادر الإِسلامية فإن الإِسلام قد انتشر في معظم الأحيان بين هذه الأسر الفرعية ثم كانت البطون والأسر المتحالفة مع بطون وأسر قريش من مثل حلفاء بني بكير حلفاء بني عدي، وبني غنى حلفاء بني هاشم، وبني غنم بن دودان حلفاء بني أمية وغيرهم، ويعرف من الروايات أن الأسر المتحالفة المذكورة كانت بأكملها مسلمة ثم كانت طبقات الموالي والغلمان التي أثر فيها الإِسلام تأثيرًا كبيرًا مثلهم كبقية الفئات الأخرى، وقد رتب (ليون كيتاني ومونتجمري وات) وغيرهم، قوائم بقبائل وأسر مهاجري مكة، ولم يضمنوا هذه القوائم بعض أسماء رجال الإسلام، ومن العجيب أن هؤلاء الذين ينادون بحرية المرأة ومساواة المرأة بالرجل قد أخرجوا من قوائمهم أسماء النساء المسلمات والأطفال!!
السكان المسلمون في العهد المكي:
يعرف من تحليل قبائل وبطون مسلمي مكة أن عددهم حتى الهجرة إلى المدينة قد قارب الألف نسمة، ويبدو هذا الرقم في الظاهر مبالغًا فيه، لكن تحليل الروايات طبقًا للأصول التاريخية الحديثة يدل على أن الرقم غير مبالغ فيه.
في رواياتنا العامة لا نجد بيانًا كاملاً واضحًا يذكر جميع أفراد الأسرة وخاصة المسلمين فيها، ولهذا فالأمر يترك تأثيرًا على المؤرخ والقارىء يجعله يظن أن
стр. 80
هؤلاء الأفراد فقط كانوا هم المسلمين دون غيرهم. ولكن إذا أمعنا النظر في القوة العددية للأسر فسوف نقف على العدد الأصلي لأفرادها، وهناك حقيقة ظلت خافية بصورة عامة وهي الموالي، فهؤلاء كانوا يعدون من أفراد الأسر كما يتضح من بيانات المؤرخين القدامى، وهكذا يتضح من النظرة النقدية التحليلية أن أسرة الرسالة النبوية كانت تضم في مجملها حوالي خمسة عشر فردا، بينما أسرة الصديق رضى الله عنه وأسرة الفاروق ﵁ كانت تضم كل منها عشرة أفراد، ولا يقل عدد المسلمين في أسرة كل من عبيدة ابن حارث، وعثمان بن مظعون الجمحي، وحارث بن قيس السهمي عن هذا العدد أيضًا.
وهكذا ففي ست أسر مسلمة وصل عدد المسلمين إلى ٦٥ فردًا، ويذكر ابن إسحاق أن أسرة بني غنم بن دودان قد ضمت من المسلمين المكيين عشرين رجلاً وخمسة نساء ويذكر أسماءهم، بينما يفهم من معلومات وبيانات ابن سعد وابن حزم أن عدد الأفراد البالغين منهم يصل إلى أربعين، ويرى ابن إسحاق وابن سعد أن المجموع الكلّى للمسلمين المكيين لبني غنم بن دودان وصل إلى ٣١ شخصًا.
ومن الجدير بالذكر هنا أن المستشرقين لم يضموا إلى إحصائياتهم المهاجرين الذين هاجروا إلى الحبشة في أوقات متتالية وأقاموا بها وعادوا إلى المدينة فقط في (٧ هـ/ ٦٢٩ م) لم يضموهم إلى مسلمي العهد المكي. ولقد جاوز عدد المسلمين المكيين بالحبشة مائة مسلم، ومنهم من سمعت مكة بخبر إسلامه فاهتزت، وهكذا يمكن تخمين عدد الأنفس أو عدد السكان طبقًا للأصول الجديدة للإِحصاء السكاني بضرب عدد الرجال البالغين في خمسة لنصل إلى العدد التقريبي للسكان المسلمين.
ومن الواضح أن هذه الأصول لا تأخذ في الاعتبار تعدد الأزواج والموالي
стр. 81
والغلمان، وهو ما يجعل النسبة المتوسطة للسكان في القرون الوسطى تزيد على ما هو مقرر حاليًا، ففي القرون الوسطى يجب أن يضرب عدد البالغين في (٦) أو (٧) كما ذكر (بركات) في كتابه عن الرسول الأكرم ويهود الحجاز. ومن هذه الناحية إذا أخذنا القائمة التي رتبها المستشرقون، فإن عدد مسلمي مكة التقريبي يصل إلى ما ذكرناه.
نشر الإسلام خارج مكة:
هناك خطأ شائع يتعلق بتاريخ نشر الإِسلام في العهد المكي إذ اعتقد البعض أن السكان المسلمين خارج مكة المكرمة كانوا إما صفرًا أو عددًا لا يذكر، بينما يتضح من الروايات التاريخية أن هذا التصور من أوله إلى آخره تصور خاطىء، فالجميع يعرف أن من غير أهل مكة وجد أبو ذر الغفاري وإخوته التسع عشرة، وهم من المسلمين الأوائل للعهد المكي، لكن الحقيقة أن هؤلاء الناس لا يعرفون أن أبا ذر قبل الهجرة إلى المدينة تمكن بجهوده -التي تدل بلا شك على شغفه بالإسلام، وعلى أن ذلك الشغف فاق كل حد- أن يدخل قبيلته كلها في كنف الإسلام، هذا بالإضافة إلى قبيلة أسلم وهي مجاورة لهم وحليفة لهم، فقد صارت في معظمها إن لم تكن بأكملها قبيلة مسلمة، وطبقًا لما تذكره الروايات فإن هاتين القبيلتين ضمتا على الأقل ألفي نسمة، هذا بالإضافة إلى أن من قبائل العرب التي تعرفت على الإِسلام فدخلت فيه في العهد المكي: خزاعة، أزد، شنوة، وأهم بطونها دوس، بنو أسد بن خزيمة، أشعر وعبد القيس وغيرها، وكان بعض هذه القبائل ينتمي إلى منطقة الجنوب، وبخاصة اليمن والجزء الشرقي.
ثم لا ينبغي أن ننسى أن معظم أهل المدينة المنورة ممن شرفوا بالإِسلام إنما شرفوا به في العهد المكي، وحتى زمان الهجرة النبوية كان معظم قبائل الأوس والخزرج بالمدينة من المسلمين الذين دخلوا في الإسلام نتيجة لجهود المبلغين
стр. 82
من مثل أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير العبدري، سفير رسول الله في المدينة قبل الهجرة وطبقًا لقول ابن إسحاق، فلم يكن هناك من قبيلة أوس من هم خارج دائرة الإِسلام سوى أوس مناة الذين ظلوا خارج دائرة الإِسلام حتى غزوة الخندق، وكان كل بيت مدني بيتًا للإِسلام على وجه التقريب.
وهناك حقيقة هامة خفيت بصفة خاصة عن الأنظار وهي أن تشكيل الأمة الإِسلامية في المدينة المنورة، وتوسيع الدولة الإسلامية، والنجاح والتوفيق العسكري والسياسي والاجتماعي لرسول الله ﷺ إنما كان من ثمار الكفاح المجيد للعهد المكي، والحقيقة أن المستشرقين المغرضين والمؤرخين من أعداء الإِسلام يحاولون بخبثهم التآمر على هذا العهد المكي بالتقليل من الأثر الديني للحياة النبوية في العهد المكي، وهذه المؤامرة جزء من خططهم التي يريدون عن طريقها إثبات النظرية القائلة بأن الإِسلام لم ينشر تأثيراته الفكرية وتأثيراته الدينية بنفس القدر الذي نشر به قوته السياسية أو العسكرية، وهم يريدون أيضًا أن يوافقهم الناس على نظريتهم تلك.
ويرى بعض المؤرخين والمفكرين أن أفكار المساواة الاجتماعية في الإِسلام، وتصور الإِسلام للعدالة الاقتصادية كان سببًا في نشر الإِسلام، بينما الحقيقة هي أن نشر الإِسلام وبخاصة في مكة المكرمة إنما كان مرجعه إلى الجانب الديني، أما الجوانب الأخرى فكانت كلها جوانب ثانوية.
رسول أو حاكم:
فيما يتعلق بهذا الاتهام وهو أن الرسول يبدو في مكة رسولاً بينما يبدو في المدينة حاكمًا وسياسيًا، فسببه أن المستشرقين وأذنابهم حبسوا أنفسهم داخل التصور الضيق للدين، هذا بالإِضافة إلى افتقارهم إلى الإِحساس والشعور التاريخي أو نقصه لدى البعض منهم -وكذلك راجع إلى تعصبهم أو جهالتهم- ولما كان أكثر موجهي هذه التهمة من اليهود والنصارى الذين يمثل الدين لديهم
стр. 83
دائرة محدودة قاصرة على رسوم العبادات، لهذا فقد نظروا إلى الإِسلام في نطاق نظرتهم إلى دينهم، بينما الإِسلام دين شامل يضم جميع جوانب الحياة سواء ما يتعلق فيها بالعقيدة أو ما يتعلق بالسياسة والمجتمع أو ما يتعلق بالجيش والحكومة أو ما يتعلق بالاقتصاد وغير ذلك، ولا يمكن لأي فرع من هذه الفروع أن تخرج عن دائرة الإِسلام الواسعة.
