البعثة النبوية (رمضان ١٣ قبل الهجرة/ ٦١٠ م)
إن أكبر اعتراض أثاره المستشرقون هو اعتراضهم على الوحي الإلهي الذي أنزله الله ﵎ عن طريق الروح القدس على رسول الله ﷺ . ومن أسباب اعتراضهم عدم درايتهم بالمصادر الإسلامية وجهلهم بحقيقة الوحي الرباني، وأكثر من هذا تعصبهم الديني وعداوتهم للإسلام؛ لأن أكثر المستشرقين إما أنهم مسيحيون وإما أنهم يهود. ولهذا فهم يدركون أنهم إن اعترفوا بنزول الوحي الرباني فإن هذا يعني اعترافهم بالرسالة المحمدية، وهذا يعني عندهم إنكار نبوة موسى وعيسى ﵉. وهذا ما لم يكونوا على استعداد له أبدًا. ومنذ البداية وحتى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. شاع في الغرب أن الوحي الذي نزل على محمد (خداع) Imposter، واتهم الرسول ﷺ بأنه خدع الناس بإيهامهم بتلقي الوحي الرباني وذلك حتى ينال لنفسه أهدافًا سياسية واجتماعية واقتصادية.
وبعد ذلك بفترة ظهرت قصة اليمامة، وكانت من خرافات العقل الأوربي، وطبقًا لهذه الأسطورة فإن يمامة كانت تجلس على كتف الرسول وكانت تلتقط من أذنه الحب وهكذا كان يوهم الناس أنها تخبره بالكلام الإلهي. ولا نرى ضرورة للحديث عن هذه القصة الخرافية التي لا معنى لها. فجانبها الخرافي واضح وأظهر من الشمس أما " لامانس " فهو يقرر أن الوحي الإلهي كان نتيجة أضغاث أحلام ونتيجة لحدس ذاتي ( Outo - Suggestion) هذا بينما يرى البعض أن نزول الوحي كان نتيجة غيبوبة طارئة أو نتيجة لخداع حسّي أو هلوسة أو هذيان hallu cination، بينما كان عند البعض الآخر شيئًا ملازمًا لحالات الهستيريا.
стр. 37
و " نولدكه " الذي نال في الغرب اليوم درجة جعلته يعرف هناك كمفسر للقرآن يرى أن الوحي كان نتيجة لحالات عصبية حين تنتهي يحدث الوهم، ويحدث ما يتبع ذلك من إلهام.
أما " وليم ميور " -الذي يعد مؤرخ الإسلام- فيكتب أن الرسول ﷺ قد انتابته الشكوك والشبهات فيما يصله من إلهام وفي هدفه النبوى، ولهذا ظل لفترة طويلة حائرًا وبعد فترة طويلة أخرى، وحين تأكد عن طريق عامل من العوامل الخارجية أنه نبي بدأ مهمته في تبليغ ونشر الإسلام، وقد خرج هذا المستشرق سابق الذكر نتيجة لتفسيره الخاطىء لبعض الروايات وعجزه عن فهمها فهمًا صحيحًا بالقول بأن السبب في ذلك كان " الطعام " الذي يأكله الرسول.
وقد كشف عدد من المؤرخين المسلمين وكتاب السيرة الستار عن حقيقة ما ادعاه هذا المستشرق المذكور من مهارة بالعربية - فقد كان ضعيفًا، وكان يتمتع بالخبث والتفكير الفج المعوج وكان أصيلاً في عداوته وحقده على الإسلام.
وعلى الرغم من هذا فقد قام بعض مستشرقي القرنين التاسع عشر والعشرين برفض جميع الأفكار والنظريات الفجة - والتي تقول بأن الوحي كان مجرد وهم وادعاء كاذب. أو أنه كان حالة من حالات الغيبوبة الطارئة أو هزة من هزات الأعصاب إلى غير ذلك.
والسبب في رفضهم لها هو عدم إمكانية إثباتها عن طريق مصادر التاريخ الإسلامي، كما أنها لا تبدو معقولة في ضوء العقل والمنهج العلمي ونمو المعرفة الصحيحة.
وقد اعترف كثير من المستشرقين بصدق رسول الله ﷺ ، وأنه رسول
стр. 38
صادق مثله مثل الأنبياء السابقين، وأن الوحي كان ينزل عليه من عند الله القدوس. ومع ذلك فما زالت العقيدة المسيطرة على الغالبية العظمى من هؤلاء المستشرقين هي أن الوحي الرباني الذي نشاهده اليوم في صورة القرآن الكريم المكتوب هو في الحقيقة من صنع ذهن محمد ومهارة عقله. وأنه قد استفاد في ذلك بالتأثيرات المسيحية في منطقة الشام، واستفاد بتعليمات الإنجيل والتوراة.
وما أعجب هذا الأمر، وما أغرب أن يقول المؤرخون النصارى: إن القرآن مأخوذ عن تعليمات عيسى ﵇، بينما يرى المؤرخون والمفكرون اليهود أنه استفاد من تعاليم موسى، إلا أن الأعجب من هذا وذاك أن المؤرخين والمفكرين المسيحيين واليهود يغضون أنظارهم تمامًا عن أن يعلنوا أو يظهروا هذه الحقيقة فيما يتعلق بالقرآن الكريم وهي أن القرآن الكريم جاء مصدقًا ومكملاً للتعليمات الإلهية الصحيحة الموجودة في التوراة والإنجيل والصحف السماوية الأخرى فهو لم يرفضها ولم ينسخها ابتداءً. وإذا كان للمستشرقين وأتباعهم أن يفهموا ويقروا الحقيقة القائلة بأن الإسلام دين أزلي وأبدى نزل من عند الله الرحيم لهداية البشرية منذ زمان آدم ﵇.
وقد ارتقى الدين مع رقي العقل والفهم الإنساني، في أزمنة مختلفة حيث أرسل الله أنبياءه ورسله. واكتمل الدين من عند الله ببعثة محمد ﷺ ، ليصبح الإسلام هو الدين الإلهي الوحيد إلى يوم القيامة ... لو آمنوا بهذا الأمر بعد فهمهم له لما ظهرت الشكوك، ولا الشبهات، ولا المشكلات، ولا الألغاز التي أثاروها، والتي تظهر أن رؤيتهم للإسلام، لا تقوم على أي أساس موضوعى نابع من فقه بالإسلام نفسه.
ويجب هنا أن نفهم نقطة أخرى، وهي أن الشرائع التي تنزلت على جميع الأنبياء السابقين. إنما كانت مناسبة لزمانهم ومتماشية مع ظروف مستواهم الحضاري.
стр. 39
إلا أن الشريعة المحمدية قد اكتملت الآن وهي القانون الإلهي الذي لا يتغير ولا يتبدل في جميع الأزمنة. رغم أن العقائد والأصول الدينية لدين محمد هي التي كانت في زمان الأنبياء الكرام السابقين. فعقائد التوحيد الإلهي والرسالة ونبوة الرسل، والآخرة كانت نفسها تمثل الأصول الشاملة للديانات السابقة، وهذا هو السبب في أن المنصفين والمحققين والمعاصرين الذين عرفوا للرسول حقه، حين سمعوا عن الرسالة الإلهية اعتبروها على الفور ميراثًا لأنبيائهم الكرام، فقبلوها وآمنوا بها. وتصرح المصادر الإسلامية أن ورقة بن نوفل -وهو يمت بصلة قرابة إلى السيدة خديجة وكان عالمًا مسيحيًا- هذا العالم حين سمع تفصيلات نزول الوحي على رسول الله صاح قائلاً: والله إن هذا لهو الناموس الذي نزل على موسى ﵇!!
والنجاشى إمبراطور الحبشة المسيحي حين سمع خطاب جعفر بن أبي طالب ممثل المهاجرين المسلمين لم يصدق فقط برسالة محمد ﷺ بل إنه حين سمع الآيات القرآنية التي نزلت في سورة مريم في حق عيسى ﵇ قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة. وعالم المدينة المنورة اليهودي عبد الله بن سلام اعترف بنبوة الرسول الأكرم من أول لقاء به، وقرر أن رسالته إنما هي تكملة ومتممة لنبوة وشريعة موسى.
وخلال مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة يمكن تقديم الأدلة والشواهد التي لا تعد ولا تحصى، والتي تثبت أن الرسول الأكرم ﷺ هو آخر حلقة من حلقات سلسلة الأنبياء الكرام وهو خاتمهم.!!
ومع أن الأغلبية العظمى من المستشرقين في العصر الحديث جعلوا من نزول الوحي الإلهي على رسول الله محمد ﷺ موضع شك في نظرهم، إذ لا يمكن بحكم ارتباطاتهم - أن يقولوا شيئًا يؤيدها علانية، إلا أنهم راحوا يستفيدون من أصول التأريخ الحديثة فقالوا بأن الوحي والنبوة والرسالة أمور ميتافيزيقية
стр. 40
أي أمور غيبية، لهذا فهي خارجة عن تجربة الإنسان ومشاهداته ومن هنا فهي تخرج عن دائرة المؤرخ؛ لأن المؤرخ يصدق أو يرفض الروايات والأخبار المتعلقة بالوقائع الحسية والتجارب الواقعية، أما نزول الوحي فهو تجربة يمر بها النبي فقط، ولهذا فلا يمكن لشخص آخر أن يصدقها أو يرفضها، ولهذا يجب على المؤرخين أن يتوقفوا عندها.!!
