كتبَه بالأردية
دكتور محمد ياسين مظهر صدّيقى
قسم الدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية
عليكَره
الهَجَمَات المُغْرِضَة
على التاريخ الإسْلاَمِى
ترجمة
دكتور سمير عبد الحميد إبراهيم
رابطة الجامعات الإسلامية
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
منذ بدأ الاستدمار الغربى (ولا أقول الاستعمار) يعرف حقيقة القوة الإِسلامية الكامنة، ويعرف أن الحقيقة الإِسلامية لا تقهر بالمواجهة العسكرية أو السياسية أو الفكرية الواضحة ...
منذ هذا الوقت والحملات المغرضة الخفية والظاهرة، والصريحة والماكرة تترى على كل ما يتصل بالإِسلام ...
* إنهم يهاجمون -بالفكر الخبيث لا بالحجة- الإسلام عقيدة وشريعة.
* وإنهم يهاجمون -بالفكر الماكر- الإِسلام حضارةً وتاريخًا.
* وإنهم ليعملون على تشويه كل ما قدمناه للبشرية، مع أنهم -باعترافهم- عالة علينا، قد أخذوا مِنَّا الأخلاق والقيم والعلوم والفنون ... فلم يعرفوا الفروسية، ولا الحمامات، ولا احترام المرأة والثقة بأنها إنسان كالرجل تمامًا، ولا الانضباط، ولا المدارس والجامعات ... لم يعرفوا كل ذلك وغيره إلا من خلالنا، وعندما جلسوا تحت أقدامنا يتعلمون فى قرطبة وغرناطة وبجاية والقيروان وصقلية وبغداد ودمشق والقاهرة ... حتى البابا سلفستر الثانى كانت مفخرته الكبرى أنه تتلمذ على المسلمين فى قرطبة، وتعلم لغتهم ودرس علومهم ...
ومع ذلك -وبحقد وغدر لا مثيل لهما فى التاريخ- ذهبوا يلتهمون كل ما لدينا، ويطورون عقولهم وحياتهم، وفى الوقت نفسه ينكرون أى فضل
стр. 4
لنا ... اللهم إلا عدد قليل منهم؟ برىء -إلى حد ما- من هذه الآفة التى لا تليق بالحضارة ولا الإنسانية!!
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ الذى يمثل موقفًا شخصيا يمكن القول فيه بأنه دفاع عن الذات أمام الإِسلام -حتى ولو بالافتراء على الإسلام- بل تعدى الأمر ذلك إلى محاولة تشويه الإِسلام وحضارته وتاريخه، ليس أمام الأوربيين هذه المرة، بل أمام المسلمين أنفسهم ... وهذه أخبث من الأولى؛ لأنها محاولة تعكير المنابع الإِسلامية، حتى يضل أصحابها عن طريقها، وتتهاوى علاقتهم بها.
وقد ظهرت طبقة من المستشرقين لا عمل لها -على الأقل خلال القرون الثلاثة الأولى لنشأة الظاهرة الاستشراقية- إلا تشويه الحضارة الإِسلامية والتاريخ الإِسلامى، والتركيز على الشخصيات الملحدة والمنافقة والقلقة والشعوبية فى هذا التاريخ ... وفى المقابل محاولة تضخيم خلافات المسلمين مع بعضهم، حتى لكأنهم كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا ملائكة، أو قومًا بلا وجهات نظر وآراء.
وقد أخفوا الجوانب التى تغطى معظم المساحة، وهى مساحة الإشراق والعظمة فى تاريخنا الإِسلامى أفرادًا وحكومات وطبقات منسجمة متوازنة متكاملة.
ولم يتورعوا عن محاولة النيل من أعظم شخصية عرفها التاريخ (كما يقول منصفوهم وعلى رأسهم برناردشو ومايكل هارت ولوبون وغيرهم) وهى شخصية الرسول ﷺ ، ثم ذهبوا يلتمسون الثغرات -من وجهة نظرهم المريضة- فى شخصيات الصحابة والتابعين والدول الإِسلامية المتلاحقة.
وقد وضح أن الإِنفاق السخىّ الذى تبذله وزارات المستعمرات وإدارات
стр. 5
الاستخبار على كثير من المستشرقين والباحثين، وعلى بعض الجامعات، إنما كان أمرا مخططًا له، وداخلاً فى إطار خطة السيطرة على الشعوب الإِسلامية، وفصمها عن عناصر قوتها وركائز حضارتها، ومحاولة تمييع رؤيتها لأساسيات وجودها.
وهذا الكتاب الذى تقدمه رابطة الجامعات الإِسلامية اليوم للكاتب الهندى المسلم الدكتور محمد ياسين مظهرى (الأستاذ بجامعة عليكَرة الإِسلامية) ليس إلا حلقة فى سلسلة متابعته للحملات المغرضة على تاريخنا الإِسلامى ...
ونحن نتمنى أن يمدّ الكتّاب المسلمون -ومنهم المؤلف- الطرف إلى محاولات طوائف أخرى غير المستشرقين تشويه تاريخنا الإِسلامى، وعلى رأس هؤلاء المشوهين لتاريخنا المتجرئين عليه المفسرين له تفسيرًا خاصًا طائفة القرامطة التى انبعثت لها رءوس فتنة فى عصرنا من جديد، بعد أن كانت الفتنة نائمة (ولعن الله من أيقظها). وأبت هذه الرءوس إلا أن توقظها عن طريق الطعن فى الصحابة والهجوم على تاريخ المسلمين، وادعاء العصمة لغير رسول الله ﷺ وإثارة الفتن فى أمة محمد ﷺ ومن هؤلاء الشيوعيون الذين يؤولون الوقائع وفق تفسيرهم اليسارى الطبقى المادى. ومع كل ذلك نقول مطمئنين: إن هذه الحملات المغرضة ليست بنت اليوم .. بل إنها موجودة منذ ظهر الإِسلام .. فالصراع بين الإِسلام والباطل سنة كونية .. وإن التجربة الحضارية الإِسلامية فى التاريخ لهى أقوى من أن تشوه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو بعض الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل .. فالحق هو الأقوى دائمًا .. ومن خلف كل الضبابيّات استطاع الإِسلام دومًا أن ينفذ بأشعته، وأن يهدى الذين لديهم بصائر .. أما العميان .. الرافضون -مبدئيًا- للحقيقة .. فلن ينتفعوا بهدى الإِسلام (ولا يزالون مُخْتَلفين إلاَّ من رَحِم ربُّك ولذلك خلقهم) ... ومع هذا الخلاف
стр. 6
المستمر بين كتيبة الحق، وكتائب الباطل .. فالعاقبة -فى نهاية الصراع- للمتقين، (وإنَّ جُنْدَنا لهُمُ الغالبون) .. (ولقد كتبنا فى الزبور من بَعْدِ الذِّكْرِ أن الأرض يَرِثُها عِبادِيَ الصالحون).
صدق الله العظيم
رئيس رابطة الجامعات الإِسلامية
د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
стр. 7
تمهيد
المؤرخون القدامى: القرن الأول والثانى الهجري
ظل التاريخ الإِسلامى -دون غيره- هدفًا لهجمات مغرضة من بين تواريخ دول العالم، ولا يزال حتى الآن هدفًا لهذه الهجمات المتنوعة التى أخذت أشكالاً مختلفة وفى مقدمتها: العصبيات القبلية، ومصالح الشعوب والجماعات المختلفة ومسلك كل منها، والاختلافات السياسية.
وقد مثلت هذه الأمور بداية تلك الهجمات، ذلك لأن مصادر التاريخ الإِسلامى التى كتبت فى الأمصار العراقية، وبخاصة فى الكوفة والبصرة وبغداد، لم تنج من تعصب المؤلفين ورواة الأخبار الذين لم يبتعد أكثرهم عن العصبية بكافة أنواعها.
ومع أن هناك مؤلفين ورواة أوائل كتبوا فى السيرة، والمغازي وتوافرت الثقة فيهم من أمثال: أبان بن عثمان (المتوفى ١٠١ - ١٠٥ هـ/ ٧١٩ - ٧٢٤ م)، وعروة بن الزبير (المتوفى ٩٤ هـ/ ٧١٢ م)، وعبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم (المتوفى ١٣٠ هـ/ ٧٤٧ م)، وعاصم بن عمر ابن قتادة (المتوفى سنة ١١٩ هـ/ ٧٣٦ م)، وابن شهاب الزهري (المتوفى سنة ١٢٤ هـ/ ٧٤١ م)، وموسى بن عقبة (المتوفى ١٤١ هـ/ ٧٥٩ م)، ومعمر بن راشد (المتوفى ١٥٤ هـ/ ٧٦٢ م)، وغيرهم من الثقات الذين يعتد بمؤلفاتهم، لكن هناك أيضًا من هم من أمثال شرحبيل بن سعد (المتوفى ١٣٣ هـ/ ٧٤٠ م)، ووهب بن منبه (المتوفى ١١٠ هـ/ ٧٢٨ م)، ومحمد بن
стр. 8
إسحاق (المتوفى ١٥٠ هـ لم ٧٦٨ م) وأبي معشر السندي (المتوفى ١٧٠ هـ/ ٧٨٨ م)، ومحمد بن عمر الواقدي (التوفى ٢٠٧ هـ/ ٨٢٣ م)، وهشام بن محمد بن سائب الكلبي (المتوفى ٢٠٤ هـ/ ٨٢٠ م)، ومحمد بن سعد (المتوفى ٢٣٠ هـ، ٨٤٤ م)، وغيرهم ممن يوجه لهم النقد نظرًا لما اتصفت به كتاباتهم من إفراط وتفريط. ومع أنه قد ظهر من بينهم من لم يثبت ضده أي نقد موجه من أهل الجرح والتعديل، فى ضوء الأبحاث الجديدة، إلا أنه من الصحيح أيضًا أنه صدرت عنهم روايات ضعيفة بل موضوعة.