والأصل في الإِسلام أنه لا فرق بين الدين والدنيا، فكل ما يجعلنا نغفل عن الله ونعمل خلاف أحكامه هو الدنيا، وكل ما يدخل في دائرة أحكام الله ومرضاته هو الدين. ومن هنا وجب تحليل ودراسة الحياة المدنية لرسول الله ﷺ في ضوء هذه الخلفية لتصور الدين في الإِسلام وهو تصور واسع وشامل.
ويُعرف من مطالعة الحياة المدنية لرسول الله ﷺ أنه قام بتشكيل الأمة الإِسلامية وتنظيم الحكومة الإِسلامية طبقًا لما جاء بالقرآن الكريم وطبقًا لأحكام الله، وكل هذا عمل ديني، وكل ما قام به وأنجزه من خلال الغزوات والسرايا كان في سبيل تقوية الإِسلام كما أن دحض الكفر وهزيمته إنما هو من الأعمال الدينية.
ورغم كل هذا فالحقيقة الواضحة أمام الجميع أنه ﷺ خلال كفاحه العسكري، والسياسي لم يصرف النظر ولم يتقاعس عن بذل جهده في سبيل تبليغ الدين ونشره، ويعرف من الروايات أنه بعد الهجرة مباشرة قام بدعوة القبائل اليهودية وبقية فئات العرب من غير المسلمين على السواء، وأرسل جماعات لتبليغ الدين في مختلف المناطق، ومنها سرية مؤتة وسرية الرجيع وسرية ذات الملاح، وغيرها من السرايا التي تلخصت مهامها في نشر الدين.
لقد ارتكزت خطته ﷺ في القيام أولاً بدعوة الفريق الذي يحاربه إلى الإِسلام، وكانت هذه هي السنة التي مضى عليها الصحابة الكرام، وكان
стр. 84
رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الإسلام أثناء الحرب والنزال، أو بعد الغزوات. وهناك أمثلة عديدة على ذلك، كما كان يدعو أسرى الحرب إلى الإسلام، وقد تأثر الكثير بحسن سلوك رسول الله ودعوته، فأعلنوا إسلامهم. كم دخل من أناس في الإسلام في فتح مكة، وفي غزوة حنين والطائف!! لقد أسلمت جميع القبائل الجنوبية الشرقية عن طريق الدعوة والتبليغ، وفي عام الوفود، حين قدم ممثلو القبائل من كل أركان الجزيرة العربية، ليعلنوا إسلامهم، وليصبحوا لا مسلمين فقط، بل مبلغين لدين الله، يدعون قبائلهم لدخول الإسلام. وطبقًا لإرشادات رسول الله كان جميع ولاة الحكومة الإسلامية، وقضاتها وعمالها وأعضائها أساسًا من المبلغين والمعلمين، وكان هذا أول فرض واجب على هؤلاء الولاة والحكام جميعًا.
والخلاصة أن النظام النبوي بأكمله سواء كان سياسيًا أو عسكريًا، اجتماعيًا أو اقتصاديًا، كان محوره ومركزه هو الإسلام وتبليغ الإسلام، وكان هذا هو السبب في أنه عند حجة الوداع كان في ركب رسول الله ﷺ وفي عرفات ١٤٠٠٠٠ [مائة وأربعون ألفًا] مسلمًا، وهناك أضعافهم كانوا داخل بيوتهم مشغولين بذكر الله. والحقيقة أن خطة تبليغ دين الله وطريقة التبليغ قد تغيرت طبقًا للظروف الجديدة في المدينة المنورة. واتهام المستشرقين إنما يقوم فقط على أنهم لا يريدون أن يفهموا سواء عن عمد أو عن غير عمد هذه السياسة النبوية ومتغيراتها. واتهامهم الثاني يقوم على أن أكثر القبائل العربية، بالإضافة إلى يهود ونصارى المناطق المختلفة لم يقبلوا الإسلام ورفضوه، بل لم يعترفوا بالتفوق السياسي للإسلام، ولا شك في أن بعض القبائل في المناطق البعيدة والمناطق الساحلية ومناطق الحدود لم تدخل في الإسلام، ولكن لا يمكن أن يقال إن الإسلام لم يصل إليها أبدًا؛ ففي داخل مثل هذه القبائل جميعها كانت تدور معركة بين الإسلام والكفر، إذْ أسلم بعض بطونها وأسرها فيما كان البعض الآخر لا يزال قائمًا على مذهبه القديم، ولما كان معظم هذه القبائل من
стр. 85
المسيحيين لم يسمح تعصب المستشرقين لهم أن يعترفوا بتلك الحقيقة الدالة على أن أهل دينهم من المسيحيين قد قبلوا الإسلام بكل سرور وبكل إخلاص ورضا. والتحليل الكلي يخبرنا أن الأغلبية العظمى للقبائل العربية قد قبلت الإسلام ودخلت في كنفه، ولم يعد خارج هذه الدائرة سوى بعض الفئات والأفراد ممن كانوا يعيشون في المناطق الحدودية.
وبديهي أن رسول الله ﷺ لم يكن مطالبًا من رب العزة آنذاك أن يُدخل أهل الدنيا كلهم في الإسلام، بل كان عليه آنذاك أن يُدخل مجموعة كبيرة من البشر في كنف الإسلام، لتقيم مثالاً عمليًا أمام الناس، وهو ما قام به رسول الله ﷺ ، فقد بلغ رسالته إلى جميع أفراد البشرية. والآن فإن على هذه الأمة الإسلامية مجتمعة تقع فريضة نشر الإسلام وعليهم أن يبلغوا الناس جميعًا به!!
بناء الدولة الإسلامية:
أظهر المستشرقون والمؤرخون الجدد خطأين كبيرين فيما يتعلق بالدولة والحكومة الإسلامية: الأول هو أن الدولة الإسلامية لم تشمل جميع شبه الجزيرة العربية، وكانت محصورة في مركز أو وسط الجزيرة العربية، والخطأ الثاني هو أن الدولة الإسلامية كانت قائمة على النظام القبلي القديم للعرب، وفيه كانت تفتقد إلى المركزية.
وفيما يتعلق بالخطأ الأول، لو استعرضنا التاريخ الإِسلامي فسوف نعرف أنه في المجتمع المدني وبعد الهجرة، فإن الدولة الإِسلامية التي قامت ونشأت كانت منذ البداية دولة مدنية، ثم بعدها ونتيجة للمهمات الأولى التي أرسلها الرسول، ونتيجة لمعاهدات الصلح والتفاهم مع القبائل المختلفة والصحيفة النبوية والغزوات والسرايا، بدأت الدولة تتسع تدريجيًا في جميع الجهات، وبعد غزوة بدر انتشرت وتوسعت بسرعة جهة الحدود الغربية، وإن كان توسعها
стр. 86
وانتشارها قد قلّ قليلاً حتى أيام غزوة الخندق إلا أنه بعد غزوة الخندق، بدأت الدولة توسع حدودها بسرعة ونتيجة لغزوة خيبر، وصلت حدودها من ناحية الشمال إلى مدى بعيد، وبعد فتح مكة وفتح حنين وغزوة الطائف ضمت إليها المناطق الشرقية والقبائل الجنوبية، وبعد خضوع قبائل العرب أصبحت الدولة الإِسلامية تضم شبه الجزيرة العربية بأكملها، واعترفت جميع القبائل العربية والمناطق العربية بتفوق المدينة وسلطتها والدليل التاريخي الذي لا يقبل الاعتراض والشك، هو أن القبائل التي أسلمت قد قبلت مسئولية أداء الزكاة والصدقات، بينما قبلت الفئات غير المسلمة دفع الجزية والخراج، وظلوا بكل إخلاص وإيمان يحافظون على عهدهم في أدائها، هذا بالإضافة إلى أنه فيما يتعلق بجميع المعاملات السياسية والنظامية كانوا يطبقون أحكام رسول الله ﷺ ، ونكتفي هنا بذكر مثالين فقط:
كان بنو تغلب، ونصارى ويهود القرى الشمالية يؤدون الجزية والخراج، بل عرض هؤلاء دفع الزكاة مضاعفة بدلاً من الجزية، عرضوا هذا بأنفسهم، وهو ما لم يقبله رسول الله ﷺ ، والأهم من ذلك أن نصارى نجران لم يسلموا فقط بأداء الجزية، بل واتفقوا على شرط التوبة من العمل بالربا، هذا بالإضافة إلى أنهم التزموا بالعمل طبقًا للأحكام النبوية الأخرى، وهذه دلالة عملية على ما كان للدولة الإِسلامية والحكومة الإِسلامية من عامل مؤثر.