ويرى المستشرق المعاصر المشهور بميوله الإِسلامية وهو " مونتجمري وات " أن المؤرخ لا يستطيع أن يقول إنه كان وحيًا إلهيًا بحق؛ إذ إن الوحى أمر يخرج عن دائرة بحث المؤرخ.
وطبقًا لأصول البحث التاريخي الحديثة، فليس من عمل المؤرخ أن ينكر نزول الوحي الإلهي أو أن يقره، وليس من شأنه أن يصدقه أو يرفضه، لأن هذا يخرج عن دائرة عمله، ولكن يجب -مع ذلك- أن نسلم أيضًا بهذه الحقيقة وهي أن التصديق بنبوة رسول ورسالته إنما يكون قائمًا على مطالعة شخصية الرسول وسلوكه بعد إعلانه النبوة والرسالة، وبناء على تحليل أو نقد للرسالة التي يقدمها. وعلى هذه الأسس يقوم المؤمنون بهؤلاء الرسل أو الأنبياء دائمًا بالاعتراف بنبوة ورسالة أنبيائهم. وصحيح أيضًا أن هذه التجربة الميتافيزيقية التي يطلق عليها الوحي لا يمر بها أحد آخر سوى النبي. ولكن لو أن هناك شهادات على مروره بهذه التجربة، ولو شهد من شاهدوا هذه التجربة بعيونهم، حينئذ يصبح الأمر واقعة تاريخية على المؤرخ واجب الاعتراف بها، ولو قام عدد من الأفراد أو جماعة من جماعته بتصديقه تصديقًا كاملاً، فإن هذه أيضًا تعد واقعة تاريخية تؤيدها التجربة الروحانية التي سبقت التأييد وعلى المؤرخ أيضًا أن يعترف بها.
وطبقًا لأصول البحث يمكن أن نرى شهادات المعاصرين فيما يتعلق بنزول الوحي الإلهي على محمد ﷺ ونرى كم وصلت درجة اعترافهم بعظمة
стр. 41
شخصيته، وكم صدقوا بكل يقين جوانب رسالته. ويفهم من تحليلنا للمصادر أن هذا الأمر تجاوز الحد تواترًا من ناحية الشهادة التاريخية، فهناك جم غفير من المعاصرين يشهدون بكل الحق على صدق رسالته ﷺ ونزول الوحي عليه، وعظمة شخصيته.
وإذا ما تركنا هؤلاء وتركنا مؤيديه جانبًا فإن معارضيه أيضًا قد اعترفوا برسالته ﷺ رغم أنهم " يؤمنون به بقلوبهم وينكرونه بألسنتهم ". ثم هناك حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، وهي أنه بعد تبليغه لدين الله لمدة ٢٣ سنة عرف جميع أهل شبه الجزيرة العربية تقريبًا حق الرسالة التي قدمها لهم، واعترفوا وفهموا وآمنوا بالكلام المنزل من عند الله على رسوله، وآمنوا تمامًا بأنه رسول الله وأن القرآن كلام من عند الله وأنه وحي أوحي إليه. وهذه أكبر حقيقة تاريخية على نبوته وعلى رسالته، وهي شهادة خالصة على ذلك يجب على كل مؤرخ أن يعترف بها، ولا يمكن لأحد أن يُنكرها إلا إذا كان متعصبًا بعيدًا عن الأصول والأخلاق الإنسانية والمنهج العلمي المحايد.
تعاليم القرآن الكريم:
وكما يقوم المستشرقون وأتباعهم من المؤرخين الجدد بتوجيه النقد المغرض البعيد عن أصول التأريخ إلى الوحي الإلهي ونزوله - يقومون أيضًا بتوجيه اعتراضات وإلصاق شبهات بتعاليم القرآن الكريم وتدوينه، ومن أهم الاعتراضات التي يوجهونها إلى تعاليم القرآن الكريم. بعض الاعتراضات التي يمكن أن تلتبس عليهم والتي تتعلق بالظروف المكية التي نزل الوحي يعالجها مواكبًا ظروف البيئة مثل تعليمات الإنفاق والسخاء والنجدة وغيرها (١)، إلا أن البعض الآخر من اعتراضاتهم مما يتعلق بالأحكام السياسية فهي بلا شك
стр. 42
اعتراضات لا محل لها على الإِطلاق، وترجع هذه الاعتراضات إلى قصور في فهم هؤلاء المعترضين أساسًا وعدم إدراكهم للسور والآيات المكية والمدنية وعدم فهم أحكامها.
إن مطالعة القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتفاسير والتاريخ الإسلامي توضح أن أحكام القرآن الكريم كانت تنزل طبقًا لمستلزمات الوقت الحاضر، وضرورات المجتمع المسلم، وقد امتدت هذه السلسلة عبر فترة طويلة وصلت إلى ربع القرن تقريبًا.
ونزول الوحي تدريجيًا كما هو معروف من القرآن الكريم إنما كان لحكمة خفية، فقد كان القرآن هاديًا للأمة الإِسلامية آنذاك، ولم يكن لينزل مرة واحدة. فلا تستطيع الأمة أن تحمله. وكان هذا التقدير الإلهي قاضيًا بأن تتطور جميع الهيئات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية طبقًا لمستلزمات العصر، وهذا الأمر في حد ذاته يحمل بين طياته إثبات صدق الرسالة والنبوة المحمدية، ولو أنزل القرآن الكريم دفعة واحدة لكان من الممكن ألا يكون هناك من يشهد على نزوله، وإن وجدوا فإنهم سيكونون قلة، فخلال ربع القرن المذكور شاهد الآلاف من الناس بعيونهم وسمعوا بآذانهم القرآن ينزل على رسول الله، وليس هذا فقط بل إن نزول الأحكام الإلهية طبقًا لمستلزمات الوقت والزمان كان أمرًا مُشاهدًا. وما أورده المستشرقون حول عدم موافقتهم على ظروف بعض تعاليم القرآن، إنما هو أمر يرجع أصلاً لقلة مطالعاتهم وقصور فهمهم، وإلا فإن القرآن الكريم، كان مطابقًا تمامًا لظروف حياة المسلمين، وهو بالإضافة إلى ذلك يوضح طريق الهداية للبشرية كلها حتى يوم القيامة.
تدوين القرآن:
فيما يتعلق بتدوين القرآن الكريم، فطبقًا للروايات الإسلامية، تم ذلك بطريقتين طبقتا في العهد النبوى.
стр. 43
الأول بعد نزول الوحي، إذ لم تحفظ الآيات المنزلة بتمامها في قلب النبي فقط، بل قام ﷺ بتعليم صحابته ما أنزل عليه، وتلاوته، وتحفيظه لهم، وهناك حقيقة مهمة وشيقة وهي أنه -علاوة على المسلمين والمؤمنين- فإن أعداء الإسلام أيضًا قد حفظوا الكثير من آيات القرآن، ويُعرف من الروايات أن مشركي مكة كانوا يذهبون خفية فيستمعون إلى تلاوة الرسول للقرآن في الصلوات، ثم إنه ﷺ كان يتلو القرآن الكريم أثناء تبليغه للدين الحنيف في أوقات عديدة مستشهدًا بها في المواضع المناسبة، وكان هذا هو الحال بالنسبة للصحابة أيضًا، إذ تصادفنا في كتب التاريخ أكثر من واقعة تأثر بها الكفار بعد سماعهم لتلاوة أبي بكر الصديق وغيره للقرآن الكريم.
والطريقة الثانية أنه منذ العصر المكي الأول قام ﷺ بمهمة حفظ القرآن الكريم مكتوبًا. ويفهم من روايات التاريخ الإسلامي المتعددة أن عددًا من الصحابة الكرام في مكة المكرمة قد كلفوا بمهمة كتابة القرآن الكريم. وهذا صحيح وتعترف به المصادر والمراجع الإسلامية، وتوضح أيضًا أن القرآن الكريم لم يكن مرتبًا في صورة كتاب في العهد النبوي، بل وُجد مكتوبًا على أشياء. متعددة ومختلفة إلا أن الحقيقة التاريخية التي لا يمكن لأحد أن ينكرها هي أن القرآن الكريم قد حفظ مكتوبًا داخل فؤاد النبي ﷺ بالإضافة إلى أنه حفظ في فؤاد وعقل مئات بل آلاف من الحفاظ. وهذه أيضًا حقيقة أو مسلمة تاريخية. إذ إن عددًا من كتاب الصحابة كان كل منهم قد أعد صحيفة في العهد النبوي كتب فيها معظم السور وهكذا، وبالنسبة لقضية تدوين القرآن الكريم نقول بأن القرآن كله من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، كما هو موجود اليوم في شكل المصحف المتداول هو بذاته ما حفظ في ذاكرة الصحابة، وما كتب في صحائفهم، وعلى أشياء متعددة ومتنوعة.
стр. 44
ويثير المستشرقون عامة، والمعاندون الجدد خاصة هذا الاتهام القائل بأن تدوين القرآن كان في العهد العثماني (أى على عهد عثمان بن عفان) رغم أن جميع هؤلاء المؤرخين والمؤلفين لا ينكرون الشواهد التاريخية المذكورة سابقًا، والتي تشهد على تدوين القرآن الكريم في العهد النبوي، بل إنهم ينكرون أيضًا الحقيقة القائلة بأنه في العهد الصديقي كان القرآن الكريم قد رُتب في شكل مصحف.