ويعتبر أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي (المتوفى ١٥٧ هـ/ ٧٧٤ م) من رواة ومؤلفى الحوليات، وهو بالإِضافة إلى تدوينه وتحقيقه بل وتعصبه لتاريخ قبيلته " أزد " كان أيضًا معبرًا عن وجهات نظر الشيعة كما كان مخالفًا للروايات الشامية. وها هو سيف بن عمر التميمي (المتوفى ١٨٠ هـ/ ٧٩٦ م) يكتب عن أعمال ومآثر قبيلته تميم بمبالغة شديدة، ويخلط كتاباته بعناصر رومانية، بينما يتهم عوائد بن حكم الكلبي (المتوفى ١٤٧ هـ/ ٧٦٤ م) بتلفيق روايات مكذوبة لصالح الأمويين والشاميين.
وسواء كان الاتهام الموجه إليه صحيحًا أم غير صحيح، إلا أن هناك بالضرورة ما يدل على ميوله الأموية فى رواياته. ويفهم من خلال الدراسة التحليلية أن جميع رواة ومؤلفي الحوليات تقريبًا يدخل فى عملهم عُنصر العصبية القبلية بصورة واضحة تمامًا، كما أنهم من الناحية السياسية كانوا يعبرون عن وجهات نظر قبائلهم. ويتحدثون بلسان هذه القبائل.
ومع أن جميع المؤرخين وكتاب السير يتفقون بصورة عامة على أن روايات على بن محمد المدائني (المتوفى ٢٢٥ هـ/ ٨٤٠ م) كانت معتبرة وموثوقًا بها، وأنها قائمة على منهج تاريخي صحيح وتتفق تمامًا مع العقل والقياس، إلا أن بعض رواياته ضعيفة ولا تخلو من ميول مذهبية، وفكرية. وهذه حقيقة
стр. 9
تاريخية سلم بها المؤرخون والمحدثون بصفة عامة، وهي أن جميع الروايات التاريخية التي جمعت في الأمصار العراقية: الكوفة والبصرة خاضعة للعصبية.
[وجميع رواة الحوليات ينتمون في معظمهم لهاتين المدينتين]، وكذلك الشأن في الكتب التي كتبت عن موضوعات التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية فيما بعد -وبخاصة بعد تعمير بغداد وتطويرها كعاصمة للخلافة العباسية- فهذه الكتب كانت تضم أحكامًا وأفكارًا ضد الأمويين، وكانت هناك أسباب عدة لهذا الأمر:
أولها: أن عصر خلفاء بني أمية بدأ فورًا بعد عصر الخلافة الرشيدة، مما جعل المقارنة بين حكام العصرين أمرًا طبيعيًا، وهي مقارنة كان وضع الأمويين فيها ضعيفًا دائمًا ... بالنسبة للخلفاء الراشدين قمة الحضارة الإِسلامية بعد الرسول.
وثانيها: أن نتيجة بعض أعمال خلفاء بني أمية أدت إلى بدء حركة تمثلت في الطعن فيهم، وهو طعن لم ينج منه الصحابة الكرام الذين ينتمون إلى البيت الأموي!!
وثالثها: الحسد أو التنافس السياسي الذي ظل قائمًا بين العراق والشام منذ البداية؛ إذْ كانت الشام مركزًا للخلافة الأموية بينما كان العراق المعارض السياسي والمعارض " المذهبي " للشام.
ورابعها: أن الخلافة العباسية قامت على أساس معارضة الأمويين، وبالتالي أصبحت الروايات والكتب التاريخية في العالم يسودها طابع العداء للأمويين.
المؤرخون العالميون:
يُعَدُّ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) العصر الذهبي لتدوين التاريخ الإِسلامي حين ظهرت على الملأ المآثر العلمية للمؤرخين والمؤلفين الكبار.
стр. 10
فها هو كتاب " السيرة النبوية " الذي كتبه عبد الملك بن هشام (المتوفى ٢١٨ هـ/ ٨٣٣ م) والموسوعة التي تعد طبقًا لأبحاث زماننا أكمل وأول مؤلف عن السيرة وصلنا حتى اليوم.
ومع أن هناك ثقة يدعمها الاطمئنان بما لدى ابن هشام من قدرة منهجية، إلا أن العديد من الروايات عنده -رغم احتياطه الكامل- لا يمكن أن توضع على محك عِلْمَي الرواية والدراية، هذا بالإضافة إلى أننا نلاحظ ميله إلى القبائل الجنوبية وبعض الأفراد، وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على تأثير عامل العصبية القبلية لديه.
أما إمام علم التاريخ في هذا القرن فهو محمد بن جرير الطبري (المتوفى ٣١٠ هـ/ ٩٢٣) ورغم الإجماع على إمامته التاريخية إلا أن من المعروف أنه جمع في كتابه العظيم " تاريخ الرسل والملوك " الروايات المسندة إسنادًا صحيحًا وغيرها من الروايات غير الصحيحة، وقد جمع الروايات الصحيحة والروايات الضعيفة والموضوعة في سياق واحد!! ولم يدرسها أو يحللها أو يكشف ضعفها، وكان من نتيجة ذلك أن أصبح من الصعب على القارىء العادي أن يميز الصحيح من الخطأ فيها.
وقد شاع قول النقاد والمحدثين فيه: " بأنه جامع للروايات أكثر منه مؤرخًا " وهو رأي صحيح إلى حد ما، وربما أدرك هو نفسه ذلك وشعر به!!!
أما كتب أحمد بن يحيى البلاذري (المتوفي ٢٧٩ هـ/ ٨٩٢ م) فتعد من أهم المصادر فيما يتعلق بتدوين تاريخ القرون الأولى، لأنه وضع الروايات العراقية جنبًا إلى جنب مع الروايات الشامية، لكنه لا يعرض التاريخ بصورة مترابطة ومسلسلة، وهو في بعض الأوقات يقبل الروايات الضعيفة.
стр. 11
أما أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي (المتوفى سنه ٢٩٢ هـ/ ٩٠٣ م) فهو مؤرخ شيعي بصورة أساسية، ورغم ذلك تقلّ عنده عناصر المبالغة والأسلوب الخرافي الأسطوري، إذا ما قورن بالآخرين. وعلى العكس منه أبو حنيفة الدينوري (المتوفى ٢٨٢ هـ/ ٨٩٥ م) والذي لجأ إلى الأسلوب الأسطوري الخالص، رغم أن موضوع بحثه كان واسعًا، ويتضمن أمم العالم المختلفة.
هذا بينما يعدّ مواطنه ابن قتيبة الدينوري (المتوفى ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م) مؤرخًا حقيقيًا ومعترفًا به بصورة عامة على أنه ثقة، مع أن تاريخه من ناحية أخرى يفتقد طابع التسلسل التاريخي في كتاباته!!
وكان معظم مؤلفي القرن الرابع حتى السادس الهجري (العاشر حتى الثاني عشر الميلادي) يتمتعون بإحساس ناضج بالتاريخ، إلا أن توجههم الأساسي كان لعصرهم دون غيره من العصور، واكتفوا بالأخذ عن شيوخهم الكبار السابقين ما يحتاجون إليه من أخبار قرون التاريخ الإِسلامي الأولى.
ويعد على بن حسين المسعودي (المتوفى ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م) ومعه حمزة الأصفهاني (المتوفى ٣٦٠ هـ/ ٩٧٠ م) من أهم المؤرخين ويفهم من تعليقات ابن خلدون (المتوفى ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م) وتلامذته أن المسعودي لم يكن موفقًا تمامًا رغم كونه مؤرخًا يمتاز بالحسّ التاريخي، فهو لم ينج من السير على طريقة العصبية، ومن قبول الكتابات المزورة، والروايات الملفقة.
ولم يكن مؤرخو هذين القرنين والقرون التالية لهما مؤرخين إسلاميين بمعنى الكلمة، فلم يبرأوا من العصبيات الاجتماعية، والمحاباة القبلية، والميول السياسية، والخلافات الفقهية، والنزاعات المذهبية. وقد صدر هذا عن بعضهم نتيجة لنقص في المعرفة إلا أن عددًا كبيرًا منهم قد ترك جروحًا وبثورًا وبصمات سيئين عن عمد وعن قصد على صفحات التاريخ الإِسلامي؛ نتيجة
стр. 12
لتدوينه لما يعجبه ومالا يعجبه ونتيجة لعصبيته، وهكذا قام معارضو الإسلام بالاستفادة من الكتابات الضعيفة لدى هؤلاء الكبار العظام وجعلوها عونًا لهم أثناء هجماتهم الفكرية ومؤامراتهم المغرضة على تاريخنا العظيم.
المستشرقون:
لا شك أن المستشرقين هم أكثر من شوهوا التاريخ الإِسلامي. وطبقًا لتصريحات العلماء والباحثين فقد بدأ الاستشراق أساسًا لطعن الإِسلام وتشويه صورته، وقد امتلأت قلوب المعارضين للإسلام، وبخاصة من أهالي البلاد المفتوحة بالعداوة للإِسلام، وهي عداوة امتزجت بالحقد والكراهية، وبعدها انتقل هذا الشعور المعادي للإسلام من جيل إلى جيل لقرون في شكل روايات راجت بين الروم والبيزنطيين والآراميين والمسيحيين واليهود. وهي روايات اعتمدت في معظمها -إن لم تكن كلها- على الشائعات واتسمت بالجهل بالحقائق والعداء الصارخ للإِسلام.
وهكذا طوت هذه الروايات رحلتها عبر الزمان على " مطية " الإِشاعات، كما عبرتها أحيانًا على صفحات كتابات ومؤلفات تاريخية، وعلى كتب الرحلات والأسفار. وقد أشعلت هذه العداوة للإِسلام العصبيات القومية والنعرات الحضارية والشعوبية، إلا أن المسلمين قد نجحوا -مع ذلك- إلى أن يصلوا بالحضارة إلى مدارج عالية وإلى أن يرقوا رقيًا سياسيًا كبيرًا وتتسع فتوحاتهم وتصل عندها العداوة للإِسلام إلى حد إعلان الحروب الصليبية.
وحين فشلت قوة سيوف ومدافع العالم الغربي والنصراني في إطفاء نور الإِسلام، بدأ هذا العالم الغربي والنصراني في استخدام خداع حركة الاستشراق، وبدأت هذه الحركة تبدو منظمة ومنسقة في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وبدأ جربر دي أرالياك ( Gerber de araliac) وقسطنطين
стр. 13
الأفريقي Castantian African، وأدلرد باغ ( Adelardy Bagh) وروجر بيكن ( Roger Bacon) وجون الدمشقي، بدأوا بحملاتهم المغرضة على التاريخ الإِسلامي والسيرة النبوية.