يتأكد من البحث السابق أيضًا أن دولة رسول الله ﷺ وحكومته كانت قائمة على أصول مركزية، بينما كان النظام والشكل السياسي للعرب قبل الإِسلام قائمًا على نظام قبلي خالص. ففي النظام الجاهلي كانت كل قبيلة، بل كان كل بطن يمثل بنفسه وحدة سياسية تقوم في داخلها وبطريقة مستقلة بتسيير جميع أمورها الداخلية والخارجية بطريقة حرة لا يتدخل فيها أحد، أما في دولة رسول الله ﷺ ، فقد كانت له السيطرة وكان له الحكم على جميع القبائل
стр. 87
والمناطق المرتبطة بالمدينة المنورة. وكان على كل فرد من أفراد الدولة الإِسلامية أن يطيع جميع الأحكام التي يصدرها رسول الله ﷺ بالمدينة، فالمسلمون كانوا يعتبرون إطاعة رسول الله فريضة دينية تضم أيضًا الوفاء السياسي وكانت فريضة الطاعة هذه قلادة يتزينون بها دائمًا، بينما سلمت الفئات الأخرى من غير المسلمين واعترفت بسلطة الرسول السياسية عليهم. فأطاعوه وخضعوا لأحكامه، وليس هذا فقط بل قام ﷺ فعين حاكمًا له في جميع أنحاء البلاد، وعلى جميع قبائل ومناطق شبه الجزيرة العربية، حتى يقوم بتنفيذ قانون الله وتسيير نظام الحكم الإسلامي في البلاد، وكان هؤلاء الحكام النبويون على طريقتين؛ حكام مركزيون وحكام محليون. وكان الرسول يعينهم ويغيرهم ويعزلهم، بصفته الحاكم الأعلى، وكان جميع العمال والحكام المركزيين في الأقاليم وفي القبائل ممثلين للحكومة الإسلامية وعمالاً لها، مع أن نظام الحكم النبوي لم يكن ليضم أصول التقسيمات الخاصة بالمسئوليات طبقًا للعصر الحاضر إلا أننا سنعرضه بنفس الشكل الحديث حتى يمكن فهمه.
تنظيم الحكومة:
أسس رسول الله ﷺ نظامًا عسكريًا، ونظامًا مدنيًا، ونظامًا ماليًا، وكانت مسئولية أو منصب القائد الأعلى في نظام الجيش من نصيبه ﵊، وكان القائد العام المستقل، ولم يكن في وجوده وجود لأي قائد آخر، إلا أنه طبقًا لبعض الظروف، وانطلاقًا من فكرة تربيته للأمة، فقد كان ينقل مسئوليات جيشه إلى نوابه، مثلما حدث في الغزوات حين كان ﷺ قائدًا عامًا للجيش قرر أن يعين له بعض النواب للقيادة داخل النظام الذي سمي " خميس " إلى تقسيم الجيش إلى خمس مجموعات: المقدمة، الميمنة، الميسرة، القلب، والساقة، عين رسول الله قادة لجميع أقسام الجيش عدا " القلب "، ومن الواضح أنهم جميعًا كانوا يلتزمون بأوامره وإرشاداته،
стр. 88
ويخضعون لحكمه ودستوره، وفي السرايا كان يعين قائدًا للجيش الإسلامي نائبًا عنه، وقد وصل عدد هؤلاء طوال العهد النبوي إلى ٧٤ قائدًا، وكان تعيينهم يتم طبقًا لما لهم من كفاءة ولياقة، وطبقًا للظروف والملابسات المحيطة بالمواقف ذاتها لا طبقًا لعوامل تتعلق بالقبيلة أو النسب أو الحسب أو ما إلى ذلك، بالإِضافة إلى ذلك فيما يتعلق بتعيين ضباط الجيش الآخرين، فقد عين رسول الله أصحاب الألوية، ضباط الطلائع، العيون، الدليل، أصحاب المغانم والأسرى، أصحاب السلاح والفرس، والضباط محافظي المجموعات. وتم تقسيم النظام المدني إلى نظام مركزي ونظام إقليمي، وداخل النظام المركزي احتل خلفاء الرسول المكانة الأهم، فكانوا يتولون الإشراف على أمور الأمة في غيابه، وبعدهم يأتي المستشارون والكتبة وسفراء النبي، وخص بعض " الضباط " لتصفية القضايا، والوقوف على الأمور الخاصة. وكان للشعراء والخطباء مكانة هامة أيضًا، فقد كانوا يدافعون عن الدولة الإسلامية عن طريق الإِعلام والدعاية الصادقة، وكان أهم مسئول في الأقاليم الحكومية هو الوالي أو الحاكم الذي كان يعين ويرسل من المدينة المنورة، وكان في الأصل ممثلاً للسلطة المركزية لدى أهل القبائل وفي الأقاليم، وقد ورد ذكر تعيين ٣٢ حاكمًا (واليًا) في ٢٦ إقليم أو ولاية، وكان يساعد الحاكم أو الوالي مسئولون محليون وكانوا بصفة عامة من شيوخ القبائل، وعلاوة على ذلك كانت هناك بعض المسئوليات والمناصب التي يتولاها بعض المسئولين في الحكومة المركزية وفي الأقاليم أيضًا مثل الحاجب وغير ذلك، وكانت شئون الحكم تدار بالتعاون بين المسئولين المحليين والإِقليميين ومسئول الحكومة المركزية، وكان جميع هؤلاء يقومون بإدارة شئون البلاد تحت إشرافه ﷺ وطبقًا لإرشادات الأحكام القرآنية.
وفي النظام النبوي كان نظام المالية يضم عدة مناصب ومسئوليات؛ ففى الحكومة المركزية كان هناك عمال الصدقات المركزيين، كما كان هناك في
стр. 89
الأقاليم وفي المحليات كليهما عمال محليون يقومون بتحصيل الزكاة والصدقات من المسلمين وجمع الجزية والخراج من غير المسلمين، ويجمعونها لدى الوالي أو الحاكم، وكان عمال الصدقات المركزيون يقومون بإرسال نصيب الحكومة المركزية -الذي كان يشتمل على الخمس- إلى المدينة المنورة. ومن الواضح أن عمال الصدقات المركزيين كانوا يقومون بإيصال صدقات المناطق المركزية إلى المدينة المنورة وما حولها من مناطق خاضعة لها ومن بين المسئولين كان هناك من يقوم على الإنتاج كأعمال الخرص / الخراص، وأصحاب الحمى [الأول على الزراعة والإنتاج والثاني على المراعي].
ونتساءل ... أي علاقة لنظام الحكم المركزي المفصل هذا الذي مضى على نسق ثابت ومحدود من النظام القبلي للعصر الجاهلي؟ لقد كان رسول الله من حيث كونه مبلغًا عن الله هو الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية جميعها، ولهذا كانت مركزية حكومته ودولته أمرًا لازمًا وشيئًا منطقيًا ظهر ووضح في شكل تطور الإدارات السياسية. أما النتيجة التي وصل إليها المستشرقون، والتي تقول إن حكمه ﷺ كان مبنيًا على أساس النظام القبلي فقد اشتملت على نتائج خاطئة، حقا لقد استفاد ﷺ إفادة كاملة من بعض هيئات النظام القبلي القديم.
وقد أقرها ما دامت ذات فائدة، إلا أنه أسس دولته وحكومته على أصول المركزية، وأكبر دليل على مركزية النظام هو الوحدة السياسية التي شملت شبه الجزيرة العربية كلها، وهي الوحدة التي تحققت لأول مرة للعرب في ظل الإسلام ومحمد رسول الله، وكانت مركزية الحكم والدولة من ثمار كون الإسلام دينًا وسياسة معًا أي دين ودولة، دنيا وآخرة معًا .. وهكذا وبعد وفاة رسول الله ﷺ بعدة سنوات أظلَّ الإسلام جزءًا كبيرًا من العالم، وشملت حدود الدولة الإسلامية منطقة شبه الجزيرة العربية ومناطق أخرى تمتد من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.
стр. 90
الخلافة الرشيدة
(١١ - ٤٠ هـ / ٦٣٢ - ٦٦١ م)
قيام مؤسسات الخلافة:
انتقل الرسول الأكرم إلى الرفيق الأعلى في ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ ٢٠ يونية سنة ٦٣٢ م، وبعد وفاته كان من الضروري أن تظهر هذه القضية إلى الوجود وهى: من سيخلفه؟ وما هي حقوقه ومسئولياته؟ وما هي حدود عمله؟ ولأن رسول الله ﷺ لم يعين في حياته خليفة له، كان من الضروري أن تبرز هذه القضية، ويثار هذا السؤال، ثم إنه ﷺ كان خاتم الأنبياء وخاتم الرسل ولا يمكن لأي شخص أن يكون رسولاً أو نبيًا بعده، ولهذا كان من الواضح للأمة كلها، أنه ما عدا مسئولياته النبوية التي نالها ﷺ من حيث كونه رسول الله، فإن جميع المسئوليات الأخرى كان لمن يخلفه أهلية القيام بها.
لقد ظهر اختلاف في الرأي بين الصحابة الكرام على من يخلفه، وهذه مرحلة ضرورية وحتمية في تطور أي مؤسسة أو إدارة، إلا أن الأمة اجتمعت على ما فيه خيرها ووجدت الحل الأمثل لقضية الخلافة، ووصلت إلى قرار لا يمكن أن يكون هناك ما هو أحسن منه لصالح الإسلام، ففي اجتماع سقيفة بني ساعدة، وبعد بحث كافٍ تم انتخاب أبي بكر الصديق بالإِجماع ليكون أول خليفة للنبي ﷺ ، وكان أقرب الصحابة إلى النبي وأفداهم له وأكثرهم تضحية ولم يكن في الأمة من هو أحق بهذا الحق منه.