وقد ثبت ثبوتًا متواترًا أنه بناء على طلب عمر بن الخطاب فإن الخليفة الأول أبا بكر الصديق كوّن جماعة ومجلسًا من الصحابة الكرام، كان على رأسهم حافظ القرآن وكاتبه الشهيد زيد بن ثابت الخزرجي، وقام هذا المجلس بجمع جميع السور المكتوبة لدى الصحابة الكرام ودوّنها في شكل كتاب، وكان هذا هو أول مصحف، وهو الذي عُرف باسم المصحف الصديقي أو المصحف الأعظم، وبعد استشهاد عمر الفاروق كان هذا المصحف محفوظًا لدى أم المؤمنين السيدة حفصة، وقام عثمان رضى الله عنه بإعداد نسخ من هذا المصحف الصديقي، وأرسلها إلى أمصار وديار الدولة الإسلامية حتى تكون كتابة القرآن ونطقه وقراءته ماضية على نسق واحد ومستوى واحد، وألا يوجد فيها أي نوع من أنواع الاختلافات، أما ماسخو التاريخ الإِسلامي فقد أنكروا جميع هذه الحقائق البديهية وقاموا بترويج أفكار لا أساس لها من الصحة لمجرد أنهم من القائلين بالتحليل والنقد التاريخي في هذا الموضوع، وهدفهم المسبق بالطبع هنا هو أساسًا صد الناس عن كتاب الله، فإذا لم ينجحوا في هدفهم هذا فليعملوا بعد ذلك على ابتلاء الناس -على الأقل- بسوء الفهم، وبلبلة الأفكار، وغرس الشك والشبهات في أذهان المسلمين الأميين أو قليلي التعليم وإقناعهم بأن الكلام الإِلهي لم يكن محفوظًا ليصدوا الناس بذلك عن قبول الحق.
стр. 45
وهذا هو الواقع يشهد أنهم لم يستطيعوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فكل من يقرأ القرآن الكريم بذهن متفتح يرى نفسه مجبرًا على الاعتراف بأنه كلام من عند الله سواء اعترف بذلك أو لم يعترف.
تطور الدعوة الإسلامية في العهد المكي:
قدم ابن إسحاق وغيره من كتاب السيرة تحليلاً لتطور انتشار الإسلام في مكة المكرمة، وطبقًا لما أورده فإن المسلمين الأربعة الأوائل كانوا: السيدة خديجة بنت خويلد الأسدى، وأبا بكر الصديق التيمي، وزيد بن حارثة الكلبي، وعلي بن أبي طالب الهاشمي، وقد أثبت ابن إسحاق بعد ذلك قائمة تضمنت أسماء الخمسين الذين أسلموا في الدور الأول بالترتيب، وهم الذين شرفوا بالإسلام في بداية الدعوة الإسلامية، وطبقًا لما أوردته المصادر، فقد انتشر الإسلام خارج مكة نتيجة لجهوده ﷺ وصحابته من المبلغين، وبدأت القبائل وأفرادها الذين يقيمون قريبًا من مكة تفد عليها، كما بدأ نشر الإِسلام في المناطق المختلفة بفضل جهود المبلغين الذين ينتمون إلى تلك المناطق ذاتها وهكذا قام المبلغون المحليون بنشاط مشهود داخل مناطقهم في سبيل نشر الإسلام.
ولو قمنا بتحليل الوضع القبلي والأسرى والاجتماعي وبخاصة للسابقين الأولين من مسلمي مكة لوجدنا أنفسنا أمام حقيقة واضحة تجلت في أنه كان من بينهم أناس من جميع طبقات المجتمع المكي، ومن بينهم أفراد ينتمون إلى أغنياء مكة المكرمة ورؤسائها، ومع أن عددهم كان قليلاً نسبيًا فإن أكثرهم كان من شباب قريش الذين كانوا ينتمون إلى أشراف بطون قريش. وفي مقابل هذا دخل في الإسلام بعض الفقراء وكان معظمهم من الموالي والغلمان.
ومن العجيب أن ينادي بعض المؤرخين المغرضين بأن جميع المسلمين الأوائل كانوا ينتمون إلى طبقات فقيرة معوزة.
стр. 46
ومن العجيب أيضًا أن يقبل بعض المؤرخين المسلمين هذا الرأي القائم على التحليل الوهمي والبعيد كل البعد عن الواقع التاريخي، بل بدأوا يضيفون قولهم: إن من قبلوا دعوة الأنبياء وفي البداية كانوا هم الضعفاء الفقراء وهذا يصدق على الأنبياء السابقين إلى حد ما كما يتضح من بعض آيات القرآن الكريم، مثلَما يصدق أيضًا من خلال مصادرنا حين تشير بعض الروايات والتعليقات العامة إلى أن المسلمين الأوائل كانوا ينتمون إلى طبقات ضعيفة، ولكن هذا التحليل غير صحيح على إطلاقه.
والحقيقة أن الذين قدموا نظرية أن المسلمين الأوائل كانوا ينتمون إلى طبقات ضعيفة معدمة، كانوا يرمون من وراء ذلك إلى هدف آخر، وكانوا يريدون الخروج بنتيجة منطقية عن طريق هذا الهدف البعيد، وقد وصلوا إلى مرامهم فيما بعد وتمثل هذا في أنه لما كان مسلمو العهد المكي فقراء معدمين من هنا اضطروا إلى الهجرة من عالم الفقر هذا إلى المدينة المنورة، حيث كانت الحالة الاقتصادية هناك تختلف عما كانوا عليه قبلاً في مكة، ولهذا تحمل المهاجرون المسلمون مشقة الهجرة الشديدة وقد حاول هؤلاء المؤرخون أن يثبتوا في الأذهان أن نظرة هؤلاء المسلمين الأوائل كانت مُنْصَبّة على الوصول إلى حالة من الرخاء الاقتصادي تخرجهم مما كانوا فيه من فقر وعسر. وهكذا قالوا بأن المسلمين، طبقًا لعادات العرب ودستورهم، بدأوا سلسلة من الإغارة والهجوم على القوافل التجارية والقرى القريبة ونتيجة لهذا الهجوم وهذه الإِغارة بدأت سلسلة الغزوات والسرايا بين المسلمين وغير المسلمين.
ولم يفهم المؤرخون المسلمون ما تضمره هذه الخطط والأهداف الخطرة بعيدة المدى للمؤرخين أعداء الإسلام والكائدين له، ولهذا أخذوا يحللون ويدرسون أقوال هؤلاء المؤرخين ثم كان من المستلزمات الحتمية لدخول تأثيرات غير إسلامية على المسلمين، أن اعتبر المسلمون الفقر والفاقة أمورًا
стр. 47
قريبة من الروح الإسلامية، بينما الغنى والثروة، إن لم يكونا ضد الإسلام، إلا أنهما منافيان للتقوى والورع -على الأقل- ومن هنا قبلوا هذه النظرية التي روجها المؤرخون المغرضون بينما هي نظرية خاطئة تمامًا من الناحية التاريخية. فالإسلام ليس ضد الغنى، والحضارة الإسلامية ليست حضارة الفقر والفقراء!!!
معارضة الإِسلام:
كما أن رصد سلوك القبائل والأسر المختلفة في مكة تجاه الإسلام كان رصدًا غير تاريخي وغير دقيق وخاليًا من العمق في أساس هذا الأمر، بل كان قائمًا على عنصر العصبية القبلية والفخر الذاتي، وقد ذكر المؤرخون المعارضون لبني أمية أن بني أمية كانوا أكثر الناس معارضة للإِسلام لأنهم كانوا المنافسين التقليديين لبني هاشم، وقد خدع بعض مؤرخينا المسلمين بهذه النظرية.
ومن ناحية أخرى عرض بعض المستشرقين لنظرية عجيبة شيقة لكنها مضللة، وتقول هذه النظرية إن بني هاشم كانوا من الناحية الاقتصادية ضعفاء ولما كان رسول الله ﷺ قد قام بحركته الدينية ضد أكابر تجار مكة المكرمة فإن بني هاشم ساندته وعضدته، وهاتان النظريتان خاطئتان بصورة قاطعة، وقد رُوِّجتا من أجل تشويه التاريخ الإسلامي عن طريق خطط مقصودة متعمدة.
أما بالنسبة لقضية معارضة بني أمية للإسلام فهي من وجهة النظر التاريخية خطأ مؤكد، وذلك لأن من بين المسلمين السابقين الأوائل أفرادًا عديدين ينتمون إلى فروع بني أمية المختلفة، وفي العهد المكي قبل عدد من أفراد بني أمية الإسلام، من بينهم عثمان بن عفان الأموي، وخالد بن العاص وأخوه عمرو، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعدد آخر.
стр. 48
أما فيما يتعلق بمساندة بني هاشم للدعوة، فمن المعروف أن بعض الأفراد قاموا بالمساندة بينما البعض الآخر بالمعارضة، وأكثرهم أعرض عن قبول الإسلام، ويبرز من بين المعارضين أبو لهب بن عبد المطلب، وسفيان بن الحارث، ومن بين من قبل الإسلام علي بن أبي طالب وأخوه جعفر، فضلاً عن عدة أشخاص آخرين.