وبعد قرون بدأ كل من فولتير ( Voltaire) واليكسندر روس Alexander) (Ross وهيلبيرت ( Hildebirt) ودانتي ( Dante) وغوليوم بوستل ( Guillaume Postel) وجوزف اسكالييه ( Joseph Scaliger) في طبع أبحاث علمية معادية للإسلام.
ومنذ القرن السادس عشر الميلادي بدأت حركة الاستشراق عملها طبقًا لخطة عملية محكمة، وصلت إلى ذروتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين؛ إذْ قام المستشرقون المشهورون من أمثال وليم بيدويل William) (Bedwell وب فاتيه ( P. vattier) وهاتينجر بتشويه السيرة النبوية تشويها ذريا، وكانت دوافعهم من وراء كل هذا دوافع دينية بحتة. وإذا ما استثنينا المستشرق هنري سُتبّه ( Henry Stubbe) الذي كان إلى حدٍ ما يتصف بالعدل والإِحساس والشعور والضمير، فإن جميع المؤرخين الغربيين حملوا على قلوبهم علامات تدل على عداوتهم للإسلام ورغم أن كلا من سيمون أوكلاي Simon) (ockley وإيدوارد بوكاك Edward Pocake وجورج سيل ( George Sale) ، وإيدوارد جيبون ( Eduard Gibbon) وفولتير ( Voltaire) قد التزموا بالموضوعية أحيانًا إلا أنهم استهدفوا في معظم الأحيان وضع السم بين صفحات التاريخ الإِسلامي. وخلال القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين، وصلت حركة الاستشراق إلى قمتها، وفي هذه الفترة قام عدد من المستشرقين بالبحث عن جوانب التاريخ الإِسلامي المختلفة والبحث في أزمنته المختلفة، وألقوا الضوء على نواياهم واتجاهاتهم من وراء أبحاثهم تلك.
ومن بين هؤلاء جان جاك سيديلّو، وديفرجيه ( Desvergers) وبيرون
стр. 14
Perron، وجوزف وايت ( Joseph White) و ى. هـ بالمر E. H. Palmer ودي غوييه ( De Goeje) ووستنفيلد ( Wustenfeld) وبيريزين ( Beresine) وسخاو ( Sochau) وفان كريمر ( Van Kremer) ووليم ميور ( William Muir) وليبون ( Lebon) وجولد تزيهر ( Goldziher) وولهاوزن ( Wellhausen) وغيرهم.
وأيضًا قام مستشرقو العصر الحديث بالكتابة عن الإِسلام والتاريخ الإِسلامي من وجهة نظرهم الاستشراقية الخالصة، ونذكر من بينهم مونته ( Montent) و، ج ديمومبيونه ( G. Demombynes) و ت. أرنولد ( T. Arnold) إس لين بول ( S. Lan-Poole) ونكلسون ( Nicholson) ونولدكه ( Noldeke) وهرجرنيه ( Hergrenje) وجوزيف هوروتس ( Joseph Herotitz) ، وبروكلمان ( Broekolman) وبارتهولد ( Bartthold) وهـ. ج. ويلز ( H. G. Wells) وهـ. جب ( H. Gibb) وسميث ( W. C. Smith) وجوزف شاخت ( Joseph Schacht) وبرنارد لويس ( Bernard Leuis) وتور اندريه ( Tor Andre) وفرانسسكو جبرائيلي ( Francisco Gebraeli) ومونتجمري وات ( Montgemry Watt) .
لقد قامت حركة الاستشراق في بدايتها بالتركيز على الهجوم على رسول الله ﷺ ، وعلى التاريخ الإسلامي. وكان هذا قائمًا على الجهل من ناحية، والعداوة من ناحية أخرى، جهل بالإِسلام وعداوة للإِسلام. ثم كانت المرحلة التالية، فانطبع اتجاه مؤرخي تلك الفترة بعدم العلمية، وساده الجهل الكامل، إلا أن هذا الاتجاه بدأ يتجه تدريجيًا في التغير، نظرًا للتعرف على المصادر الإسلامية، ونظرًا لرقي الثقافة والحضارة، وقد بدأ أسلوب الكتابة يسوده الاتزان، ويتصف بالمعرفة ويرتكز على البحث والتحقيق، إلا أنه من وراء كل هذا استمرت المؤامرة القديمة والخطة المسمومة البالية.
стр. 15
وفي الفترة الأخيرة بدأ الهجوم على التاريخ الإسلامي متخفيًا داخل رداء أسلوب الفكر العلمي القائم على البحث وأسس التحليل والنقد. ومع أن هؤلاء المستشرقين ومن يساندهم قد ادّعوا أنهم طالعوا التاريخ الإسلامي والعلوم والفنون الإسلامية، مطالعة قائمة على الحيادية والإنصاف بإخلاص وأمانة، إلا أن الحق أنهم لم ينصفوا حتى الآن التاريخ الإسلامي. فالمستشرقون أساسًا قاموا بمطالعة الإسلام وقراءته. وفي أذهانهم وعقولهم خلفيات قائمة على الخلْط بين الإسلام والمسيحية، والإسلام واليهودية والمشرق والمغرب، وقد قاموا أولاً بالهجوم الواضح الفاضح الذي يدل فقط على كراهيتهم الشديدة للإسلام، ولا شىء غير ذلك، ثم تدرج المنهج مع تطور العقل، فترك المستشرقون أسلوب الكراهية الواضحة والعداء الواضح واتجهوا للتستر وراء الطريقة العلمية، وطريقة العرض التي تحمل بين طياتها إثارة الشبهات والشكوك في التاريخ الإسلامي بطريقة خبيثة، فأدّوا بذلك مهمتهم على أحسن وجه، ونجحوا فى خداع البسطاء ممن انطوت عليهم حيل المستشرقين الخبيثة!!
стр. 16
الاتجاهات الجديدة في كتابة السيرة والتاريخ
لقد بدأ اتجاه جديد لكتابة السيرة والتاريخ الإسلامي في العصر الحاضر.
وهذا الاتجاه يقوم على مطالعة التاريخ الإسلامي طبقًا لنظرية التفسير الاجتماعي والاقتصادي للتاريخ، وهي نظرية حديثة. وهكذا بدأ العديد من المؤلفين والمؤرخين، من بينهم مسلمون، بتتبع العوامل والمحركات والدوافع الاجتماعية والاقتصادية أثناء مطالعاتهم لجوانب التاريخ الإسلامي، وقام البعض منهم يضع نصب عينيه -سلفًا- نظرية الصراع الطبقي والجدلي للاشتراكية، والنظرية القائلة بالتفسير المادي للتاريخ، وهكذا صاغوا التاريخ الإسلامي على أساس أنه تاريخ للصراع الطبقي، وهكذا يرى هؤلاء المؤرخون الاشتراكيون أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية هي المسئولة عن حركة التاريخ الإسلامي، وليس العوامل السياسية أو الدينية!!
وطبقًا لنظريتهم هذه فلا وجود لتأثير العوامل الدينية والأخلاقية في التاريخ، ويمكن أن نرى النتائج الخطيرة، والتأثير العميق للأفكار المتعلقة بالنظريات الاشتراكية والعوامل الاقتصادية لدى المستشرق الألماني هوبرت كرايم ( Hubert Crime) ود. س. مارغليوث D.S.Margoliatt والمستشرق برنس لون كتان ( Prince Leen Caetain) وبرنارد لويس ( Bernard Lewis) ومكسيم رودنسن ( Maxime Rodinson) . هذا بينما نرى (مونتجمري وات) يركز كثيرًا على وجهة النظر الاجتماعية والاقتصادية وذلك من خلال كتاباته التاريخية.
ومن بين المؤرخين المسلمين نرى عبد الحي شعبان الذي يمثل الأسلوب الاشتراكي في الكتابة ونرى الكاتب اليساري المصري أحمد عباس صالح،
стр. 17
ورصيفه محمود أمين العالم، وأخيرًا محمود إسماعيل وعبد المنعم ماجد بدرجة كبيرة هذا بينما يمثل وجهة النظر الجديدة أو الاتجاه الجديد المسمى بالاتجاه الطبي، أو اتجاه علم الأمراض Pathological كل من اسبرنجر Sprenger، وهنري لامنس Henry Lammens، وتور اندريه Tor Andre وطبقًا لنظرياتهم قام هؤلاء المستشرقون فجنوا ثمرات طيبة لخدمة الاستشراق في باب سيرة الرسول وفي التاريخ الإسلامي.
المؤرخون المغرضون والانتهازيون:
إلا أن أخطر طبقة من هؤلاء هم أولئك الذين يجرحون في التاريخ الإِسلامي ويطعنون فيه، وذلك بما لديهم من طبع سيىء، ومكر وخبث ودهاء، فأدعياء علم التاريخ من المؤرخين والمؤلفين، يقومون بالبحث في رواياتنا ومصادرنا، فينتقون من بينها الروايات والشروحات التي تخدم أهدافهم وأغراضهم الرامية إلى تصديق المزاعم والأفكار التي يعتقدونها سلفًا ويؤمنون بها مسبقًا، وبالتالي، وعلى بعض المواد والمعلومات المنتقاة والمخلخلة أقاموا بنيان كتاباتهم التاريخية الجاهلة من أولها إلى آخرها، من أول لبنةٍ فيها حتى آخر طابق فيها.
ومن الغريب أن هؤلاء الأدعياء الماسخين للتاريخ حين لا يجدون معلومات أو روايات تؤيد ادعاءاتهم، يقومون بإطلاق العنان لخيالاتهم. فيثبتون أحداثًا ووقائع تاريخية بعيدة كل البعد عن الواقع، وذلك من خلال مطالعاتهم لما بين السطور، وعلى كل حال فإن اتجاههم هذا لا يقوم فقط على الافتقار إلى التمييز بين الصحيح والخطأ من المصادر والمراجع، أو بين المسند والضعيف من الأخبار، بل هم يقبلون الروايات الخاطئة والضعيفة، ويصرفون النظر عن الروايات الصحيحة.