ولقد حاول مغرضو المؤرخين والمتآمرون مسخ الأحداث المتعلقة بمؤسسات الخلافة، بداية الخلافة، اختلاف الصحابة الكرام، وانتخاب الخليفة الأول،
стр. 91
بل ووجهوا هجومًا عنيفًا عليها، وقد حاول هؤلاء المؤرخون أن يجعلوا من اختلاف الأمة على من يخلف الرسول صراعًا طبقيًا، وفي رأيهم أن الأمة الإسلامية انقسمت بعد وفاة النبي إلى ثلاث مجموعات متحاربة متناحرة، وهم: المهاجرون، الأنصار، وأصحاب النص والتعيين، وكل طبقة من هذه الطبقات كانت تريد أن تحصر الخلافة فيها، والطبقة الأخيرة كانت تريد أن تجعل من علي رضى الله عنه خليفة بناء على حق الولاية، وعلاوة على هذه الطبقات الثلاث كانت هناك جماعة بني أمية والذين كانوا يرون لأنفسهم شرفًا سياسيًا واجتماعيًا داخل المجتمع العربي، كما كانوا ولا شك يحلمون بأن يتولوا حكم العرب إلا أن التاريخ الإسلامي قد أثبت أن رسول الله ﷺ قد ترك لأصحابه قضية خلافته، وكانت هذه حكمة عالية نبعت من روح الإسلام.
والبحث الذي دار في سقيفة بني ساعدة لم يكن نتيجة تخريب سياسي أو تكتل فئوي بل هو دليل على إبداء جميع الأفكار والنظريات، فالأنصار بما قاموا به من تضحيات يرون أنفسهم أحق بالخلافة بينما ممثلو المهاجرين يريدون أن يحسم الأمر في ضوء المصلحة الأهم للأمة، وفي النهاية يتفق الأنصار مع وجهة نظر المهاجرين في هذا الأمر، وقد ظل الأنصار طوال عصر الخلافة الرشيدة وحتى العصر الأموي والعباسي يبحثون عن الحق من أجل الوصول إليه لا من أجل هوى النفس كما يحاول المؤرخون المغرضون إثباته، وفيما يتعلق بالفئتين المذكورتين أخيرًا (أصحاب النص والتعيين والأمويين) فلم تكن لها وجود كجماعة أو طائفة سياسية في تلك المرحلة التاريخية، أما التكتل فهو أمر وقع في القرن الرابع.
ومن الملاحظ أن نظرية المؤرخين السابقة إنما تعرض فقط من أجل إعطاء صورة تعبر عن اختلاف الأمة، ومن أجل تصوير الاختلاف على أنه صراع
стр. 92
طبقي، وذلك لمسخ التاريخ الإسلامي.
وهناك كاتب جديد هو " البروفسر خورشيد أحمد فاروق " قام بتشويه التاريخ الإسلامي -عن قصد أو عن غير قصد- إلا أنه للوصول إلى نتيجة يبغيها استخدم مراجع ومصادر خاطئة وروايات غير صحيحة ليصل في بحث من أبحاثه إلى أن ثلاثة من كبار رجال الأمة: أبا بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبا عبيدة الجراح، أعدوا خطة محكمة لتكون الخلافة في قبيلة قريش فقط دون غيرها، على ألا تجتمع الخلافة والنبوة في أسرة واحدة من قريش أي بني هاشم، وأن يُحرم منها أنصار المدينة.
وتحليل هذا الكاتب تحليل ضعيف قائم على روايات موضوعة ونتائج فاسدة، وهو ينظر إلى التاريخ الإسلامي كله من زاوية قائمة على العصبية وقد أشار إلى أن الرسول ﷺ قد اختار بعض بني هاشم ليتولوا مناصب في الدولة مع أنهم في العهد النبوي كله لم ينالوا سوى أربعة مناصب ومسئوليات عارضة، وهؤلاء هم: حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وأخوه، ونوفل بن حارث، وكانت تلك المسئوليات قيادة الجيش أو شيئًا من هذا القبيل. وفي مقابل ذلك نال غيرهم من بني أمية والخزرج والأوس وغيرهم مناصب أكثر، ومن موالي بني هاشم تولى زيد بن حارثة وابنه أسامة وغيرهما مناصب في القيادة العسكرية، ولأنهم من طبقة الموالي فلم يكن هناك أى دعوى من أي نوع.
وجميع بني هاشم وموالي بني هاشم ممن تولوا مناصب في الحكم إنما تولوها بناء على ما يتمتعون به من كفاءة واستحقاق لا بسبب تحيز أو ترجيح على أحد، والكاتب المذكور يذكر من فيء الأراضي، الحدائق السبع التي وهبها مخيرق اليهودي وأملاك قبائل اليهود الذين نفوا من المدينة (بنو قينقاع، بنو نضير، بنو قريظة) والأراضي الزراعية في خيبر وفدك وتيماء ووادي القرى.
стр. 93
ويذكر الدخل والخراج الوارد منها. وصحيح أن أفراد بني هاشم قد نالوا نصيبهم من هذه الأموال مثلهم في ذلك مثل غيرهم، وصحيح أيضًا أنه تقرر نصيب من خمس أموال الغنائم لفقراء بني هاشم، إلا أن هناك بالإِضافة إلى ذلك بعض الحقائق التي صرف الكاتب نظره عنها وتجاهلها، فلو أن نصيبًا من خمس الغنائم كان قد خصص لبني هاشم فإن نصيبين منها قد خُصص لفقراء المسلمين ولشراء الأسلحة، كما أن دخل فيء الأراضى لم تنله بنو هاشم فقط بل استفاد منه جميع طبقات الأنصار والمهاجرين، ثم إن هذه ليست صدقات، إذ كان لها مصرفها الذي تصرف فيه. طبقًا للضرورات، كما أن ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، والطبري وغيرهم وجميع المؤرخين الأوائل وكتاب السوانح، وكل من كتبوا عن الخراج والأموال من مثل أبي يوسف وابن قدامة ويحيى بن آدم وأبي عبيد قاسم بن سلام وغيرهم، تتضح من كتاباتهم أن جميع طبقات المسلمين كانت مستفيدة من جميع الأراضي والأموال.
إن النقد التاريخي والتحليل التاريخي يستلزم أن نقوم مع تحليلنا للدخل بتحليل المصرف والنفقات أيضًا، حتى يمكن تحليل الداخل والمنصرف، أو حتى يمكن أن نحلل تحليلاً صحيحًا تجميع الثروة والحصول عليها.
ويشهد التاريخ أن جميع الطبقات الغنية بين الصحابة الكرام قاموا بإنفاق نصيبهم (أسهمهم) كلها على ضرورات وحاجات الأمة بدلاً من إنفاقها على أنفسهم وعلى أسرهم، والتحليل الاقتصادي للكاتب المذكور إنما ارتكز على الإفراط والتفريط وأخذ شكلاً متعصبًا، واتجه إلى مسخ المصادر التاريخية وهذا جزء من خطة معينة يهدف إليها.
وهذا هو الحال في الاتهام الذي قال فيه: إن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة قد أعدوا خطة، أو أحاكوا أنواعًا من المؤامرات لقصر الخلافة على قريش
стр. 94
وحرمان أسرة النبوة وأنصار المدينة منها. ولا شك أن صدى نظريات المستشرقين يُسمع واضحًا في فكرة الفج هذا. وقد قال " وليم مور " و" فيليب حتى " و " ديغلري " وجميع المستشرقين تقريبًا بحكاية مؤامرة هؤلاء الصحابة الثلاثة للقبض على الخلافة، كما اعتبروا انتخاب أبي بكر في سقيفة بني ساعدة هو المحصلة النهائية لهذه المؤامرة، كما أن هؤلاء المؤرخين يوجهون التهم أيضًا القائلة بحرمان أنصار المدينة من حقهم المشروع.
يقول خورشيد حول أحداث سقيفة بني ساعدة: " قرر قادة الأنصار تعيين سعد بن عبادة الخزرجي خليفة لرسول الله ﷺ وعقدوا اجتماعًا لإعلان قرارهم هذا، اشترك فيه سعد بن عبادة وبقية أكابر الأنصار ". وبعد أن يذكر خطة سعد بن عبادة يقول: " سأل بعض قادة الأنصار، لو رفض مهاجرو قريش مطلبهم هذا، واستشاطوا لهذا المطلب قائلين بأن الخلافة حق لهم، فماذا يجب على الأنصار أن يعملوا؟ وبعد نقاش طويل وقيل وقال صدر قرار يتلخص في أنه يجب على الأنصار حينئذ أن يطالبوا بأن يكون الخليفة مرة قرشي ومرة أنصاري ".
وعندئذ وهنا يقوم المؤرخ المذكور باقتباس خطاب حباب بن المنذر من الطبري وهو الخطاب الذي يتضمن الفقرة الشهيرة: " فمنا أمير ومنهم أمير ". وبعد أن يحيل القارىء إلى غليان الأنصار كرد فعل لرد عمر الفاروق عليهم ردا مفحمًا، يقوم الكاتب فينقل رد حباب بن منذر عن ابن أبي الحديد وكتاب الإِمامة والسياسة، وهو الرد الذي قال فيه يجب إخراج قريش من المدينة والاستيلاء على الخلافة ويزداد النقاش الحاد بين الفريقين ويشاهد هذا أحد قادة الخزرج الممتازين وهو بشير بن سعد فيقوم بتأييد قريش في خطاب يلقيه بين الناس، وحين يرى أبو بكر أن مجرى الأمور يتغير، يقوم بترشيح زميلين له من قريش ليكون أحدهم خليفة، إلا أن عمر يذكر أفضلية أبي
стр. 95
بكر وتفوقه على الجميع، فيشير بالبيعة فجأة، إلا أن بشير بن سعد يسبقه ويبايع أبا بكر، ثم يقوم الفاروق، ومن بعده الصحابة الآخرون، فيبايعون أبا بكر، ويقوم زعيم الأوس أُسيد بن حضير نظرًا لخوفه من الخزرج، يقوم هو وجميع رؤساء قبيلته كلهم فيبايع أبا بكر ولم يبق سوى سعد بن عبادة الذى لم يبايعه.