أما فيما يتعلق بمساندة رسول الله ﷺ فقد كان لمحبة أبي طالب والعصبية القبلية دورهما وأثرهما إذ إن أي قبيلة في المجتمع المكي لم تكن لتترك أحد أفرادها بدون حماية أو رعاية وإلا أصابها العار، ومنعت العزة والفخار. وهكذا فإن مساندة أبي طالب لم تكن مساندة للإسلام أو المسلمين وإنما كانت لأحد أفراد القبيلة أي محمد بن عبد الله ... أي لمحض العصبية القبلية والحب الشخصي وليس لمبدأ الإسلام!!
ومن هذا المنطلق يجب أن نلاحظ أن معارضة الإسلام أو مساندته لم تكن قائمة على أسس قبلية، إذ إن أعظم نجاح حققته الحركة الإِسلامية أنها ضمَّت بداخلها جميع أفراد القبائل والأسر منذ بداية الدعوة، فمن ساند الإِسلام ودافع عنه دافع عنه لأنه هو الإِسلام، الدين الحق سواء كان قد فهمه بطريقة جيدة أو لم يفهم ما بداخل الدين من أمور عقدية أو اجتماعية أو سياسية، إلا أنه بالضرورة تأثر بتعليماته وعقائده الأساسية.
هذا بينما يقف الذي عارض الإِسلام إنما عارضه وخالفه لأن الإِسلام دين ومذهب سواء كان هذا في جانب مصلحته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أم لا.
ومن الممكن أن يكون البعض قد عارض الإِسلام بناء على عصبية قبلية، كما تصادفنا رواية في حق أبي جهل المخزومي، إلا أن أية قبيلة أو أسرة لم تخالف رسول الله ﷺ لمجرد أنه كان بن بني هاشم أو من قريش. لأنه إن خالف
стр. 49
أخٌ محمدًا فإن أخًا آخر له يقوم بالدفاع عن محمد وحمايته بل وافتدائه. مثلما هو الحال بالنسبة لأخي أبي جهل المخزومي لأمه عياش بن أبي ربيعة المخزومى الذى أسلم، ومن بني مخزوم أيضًا أعلن الأرقم بن أبي الأرقم ومعه عدد آخر الإسلام وكان من بين المسلمين الأوائل.
والأصل أن ما حدث بين الأسر من فرقة إنما كان سببه إعلان بعض الأفراد من الأسرة الواحدة لإِسلامهم، فكان الابن مسلما والأب كافرًا أو العكس، أو يصبح الزوج مسلمًا وتصر الزوجة على البقاء في الكفر أو العكس، وقد يكون السيد كافرًا وغلامه يعلن الإِسلام أو العكس، ولقد كانت شكاوى شيوخ وأكابر مكة -الذين عاشوا على التقاليد القديمة والمثل العتيقة- من الإسلام قائمة على أن الإسلام أظهر فيهم خللاً اجتماعيًا، فهو يفرق بين الدم والدم أي بين أفراد الأسرة الواحدة. ولهذا فالنظرية القائلة بأن بني أمية كانوا من أكثر الناس مخالفة للإِسلام قبل إسلامهم في النهاية نظرية لا تؤيدها أدلة قوية بل هي نظرية باطلة، ولئن كان أبو سفيان قد قاد كثيرًا من المعارك ضد الإِسلام -قبل إسلامه- فلم يكن ذلك لعصبية قبلية، بل كانت قيادة أبي سفيان لجيش مكة في جميع معارك قريش بعد غزوة بدر لأنه كان قائدًا كبيرًا لقريش عامة وليس كفرد من أفراد بني أمية، أو لأنه معارض للإِسلام بصفة قبلية.
لقد كان وضعا فرضه عليه منصبه؛ إذ كان يتولى مسئولية القيادة داخل أشراف قريش لكفاءته الشخصية وكان جيشه مكونًا من سائر قريش الذين لم يؤمنوا ... !!
تعذيب المسلمين:
حاول المستشرقون من ناحية أخرى مسخ باب مضىء في التاريخ الإِسلامي يتعلق بالتعذيب الذي تعرض له مسلمو مكة وذلك حتى يروج هؤلاء
стр. 50
المستشرقون لمفاسدهم وخططهم الخبيثة الرامية إلى بلبلة أفكار المسلمين، فقد قام عدد منهم يدعي أن الإيذاء الذي وقع بالمسلمين من جانب قريش إنما كان قاصرًا على السخرية والتعريض والهجوم بالكلام والشتائم، وأن التعذيب الجسماني كان شيئًا لا يذكر، والروايات التي تصادفنا فيما يتعلق بتعذيب المسلمين في المصادر الإسلامية، توضح لنا مبالغة المؤرخين المسلمين، مما دفع المؤرخين الآخرين إلى رفض مثل هذه الروايات بسبب تلك المبالغة.
والحقيقة أن إيذاء مسلمي مكة على يد قريش يُعد بابًا مضيئًا في التاريخ الإسلامي، وهو دليل ثابت على غيرتنا وحميتنا الدينية، ويعرف من الروايات الموثقة أن عددًا من الصحابة وبخاصة الضعفاء منهم كانوا بلا حول ولا قوة وقد تعرضوا لظلم يحطم الصخر ويهز الجبال، وقد مرّ بمراحل التعذيب تلك صحابة كرام من مثل بلال بن رباح الحبشي، وخباب بن الأرت التيمي، وعمار بن ياسر، ووالديه ياسر وسمية، وعدد من الغلمان والإماء من مثل زنيرة، وأم عبيس وغيرهما تعرض بعضهم لحرّ الظهيرة. وقد وضعوا على صدورهم الأحجار كاللظى. وتعرض بعضهم للكي بالنار في مواضع عديدة في أجسامهم، وتعرض بعضهم للضرب على الرأس حتى تفجرت الدماء منها، هذا بالنسبة لأولئك الذين لم يكن لهم حول ولا قوة.
هذا كما تعرض رجال الأسر المعروفة للإيذاء والتعذيب على يد أقاربهم وذويهم. وممن تعرض للتعذيب عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعيد ابن يزيد العدوي، وعدد كبير من السادة والسيدات الذين مروا بمراحل عديدة من العذاب.
والرسول ﷺ نفسه لم يسلم من أنواع الإيذاء والتعرض لشخصه الكريم وأكبر دليل على الظلم الذي حاق بمسلمي العهد المكي من مظالم قريش هو أن أكثر من مائة مسلم تركوا وطنهم وديارهم للنجاة من قهر قريش وظلمهم،
стр. 51
ولجأوا إلى الحبشة واتخذوها مهجرًا لهم.
ثم إن ما مرّ به الرسول ﷺ وصحابته الكرام من جراء محاصرة شعب بني هاشم ومقاطعتهم لهم مقاطعة اجتماعية إنما كانت مأساة استمرت مدة طويلة، وهى إن دلت فإنما تدل على قدرة المسلمين على الصبر وضبط النفس.
وفي سفر الطائف أثبت الرسول ﷺ قدرته على الصبر حين أخذ المشركون يقذفونه بالحجارة حتى نزل الدم من رأسه المبارك.
هذه التضحيات هي باب يضىء على درب الحركة الإسلامية، وهي مأثرة من التضحيات التي قدمها المسلمون الذين رفعوا لواء الإسلام، ولا يعرف حق هذه التضحيات غير خالق العالم جل وعلا قال الله تعالى في سورة التوبة آية ١٠٠: ((وَالسَّابِقُونَ الْأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَبَّعَوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) صدق الله العظيم.
إلا أن أعداء الإِسلام من المؤرخين يحتمون داخل خيمة التحقيق والتحليل، فيحاولون الإقلال من قيمة هذه التضحيات التي لا مثيل لها، ويرجعونها إلى مجرد عصبية دينية أو قبلية والمؤرخون النصارى إنما يقللون -بطريقة شعورية أو غير شعورية- من تضحيات مسلمى العهد المكي عن قصد أو عن غير قصد حتى يمكنهم إيجاد مبرر لفرار بل وغدر حواريي المسيح ﵇ وقت الشدة والمحنة، أما المؤلفون اليهود فهم عن طريق هذا يريدون توجيه الأنظار بعيدًا عما حدث من حركات غير أخلاقية في صحراء سيناء من المتآمرين ومثيري الفتن على سيدنا موسى ﵇.
وطبقًا للروايات الإِسلامية، وطبقًا للترتيب والتطور التاريخي للأحداث فإنه يثبت أيضًا أن قريشًا في مكة قاموا بتضييق الخناق، وحصار المسلمين فضيقوا على المسلمين سبل الحياة حتى اضطروا في النهاية إلى الهجرة من أرضهم
стр. 52
التي أَلِفوها ومن وطنهم الذي عاشوا فيه ليهاجروا بلا متاع إلى أرض أخرى ومدينة أخرى لم يألفوا العيش فيها.
وأهم أسباب هجرة المسلمين إلى المدينة إنما تتلخص في إيذاء قريش. هذا بينما ترى طبقة من المستشرقين أن الهجرة كانت للظلم الذي تعرض له المسلمون ويريد هؤلاء المستشرقون أن يثبتوا أن معارضة قريش لرسول الله وخلافها معه إنما كان نتيجة للأسباب الاقتصادية أكثر من كونه خلافًا لأسباب دينية.
وتهدف هذه الطبقة من المستشرقين إلى أن تجعل الحركة الإِسلامية حركة قائمة على ردود فعل اقتصادية ومعاشية، وأن تطعن في مكانة الحركة الدينية أو تجعل العامل الديني عاملاً ثانويًا.