وهذه الطبقة من المؤرخين في معظمها إنما يقوم أصحابها بعرض الروايات
стр. 18
التاريخية بطريقة معوجة معكوسة ملتوية، ليخرجوا من وراء ذلك بنتائج تحقق هدفهم، رغم أنها من الناحية التاريخية خاطئة تمامًا.
وهناك جريمة أخرى يرتكبها هؤلاء يمكن أن نلاحظها في كتاباتهم وهي أنهم لا يوثقون بياناتهم وتفسيراتهم بذكر مصادر معتمدة لأية رواية. وذلك لأنها قائمة أساسًا على مزاعمهم وعلى أهوائهم وميولهم، ولا وجود ألبتة لمصادر تؤيد مزاعمهم وافتراءاتهم، وإذا ما ذكروا مصادر تؤيد مزاعمهم فهي في معظمها مصادر مشبوهة أو مرفوضة!!
ومن أمثال هؤلاء المؤرخين نذكر بالهند " المؤرخ " البروفيسر (خورشيد أحمد فاروق) فكتاباته ما هي إلا مجموعة من الروايات المخلوطة من هنا وهناك التي تنتهي بالضرورة إلى التفسيرات الخاطئة والنتائج الممسوخة.
ونذكر من المؤرخين العرب (جورجي زيدان وفيليب حتى) وآخرين يندرجون تحت هذه الطبقة، ومع أنهم لا يندرجون تحت تصنيف المؤرخين المستشرقين إلا أنه لا فرق بينهم وبين من يدعون التاريخ والتأليف من المستشرقين من ناحية المحركات والوسائل والأهداف، فهم يشتركون معًا فيها للوصول إلى هدف واحد، وهو تشويه حقيقة التاريخ الإسلامي. ولا بد -لكى تتحقق الأهداف- من أن تأخذ طريقة كتابة هذه الطبقة وأسلوب استدلالها الطابع الذي يميز طريقة كتابة العلماء، مما يُرهب القارىء، ويؤثر فيه بحيث لا يتمكن من إدراك ما وراء كتاباتهم هذه، ولا يتمكن من فهم بياناتهم الخاطئة وتفسيراتهم المسقطة على الوقائع والموجهة لأهداف محددة.
المؤرخون المنحازون
يندرج تحت طبقة المؤرخين المنحازين بعض العلماء والمفكرين المسلمين الجدد ممن قاموا ببحث فترة ما من فترات التاريخ الإِسلامي، أو عصر حكم
стр. 19
من التاريخ الإسلامي بحثًا تاريخيًّا تفصيليًّا، وهؤلاء ممتازون وبارعون فيما يتعلق بتبحرهم العلمى، وصلابتهم الدينية وفكرهم العالي ومطالعتهم الواسعة، ومعلوماتهم الوفيرة وقدرتهم على النقد والتحليل. كما أن دوافعهم ونواياهم ليست خالصة لوجه الله. وهؤلاء أمامهم مشكلتان يعجزون حقيقة عن علاجهما، المشكلة الأولى هي أنهم رغم ما لديهم من علم وفضل يفتقرون إلى الإدراك التاريخي السليم. وذلك لأن تربيتهم ونشأتهم العلمية لم تكن لتؤهلهم ليكونوا مؤرخين.
والمشكلة الثانية هي أن هؤلاء افتقروا إلى أصالة المنهج وعمق التفكير فى كتاباتهم التاريخية من ناحية، ومن ناحية أخرى فهم يقيمون بعض نظرياتهم بناء على أفكارهم وميولهم ومزاعمهم التي اعتنقوها وآمنوا بها قبلاً، ولم يتمكن هؤلاء من التخلص من هذه الأمور حتى وقت كتاباتهم لكتبهم وأبحاثهم. بل اعتبروا كتاباتهم القائمة على الأفكار والمزاعم التي يعتنقونها هي التفسير الصحيح للقيم الإسلامية والتاريخ الإسلامي.
وكانت النتيجة المنطقية لهذا الأمر، أنهم يشاهدون مجرد جانب واحد من الصورة، فيعرضون هذا الجانب الواحد فقط للآخرين، ومن الواضح أن يجد هؤلاء من يميل إلى نظرياتهم تلك، وقد أدى بهم سلوكهم المنحاز هذا إلى قبولهم للأخبار والروايات التي تتفق مع نظرياتهم وأفكارهم، ثم يغفلون أو يتغافلون تمامًا عن جميع الروايات والأخبار التي تتعارض مع خططهم المحددة أو يمرون عليها مرورًا سريعًا. إلا أن السبب الأهم لسلوكهم هذا هو جهلهم بالمعلومات الحديثة، مما نتج عنه ورود تفسيراتهم وشروحاتهم الخاصة بالتاريخ الإسلامي منحازة وتعالج جانبًا واحدًا، كما جاءت ناقصة غير مكتملة، وهناك أمثلة على هؤلاء المؤرخين ممن كتبوا بالأردية في شبه القارة الهندية الباكستانية ْوممن كتبوا بالعربية في مصر ولبنان. وكنموذج لقد بحث بعضهم موضوع
стр. 20
تطور وسقوط نظام الخلافة الإسلامية، وقدم نظريته التي يؤمن بها، ودافع عنها دون عرض لوجهات النظر الأخرى.
اتجاه خطير
وهناك اتجاه فكرى خاطىء غير إسلامي ترك آثارًا سلبية خطيرة على التاريخ الإسلامي، وهو الاتجاه المتمثل في نظرية التفريق بين الدنيا والدين، أو بين الدين والدولة، ومن المسلم به أنه لا مجال -أىّ مجال- لهذه النظرية في المبادىء الإسلامية، فهذه النظرية من نتاج الرهبانية النصرانية، وقد دخلت الإسلام عن طريق التصوف الذي خضع بدوره إلى تأثره بالفلسفات المسيحية والبوذية والهندوكية، فطريقة الزهد والتنسك في الحياة في القرون الأولى إنما كانت ردّ فعل للمادية الشديدة وحب الدنيا الذي طغى وسيطر بشدة على بعض طبقات المجتمع الإسلامي.
فقد قام الزهاد والنساك المسلمون بخوض معركة الدفاع عن الدين حتى يقيموا التوازن بين الدين والدنيا، وهو الأمر الذي يمثل أساس الإسلام. وكان هذا الأمر بذاته هو هدف التصوف الإسلامي في البداية إلا أنه حين بدأت عناصر غير إسلامية تدخل فيه كانت النتيجة التي لمسناها هي التفريق بين الدين والدنيا، فانكمش الدين ليصبح مجموعة من الرسوم قائمة على بعض العبادات، وأصبحت السياسة والتجارة والزراعة والحكم والخدمات العسكرية كلها من أمور الدنيا التي يصبح الارتباط بها ضروريًا للنجاة الأخروية والفلاح الدنيوى. ولقد قام بعض الخلفاء المسلمين والسلاطين وبعض الولاة والحكام فأوضحوا أن السياسات الخاطئة، والأعمال غير الصحيحة ليست من الإسلام، وأدوا بلا شك فريضة النهي عن المنكر وأقاموا الأصول الإسلامية، إلا أنهم من جانب آخر لم يحاولوا محاولة جادة الوقوف في وجه الاتجاهات اللا إسلامية، فلم يؤدوا مبدأ " الأمر بالمعروف " بل اتجهوا بدلاً من هذا إلى
стр. 21
الخانقاهات والتكايا، ولم يكتفوا بهذا بل نصحوا الآخرين أيضًا بالابتعاد عن الحكم والسياسة، مما نتج عنه تكاثر عدد الأشرار ورجال السوء داخل ديوان الحكم، ويومًا بعد يوم أصبحت مناصب السياسة والسلطة غير إسلامية.
ومن ناحية أخرى فإن النزوع إلى السلبية وعدم التعاون مع الحكومة لم ينتشر فقط بين الناس، بل أصبحت فكرة تقويم الحكومة فكرة تتعارض مع الإسلام. وكذلك أصبح التعاون والاشتراك مع الحكومة اتجاهًا غير إسلامى.
وهكذا لم يعد علماؤنا والرجال الصالحون فينا والغالبية العظمى من عامة الناس معارضين فقط لحكومة زمانهم أو على الأقل غير متعاونين معها، بل أصبحوا أدوات لمحاولة إضعاف هيئات الحكومة الإسلامية وسياستها، وكان أكثرهم السبب في الضعف السياسي، وتطور الهيئات السياسية بطريقة غير طبيعية، أو زوالها من البلاد الإسلامية.
وليس من سبب حقيقي لهذا السلوك سوى هذه السلبية لهؤلاء العلماء والمتصوفة وعامة الناس الرافضين للإسهام في صناعة التقدم، وللأسف فقد أخذ هذا الاتجاه الخطير المتحيز له المؤرخون اتجاهًا وسلوكًا عامًّا، بعد أن مسح بجرة قلم جميع خدمات الخلفاء والحكام المسلمين.
وقد ظهر هذا السلوك وهذا الاتجاه بوضوح تام في التاريخ الإسلامي بعيد النصف الثاني من القرن الأول، ولم يكن هناك فرق في هذا بين مؤرخينا وبين المؤرخين الآخرين من غير أهلنا، وهكذا جاءت جهود العلماء الانتهازيين ونظائرهم من المفكرين والمؤرخين ناقصة وخاطئة.
وقد استغلوا الحيل الشرعية والخدع الفقهية، واستفادوا منها لتحقيق أهدافهم، فجعلوا يشْرحُونها بطرق عكسية أحيانًا وملتوية أحيانًا أخرى، وهكذا أخطأوا أيضًا في كتابة التاريخ، وبناء على مجموعة من الأعمال أو
стр. 22
الإجراءات اللا إسلامية أو اللا أخلاقية جعلوا جميع إدارات الحكومة وإدارات الحاكم كلها غير إسلامية. وكان الواجب عليهم أن يتبعوا الأسلوب الصحيح، فيثبتوا خطأ ما هو خطأ، وينقدوه بموضوعية، ثم يبرزوا ويؤيدوا ما هو صحيح، وذلك لأن عمل المؤرخ في الحقيقة إنما هو تنقيح الروايات وتحليل الأحداث والوقائع التاريخية، وعليه فإن إصدار الفتاوى والأحكام الإجمالية العامة يخرج تمامًا وبأي حال من الأحوال عن دائرة عمله!!