والكاتب يوزع اتهاماته على الجميع فيتهم بشير بن سعد الخزرجي بالحسد والغيرة، ويتهم أُسيد بن حضير وأكابر الأوس بالتعصب القبلي، ويتهم عمر ورفاقه بالتآمر والتخطيط، ويتهم الخليفة الأول باغتصابه حق بني هاشم وعدم التعاون معهم.
ويركز الكاتب المذكور كل جهده على نقطة هامة بالنسبة له وهي كيف يثبت أن البحث والجدال الذي دار بين الصحابة في نقاش قضية الخلافة إنما هو اختلاف وتفرقة بين الأمة ومن هنا استخدم كل وسيلة وكل سبيل لإثبات ذلك، فهو يقول بأن بني هاشم قد أجرموا لأنهم تحرزوا من بيعة الصديق، بينما جميع الروايات توضح أن ثلاثة أو أربعة أفراد فقط هم الذين امتنعوا عن بيعته. وأصح رواية من هذه الروايات هي الرواية التي تقول بأن عليًّا ﵁ وجميع رفاقه وأصحابه حين سمعوا خبر خلافة أبي بكر قاموا بمبايعته، وقد قام ﵁ وخرج من بيته في الحال ولم يكمل وضع ثيابه على جسمه حتى لا يتأخر عن البيعة.
أما قضية الفدك وأراضي الفىء الأخرى فقد اختلف أبو بكر في البداية مع فاطمة ﵂ في مسألة الوراثة والتركة، وبعد أن تحدث معها وناقشها رضيت وانشرح صدرها، ولم تطلب شيئًا بعد ذلك، وفيما يتعلق بقضية أنصار المدينة، يتضح من الروايات أنهم أنفسهم أحسّوا بضعف موقفهم، وأعطوا الحق لقريش، ليس فقط بناء على أنهم قبيلة رسول الله،
стр. 96
بل لأنهم كانوا يعرفون ما قدموه من خدمات دينية وتضحيات. وكانوا على علم بتلك الظروف والعوامل التي يمكن أن تجعل الجزيرة العربية كلها تعترف بحكم قريش وولايتها، وهذا هو السبب الذي جعلهم يعترفون بأفضلية المهاجرين وتفوقهم حين ذكرهم أبو بكر بدقة الموقف وحساسيته، ولا شك أنهم كانوا في البداية يتمنون أن يشاركوا في السلطة العليا عن طريق اقتراحهم الذى يهدف إلى المصالحة، وهو الاقتراح القائل: " فمنكم أمير ومنا أمير "، وخورشيد جعل هذه الفقرة أمامه، ورأى أنها تدل على انتقال السلطة بين قريش والأنصار، وأنها تعني المشاركة في الحكم والسلطة، ثم هو من ناحية أخرى يرى أن اقتراح بشير بن سعد الخزرجي وأُسيد بن حضير الأوسي مخالف للأنصار وفي صالح قريش، ومن ناحية أخرى يدعي أن جميع قادة الأنصار أرادوا أن ينصبوا سعد بن عبادة الخزرجي خليفة، وحين لم يوفقوا في ذلك لم يرضوا فقط بالخليفة الأول، بل اتبعوا سياسة عدم التعاون معه طول مدة خلافته.
إن الشعور التاريخي والاحساس التاريخي للكاتب لم يوقفه ولم يمنعه من الحصول على معلومات من مراجع ضعيفة متحيزة زائفة، قدم على أساسها نظرياته فجاءت فاسدة، إن المؤرخين يتفقون جميعًا على أن ابن أبي الحديد واليعقوبي من مؤلفي الشيعة، لهذا فرواياتهم في حق الخلفاء الثلاثة غير مقبولة أساسًا، شريطة ألا تتصادم مع المراجع الأخرى. والأمر الثاني أن يتفق المؤلف مع روايات كتاب " الإمامة والسياسة " وهو كتاب مزيف، وحين يحيل القارىء إلى روايات الطبري فهو يأخذ جانب التحيز ولا يتبع أسلوب الحيدة، إنه يأخذ الروايات التي تحقق مطلبه فيذكرها ويصرف نظره ويتجاهل عن الروايات التي تخالف نظرياته، وأكبر جرم في كتاباته التاريخية هو أنه ينسب إلى أفراد وطبقات الأمة أعمالاً ونوايا لا يمكن أن يجد مصدرًا أو مرجعًا
стр. 97
يؤيدها، ثم إنه يقوم بتوجيه اتهامات سطحية ساذجة ركيكة إلى الصحابة الكرام خلال تحليله التاريخي، إن دلت على شىء فإنما تدل على ميوله الشخصية وما طبع عليه.
والهدف الأساسي للكاتب المذكور هو أن يوجه الطعن لأهم واقعة في التاريخ الإسلامي، وهي الواقعة التي خرج منها الإسلام منتصرًا، ونجا مما أحيك له من مؤامرات.
بعد أن اتضحت الصورة الأصلية من خلال عرض وتحليل جميع المصادر التاريخية، اتضح لنا أن فاجعة وفاة الرسول كانت صدمة مفاجئة ومحيرة، لدرجة أن عمر الفاروق هذا الرجل صاحب الإِرادة الحديدية وصاحب الفكر الثاقب قد أصيب بالحيرة والدهشة، كما اجتاح المدينة كلها شعور غريب، وأبو بكر الصديق يسمع بخبر وفاة الرسول فلا يصدق، وبعد أن يصدق خبر وفاة النبي، ألقى خطبته الشهيرة بالمسجد النبوي، تلك الخطبة التي أعادت للناس هدوءهم وتفكيرهم، ثم بدأ تجهيز رسول الله ﷺ وتكفينه تمهيدًا لدفن جسمانه الطاهر وفي تلك الأثناء كان اجتماع سقيفة بني ساعدة حيث يدور النقاش في قضية من يخلف رسول الله. وحين طال النقاش وشعر النعمان بن بشير الخزرجي بحرج الموقف، خرج لإخبار المهاجرين بألا يتخذوا ما يسىء للموقف أكثر، وحضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة مع بعض المهاجرين الآخرين ووصلوا إلى سقيفة بني ساعدة حتى لا يسمحوا للموقف بأن يطول أكثر، وتشهد الروايات بأن جموع الأنصار أظهروا سرورهم بوصولهم هناك، فعرض الأنصار وجهة نظرهم، وقدموا الدلائل المؤيدة لحقهم، فامتدح أبو بكر مآثرهم وتضحياتهم التي قدموها للأمة، إلا أنه بناء على عدة أسباب ودلائل فإن لقريش الأفضلية، واتفق الأنصار على ذلك، ولما قدم الأنصار اقتراحهم على أساس جعل الخلافة مشاركة بين قريش
стр. 98
والأنصار، ورأى أبو بكر أن هذا أمر لا يمكن العمل به، قدموا اقتراحًا بديلاً؛ وهو أن تكون الإمارة في قريش والوزارة في الأنصار، ثم أُسمعوا إرشاد النبي أن يكون الإمام والحاكم من قريش. وحين سمع الجميع الإرشاد النبوي خفضوا رؤوسهم، وحينئذ قام أبو بكر فأخذ بيد أخويه من المهاجرين، واقترح البيعة لأحدهم، إلا أن عمر أعلن أن لأبي بكر الأفضلية، وأشار بيده طالبًا أن يبايع الجميع أبا بكر، وعليه قام جميع الصحابة الموجودين فبايعوا أبا بكر، وطبقًا لرواية أخرى فإن عمر ذكر فجأة موضوع البيعة هذا، إذ لم يكن هناك أي تفكير مسبق في عقد الخلافة على أبي بكر، وبعدها صعد أبو بكر إلى المنبر في المسجد النبوي لأنه لم يشأ فقط أن يحصل على تصديق الأمة الذي حصل عليه، بل ليسمح وليأذن للأمة بأن تنتخبه، لأنها لم تكن قد انتخبته بعد. وهكذا أجمعت الأمة على مبايعته بالخلافة.
فتنة الردة:
بعد وفاة رسول الله ﷺ ، أُعلن العصيان في بعض مناطق الجزيرة العربية ضد الإسلام ومركز الإسلام " المدينة "، وهو العصيان الذي أطلق عليه المؤرخون المسلمون " الردة " أو " الارتداد ".
وقد حاول المستشرقون بصفة عامة، والمؤلفون المحدثون بصفة خاصة، اعتبار فتنة الردة هذه عصيانًا سياسيًا ورغبة تحرر طبيعية لدى قبائل العرب، ورغبة في التحرر من التسلط السياسي والعسكري لخلافة الصديق وسيطرة المدينة. والمستشرقون -طبقًا لأسلوب فكرهم الخاص- قالوا إن هذه الحركة كانت رغبة ومحاولة للحصول على الحرية، ويرون أن إطلاق اسم " ردة " أو " ارتداد " عليها إنما هو خطأ، وذلك لأنه إذا أطلقنا هذا الاسم
стр. 99
على هذه الحركة المعادية للإسلام فإنه يستلزم أن يكون العصاة قد أسلموا قبلاً ثم تركوا الإِسلام بعد وفاة النبي. والمستشرقون لا يريدون أن يعترفوا أن شبه الجزيرة العربية كلها كانت خاضعة لراية الإسلام في العهد النبوي، ففي ظنهم أنه لم تكن هناك قبيلة مسلمة سوى مهاجري قريش وأنصار المدينة وبعض القبائل في وسط الجزيرة، أما بقية القبائل العربية فقد قبلت بالتفوق السياسي للمدينة والرسول، وبعد وفاته أرادت أن تتخلص من هذا الخضوع، ومن هنا حاولت أن تتحرر من سيطرة المدينة وتنال استقلالها القديم.