إلا أن الظلم الأكثر من هذا قام به أولئك الناس الذين قالوا في نفس واحد، بأن الرسول ﷺ كان قائدًا وزعيمًا دينيًا وأقروا أن الحركة الإِسلامية كانت حركة اقتصادية واجتماعية أكثر من كونها حركة دينية، وصحيح أن حركته حملت بداخلها عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية. وكان هذا أمرًا ضروريًا، إلا أنها كانت ذات توعية دينية مذهبية بالمقام الأول. أما الجوانب الأخرى كلها فتندرج تحت هذه النوعية وتتفرع منها. وبدون الدين الإِسلامي لم تكن لها مكانة تذكر، ولنقل إنها كانت ثمارًا للحركة الدينية فالأساس كان في الدين وفي الدين فقط.
قصة إله.!!
راج بين المستشرقين موضوع عجيب، ويتعلق بقصه إله. وقد وردت قصة إله هذه في المصادر الإِسلامية كما يلي:
كان رسول الله ﷺ يقرأ في حرم الكعبة الآيات (١٩/ ٢٠) (١) من
стр. 53
سورة النجم. ثم قام وسجد لله تعالى سجدة شكر فقام شيطان وقرأ معه فقرة شيطانية خلطها هكذا " تلك الغرانيق وإن شفاعتهن لترجى " وتأثر بها الكفار فسجدوا إذ وجدوا أن هذا يعني وجود سبيل للمصالحة بين الإِسلام وبين مذاهبهم القديمة. وحين انتشر هذا الخبر بين المسلمين، بل في نواحي مكة، أعلن أشراف مكة قبولهم الإِسلام.
ويتضح أن المحدثين وناقدي الروايات يرون أن هذا الأمر وبخاصة الفقرة الشيطانية وقصة المزج في الآيات القرآنية. كلها روايات غير صحيحة وموضوعة لا أساس لها من الصحة إلا أن المستشرقين بما لهم من طباع ظالمة ونظرة تحليلية خبيثة يقولون إن الفقرتين لم يأت بهما أىّ شيطان بل إن رسول الله ﷺ قام بمزجهما عمدًا وقصدًا حتى يضع شياطينهم في مكانة قياسية، فأضافهم على نظام العبادة الإِسلامي فقد ضاق بمعارضتهم له. وأصبح على استعداد لأن يجرى معهم مصالحة دينية (نعوذ بالله)!!
إن أي شخص طالع الإِسلام مطالعة صحيحة وهو يحمل حِسًّا وشعورًا تاريخيًا سليمًا يعرف جيدًا أن رسول الله ﷺ لم يكن أبدًا على استعداد لإِجراء أية مصالحة من أدنى درجة مع أحد على أساس أي من العقائد أو الأصول.
فما بالنا بعقيدة التوحيد التي هي أصل الأصول في الإِسلام والتي هي الأساس الرئيسي لدعوته وحركته. وإذا افترضنا -وهو محال- التسليم بدعوى المستشرقين هذه فإن هذا يعني إجراء مصالحة وصداقة مع الشرك الصريح، فأية ضرورة تبْقى الآن للإِسلام؟!!
لقد كانت عداوة قريش مكة والمشركين الآخرين من العرب للإِسلام قائمة على هذا الأمر، وهو أن الإِسلام لا يدعهم يشركون مع الله أحدًا غيره، وأن يعترفوا بربوبية واحدة هي ربوبية أحكم الحاكمين وحاكميته المطلقة، وأن ينفذوا ويطيعوا أحكامه جلت قدرته.
стр. 54
والحقيقة أنه عن طريق هذا الهجوم يريد المستشرقون الهجوم على التاريخ الإِسلامي من الناحية النظرية ويلاحظ أنه يتضح من نظرياتهم تلك السطحية والتضاد. وعلى الرغم من أنهم لا يمكن أن يهزّوا بذلك عقيدة المسلمين فإنهم يريدون إدخال الشك في أذهان بعض الناس، ويريدون أن يمنعوا غير المسلمين من الاتجاه إلى بوابة الإسلام وإلى الدخول في الحق، وهذا هو الهدف الأساسي لهؤلاء الأعداء. وهو الهدف الذي يجب أن نكون على بينة منه، وأن نقف يقظين في مواجهته حتى لا نخدع.
الهجرة إلى المدينة المنورة:
أشاع المؤرخون المغرضون أن حالة مسلمي مكة الاقتصادية كانت سيئة، لهذا خرجوا مهاجرين تجاه المدينة لا يملكون مالاً ولا متاعًا.
وقد عرض المستشرقون والمؤرخون المغرضون لهاتين الفكرتين طبقًا لخطة محكمة وهدف معين، وقبل بعض المؤرخين المسلمين ذلك القول دون إعمال للفكر، ولم يفكروا بالقطع أن هذا يعضد مؤامرة أعداء الإسلام، ومن المعروف أن عددًا من مهاجرى مكة قد قدموا تضحيات لا مثيل لها، لقد ترك العديد من المهاجرين أملاكهم ومتاعهم خلفهم وهاجروا، خرجوا بأيديهم خالية تمامًا من كل شىء، وبعضهم قد سلبتهم قريش جميع أموالهم ومتاعهم حين خرجوا تاركين مكة، إلا أن الحقيقة أيضًا تتمثل فيما ذكره ابن إسحاق والمؤرخون القدامى الآخرون [كتاب السوانح]، ويفهم مما كتب هؤلاء أن عددًا من الأسر والأفراد المسلمين قد وفقوا في نقل ممتلكاتهم معهم.
والمؤرخون المغرضون والمخططون ضد الإسلام إنما يحاولون التشهير بسوء حال مهاجري مكة الاقتصادية بالباطل حتى يثبتوا نظريتهم القائلة بأنهم هاجروا إلى المدينة نظرًا لأنهم لم يتحملوا سوء أحوالهم المعيشية كأنهم يريدون أن يقولوا: إن أنصار المدينة كانوا سيئي الحال مثلاً بسبب قتالهم معًا. ثم زادوا على ذلك بقولهم إن عددًا كبيرًا من المهاجرين قد ورد إلى المدينة خالي الوفاض مما مثّل
стр. 55
عبئًا ثقيلاً على الحياة الاقتصادية بالمدينة نظرًا لنفقات قيامهم وإطعامهم. ومضى هذا النظام المؤقت -بطريقة ما- لعدة أيام، ولكن حين انتهت جميع الوسائل فإنّ رسول الله ﷺ لم يكن أمامه من سبيل سوى أن يتبع طريقة المعيشة القديمة للعرب، وهو استخدام أسلوب الإغارة على القوافل التجارية والإغارة على القرى المجاورة. وطبقًا لادعاءات هؤلاء المستشرقين والمؤرخين فإنه من هنا بدأت سلسلة الغزوات والسرايا التي استمرت طويلاً والتي كانت تقوم على غنائمها الحياة المدنية كاملة تقريبًا!!
وادعاءاتهم هذه خاطئة بلا شك، فمن الصحيح أن أنصار المدينة قد أظهروا تضحيات مثالية، فقد استضافوا إخوتهم من المهاجرين في بيوتهم لعدة أشهر، وتواضعوا أمامهم، وعاملوهم بكل حب واحترام، واقتسموا معهم أملاكهم، وأراضيهم، وحتى بيوتهم التي تفيض عن حاجتهم، وأشركوهم معهم في التجارة والزراعة ومع ذلك فمن الخطأ القول: إن المهاجرين قد اعتمدوا على ثروة الأنصار وضيافتهم لهم، ويتضح من الروايات أن جميع تجار مكة، والحرفيين والعمال من المهاجرين كانوا قد انصرف كل منهم إلى حرفته وعمله، وبدلاً من أن يحطموا الحياة الاقتصادية للمدينة ويربكوها شاركوا بنصيب في ازدهارها وتطورها. لقد قام كل بما يستطيع أن يحسنه من صناعة وتجارة وزراعة.
وهناك موقف مشرف لعبد الرحمن بن عوف الزهري، فإنه قد شكر مضيفه سعد بن الربيع شكرًا جزيلاً، وسأله عن الطريق إلى السوق. ومنذ ذلك اليوم بدأ يكسب كثيرًا بما له من مهارة في التجارة حتى أنه في أيام قلائل تمكن من أن يتزوج. ومن الصحيح أيضًا أن هناك بعض الأفراد المعسرين الذين كانوا أنفسهم يعيشون حياة عسر في مكة!!
لقد استطاع معظم المهاجرين بعد قدومهم إلى المدينة الاعتماد على أنفسهم
стр. 56
من الناحية الاقتصادية ونجحوا في ذلك تمامًا.