ونحن في الصفحات المختصرة التالية سنقوم بتحليل معظم الهجمات المغرضة والحملات الفاسدة التي عممها أصحابها على مختلف عصور التاريخ الإسلامي وهنا يظهر سؤال هام وهو: ما هى عصور التاريخ الإسلامي؟
إن عصور التاريخ الإسلامي تتضمن بلا شك العهد النبوي حين كان الإسلام في أوج قوته وعظمته الدينية والدنيوية. ولا شك أنه يتضمن أيضًا زمان الخلافة الرشيدة، حين كانت أمور الخلافة تمضي طبقًا للقرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن هل يتضمن التاريخ الإسلامي أيضًا عصور الخلافة الأموية والعباسية، حين تسربت بعض العناصر اللا إسلامية في الحكومة والسياسة؟ وما هو الاسم الذي يطلق على مختلف عهود الحكومات الإسلامية في زمان انحطاط الخلافة العباسية؟
إننا سوف نجيب على هذا السؤال بعد التحليل التاريخي لكل حكومة وخلافة، وبطريقة أصولية، ولا شك أنه يمكن الإجابة على هذا السؤال بطريقة أصولية، وهو أنه لا يوجد شكل خاص أو إدارة معينة للحكومة والسياسة في الإسلام. والحكومة والسلطة التي مضت طبقًا للأصول الإسلامية هى حكومة إسلامية وسلطة إسلامية. وتتصف بإسلاميتها طبقًا للقدر الذي مضت عليه طبقًا لهذه الأصول، وبقدر ما تتعارض سياستها مع هذه الأصول بقدر ما
стр. 23
تكون غير إسلامية، ولقد قام علماؤنا ومفكرونا ومؤرخونا بوضع الحكومات الإسلامية منذ زمان العهد النبوي وحتى زماننا على محك تلك الأصول، فأصدروا قراراتهم بإسلامية هذه الحكومة وعدم إسلامية تلك الحكومة. ولم يستطع واحد من المؤرخين المنصفين أن ينفي إسلامية الدولة الأموية أو الدولة العباسية أو الدولة الأيوبية؟ أو المملوكية أو دولة العثمانيين -على الأقل من ناحية الأصول- فضلاً عن خضوع خلايا كثيرة في الحياة للنظام الإسلامي في هذه الدول العظمى .. وبالتالي فهي داخلة -بكل المقاييس- في عصور التاريخ الإسلامي .. حتى وإن اختلفنا مع بعض صور التطبيق فيها كما هي سنة الله في الحياة البشرية!!
وعلى كل حال فنحن -من ناحية الهجمات المغرضة- سوف نقتصر في عرضنا هذا على تحليل العهد النبوي وعهد الخلافة الرشيدة، إذ إن الغارات الفكرية المغرضة على التاريخ الإسلامي بأكمله أمر يحتاج إلى مجلد ضخم!!
стр. 24
العهد النبوي (٥٧١ - ٦٣٢/ - ١١ هـ)
على الرغم من أن كتابة السيرة تعد طبقًا للأصول الحديثة جزءًا من التاريخ إلا أنها لا تمثل بحد ذاتها تاريخًا، فالسيرة النبوية تستثنى من هذه الكلية؛ ذلك لأن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لازم وملزوم، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما الآخر ... يمكن أن يكتب شىء عن الجزء الخاص بالفترة السابقة للبعثة في السيرة النبوية، إلا أنه من ناحية أخرى يعد جزءًا من التاريخ الإسلامي، ذلك لأن هذا الجزء من السيرة لا يمكن فصله عن شخصية الرسول الأكرم ﷺ ، رغم أنه يتضمن السنوات الأربعين الأولى قبل بعثته ﷺ تلك التي تتضمن خلفية هامة وضرورة للكتابة عن الإسلام، وتجب مطالعتها لفهم التاريخ الإسلامي. هذا بالإضافة إلى أن عددًا من الكتاب المغرضين قد حاولوا النيل من هذا الجزء من السيرة النبوية لتحقيق أهدافهم الذميمة، ومن هنا وجب الرد عليهم، حتى يمكن كشف وجوه الحق حول سيرة الرسول ﷺ ، وحتى يمكن الوقوف على حقيقة الدوافع والمحركات الكامنة وراء هذه الهجمات التي تركت آثارها على التاريخ الإسلامي، فيتم تداركها بطريقة صحيحة.
الاسم والنسب:
تتفق جميع مصادر التاريخ الإسلامي تقريبًا أن مولده ﷺ كان في عام الفيل، وأنه سُمي بمحمد وأحمد، وطبقًا لقول ابن إسحاق فإن آمنة تلقت الإلهام بتسميته بالاسمين بنداء من هاتف غيبي، ورغم أن المؤرخين لا يعترفون بهذه الرواية الغيبية. لأنها ليست رواية تاريخية ثابتة، إلا أن الجميع يعترف بأن هذين الاسمين قد أطلقا عليه في النهاية، وتشهد الأحاديث النبوية والمصادر التاريخية بصحة هذه الحقيقة شهادة كاملة. ولم يكن إنكار المستشرقين وبعض
стр. 25
المؤرخين المحدثين الاعتراف بالسند التاريخي لهذين الاسمين راجعا لمجرد جهلهم وعداوتهم الشديدة، بل قاموا بتحوير اسمه الكريم مرة بعد مرة، وتجنبوا عمدًا وقصدًا ذكر اسمه صحيحًا على ألسنتهم.
وفي النهاية وفي العصر الحديث اضطر الجميع إلى الاعتراف بالحقيقة التاريخية؛ لأن إنكار هذه الحقيقة سوف يمزق ستار علميتهم وموضوعيتهم.
لقد ظل المستشرقون ومن مضوا في ركابهم من المؤرخين الآخرين يطعنون في حسب ونسب الرسول الأكرم ﷺ فراحوا يحطون من قدر نسبه، ويقللون من قدر حسبه ويقولون بأنه من أسرة اجتماعية متواضعة، وقد قام مرجليوث ومن تبعه بوضع افتراضهم على هذا الزعم الباطل بأن والده المحترم (عبد الله) توفي قبل مولده ﷺ ، ومن هنا كانت حالته المالية ﵊ بعد يتمه غير طيبة، وبناء عليه اتجه ﷺ في طفولته إلى احتراف رعى أغنام أهل مكة، وبخاصة عمه أبي طالب، وهذا في رأيهم دليل على تدني المستوى الاجتماعي، وقد أغفل جميع هؤلاء المؤلفين والمؤرخين الشواهد التاريخية التي تثبت أنه أحد أفراد أسرة بني هاشم، وهي من الأسر التي تتمتع بأشرف نسب، وكان لها شرف السيادة في الأشهر الحرم على قريش مكة طبقًا للأصول آنذاك، ومن هنا كان ينظر إليها نظرة إعزاز واحترام في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، وكان لبني هاشم شرف تحمل مسئولية السقاية بين أشراف قريش، وكل هذا لا يدل أبدًا على تدني المستوى الاجتماعي ولا على الضعف المالى كما زعم المؤرخون والمستشرقون. هذا بالإضافة إلى أنه قد اشتهر في العرب آنذاك أن يقوم أبناء الشرفاء والأحرار برعي ماشية الأسرة؛ لأن الرعي كان حرفتهم، وكان دليلاً على ثراء العديد من القبائل.
هذا وتبالغ بعض الروايات من مصادرنا ومراجعنا في أن بني هاشم كانت لها السيادة الكاملة في مكة المكرمة وبخاصة حتى موت عبد المطلب، وكان
стр. 26
جميع زعماء القبائل والشيوخ تحت إمرتهم، ومن بين من بالغ في الأمر فوقع في الخطأ مولانا شبلي النعمان، وبعض المؤرخين المسلمين، وقد رأي أنه بعد وفاة عبد المطلب خرجت السيادة القومية والحكومة من بني هاشم وتحولت إلى بني أمية والدليل على هذا هو أن قائد جيوش قريش في حرب " الفجار " كان من بني أمية، بينما الحقيقة هي أن السياسة المكية كانت قائمة أصلاً على أسس وأصول تحدد المسئوليات وتحدد الإشراف عليها، وطبقًا لهذه الأسس فقد كانت جميع بطون قريش تنال كل منها مسئولية معينة بصورة تتساوي فيها البطون جميعها، فإذا كانت السقاية في بني هاشم، فقد كانت الرفادة في بني نوفل، والقيادة في بني أمية، والحجابة في بني عبد الدار، وهكذا كانت هناك عشر مسئوليات تم تقسيمها على مختلف الأسر في قبيلة قريش في زمان قصي بن كلاب جد قريش الأكبر.
وتتضح هذه الحقيقة في جميع مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي مثل تاريخ مكة المكرمة للأزرقي (المتوفى ٢٤٤ هـ/ ٨٥٨ م) والفاكهي (المتوفى ٢٧٢ هـ/ ٨٨٥ - ٨٨٦ م) وغيرهما.
المنافسة بين بني هاشم وبني أمية:
أثيرت قضية المنافسة بين بني هاشم وبني أمية، وأرادت بعض الروايات في مصادرنا أن تثبت أن هذه المنافسة بين هاتين الأسرتين - اللتين تنتميان إلى عمومة واحدة من رجلين عظيمين من بطن بني عبد مناف بدأت منذ عهد الجاهلية، واستمرت حتى وصلت إلى زمان هاشم وحرب بن أمية، بل صدرت بعض الروايات -التي لا يمكن تصديقها أو قبولها بحال من الأحوال- عن هذين الاثنين، وطبقًا لهذه الروايات فإن أصحابها كما يظهر يحاولون إثبات أن المنافسة التي جرت بين الاثنين هي بذاتها نفس المنافسة التي استمرت بينهما طوال فترات العهد الإسلامي، والتي جعلت بني أمية يواجهون
стр. 27
ويعارضون بني هاشم، بل جعلتم أعداء يناصبونهم العداء على الدوام، وهكذا قام بنو أمية -كما يدعى هؤلاء زورًا- بمعارضة الإسلام ونصبوا المؤامرات ضد الحكومة الإسلامية، وبعد أن نجحوا في خططهم تلك استولوا غصبًا على الحكم، وحين أصبحت السلطة في أيديهم أوقعوا الظلم والقهر ببني هاشم. كل هذه الاتهامات التي لو نزلت على جبل لحطمته، ملأ بها الرواة المغرضون والمؤرخون الذين لا يمتون للتأريخ بصلة روايات مصادرنا التاريخية.