ولم ينكر المستشرقون فقط أن قبائل المنطقة الحدودية (بالجزيرة العربية) قد قبلت الإِسلام، بل إن من يمشون في ركابهم من مثل خورشيد أحمد فاروق ينكرون أيضًا أن قبائل المنطقة المركزية (وسط الجزيرة) والعرب الوسطى قد قبلت الإِسلام ويقول:
" كان أول هدف عسكري خطير، وأقرب هدف عسكري خطير، وأهم هدف عسكري خطير أمام أبي بكر هو نجد، حيث كانت تسكن قبائل ذات حال حسن إلى حدٍّ ما، ومتمدنة ومتحدة، منها عامر وهوازن وسليم وفزارة وعبس وذبيان وأسد وطيىء وتميم وحنيفة، وكانت في عددها وقوتها أكثر من القبائل الأخرى. ومن هذه القبائل لم يدخل في الإِسلام إلا خمسة أو عشرة في قبيلة ما وفي قبيلة أخرى خمسون أو مائة ولا أكثر من ذلك، وكان السواد الأعظم منهم إما أنهم خاضعون للمدينة ويعارضون الصلاة والزكاة، وإما أنهم خضعوا للمدينة خضوعًا اسميًّا فقط، حتى يحفظوا على أنفسهم استقلالهم، وكانوا على استعداد لتحمل أداء فريضة الصلاة بشرط إسقاط الزكاة ".
والكاتب المذكور في بيانه هنا، بالإضافة إلى أنه خلط وأخطأ في ذكر منطقة السكن الجغرافي للقبائل وعدد آخر من الأمور، فالأهم من ذلك أنه ذكر أن الإسلام لم ينتشر بين القبائل المذكورة، وإذا انتشر فقد انتشر على نطاق ضيق جدًّا.
стр. 100
ونسوق مثالاً واحدًا هنا دليلاً على خطئه، فطبقًا لبيان ابن إسحاق فإن بني سليم فقط قد أعدوا ألف مجاهد تقريبًا لرسول الله ﷺ لمهمة فتح مكة. فهل كانوا جميعًا غير مسلمين؟ ثم إنه ذكر أن هوازن وطيئا وغيرهم لم يكونوا مسلمين، بينما كانوا قد أسلموا. وهوازن لم يشاركوا في الردة. ودعوى المؤرخ المذكور هي في الواقع على عكس الواقع، أي أن السواد الأعظم كان من المسلمين، وأن عددًا قليلاً كان غير مسلم، وبعد وفاة النبي ﷺ نجحوا في التشويش على الآخرين. والخطورة الأكثر هنا هي تلك الحملة الخطرة التي قادها الكاتب خورشيد فاروق، فقال عن القبائل العربية إنها لم تكن مع المدينة ومع الإسلام بإيمان القلب وبإخلاص النية وصدقها، بل كانت معها نفاقًا وخوفًا من الخليفة، أو بسبب علاقة قرب مع رسول الله ﷺ أو منة.
ثم يقول الكاتب المذكور: " ظلت قريش مكة وثقيف الطائف وبعض فروع قبائل نجد وعدة قبائل من قبائل المناطق المحيطة بالمدينة، بالإضافة إلى مزينة وجهينة وغفار وأسلم وأشجع وكعب، وهي القبائل التي خافت على نفسها عقاب الخليفة العسكري، أو كانت تربطها مع رسول الله قرابة أسرية، أو نتيجة لإحسانه وفضله، هذه القبائل ظلت تمسك بتلابيب الإسلام، أما بقية العرب فقد تغيرت اتجاهاتها وتغير لونها وعقدت العزم على التحرر من سيطرة المدينة ".
وطبقًا لبيان الكاتب المذكور لم يقبل أحد الإسلام في العهد النبوي بإخلاص من كل قلبه أو بفهم وإدراك، كما أن أحدًا لم يشأ أن يظل قائمًا على الإسلام بعد وفاة الرسول بإخلاص وإيمان، لقد قام عدي بن حاتم الطائي بإدخال قبيلته الباغية وبقية القبائل، وبخاصة بعض جماعات جديلة وأسد إلى حظيرة الإسلام بعد حرب بزاحة، إلا أن البروفيسر فاروق يرى أن عودتهم
стр. 101
إلى الإسلام كانت بسبب مصلحة سياسية وضغط عسكري أو بسبب الخوف والعقاب.
كما قرر الكاتب المذكور أن الثلاثة الذين ادعوا النبوة، مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وأسود العنسي، هم رؤساء أكبر قبائل البلاد، وذكر أنه نتيجة لسوء نواياهم وقلوبهم السوداء انفصلوا عن رسول الله وتحرروا من سيطرته، كما ذكر أنهم كانوا أكبر منافسين للنبي ﷺ ، واعترف أيضًا بنبوتهم، كما اتهم بني هاشم والأنصار بعدم التعاون في حروب الردة، وعدم اشتراكهم في الجهاد الإِسلامي، بينما يذكر من ناحية أخرى أنه في حرب اليمامة اشتركت جماعة عددها أربعمائة أو أربعمائة وخمسون من الأنصار، كما يرى أيضًا أنه من بين الألف ومائتي شهيد من شهداء حرب اليمامة لا يزيد عدد المهاجرين والأنصار عن ثلاثمائة وهكذا نرى البيانات والمعلومات التي ساقها خورشيد فاروق مليئة بالتضاد والتناقض في كل السطور وفي كل الصفحات.
يريد المستشرقون ومن والاهم في الهند من مثل خورشيد أحمد فاروق، أن يثبتوا من خلال حروب الردة أن الإِسلام قد راج في العهد النبوي بين القبائل المركزية فقط، وأن بقية القبائل في نجد وتهامة واليمامة لم تدخل الإسلام، وإن كانت قد قبلت الإِسلام فإنما كان ذلك في الظاهر فقط، أما قبائل مناطق الحدود فكانت جميعها على غير الإسلام، وما حدث أصلاً كان عصيانًا سياسيًا لا ردة، لأنهم لم يسلموا أصلاً، وهذا العصيان كان يهدف إلى الحصول على الحرية الإقليمية، والتخلص من سيطرة المدينة، والتحرر من العبء الاقتصادي الملقى على كاهلها من قبل المدينة، ولقد أحاط العصيان السياسي بالبلاد جميعها ولم ينج منه سوى بعض المناطق المركزية، ولم يقم الخليفة الأول بسحق العصيان بحد السيف، بل أوقع العديد من المظالم الشديدة في المتمردين وأجبرهم بالقوة على قبول الإِسلام.
стр. 102
يفهم من مطالعة التاريخ الإِسلامي أن النظريات السيئة لهذه المؤلفات كلها اتهامات خاطئة، إذ إن جميع العرب قد أسلموا في العهد النبوي سوى سكان بعض المناطق القليلة للقبائل التي تعيش على الحدود، ولم تقبل قبائل هوازن، غطفان (عدا فزارة)، سليم، مزينة، جهينة، أسلم غفار، طيىء (عدا عوت وجديلة) خزاعة، كنانة، ثقيف، قريش، أنصار المدينة الأوس والخزرج أزد، أزد شنوءة، عبد قيس، وتميم (على الأقل ثلاثة فروع) وعدد آخر من القبائل، لم تقبل هذه القبائل الإسلام فقط وتقيم عليه، بل إن جميع أفرادها وشيوخها قد ظلوا على الإسلام في زمان تلك الفتنة، والقول بأن إسلام هذه القبائل كان إسلامًا ظاهريًا أو للعرض فقط أو بسبب من الأسباب الأخرى، إنما هو بمثابة مزاح على صفحات التاريخ الإسلامي، لقد سقوا الإسلام بدمائهم في حروب الردة. ويحاول خورشيد فاروق ومن هم على شاكلته من الأساتذة أن يضعوا هؤلاء الذين ادعوا النبوة في صف واحد مع رسول الله ﷺ ، بينما يفهم من الروايات أن الذين آمنوا بأقوال أولئك المتنبيين قد عادوا فكذبوا دعواهم تلك، ولم يبق معهم سوى من جمعتهم بهم العصبية القبلية.
لقد قام أبناء اليمن الذين ترأسهم فيروز الديلمي بالجهاد ضد الأسود العنسي، وقضوا عليه وسحقوا حركته، وقامت بعض جماعات قبيلة كل من طليحة الأسدي ومسيلمة الحنفي بالاشتراك في الجهاد الإسلامي، لقد كانت هذه فتنة الردة أساسًا، اشتركت فيها فقط بعض القبائل التي لم تتلق تعليمًا صحيحًا ولا تربية صحيحة.
لقد كان للعوامل الاقتصادية والعوامل السياسية دخل، إلا أن هذا لا يمكن أن يتطور ليتخذ شكل العصيان ضد الدين، لقد أرادت بعض الفئات التخلص من أداء الزكاة، إلا أنها كانت صادقة في مطلبها هذا، إذ ستقيم بقية أركان
стр. 103
الدين؛ لأن هذه الفئات فهمت خطأ أن الزكاة واجبة فقط في حياة الرسول، ومصادرنا فيما يتعلق بهذه الفتنة قد حللت الفتنة تحليلاً صحيحًا حين قسمت المرتدين إلى طبقات ثلاث:
الطبقة الأولى: مانعو الزكاة. أنكرت هذه الطبقة إعطاء الزكاة، ولم تنكر أي ركن آخر من أركان الدين.