المهمات الأولى:
طبقًا للنظرية الاقتصادية التي ذكرها المستشرقون والتي أشرنا إليها قبلاً، وفحواها أن حياة المهاجرين الاقتصادية، حين لم تصل إلى كيفية تمكنهم من الحياة بطريقة ما، فإن رسول الله ﷺ سلك أسلوب الإغارة والنهب العربي القديم، ولهذا جعل نصب عينيه أن يغير أولاً على القوافل التجارية لقريش، التي كانت تمر بالقرب من المدينة المنورة على طريق التجارة الدولي، متجهة إلى الشام شمالاً وإلى مكة جنوبًا، وهكذا وبعد الهجرة بستة أشهر أرسل أول سرية، وجعل على رأسها عمه حمزة بن عبد المطلب الهاشمي، وأمرها بالاتجاه إلى طريق التجارة الرئيسي، إلا أنه لم ينجح في الإغارة على قوافل قريش، وهكذا أرسل الرسول تباعًا، ولمدة سنتين سبع مهمات سرايا، وقاد بنفسه أربعة منها إلا أنه لم ينل منها غنيمة لكن المهمة الثامنة وقد كانت عند مكان يدعى نخلة، وكانت بقيادة عبد الله بن جحش وقبل غزوة بدر، كانت هناك قافلة ضخمة لقريش متوجهة إلى الشام. وقد أراد الرسول أولاً أن يوقفها بالقرب من هذا الطريق. وانتظر عودتها لكنها فاتته. فاضطر الرسول ﵊ إلى مواجهة الجيش الذي قدم لإنقاذ قوافل قريش القادمة، وهو ما نتج عنه غزوة بدر.
ولو استخدمنا التحليل والنقد التاريخي، فإنه فيما يتعلق بالمهام الأولى الثمانية قبل غزوة بدر يفهم من المصادر أنه لا توجد أية شهادة عينية أو رواية واضحة فيما يتعلق بأهداف جميع هذه الغزوات والسرايا يمكن أن يفهم - أو يثبت منها بالدليل أن دوافعها ومحركاتها كانت اقتصادية. ولابد أن يقول بعض كتاب السيرة وبعض المؤرخين المسلمين إن بعض هذه السرايا كانت موجهة ضد قوافل قريش إلا أن تحليل هؤلاء ليس له علاقة بالحقيقة، فلم يرو عن رسول
стр. 57
الله ﷺ وعن أي مجاهد من المجاهدين وعامة الصحابة الذين اشتركوا في هذه المهام أن هدف هذه المهام كان قافلة من القوافل، ولأن رواتنا وكتاب الأخبار من أهلنا قد وضعوا أمام أعينهم وهم يكتبون خلفية مقاومة قريش في مكة للرسول ومعارضتها للإِسلام لهذا ظنوا -وظلوا يظنون- أن كل إجراءات رسول الله هذه كانت بالضرورة موجهة ضد قريش، بينما لم يكن الأمر كذلك. ويفهم من دراسة وفحص هذه الروايات أن هدف معظم هذه المهمات، وخاصة تلك التي أرسلت إلى مناطق القبائل العربية كان هدفًا سياسيًا تبليغيًا، فقد كان رسول الله ﷺ يريد أن يعقد معاهدة صداقة وتعاون مشترك مع القبائل العربية المجاورة، وتم ذلك على عهده صلى الله عليه سلم، وكما تذكر الروايات فقد عقدت معاهدات تعاون مشترك مع قبائل بني حمزة وأسلم وغفار وغيرها. كل هذا حدث نتيجة لإِرسال تلك المهمات الأول التي هدفت إلى تبليغ الإِسلام أو إقامة علاقة سياسية بالمفهوم الحديث.
وكانت بعض هذه المهمات تهدف إلى جمع المعلومات والوقوف على الظروف الجغرافية الإِقليمية مثلما يفهم من واقعة " نخلة "، أما مهمة عسفان فقد كانت إجراءً حربيًا خالصًا ضد مهاجمين من مكة قاموا بالهجوم على مراعي المدينة، وأصابوها في المال والأنفس، واضطر المسلمون إلى القيام بهذه المهمة.
ويجب أن نذكر أن المنازل المختلفة حيث وقعت هذه المهمات الأولى كان بينها وبين طريق التجارة مسافة بعيدة، كما كان قيام المسلمين الموكل إليهم هذه المهام يقع في مناطق محددة، ولمدة معينة، ولم يكن هناك تصادم مع القوافل إلا ما يدعو لذلك، بل لم يكن هناك صدام في معظم الأحيان، وما عدا سرية نخلة فإن جميع المهمات بدون جدل أو جدال -وكما يقول المستشرقون- عادت بدون أن تحقق هدفها، فقد كان عدد الجنود المسلمين قليلاً، كما أن بعض الحقائق والقرائن توضح أن دوافع هذه المهمات لم يكن
стр. 58
اقتصاديًا، بل كان غير ذلك، حتى سرية نخلة فقد كانت - طبقًا لأوامر رسول الله ﷺ لمعرفة الظروف، والتعرف على أحوال المنطقة، لا للإغارة والسلب، ونظرًا للظروف التي تغيرت فجأة إذ تم الهجوم على فصيلة من جند المسلمين مما اضطرهم إلى الاستيلاء على القافلة المكية، إلا أن رسول الله ﷺ أظهر عدم رضاه عما حدث، ولم يلمس بيده مال الغنيمة هذا حتى غزوة بدر.
أما المستشرقون فإنهم بما يحملون من خبث اتهموا الرسول الأكرم والمسلمين، وخاصة مجاهدي سرية نخلة، بأنهم قاتلوا في الشهر الحرام، وبهذا لم يحترموا قدسيته، إلا أن القرآن الكريم والمصادر الإسلامية قد برأتهم من هذه التهمة التي يرددها المستشرقون.
وإذا كان أنصار المدينة قد فتحوا صدورهم لإخوتهم المهاجرين واستضافوهم في بيوتهم، وأشركوهم معهم في أملاكهم وممتلكاتهم وفي تجارتهم وزراعتهم عن طريق المؤاخاة. فمن أين تظهر قضية الغارة والإغارة؟ ومن الثابت من رواياتنا وهي تلك الروايات التي اعترف بها الأعداء أيضًا أن رسول الله ﷺ قد آخى حتى بين المهاجرين والأنصار في أعقاب الهجرة مباشرة ونتيجة لهذه المؤاخاة فإن المسلم لم يصبح أخًا للمسلم فقط بل يحق له أن يرثه في أملاكه في حالة وفاته، وبعدها -حين أثبت القرآن الكريم حق الوراثة برابطة الدم- لأن حالة المهاجرين المادية تحسنت، ظلت هذه المؤاخاة قائمة أيضًا إلا أنه لا وراثة فيها، ومارغوليوث وهو من المستشرقين المعادين للإسلام لم يعترف فقط بالتضحيات العظيمة التي بذلها الأنصار، بل اعترف أيضًا بحقيقة الحالة الاقتصادية الطيبة للمهاجرين وكسب عيشهم عن طريق العمل بالتجارة والزراعة والصناعة وغيرها.
ويثبت من كل هذه الحقائق أن المهمات الأولى كانت تهدف في المقام الأول
стр. 59
والأخير إلى هدف تبليغي دعوي وسياسي، ولم يكن للعامل الاقتصادي أي دور وراءها. أما ما يثيره المستشرقون والمؤرخون الجدد من أن الدافع إليها كان دافعًا اقتصاديًا فهو خطأ جسيم من أوله إلى آخره.
غزوة بدر
هناك وجهتا نظر فيما يتعلق بغزوة بدر، الأولى تتعلق بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية، والثانية تتعلق بأصحاب السيرة والسوانح. وتحليل جميع روايات المصادر المتعلقة بأصحاب وجهة النظر الثانية يدل على أن المهمة التي قادها رسول الله ﷺ مع مسلمي المدينة على القافلة المكية المتجهة إلى الشام والتي كانت تحمل بعض أموال قريش، بقيادة أبي سفيان بن حرب الأموي. خرج إليها من المدينة المنورة (٣١٤) فدائي من بينهم (٨٣) من المهاجرين و (٢٣١) من الأنصار، وحين وصلوا إلى بدر عرفوا أن قافلة أبي سفيان التجارية قد نجت، وبعد أن سمعت قريش بخبر خروج المسلمين، أعدت جيشًا ضم حوالي ألف جندي تقريبًا، ووصل بالقرب من بدر، واضطر المسلمون إلى الدخول في الحرب التي انتهت بنصرهم في النهاية.
ولكننا نعرف من الآيات الأولى لسورة الأنفال (آية ٥ - ٢٠) أن رسول الله ﷺ قبل خروجه من المدينة المنورة كان قد علم بقيام جيش قرشيي مكة قبلاً، وطبقًا للآيات القرآنية حين خرج رسول الله من المدينة مع المسلمين، كانت هناك إمكانية لأن يلتقى ويصطدم مع القافلة العائدة من الشام ومع الجيش القرشي القادم من مكة، وكانت جماعة من المسلمين تتوق إلى القتال وكانت جماعة أخرى تتمنى أن تلتحم وتصطدم مع القافلة التجارية القادمة من الشام، وتتحاشى الاصطدام بجيش قريش، لأن في هذا خطرًا على أرواحها، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المسلك بقوله: ((كأنَّما يُسَاقُون إلى المَوْت)) (١) إلاّ أن الله تعالى أراد أن يفصل بين الحق والباطل في هذه
стр. 60
الموقعة، ولهذا نجت القافلة التجارية، والتحم المسلمون بجيش قريش، وصدق الوعد الإلهي، وقد جاء التأييد الإلهي كما أوضحت كتب الأحاديث المتعددة، البخاري ومسلم ومسند أحمد بن حنبل وغيرها، وأيدته أيضًا بعض الروايات التاريخية.