إن أساس قضية المنافسة بين بني هاشم وبني أمية يجب أن ننظر إليها أصلاً في ضوء خلفية اختلافات الفتنة الكبرى، وهي الفتنة التي أدت إلى الأمر المفجع الذي أدى بدوره إلى شهادة ثالث الخلفاء الراشدين، فلم تكن هناك منافسة بصورة أساسية بين هاتين الأسرتين، لا في زمان الجاهلية، ولا في عهد الرسالة، ولا في زمان الخلافة الرشيدة بطوله. فكلتاهما ليستا فقط من أهم أعضاء بني عبد مناف بل بينهما صلة قرابة متينة لا تنفصم عراها أبدًا، وبينهما صلة من المحبة والانسجام لا تنقطع أوصالها بأي حال من الأحوال. فابن عبد المطلب بن هاشم أبو لهب، وابنتاه أم الحكم بيضاء وصفية، هؤلاء كانوا ينتسبون إلى أسرة بني أمية. كما أن صلة المصاهرة هذه ظلت قائمة في أسرة رسول الله ﷺ ، وفي أسرة عمه أبي طالب بن عبد المطلب أيضًا.
وهكذا كان بين عقيل بن أبي طالب الهاشمي، ورسول الله ﷺ علاقة زواج مع الأمويين: السيدة زينب، والسيدة رقية والسيدة أم كلثوم، وبعدها قام رسول الله ﷺ نفسه بالزواج من ابنة أبي سفيان السيدة أم حبيبة وظلت سلسلة المصاهرة والزواج مستمرة بين هاتين الأسرتين بل توطدت العلاقات أكثر فأكثر في زمان العهد الأموي. كما أنه لا يندر أن نجد أمثلة للزواج والمصاهرة في العهد العباسي.
стр. 28
وبالاضافة إلى صلة المصاهرة فإن رابطة العلاقات التجارية والاجتماعية بين الأسرتين كانت قوية واستمرت على هذا المنوال سواء كان ذلك في العهد الجاهلي أو في العهد الإسلامي، وكانت العلاقة بين أبي سفيان الأموي والعباس الهاشمي تتسم بالمحبة والمودة؛ إذ كانت علاقاتهما وثيقة ومتينة. وتحليل الصلات والعلاقات التي ربطت بين الأسرتين تحليلاً يشمل جميع جوانبها يدل على أن ما قيل عن منافسة غير ودية بينهما لا أساس له. وما ذكر في المصادر التاريخية يدلنا أيضًا على أن هذه الروايات قد صيغت أو تم " تلفيقها " فبولغ فيها، وجاءت هكذا بما حملته من مبالغة في مصادرنا التاريخية.
وهذه المحاولات ما هي أصلاً إلا صدى للميول العدائية لبني أمية، التي جعلت الرواة من أعداء بني أمية يسلكون هذا السبيل من أجل مسخ هذا العهد الأموي العظيم في التاريخ الإسلامي، بالإضافة إلى أن المؤرخين الجدد (من الماركسيين وغيرهم) ممن حاولوا تفسير التاريخ على أساس فكرة الصراع بين الطبقات وجدوا في تلك الروايات مأربهم فراحوا يصبغون التاريخ الإسلامي على أساس وجهة نظرهم الشيوعية ليجعلوه تاريخ صراع بين الطبقات!!
حياة الرسول - المرحلة الأولى:
قام بعض المؤرخين المسلمين المحدثين بتحوير بعض الوقائع البديهية في حياة رسول الله ﷺ ، ثم راحوا يفسرونها تفسيرات حديثة ويشرحونها شرحًا جديدًا، هذا بينما اعتبر المستشرقون جميع أحداث سيرة الرسول قبل بعثته روايات غير تاريخية أو مجرد حكايات.
وهكذا لم توضع جميع وقائع ولادة رسول الله ﷺ ، وطفولته وفترة شبابه الأولى على محك التاريخ الموضوعي عند المستشرقين وطبقًا لتحليل فيليب حتى، رغم أنه- أي محمدًا ﷺ ظهر في نور التاريخ الكامل، إلا أننا نجد عدة
стр. 29
روايات صحيحة فقط تتعلق بحياته في مراحلها الأول، وفي كسبه للعيش وسعيه وجهده في محاولاته لبناء شخصيته وتطويرها، وإعداد نفسه للمهمة العظمى التي تولاها فيما بعد.
ونرى الفكرة نفسها لدى أعظم المستشرقين في العهد الحديث " مونتجمري وات " الذي يعترف تمامًا بتاريخ ولادته ﵊ وتاريخ وفاة والدته وتربية جده عبد المطلب ورعايته له، ووفاته، ويعترف بعد ذلك بإشراف عمه أبي طالب عليه وتربيته ورعايته له وبكل ما رافق ذلك من وقائع، إلا أنه من ناحية أخرى يقر بأن جميع الوقائع والحقائق الأخرى، ما هي إلا روايات تتعلق بالعقيدة وهي حكايات أسطورية.
وبصفة عامة يكذب المستشرقون رواية تربيته ورعايته في بيت حليمة السعدية في مضارب بني سعد بن بكر وهذا هو رأي بعض المؤرخين المسلمين المحدثين أيضًا، فهم يزعمون أن هذه الرواية لا وجود لها في التاريخ الإسلامي كله، ولا في عهد الجاهلية، والرواية المقبولة لدى هؤلاء أنه ﵊ أرسل إلى مكان ما بالبادية ليتدرج في التربية تحت إشراف مرضعته، وهذه دعوى بلا شك غير صحيحة، فمثل هذه الوقائع العديدة نجد لها شواهد وعلامات في الحديث والسيرة وكتب أسماء الرجال. ويروي البخاري أنه بعد ولادة رسول الله ﷺ فإن أمه آمنة أرضعته أولا، وبعد ثلائة أيام أرضعته ثويبة أمة أبي لهب وطبقًا للرواية فإن حمزة أيضًا قد أرضع عن هذه الأمة لعدة أيام، وعليه فهو بالإِضافة إلى أنه كان عمه في النسب فهو أخوه في الرضاعة وقد ذكرت عدة روايات موثوق بها هذه الصلة. إلا أن المؤرخين المسلمين المحدثين أنكروا واقعة إرضاع ثويبة للنبي لمجرد أن هذا الأمر لا يليق بالنبوة، أو أنه قد يعدّ دليلاً لدى من يريدون الطعن في النبوة، ويعطون دليلاً فحواه أن الله تعالى -طبقًا لما جاء في القرآن الكريم- قد حرم على موسى عليه السلام
стр. 30
أن يرضع لبن أية امرأة أخرى غير أمه، هذا بينما لم تكن علة التحريم في موسى أن يحفظ من رضاعة امرأة غير محترمة بل كان الهدف الأساسي -وهو ما ذكره القرآن الكريم- هو العودة إلى أحضان الأم مرة أخرى، فكيف يفهم بعضهم، وعلى أي أساس - أن إرضاعه من امرأة أخرى يقدح في عظمة كونه رسولاً؟!! وقد ارتبطت واقعة إرضاع حليمة السعدية للنبي ﷺ ببعض المعجزات والكرامات، وبعض هذه الروايات ضعيف وغير مسند، ولكن هذا لا يعني بدوره رفض الواقعة كلها - وهو ما لا يتماشى مع الصدق التاريخي، ولا شك أن مسلك المؤرخين المسلمين المحدثين غير صحيح بالمرة.
وهكذا كذبت هذه الطبقة من المؤرخين المسلمين الروايات الخاصة برعاية أبي طالب للنبي ﷺ ، ويريدون أن ينال عمه الأكبر الزبير بن عبد المطلب شرف تربيته رسول الله، وقد أقاموا هذا القياس المجرد طبقًا للرواية القائلة بأن الزبير خلف والده، كما كان ثريًا أيضًا، ولهذا فهو الأليق بتربية ابن أخيه، ودليلهم على ذلك أيضًا هو أن أبا طالب لم يتمكن لضيق ذات يده أن يقوم بتربية ورعاية عقيل وعلي، ولهذا أودع الاثنين -على الترتيب- تحت رعاية العباس بن عبد المطلب والنبى ﷺ .
وهذا استدلال سقيم من عدة وجوه. أولها أنه ليس من الضروري أن يكون الإنسان الثري بأقدر على الرعاية والتربية، فالمحبة والشفقة أكثر ضرورة للتربية والرعاية الصحيحة من المال والثروة وتلك هي التربية التي نالها النبى ﷺ في بيت أبي طالب.
وحتى وفاة أبي طالب فقد كانت حياته كلها مرآة لشفقته التي لا حدود لها، ولحبه العظيم له. ثم إن أبا طالب حين كان يرعى رسول الله ﷺ ، كان في شبابه، كما لم يكن معدمًا أو فقيرًا كما يظهر، إذ إن واقعة رعي
стр. 31
رسول الله لماشيته إن دلت فإنما تدل على أنه لم يكن معوزًا أو معسرًا بل كان ميسور الحال، وطبقًا لدستور العرب كان امتلاك ماشية الرعي دليلاً على الثروة والغنى.
ومن ناحية النقد التاريخي، فإن هذا الاستدلال أيضًا غير صحيح؛ لأنه حين أصبح رسول الله ﷺ في كفالة أبي طالب، لم يكن عقيل ولا على قد ولدا بعد بل ربما لم يكن لأبي طالب آنذاك أولاد، ومن هنا فلم يكن ثمة عبء في كفالة أحد.
ومن الصحيح أن العباس والنبي الأكرم كانا تحت رعاية أبي طالب، لكن من المعروف أن الرسول وعمه أبا طالب صارا من تجار مكة المعترف بهما، بينما في وقت وفاة عبد المطلب كان رسول الله ﷺ في الثامنة من عمره وكان العباس في الثانية عشرة وحمزة في العاشرة.