الطبقة الثانية: شملت أولئك الذين تركوا الإسلام وارتدوا.
الطبقة الثالثة: شملت من ادَّعوا النبوة ممن كانوا يحلمون بتحقيق سلطة سياسية في ظل ادعائهم النبوة.
وفيما يتعلق بدائرة فتنة الارتداد والعصيان، فيمكن أن تحدد عن طريق منازل الجيوش الأحد عشر التي كان أبو بكر قد أرسلها لقتال مختلف المرتدين والعصاة وقادة القبائل التي ظهر فيها مدعو النبوة. وقام الخليفة الأول نفسه بالاشتراك مع الجيش الذي قام ضد العصاة في رندة وذي القصة، وكانوا قد تجمعوا في مناطق مختلفة هناك، في محاولة للهجوم على المدينة إن وجدوا فرصة لذلك، أما باقي الجيوش فقد قام خالد المخزومي لمحاربة جيش بقيادة طلحة الأسدي كما أرسل عكرمة بن أبي جهل المخزومي وشرحبيل بن حسنة الكندي لقمع قبيلة بني حنيفة باليمامة الذي كان رأسها هو مدعي النبوة مسيلمة الكذاب، كما أرسل عمرو بن العاص لقتال المرتدين من قبائل قضاعة وكلب، وأرسل طريفة بن حاصر السلمي لمواجهة بني سليم، كما أرسل خالد بن سعيد الأموي لقتال المرتدين في المناطق الغربية من حدود الشام، بينما أرسل مهاجر ابن أبي أمية إلى اليمن، وأرسل السويد بن مقرن إلى تهامة اليمن، وأرسل عرفجة ابن هرثمة إلى مهرة، وأرسل حذيفة بن المحصن الأزدي إلى عُمان وعلاء بن حضرمي إلى البحرين.
يثبت من التحليل السابق أن المناطق الحدودية فقط هي التي أججت نيران
стр. 104
الردة، أما العرب الوسطى فقد ارتد منها منطقة أسد وطيىء فقط، وهناك حقيقة هامة أن من بين القبائل المرتدة عددًا كبيرًا جدًا من المسلمين المخلصين الذين حافظوا على عقيدتهم بدمائهم وقت المحنة وأعلنوا الجهاد ضد المرتدين من قبيلتهم بعد قدوم جيوش الإسلام، ولهذا فمن الخطأ أن نقول بأن الردة أو الارتداد أو العصيان شمل العرب كلهم. والنظرية الأكثر خطأ هي تلك التي تقول بأن الخليفة الأول قد نشر الإسلام بحد السيف حتى أدخل العرب في الإسلام. وإنه ليثبت من خلال دائرة الإجراءات العسكرية والنطاق الذي تناولته العمليات العسكرية أنه لا يمكن إجبار العرب عن طريق القوة بقبول الإسلام، وتثبت الوقائع التاريخية أن عددًا من العصاة والمرتدين قد دخلوا دائرة الإسلام باقتناع ثم إن الإسلام لا يقول أبدًا بإجبار الناس بالقوة على اعتناق الدين. ومن هنا فإن التحليل التاريخي الذي يحاول المستشرقون والمؤرخون الجدد نشره بين الناس إنما بني على روايات خاطئة وأدلة ممسوخة واستنتاجات فاسدة.
الفتوحات الإسلامية الدوافع والأهداف
كما قام المستشرقون والمؤرخون الجدد بالبحث عن الدوافع والأهداف الاقتصادية للفتوحات الإسلامية في العهد النبوي، فإنهم يقومون أيضًا بالإشارة إلى الأسباب والعوامل الاقتصادية والعسكرية والعوامل الأخرى التي أدت إلى الفتوحات الإسلامية للبلاد المجاورة كالعراق والشام ومصر وإيران وغيرها في عهد الخلافة الرشيدة، إلا أن الحكاية الأعجب هي التي نسمعها منهم، وهي بداية الفتوحات الإسلامية بعد حروب الردة.
стр. 105
يرى أكثر المؤلفين أنه في زمان حروب الردة تحولت الدولة الإِسلامية كلها إلى معسكر للجيش، لأنه كان من الضروري إخضاع الجزيرة العربية كلها من جديد لسيطرة المدينة المنورة، ولهذا استلزم الأمر إجراءً عسكريًا قويًا.
وعلى نطاق واسع حتى يمكن أن يجعل الجزيرة العربية كلها تابعة للحكم الإسلامي. وكان من اللازم توجيه المسلمين بل القوى العسكرية للقبائل العربية التي تفوقت بما لها من أسباب مختلفة إلى خارج الجزيرة العربية، وأصبح البحث عن سبيل أمرًا ضروريًا، وإلا عادوا إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام من حروب داخلية، ولهذا فكر الخليفة الأول في أن تستفيد الأمة الإسلامية من هذه القوة العسكرية الفائضة، وبدلاً من أن تستخدم في أمور غير نافعة رأى توجيهها إلى حدود العراق ثم الشام وفتح جبهات قتالية هناك.
ويرى " فيليب حتى " ومن يوافقه في رأيه من المؤلفين أن الخليفة الأول لم تكن لديه في البداية أية خطة محددة مدروسة لفتح المناطق المجاورة، والخطة تتلخص في القيام -عن طريق مهمات بسيطة تتركز على النهب والسلب والاغارة- باستنفاذ القوة العسكرية للعرب من ناحية والحصول على أموال الغنائم من ناحية أخرى، وبعد فتح تلك المناطق ثم ضمها إلى الدولة الإسلامية، وهو ما لم يكن متصورًا لذاته من تلك المهام، ولكن حين انتشرت هذه الارساليات العسكرية بسرعة كبيرة، خرج زمام المحاربين من يده، وحين بدأت الفتوحات فجأة تم وضع خطة منظمة لها، وهو ما نتج عنه قيام الدولة العربية.
إن دوافع الفتوحات الإسلامية أو نظرية بدايتها تلك وعرضها بهذا الشكل إنما هو خليط من الصحة والخطأ، فصحيح تمامًا أن الدولة الإسلامية في البداية لم تضع خطة منظمة للفتوحات، كما أنها لم تكن ترغب في مَدِّ حكمها ونشر سلطانها على البلاد المجاورة، إلاّ أن تحليل أسباب بدايتها هو تحليل خاطىء.
стр. 106
لقد وضح من التحليل السابق لحروب الردة أن الدولة الإِسلامية لم تتحول إلى معسكر أو مخزن للسلاح. وتحليل قوتها العسكرية يوضح أن عدد الجيش الإِسلامي كان لا يزيد عن ١٥ أو ٢٠ ألفًا، ثم إن من بينهم جنود معظم المهمات، وهو ما أضاف إلى القوة العسكرية. فمثلاً إن الزيادة في عدد جيوش خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة كانت نتيجة لاشتراك جند المهمات، وبعدها فإن جنود القائدين الأخيرين قد زادوا في القوة العددية للمهمات والمرسلة إلى العرب الجنوبيين، وقد تجاهل المستشرقون هذه الحقيقة، وهي أنه في العهد النبوي لم يكن هناك جيش مستقل منظم، هذا بالإِضافة إلى أن أكثر المجاهدين المشاركين في المهمات كانوا قد عادوا إلى مناطقهم أو إلى قبائلهم بعد انتهاء تلك المهمات.
وتوضح بعض الروايات والمراجع والمصادر أنه في الدور الأول للخلافة الرشيدة على وجه خاص، وفي الفترات التالية بوجه عام، ظهرت قضية نقص عدد الجنود، وقد تعرضت بعض الجبهات لأزمات شديدة نتيجة هذا النقص. وقائد بني بكر بن وائل المثنى بن حارثة الذي يتهمه المؤرخون بتهمة قيامه بالهجوم العسكري على جبهة العراق، اضطر إلى أن يكتب عدة مرات إلى المدينة بسبب نقص الجنود، وفي النهاية اضطر إلى أن يأتي إلى المدينة. ولو سلمنا بنظرية الإِرساليات الحربية، واستنفاد الطاقة العسكرية الزائدة، فإن النتيجة المنطقية التي نستخلصها هي ألا يجب أن تكون هناك شكوى من قلة عدد القوة العسكرية، وكان يمكن السيطرة على هذه المشكلة بسهولة. ثم إذا كان الهدف هو استنفاد الطاقة العسكرية الزائدة، فقد كان يكفي فتح جبهة واحدة، إلا أن فتح جبهتين في وقت واحد، ومواجهة مشكلة قلة عدد الجند لا يمكن أن يكون دليلاً على بعد النظرة العسكرية، وهكذا فهذه النظرية بأكملها فريسة للتضارب، ولا تؤيدها الوقائع التاريخية أبدًا. صحيح أن بداية
стр. 107
الفتوحات الإسلامية كانت مع حروب الردة، غير أن لها صورة أخرى غير تلك الصورة.