والمستشرقون والمؤرخون الجدد الذين أسكرتهم نظرية الدوافع الاقتصادية، قد غضوا النظر تمامًا عما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية في هذا الصدد، كما صرفوا النظر عن الروايات التاريخية التي تتعارض مع نظرياتهم، والتي تؤيد النظرية القرآنية. ووجهة نظر المستشرقين والمؤرخين المخالفين للإسلام واضحة تمامًا، إذ يقولون بأن الدافع الأساسي للغزوات والسرايا الإسلامية كان الغزو والإِغارة والحصول على الغنائم، ولهذا فمن المفهوم أنهم سوف ينصرفون تمامًا عن جميع الروايات والشواهد التي تتعارض مع نظريتهم.
وفي الحقيقة فإن المشكلة هنا في أولئك المؤرخين المسلمين الذين يعارضون -من جانب- نظرية الغزو والإِغارة، ومن ناحية أخرى يرون أن خطة إغارة المسلمين على قافلة قريش العائدة من الشام إنما كانت مقدمة لغزوة بدر، فالاستدلالان يعارض كل منهما الآخر، لهذا خرج بعض هؤلاء المستشرقين -بنظرية غريبة- وهي أن جميع المهمات الأولى التي خرجت قبل غزوة بدر كانت مخططة للخروج من أجل التصدي للقوافل التجارية المكية، وأرادوا أن يثبتوا الدافع الفعلي فقالوا إن الهدف لم يكن الإِغارة، بل أراد الرسول ﷺ عن طريق هذا الأسلوب أن يؤثر على الاقتصاد المكي حتى يضطر أشراف قريش وأكابرها الذين ركبهم الغرور إلى عقد معاهدة أو مصالحة سياسية مع المسلمين.
لقد قام العلامة (شبلي النعماني) بكتابة بحث عظيم عن غزوة بدر، عرض فيه لما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية وجميع الروايات التاريخية،
стр. 61
وحللها تحليلاً صحيحًا. وبعدها عرض لأسلوب الرسول، وقدم تحليله مطابقًا للروح الإسلامية ومطابقًا للنظر التاريخي الصحيح وخرج (شبلي) بعد تحليله الصحيح لأحداث غزوة بدر، نتيجة لدعم آرائه بالدلائل القاطعة والبراهين الحتمية، فقال: إن الرسول ﷺ حين خرج مع المسلمين من المدينة المنورة، كانت في ذهنه وأمامه خطة واحدة وهي الالتحام مع جيش مكة، بينما كان لقاء قافلة قريش التجارية أمرًا ممكنًا، إلا أنه ﷺ لم تكن لديه نية أبدًا في نهب القافلة أو الإغارة عليها؛ إذ إن الظروف التاريخية الثابتة تدل على أن المحرك والدافع الأساسي لغزوة بدر كان الجهاد الإِسلامي.
أما أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا هدفها اقتصاديًا، فهم يؤيدون دون فهم أو تفكير نظرية المؤرخين المغرضين والمستشرقين أعداء الإسلام في هذا الشأن وهم يحاولون أن يثبتوا أنّ جميع الغزوات الإِسلامية والسرايا الإِسلامية كانت تهدف إلى الغزو والسلب، وأن هدفها كان اقتصاديا بحتًا.
غزوات النبي ﷺ -
بعد غزوة بدر، لم يتجرأ أي من المؤرخين المغرضين على البحث عما أسموه بالدوافع الاقتصادية لأى غزوة أو سرية من الغزوات التي وقعت مع قريش مكة؛ لأن جميع الغزوات والسرايا التي وقعت بعد ذلك كانت منبثقة عن مجرد تصادم أو تلاحم سياسي، مع أن بعض المؤرخين قد أثبتوا أنها غزوات سياسية فقط. إلا أننا نقرُّ بأنها بأي صورة من الصور كانت مظهرًا من مظاهر الجهاد الإِسلامي. ولو كان الرسول ﷺ يضع نصب عينيه أموال الغنائم هدفًا، فقد كان فتح مكة وغزوة حنين والطائف من أطيب الفرص التي واتته، فأثناء فتح مكة كانت جميع ثروات أغنياء قريش أمامه يستطيع أن يستولي عليها، ولو أراد المسلمون لانتقموا مما حاق بهم من ظلم على يد قريش مكة، ولنهبوا ثرواتهم ولكن النبي ﷺ عفا عن أهل مكة كلهم.
стр. 62
وفي غزوة حنين استولى الرسول ﷺ على الأموال التي أخذت من الأعداء فقط في ميدان القتال، ولم يهجم على قرى الأعداء وأهلها ولم يسلبهم مالهم، وكان من الممكن أن يحصل على الكثير من الأموال إذا ما قبل الأموال التي يفتدي بها أسرى حنين أنفسهم، إلا أنه أطلق سراحهم أيضًا بلا فدية؛ لأنهم كانوا من القبيلة التي أرضع فيها، وما جاء ضمن نظرية التصادم المسلح مع قريش ومن قبلها الإغارة على القوافل، إنما هو أمر عجيب وغريب، إذ ينال المسلمون أقل الغنائم مقابل مواجهة أعداء كثيرين. وإذا حللنا جيدًا بإيمان وبحق في ضوء النظر التاريخي الصحيح جميع الغزوات النبوية فسوف نعرف أن أول هدف من أهداف رسول الله ﷺ كان إعلاء كلمة الله، والجهاد في سبيل الله، وأنّ نظريات الدوافع الاقتصادية ليست فقط نظرية خاطئة، بل إن ترويجها إنما هو في أساسه راجع إلى سوء نية وخبث القائلين بها.!!
العلاقات مع اليهود: الروابط الفكرية
عرض معظم المستشرقين والكثير من المؤرخين الجدد علاقات الرسول ﷺ مع يهود الحجاز بطريقة خاطئة تمامًا، وحاولوا بكل الطرق مسخ التاريخ الإسلامي. وكانت نقطة بداية هذه العلاقات بعد الهجرة النبوية حين دعا رسول الله ﷺ يهود المدينة إلى قبول الإسلام. وهو طبقًا لتلك الروايات - ما كان ينتظره من مدة طويلة، وما عدا بعض الأشخاص الصالحين من أصحاب النوايا الطيبة، فإن جميع يهود المدينة رفضوا دعوته، نظرًا لما كانوا عليه من غرور وكبر وعصبية دينية، وشعورهم بالتفوق الاقتصادي والاجتماعي. وقد قسم المستشرقون العلاقات النبوية مع يهود المدينة إلى قسمين:
في القسم الأول ذكروا تلك المساعى -التي هي في رأيهم- كانت تهدف من جانب النبي إلى أن يُلبس الإِسلام ثوب اليهودية، وأطلقوا على هذه الفترة
стр. 63
" عصر المصالحة ".
والفترة الثانية هي التي أطلقوا عليها " عصر المعارضة " أو المواجهة، حين يئس النبي من دخولهم في الإسلام، فلم يعمد فقط إلى نقد نظامهم الاجتماعي والاقتصادي والديني، بل اتخذ ضدهم إجراءات عسكرية، حتى تمكن من قمعهم وطردهم، واضطر المستشرقون في عرضهم لهذين القسمين من حياة الرسول أن يحللوا الأمور بتفصيل جعلهم يثيرون الكثير من العقول ويصيبونها بالاضطراب.
لقد تغنى المستشرقون منذ فترة طويلة وبعيدة بأن رسول الله كان يأمل أن تدخل قبائل اليهود في الإسلام بعد الهجرة، وحتى يقربهم إلى الإِسلام ويلين قلوبهم بدأ في صياغة الإسلام صياغة تتطابق مع الدين اليهودي والشريعة اليهودية، وهكذا تبعهم في الاحتفال بصوم يوم عاشوراء، ثم كان يوم الجمعة، وجَعَل بيت المقدس قبلة المسلمين، وأجاز ذبيحتهم وحلل الزواج من نسائهم، ولكن حين رفض اليهود جميع محاولاته هذه الرامية للصلح، نظرًا لعجرفتهم وغرورهم، وبدأوا في نقده ونقد دينه نقدًا عقليًا ونقليًا، حينئذ ترك الرسول أسلوب المصالحة معهم، وبدأ يُعارضهم وينقدهم نقدًا عقليًا
مقرونًا بمواجهتهم بحزم وبشدة وبصورة عملية.
وفيما يتعلق بالنقد العقلي فقد أوضح ما لدى اليهود من إفراط وتفريط في الدين، وتحريفهم وتبديلهم للتوراة، والتحايل على الأحكام الإِلهية، وانغماسهم في المساوىء الاجتماعية، وتجاوزهم للحدود الإِلهية في المعاملات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أمور واردة في القرآن الكريم.
وفي بداية فترة المواجهة بدلاً من صوم يوم عاشوراء فرض صوم رمضان، وبدلاً من الاتجاه إلى بيت المقدس أصبحت الكعبة هي قبلة المسلمين.
ولم يصدر عن المؤرخين أي شىء آخر في الأمور الأخرى الخاصة
стр. 64
بالمصالحة، فلم يكتبوا برفضها كما لم يكتبوا بتصديقها.
ويعرف حتى طلاب السنوات الأول من دارسي التاريخ الإسلامي أن تحويل قبلة المسلمين في الصلوات الخمس عن بيت المقدس، قد تم قبل عدة سنوات من الهجرة في وقت لم تكن هناك لقضية إرضاء اليهود أو مهادنتهم مكان، ولم تكن فكرة الهجرة إلى المدينة حتى قد وردت على الخيال. ثم إن صوم عاشوراء كان نفلاً وكان بالنسبة للمسلمين سنة نبوية، وذلك بعد إقرار فرضية صوم رمضان، ولا يزال حتى اليوم سنة يقيمها المسلمون، ثم أي مصلحة تلك التي اقتضت فرض صيام " ثلاثين " يومًا [شهرًا] بدلاً من صيام يوم واحد؟! لو أن رسول الله ﷺ اضطر لمخالفة الدين اليهودي، وطريقة اليهود وأسلوبهم لحرّم ذبيحتهم ولحرم الزواج من نسائهم وحرم صوم عاشوراء ... وهي الأمور التي لا تزال مباحة حتى يومنا هذا. وقد أقر صلاة الجمعة كما هي وكما كانت عليه دون تغيير.