وهكذا فإن جميع محاولات المؤرخين هؤلاء إنما ترجع إلى رغبتهم في أن يسلبوا أبا طالب وأسرته شرف كفالة النبى.
وفي النهاية نقول إن واقعة سفر أبي طالب إلى الشام ومقابلته لبحيرا الراهب إن لم تدل على ما كان لأبي طالب من ثروة فإنها تعبر بصدق عن أنه كان ميسور الحال؛ لأن أيًّا من تجار مكة لم تكن لديه القدرة آنذاك على إرسال قافلة أو المضي بقافلة إلى الشام دون أن يكون صاحب ثروة كبيرة أو معقولة على الأقل.
قصة بُحيرا الراهب:
رغم أن المستشرقين ومن حذا حذوهم من المؤرخين ينكرون جميع وقائع السيرة الأولى أو يعتبرونها مجرد أساطير لا تاريخًا، إلا أنهم يذكرون واقعة أو
стр. 32
قصة الراهب بُحيرا بطريقة أو بأخرى، حتى يتمكنوا من إثبات أن الرسول ﷺ قد تعلم جميع أصول وقوانين الإسلام وفلسفة الدين بأكملها من راهب مسيحي أثناء سفره (وعبوره!!) إلى الشام.
ومن الجدير بالاهتمام أن أكثر المؤرخين المسلمين المعتمدين ونقاد الحديث وعلماء الجرح والتعديل ينفون هذه القصة، ويعتبرونها من حيث أصول الرواية والدراية قصة موضوعة، إلا أن المستشرقين الذين ادّعوا تحليلها ونقدها لا يقولون فقط بصحة هذه القصة، بل يعتبرونها القصة الوحيدة التي تشير إلى نبوءة البعثة النبوية قبل وقوعها بحوالى ٢٨ سنة تقريبًا، وهكذا يجعلون الإسلام في صورة المستفيد من المسيحية في تشكيل الدين!!
ولم تتبادر حقيقة هامة إلى أذهانهم: كيف أن صبيًّا عمره ١٢ سنة لم يتلق أي تعليم نظامي يمكن أن يفهم بعقليته البسيطة الأصول الفلسفية للدين وقواعد فكره العالمية وأصوله المعقدة؟ ثم أليس هناك تضاد ظاهر في هذا القول، فالمسيحية التي راجت آنذاك في الشام ومصر، كم كانت مختلفة عن الإسلام من ناحية العقائد والأصول. بل إن تصور الدين والعقيدة في المسيحية والإسلام تصور مختلف ومنفصل تمامًا كما اعترف بهذا " مونتجمري وات " والمستشرقون الآخرون. وهو ما سنوضحه في بحثنا بعد ذلك.
وعلى كل حال فسواء كانت رواية بحيرا الراهب صحيحة أو غير صحيحة مسندة أو ضعيفة، وسواء اعترف بها علماء المسلمين والمؤرخون أم لم يعترفوا، فإنها رواية صحيحة لدى معظم المستشرقين الذين لجئوا إلى التعصب الديني بدلاً من إعمال الإحساس والشعور التاريخي واستخدام الاستدلال التاريخي وأسلوب البحث الصحيح، مما جعلهم يقررون أن الإسلام مأخوذ من المسيحية.
رسول الله ﷺ في شبابه:
والواقعة الثانية في جملة الوقائع الهامة التي حدثت قبل البعثة المحمدية كانت
стр. 33
عام ٦٩١ م وهي أن الرسول الأكرم قد اختار لنفسه حرفة التجارة، واشترك في حرب " الفجار " وفي سنة ٦٩٥ م تزوج النبي من خديجة، وحين كان عمره ٣٥ سنة اشترك في تعمير الكعبة وحلف الفضول. وقد حاول المستشرقون أن يمروا على هذه الأحداث في عمومها مرّ الكرام. بل غضوا أنظارهم تمامًا عن أمر احترافه ﷺ للتجارة حتى يثبتوا أن ثروته إنما كانت نتيجة لزواجه من خديجة، وقد عبر " حتّى " عن هذا الزواج بقوله: " في زمان يصل بنا إلى دهاليز الفترة التاريخية المضيئة!! " أي أنه قبل ذلك كانت أحداث حياته ﷺ أساطير وخرافات وهذا زعم مرجعه تعصب " فيليب حتِّى " الدينىّ، وإلا فالحقيقة أن حياته ﷺ من المهد إلى اللحد كانت مرآة واضحة أمام تاريخ مضىء في بيت الزمان.
أما " مارجوليوث " فيتهم السيدة خديجة ورسول الله ﷺ اتهامات باطلة، فيقول إنهما كانا وهما نائمان يقومان بعبادة صنم يدعى " عُزّى " وكان هدف المستشرق سابق الذكر أن يثبت فقط أن عبادة الأوثان التي شاعت في مكة قبل البعثة تركت أثرها عليه ﷺ .
هذا بينما أراد " وليم ميور " أن يثبت من خلال قصة بُحيرا الراهب أن واقعة لقاء الرسول مع الراهب وما أخذه عنه من تعاليم كانت سببًا في كراهية الرسول الأكرم لعبادة الأوثان، وطبقًا لبيانات المستشرقين سابقي الذكر ومزاعمهم تلك، وللسبب نفسه نلاحظ التضاد الظاهر في بيانات كلٍّ منهما، بينما أساس أفكارهما لا يقوم على أية حقيقة صحيحة، بل يقوم على مجرد القياس والتخمين، ولهذا كان استدلالهما بأكمله استدلالاً مضللاً ويتعارض مع الحقائق التاريخية.
وقد خرج " مارجوليوث " من أسفار الرسول التجارية بنتائج محيرة وهى أن ما جاء ذكره في القرآن الكريم من السفن التي تمشي في البحر والطوفان
стр. 34
وغير ذلك من أمور إنما ترجع إلى التجارب والمشاهدات الذاتية للرسول ﷺ (١) وعليه قام المؤرخ المذكور -بناء على قياسه وظنه- بالزعم بأن الرسول سافر إلى مصر أيضًا. مع أن جميع كتب التاريخ الإسلامي تخلو من هذه القياسات الضالة المضللة والنتائج العجيبة!!
والهدف الذي يرمي إليه المستشرق من ذلك هو أن يثبت عن طريق الاستدلال أن القرآن الكريم هو من كلام الرسول، وليس بالكلام الإلهي، بينما يثبت بالروايات التاريخية وبطريقة متواترة أن كلام القرآن الكريم هو كلام من عند الله، أنزله من اللوح المحفوظ نزل به جبريل الأمين على فؤاده ﷺ .
ويحاول كثير من مؤرخينا المعاصرين بعامة والمستشرقين بخاصة أن يثبتوا أنه بعد زواج رسول الله ﷺ من السيدة خديجة، تحسنت أحواله المادية ولهذا ترك العمل بالتجارة وبقية الأعمال الأخرى، وبدأ الانصراف إلى العبادة والرياضة الروحية وهذه النقطة تعطي دفعة لإثبات هدفين لهؤلاء.
الأول: هو أن ثروته كلها كانت بسبب اعتماده على ثروة السيدة خديجة.
والثاني: أنه بعد أن تحسنت أحواله المادية انصرف عن مشاغل الدنيا وأعمالها، وانصرف إلى العبادة والرياضة بينما يتضح من الروايات أنه ﷺ ظل يعمل بالتجارة بعد الزواج، كما كان قبل الزواج إذ عمل بالتجارة وهو في العشرين، وعلى العموم لقد اعتمدت حياته التجارية على تجربته الطويلة لعشرين سنة نال خلالها تجارب متنوعة، وأضافت أيضًا إلى ثروته. كما يثبت من الروايات أن " التحنث " [الرياضة والعبادة] الذي كان يقوم به ﷺ إنما كان لشهر واحد (رمضان) خلال السنة بأكملها، أما باقي السنة فكان
стр. 35
يقضيها في أداء واجباته الدنيوية ومنها التجارة أيضًا. واستمر هذا إلى آخر أيام حياته قبل البعثة وفي هذا الخصوص نرى روايات كثيرة جدًا في مصادر مختلفة، إلا أنها غير واردة بشهورها وسنواتها حتى يمكن تحديد التدرج التاريخي أو الترتيب التاريخي لحياته التجارية طبقًا لذلك.
وما جاء ذكره في القرآن الكريم في سورة الضحى عن ثروة النبي وغناه إنما يتعلق بزمان عمله بالتجارة، وطبقًا لروايات المفسرين الكبار فإن هذه السورة تتعلق بالفترة الأولى لما بعد البعثة مباشرة، وما ورد فيها من ثروة إنما يرجع إلى ثروته الشخصية التي لم تكن مرهونة بمنّة أحد غيره. ولهذا فما يريد المستشرقون إثباته من فكرة الرهبانية إنما هو أمر خاطىء، فحياته ﷺ كانت كلها جهدًا وجدا وكفاحًا وعملاً متواصلين.
стр. 36
البعثة النبوية (رمضان ١٣ قبل الهجرة/ ٦١٠ م)
إن أكبر اعتراض أثاره المستشرقون هو اعتراضهم على الوحي الإلهي الذي أنزله الله ﵎ عن طريق الروح القدس على رسول الله ﷺ . ومن أسباب اعتراضهم عدم درايتهم بالمصادر الإسلامية وجهلهم بحقيقة الوحي الرباني، وأكثر من هذا تعصبهم الديني وعداوتهم للإسلام؛ لأن أكثر المستشرقين إما أنهم مسيحيون وإما أنهم يهود. ولهذا فهم يدركون أنهم إن اعترفوا بنزول الوحي الرباني فإن هذا يعني اعترافهم بالرسالة المحمدية، وهذا يعني عندهم إنكار نبوة موسى وعيسى ﵉. وهذا ما لم يكونوا على استعداد له أبدًا. ومنذ البداية وحتى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. شاع في الغرب أن الوحي الذي نزل على محمد (خداع) Imposter، واتهم الرسول ﷺ بأنه خدع الناس بإيهامهم بتلقي الوحي الرباني وذلك حتى ينال لنفسه أهدافًا سياسية واجتماعية واقتصادية.