لقد قام العديد من المرتدين والمتمردين باللجوء فقط إلى المناطق الخاضعة للعراق وإيران، بل بدأوا أيضًا في الإغارة على المناطق الإِسلامية، وكانت الحكومات هناك تعضدهم وتساندهم مساندة واضحة، وتقوم بحمايتهم، وفي تلك الحالة أصبحت جبهة العراق أشد خطرًا. ومن الواضح أن القبائل الموالية للمدينة كانت ترد على الغارات الموجهة ضد حدودها. وقد طلب المثنى بن حارثة الشيباني الإذن له بالهجوم على المناطق المغيرة، وذلك للوقوف في وجه تلك العمليات العدوانية على حدود الدولة الإِسلامية، ولم يسمح له في البداية، وفي النهاية وحين عرف الخليفة الأول بخطورة الموقف سمح له باتخاذ الإجراءات المناسبة، وقد وجد خالد بن الوليد فرصة في حروب ردة اليمامة، فصار في ركابه في العودة، وصدر الحكم بالتقدم ناحية الحدود العراقية لمساعدة المثنى ومن معه من المجاهدين، وهكذا بدأت الفتوحات على الجبهة العراقية.
وكانت هذه تقريبًا هي الظروف التي ظهرت على جبهة الشام، وكرد فعل لمهمة أسامة قامت الحكومة البيزنطية بالإِعداد للهجوم على الدولة الإِسلامية، ثم نتيجة لحروب الردة قام عمرو بن العاص وخالد بن سعيد بسلسلة من الإجراءات التأديبية ضد المرتدين والبغاة من قبائل قضاعة وكلب وغيرها، ونتيجة لذلك بدأ الاصطدام مع القبائل الموالية للإِمبراطورية البيزنطية. وبناء على المخاطر المتوقعة من جانب الروم قام أبو بكر الصديق بالتشاور مع الصحابة الكرام بإرسال أربع مهمات صغيرة لدرء أبواب هذه المخاطر بقيادة يزيد بن أبي سفيان الأموي، وأبي عبيدة بن الجراح الفهري، وشرحبيل بن حسنة الكندي، وعمرو بن العاص السهمي، ولم يزد عدد جندهم مجتمعين على ٢٧ ألفًا، ولم يكد هؤلاء يبدأون مهماتهم حتى قام هرقل إمبراطور
стр. 108
البيزنطيين -وكان في مدينة حمص آنذاك- بإرسال جيش جرار لمواجهة المسلمين، وأصبح الوضع على جبهة الشام دقيقًا للغاية، فأمر أبو بكر خالد ابن الوليد بالتوجه إلى جبهة الشام على الفور، لأنه لم يكن لديه جيش بالمدينة المنورة من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تتخذ الإمبراطورية الإيرانية أية إجراءات عسكرية بصورة منظمة حتى ذلك الوقت، ونتج عن ذلك فتح باب الحرب بصورة كاملة على مصراعيه على جبهة الشام، وقد قامت الحكومة الإيرانية بإعلان الحرب بصورة منظمة، ففتحت بذلك جبهة ثانية، وهكذا بدأت الفتوحات الإسلامية.
وهناك عدة أسباب تفسر ما مضت عليه الفتوحات الإسلامية من سرعة، وما كانت عليه من اتساع وفتوحات في وقت واحد. من بين هذه الأسباب، الحالة السياسية للإمبراطوريتين الإيرانية والبيزنطية المتدهورة، بالإضافة إلى سوء وفساد الوضع الاقتصادي والتمزق والتفتت الاجتماعي والديني، فقد بدأت عظمة هاتين الإمبراطوريتين في الزوال، وهي العظمة التي كانتا عليها في زمان قسطنطين وخسرو برويز، ونتيجة لما أصابهما من انحطاط وتدهور أصبحتا عاجزتين عن مواجهة الإمبراطوريات القوية، ولكن على الرغم من كل هذا فقد كانتا أقوى إمبراطوريات العالم حينذاك، وكانتا أفضل من العرب من ناحية المهارة الحربية والعسكرية وكثرة الجند والسهولة والانسياب في ميدان الحرب، وكذلك من ناحية إعداد وتجهيز الجند بالأسلحة والعدة والعتاد، وكذلك في جميع الإدارات والأقسام الأخرى المتعلقة بالجيوش، ومع هذا فيرى بعض المؤرخين أن التكتيك الحربي للعرب تفوق على ما لدى الروم والإيرانيين، فقد استخدم العرب الأسلوب الحربي المؤثر في ميدان غرب آسيا وشمال أفريقيا، وكانت لهم براعة ومهارة في ركوب الخيل والجمال، وهو ما لم يتوفر أبدًا لدى الروم.
ومن الممكن أن يكون " التكتيك " العسكري للعرب قد تفوق في جهة
стр. 109
ما، أو في مرحلة ما من مراحل الحرب، إلا أنه لم يثبت بأي حال من الأحوال تفوق العرب في المجالات الحربية التي سبقت الإِشارة إليها، وعلى الأقل فإن مصادرنا التاريخية تثبت وتؤكد تمامًا تفوق التكتيك العسكري للجيوش المعادية. وهناك سبب آخر يقول بأن نهاية إمارات لخم وغسان، وهي الإمارات التي كانت تقوم بدور Buffer States، أي الدول المصدة أو التي تتلقى الصدمات الأولى بين العرب والإِمبراطوريات المجاورة، مما سهل للعرب إحكام السيطرة على المناطق التي دارت فيها المعارك. والقول بأن العرب كانوا ينظرون بطمع إلى تلك المناطق يتعارض مع الحقائق التاريخية، وهو قول يزيد عليه قول آخر بأنهم تفوقوا في تلك المناطق لأنها مناطق صحراوية، مع أن الجيوش الإِسلامية خاضت معارك شرسة جدًا على الجهتين العراقية والشامية، وتحملت أحيانًا جراح الهزيمة، والضغط المستمر من قبل الجيوش المعادية، ثم هذه حقيقة أن جوًا عسكريًا وسياسيًا لم يكن قد بدا على الجبهتين.
وهناك سبب من أسباب الفتح، وهو أن أهل البلاد المفتوحة كانوا يئنون تحت ثقل المتاعب الاقتصادية والسياسية وغيرها، فقد اعتبروا الفاتحين المسلمين منقذيهم مما هم فيه، فرحبوا بالإِجراءات العربية، وتعاونوا مع الجيوش العربية، وهناك سبب آخر مكمل لجملة هذه الأسباب، فقد قيل لقد ذاقت القبائل العربية ذاتها حلاوة النصر الذي تحقق من خلال الفتوحات العربية، وهي القبائل التي كانت تعيش في المناطق الحدودية، ولهذا تعاونت مع العرب الفاتحين من أجل العصبية القبلية والعرقية والفوائد المادية.
وليس بالمصادر التاريخية ما يؤيد هذين السببين أيضًا تأييدًا كاملاً، فقل أن تجد في مصادرنا أمثلة وشهادات تؤيد هذا الأمر، بل لا يوجد أبدًا في بعض الأماكن ما يؤكد أن السكان المحليين قد أيدوا الجيوش الإِسلامية، بل هناك شهادات واقعية فعلية تدل على عكس ذلك، وهو وصول طلبات عديدة
стр. 110
من الجبهات للمدينة المنورة طلبًا للمدد والعون، وفي معظم الأوقات كان هذا العون مجرد عدة مئات أو ألف جندي، وفيما يتعلق بمسألة الترحيب العام بالفاتحين المسلمين من جانب السكان فهذا أمر صحيح، إلا أنه من الطبيعي بل من الشائع ألاّ يشترك السكان المدنيون في القتال، وبلا شك أمد هؤلاء السكان المسلمين بالعون المعنوي، وهو ما حُرمه القادة والجنود الرومان والإيرانيون. ومن الواضح أنهم تأثروا كثيرًا بالأخلاق الإسلامية.
لقد حاول فيليب حتى أن يستطلع ويحلل الفتوحات الإسلامية وكأنها صدام بين الشرق والغرب، ويكتب ناصحًا بوجوب تحليل الفتوحات الإسلامية بتلك الخلفية، إِذ إن الشرق الأوسط القديم كان توّاقًا إلى استرجاع مناطقه المحتلة، والمشرق تحت تأثير الإسلام بدأ يرى حلمه القديم من جديد، فأراد أن ينزع عن نفسه رداء التسلط الغربي الذي استمر لآلاف السنوات.
وهو يقول: إن الفتوحات الإسلامية كانت أيضًا عاملاً من عوامل الاستغلال الإقليمي، وهذه النظرية الخاصة بالفتوحات الإسلامية هي بالمصطلح الحديث النظرية التفسيرية، إلا أن زمان الفتوحات الإِسلامية وهو القرن السابع الميلادي لم يشهد تصور الشرق والغرب كما يريد المؤرخ المذكور تفسيره، كما أن الفاتحين المسلمين والحكام المسلمين لم يَرد أبدًا على أذهانهم التصور القائل بتخلص الشرق من تسلط الغرب والاستقلال الإِقليمي واسترجاع السلطة الضائعة. والحقيقة أن السبب المجرد للضغط على أهمية هذه الأسباب والعوامل والتأكيد عليها مرة بعد مرة، إنما يهدف إلى إخفاء العامل الأساسي للفتوحات الإسلامية.
والواقع أن السبب الأساسي لسرعة الفتوحات الإسلامية وتماسكها، وهو ما لا يريد المعاندون والمخالفون من أعداء الإسلام الاعتراف به، هو الحماسة الدينية لدى حملة الإسلام، وما كان لذلك من نتائج، ويعترف مؤرخ غربي