وبعد ذلك بفترة ظهرت قصة اليمامة، وكانت من خرافات العقل الأوربي، وطبقًا لهذه الأسطورة فإن يمامة كانت تجلس على كتف الرسول وكانت تلتقط من أذنه الحب وهكذا كان يوهم الناس أنها تخبره بالكلام الإلهي. ولا نرى ضرورة للحديث عن هذه القصة الخرافية التي لا معنى لها. فجانبها الخرافي واضح وأظهر من الشمس أما " لامانس " فهو يقرر أن الوحي الإلهي كان نتيجة أضغاث أحلام ونتيجة لحدس ذاتي ( Outo - Suggestion) هذا بينما يرى البعض أن نزول الوحي كان نتيجة غيبوبة طارئة أو نتيجة لخداع حسّي أو هلوسة أو هذيان hallu cination، بينما كان عند البعض الآخر شيئًا ملازمًا لحالات الهستيريا.
стр. 37
و " نولدكه " الذي نال في الغرب اليوم درجة جعلته يعرف هناك كمفسر للقرآن يرى أن الوحي كان نتيجة لحالات عصبية حين تنتهي يحدث الوهم، ويحدث ما يتبع ذلك من إلهام.
أما " وليم ميور " -الذي يعد مؤرخ الإسلام- فيكتب أن الرسول ﷺ قد انتابته الشكوك والشبهات فيما يصله من إلهام وفي هدفه النبوى، ولهذا ظل لفترة طويلة حائرًا وبعد فترة طويلة أخرى، وحين تأكد عن طريق عامل من العوامل الخارجية أنه نبي بدأ مهمته في تبليغ ونشر الإسلام، وقد خرج هذا المستشرق سابق الذكر نتيجة لتفسيره الخاطىء لبعض الروايات وعجزه عن فهمها فهمًا صحيحًا بالقول بأن السبب في ذلك كان " الطعام " الذي يأكله الرسول.
وقد كشف عدد من المؤرخين المسلمين وكتاب السيرة الستار عن حقيقة ما ادعاه هذا المستشرق المذكور من مهارة بالعربية - فقد كان ضعيفًا، وكان يتمتع بالخبث والتفكير الفج المعوج وكان أصيلاً في عداوته وحقده على الإسلام.
وعلى الرغم من هذا فقد قام بعض مستشرقي القرنين التاسع عشر والعشرين برفض جميع الأفكار والنظريات الفجة - والتي تقول بأن الوحي كان مجرد وهم وادعاء كاذب. أو أنه كان حالة من حالات الغيبوبة الطارئة أو هزة من هزات الأعصاب إلى غير ذلك.
والسبب في رفضهم لها هو عدم إمكانية إثباتها عن طريق مصادر التاريخ الإسلامي، كما أنها لا تبدو معقولة في ضوء العقل والمنهج العلمي ونمو المعرفة الصحيحة.
وقد اعترف كثير من المستشرقين بصدق رسول الله ﷺ ، وأنه رسول
стр. 38
صادق مثله مثل الأنبياء السابقين، وأن الوحي كان ينزل عليه من عند الله القدوس. ومع ذلك فما زالت العقيدة المسيطرة على الغالبية العظمى من هؤلاء المستشرقين هي أن الوحي الرباني الذي نشاهده اليوم في صورة القرآن الكريم المكتوب هو في الحقيقة من صنع ذهن محمد ومهارة عقله. وأنه قد استفاد في ذلك بالتأثيرات المسيحية في منطقة الشام، واستفاد بتعليمات الإنجيل والتوراة.
وما أعجب هذا الأمر، وما أغرب أن يقول المؤرخون النصارى: إن القرآن مأخوذ عن تعليمات عيسى ﵇، بينما يرى المؤرخون والمفكرون اليهود أنه استفاد من تعاليم موسى، إلا أن الأعجب من هذا وذاك أن المؤرخين والمفكرين المسيحيين واليهود يغضون أنظارهم تمامًا عن أن يعلنوا أو يظهروا هذه الحقيقة فيما يتعلق بالقرآن الكريم وهي أن القرآن الكريم جاء مصدقًا ومكملاً للتعليمات الإلهية الصحيحة الموجودة في التوراة والإنجيل والصحف السماوية الأخرى فهو لم يرفضها ولم ينسخها ابتداءً. وإذا كان للمستشرقين وأتباعهم أن يفهموا ويقروا الحقيقة القائلة بأن الإسلام دين أزلي وأبدى نزل من عند الله الرحيم لهداية البشرية منذ زمان آدم ﵇.
وقد ارتقى الدين مع رقي العقل والفهم الإنساني، في أزمنة مختلفة حيث أرسل الله أنبياءه ورسله. واكتمل الدين من عند الله ببعثة محمد ﷺ ، ليصبح الإسلام هو الدين الإلهي الوحيد إلى يوم القيامة ... لو آمنوا بهذا الأمر بعد فهمهم له لما ظهرت الشكوك، ولا الشبهات، ولا المشكلات، ولا الألغاز التي أثاروها، والتي تظهر أن رؤيتهم للإسلام، لا تقوم على أي أساس موضوعى نابع من فقه بالإسلام نفسه.
ويجب هنا أن نفهم نقطة أخرى، وهي أن الشرائع التي تنزلت على جميع الأنبياء السابقين. إنما كانت مناسبة لزمانهم ومتماشية مع ظروف مستواهم الحضاري.
стр. 39
إلا أن الشريعة المحمدية قد اكتملت الآن وهي القانون الإلهي الذي لا يتغير ولا يتبدل في جميع الأزمنة. رغم أن العقائد والأصول الدينية لدين محمد هي التي كانت في زمان الأنبياء الكرام السابقين. فعقائد التوحيد الإلهي والرسالة ونبوة الرسل، والآخرة كانت نفسها تمثل الأصول الشاملة للديانات السابقة، وهذا هو السبب في أن المنصفين والمحققين والمعاصرين الذين عرفوا للرسول حقه، حين سمعوا عن الرسالة الإلهية اعتبروها على الفور ميراثًا لأنبيائهم الكرام، فقبلوها وآمنوا بها. وتصرح المصادر الإسلامية أن ورقة بن نوفل -وهو يمت بصلة قرابة إلى السيدة خديجة وكان عالمًا مسيحيًا- هذا العالم حين سمع تفصيلات نزول الوحي على رسول الله صاح قائلاً: والله إن هذا لهو الناموس الذي نزل على موسى ﵇!!
والنجاشى إمبراطور الحبشة المسيحي حين سمع خطاب جعفر بن أبي طالب ممثل المهاجرين المسلمين لم يصدق فقط برسالة محمد ﷺ بل إنه حين سمع الآيات القرآنية التي نزلت في سورة مريم في حق عيسى ﵇ قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة. وعالم المدينة المنورة اليهودي عبد الله بن سلام اعترف بنبوة الرسول الأكرم من أول لقاء به، وقرر أن رسالته إنما هي تكملة ومتممة لنبوة وشريعة موسى.
وخلال مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة يمكن تقديم الأدلة والشواهد التي لا تعد ولا تحصى، والتي تثبت أن الرسول الأكرم ﷺ هو آخر حلقة من حلقات سلسلة الأنبياء الكرام وهو خاتمهم.!!
ومع أن الأغلبية العظمى من المستشرقين في العصر الحديث جعلوا من نزول الوحي الإلهي على رسول الله محمد ﷺ موضع شك في نظرهم، إذ لا يمكن بحكم ارتباطاتهم - أن يقولوا شيئًا يؤيدها علانية، إلا أنهم راحوا يستفيدون من أصول التأريخ الحديثة فقالوا بأن الوحي والنبوة والرسالة أمور ميتافيزيقية
стр. 40
أي أمور غيبية، لهذا فهي خارجة عن تجربة الإنسان ومشاهداته ومن هنا فهي تخرج عن دائرة المؤرخ؛ لأن المؤرخ يصدق أو يرفض الروايات والأخبار المتعلقة بالوقائع الحسية والتجارب الواقعية، أما نزول الوحي فهو تجربة يمر بها النبي فقط، ولهذا فلا يمكن لشخص آخر أن يصدقها أو يرفضها، ولهذا يجب على المؤرخين أن يتوقفوا عندها.!!
ويرى المستشرق المعاصر المشهور بميوله الإِسلامية وهو " مونتجمري وات " أن المؤرخ لا يستطيع أن يقول إنه كان وحيًا إلهيًا بحق؛ إذ إن الوحى أمر يخرج عن دائرة بحث المؤرخ.
وطبقًا لأصول البحث التاريخي الحديثة، فليس من عمل المؤرخ أن ينكر نزول الوحي الإلهي أو أن يقره، وليس من شأنه أن يصدقه أو يرفضه، لأن هذا يخرج عن دائرة عمله، ولكن يجب -مع ذلك- أن نسلم أيضًا بهذه الحقيقة وهي أن التصديق بنبوة رسول ورسالته إنما يكون قائمًا على مطالعة شخصية الرسول وسلوكه بعد إعلانه النبوة والرسالة، وبناء على تحليل أو نقد للرسالة التي يقدمها. وعلى هذه الأسس يقوم المؤمنون بهؤلاء الرسل أو الأنبياء دائمًا بالاعتراف بنبوة ورسالة أنبيائهم. وصحيح أيضًا أن هذه التجربة الميتافيزيقية التي يطلق عليها الوحي لا يمر بها أحد آخر سوى النبي. ولكن لو أن هناك شهادات على مروره بهذه التجربة، ولو شهد من شاهدوا هذه التجربة بعيونهم، حينئذ يصبح الأمر واقعة تاريخية على المؤرخ واجب الاعتراف بها، ولو قام عدد من الأفراد أو جماعة من جماعته بتصديقه تصديقًا كاملاً، فإن هذه أيضًا تعد واقعة تاريخية تؤيدها التجربة الروحانية التي سبقت التأييد وعلى المؤرخ أيضًا أن يعترف بها.
وطبقًا لأصول البحث يمكن أن نرى شهادات المعاصرين فيما يتعلق بنزول الوحي الإلهي على محمد ﷺ ونرى كم وصلت درجة اعترافهم بعظمة