إن محاولة المستشرقين وأعداء الإِسلام من المؤرخين إعطاء بيانات خاطئة لمسخ التاريخ هو في الأصل دليل واضح وبيان فاضح على عداوتهم الشديدة وتعصبهم الديني ضد الإِسلام ورسول الإِسلام، ونظرتهم الخاطئة هذه إنما يرجع سببها إلى اعتبار الإِسلام والمسيحية واليهودية أديانًا منفصلة عن بعضها البعض، ويتعارض بعضها مع البعض، بينما القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وجميع الروايات الإِسلامية توضح أنه ليس فقط الأديان الثلاثة بل جميع الأديان التي جاء بها جملة الأنبياء الكرام كانت تتفق مع الإسلام، وقام علماؤها ورهبانها بتحريف التعليمات الإِلهية الأصلية، فحرفوا الأديان ومسخوها وانحرفوا بها عن جادة الطريق، ومن الواضح أن الإِسلام يعترف بالدين اليهودي والمسيحى قبل تحريفهما؛ لأنهما ينبعان من منبع واحد، وهناك بالضرورة اشتراك في الأصول والعقائد، وهناك ولا شك أيضًا اختلاف ممكن
стр. 65
في الشريعة والقانون، إذ كانا يتطابقان بالضرورة مع ظروف ومستلزمات الحالات والزمان وضرورات كل أمة، والمستشرقون قد أخطأوا، وجانبهم الصواب وهم يقسمون سياسة رسول الله ﷺ مع يهود المدينة إلى فترتين مختلفتين، طبقًا لغرضهم الدفين وهوى نفسهم الكمين، والتاريخ يثبت بصورة قاطعة أن سياسته ﷺ مع القبائل اليهودية كانت من البداية وحتى النهاية تمضي على وتيرة واحدة.
تشكيل المجتمع الإِسلامي: المؤاخاة
يلزمنا لفهم النوعية الصحيحة للعلاقات السياسية للدولة الإِسلامية مع يهود المدينة أن نقف جيدًا على المعلومات الأولية والضرورية المتعلقة بتشكيل المجتمع الإِسلامي، وبناء وتطوير الدولة الإِسلامية في المدينة المنورة، وهي تلك الأمور التي كان ليهود المدينة صلة قريبة منها وعلاقة بها.
بعد الهجرة مباشرة قام ﷺ عن طريق المؤاخاة بإقامة علاقة محكمة من الأخوة وعلاقة قوية من المحبة بين مهاجري مكة وأنصار المدينة، فأوجد بين هاتين الطبقتين من المسلمين فكرًا مستقلاً وانسجامًا وتناسقًا اجتماعيًّا وسياسيًا واقتصاديًا، وقضى هذا الأمر على جميع ما من شأنه أن يوجد تنافرًا داخليًا بين المجتمع أو يوجد بصيصا لدلالة " أنا وأنت " داخل المجتمع المسلم الذي قام على دلالة " نحن ".
وكانت هذه أول خطوة عملية وربما أعظم عمل تطبيقي لقيام المجتمع الإِسلامي الصحيح. لقد كان المجتمع منظمًا تنظيمًا مستقلاً وثابتًا، وُضع أساسه بناء على حكم القرآن الكريم ((إِنَّما الْمُؤْمنُونَ إِخْوَةٌ)). وعن طريق هذا الحكم. أبعد الإِسلام امتيازات التفريق القبائلي والاجتماعي بنجاح كبير، ونُظّم المجتمع الإِسلامي على أساس الإِسلام فقط.
стр. 66
ويذكر المستشرق " مونتجمري وات " ومن على شاكلته هذه المؤاخاة بطريقة عارضة بلا دليل أو شهادة. وهم يعتبرونها تدبيرًا عسكريًا أراد به ﷺ أن يوجد بين المهاجرين والأنصار انسجامًا عسكريًا في ميدان القتال.
ولرفض هذه النظرية نسوق دليلاً واحدًا ملخصه أنه لما كان هناك اختلاف في العدد بين مجاهدي المهاجرين ومجاهدي الأنصار، فكيف قام هذا الانسجام العسكري؟. في المهمات الأول وطبقًا للروايات المشهورة فإن المهاجرين فقط دون غيرهم هم الذين اشتركوا فيها. فكيف يمكن أن نقبل هذه النظرية التي يروجها المستشرقون، بينما المؤاخاة قد حدثت قبل ذلك بكثير، ثم إنه في الوقت الذي تمت فيه المؤاخاة لم تكن فكرة الحرب وميدان القتال قد ظهرت إلى الوجود.
وعلاوة على ذلك يفهم من الروايات أن المؤاخاة مع المهاجرين القادمين حتى فتح مكة، ظلت قائمة مع الأنصار، بل يمكن أن نجد لها أمثلة بعد فتح مكة.
وعلى كل حال يتضح من المصادر أن المؤاخاة كانت محاولة لإيجاد مجتمع مستقل متجانس كانت فيه قضية حق الوراثة قضية عرضية، أما بقية النظام فقد ظل موجودًا حتى النهاية، وهو النظام الذي بُني عليه المجتمع الإِسلامي وتطور وارتقى بل وكان وجوده منحصرًا عليه تمامًا.
الصحيفة النبوية:
عن طريق المؤاخاة، وبعد أن حدث تناسق وتجانس وانسجام بين طبقتي المسلمين داخل المجتمع، كان أمام رسول الله ﷺ قضية هامة هي توثيق العلاقات بين طبقات المجتمع الأخرى غير المسلمة وبخاصة قبائل اليهود. فهذه الطبقات بصفتها غير مسلمة لم تكن تمثل ركنا من أركان المجتمع الإسلامي
стр. 67
الذى يقوم أساسه على الدين الإسلامي.
ولهذا قام رسول الله ﷺ بعقد معاهدة تعاون وصداقة مع كل قبيلة على حدة، وبعدها وعن طريق معاهدة جماعية -ذكر متنها ابن إسحاق في سيرته الشهيرة- أوجد الرسول بين مسلمي المدينة كلهم وغيرهم من الطبقات الأخرى غير المسلمة وحدة سياسية مشتركة، وتعاونا وانسجما، وهذا الأمر أوجد بدوره انسجامًا واتحادًا سياسيًا بين طبقات المسلمين وغير المسلمين في المدينة كلها.
وقد عرفت هذه المعاهدة في المصادر باسم " صحيفة الرسول " وأطلق عليها المستشرقون اسم " دستور المدينة " وطبقًا لقول " فينسنك " و " وات " وأشباههما من المستشرقين فإن هذه المعاهدة النبوية شملت ٤٧٠ مادة يلقي بعضها الضوء على العلاقات بين المسلمين واليهود كما أن بعضها يتعلق بالروابط بين اليهود والدولة الإسلامية، ففي المادة الأولى والثانية إعلان بأن المسلمين أمة واليهود أمة، وهذا استدلال عجيب جدًا أن يقدم " ولهاوزن " و" مونتجمري وات " وغيرهما باعتبار الدين والمذهب أساس المجتمع الإسلامي ومن ناحية أخرى يعتبرون أن اليهود [وليس فقط اليهود] بل الطبقات الأخرى غير المسلمة أعضاء داخل " الأمة الإسلامية "، وهو الأمر الذي لم تثبت أبدًا صحته بأي شكل من الأشكال خلال التاريخ الإسلامي، ثم يعترف المستشرقون أيضًا أنه طبقًا لدستور المدينة فإن اليهود وغيرهم من غير المسلمين لم يحصلوا على حقوق تتساوى مع حقوق المسلمين. وفي عدة مواد من مواد المعاهدة أُقرت الأصول القديمة التي كانت تتبعها كل قبيلة طبقًا لدستورها القديم، فيما يتعلق بالدية والدم، وتتحمل القبيلة كلها مسئولية أعمالها ومسئولية أعمال أفرادها، وكان ينبغي على جميع الفئات المشتركة في هذه الصحيفة أن تعتبر المدينة حرمًا، وعليها أن تتحمل مسئولية الدفاع عنها، ودفع
стр. 68
النفقات الدفاعية طبقًا للحصة المقررة عليها، إذا ما تعرضت المدينة للهجوم، وإذا ما وقع خلاف أو نزاع في أي معاملة من المعاملات، فيلزم الرجوع إلى رسول الله ﷺ ، وعلى الجميع إطاعة وتنفيذ حكمه وقراره، ويجب ألا يخرج أحد بدون إذنه إلى حرب أو جدال، وألا يلجأ أحد إلى أعداء الإسلام، وبخاصة قريش، وألا يرتكب أحد أي عمل من شأنه أن يكون معاديًا للمسلمين، وأن يكون الجميع أوفياء بأي حال من الأحوال للدولة الإِسلامية.
المعارك مع يهود المدينة:
يجب تحليل العلاقات السياسية بين الدولة الإِسلامية ويهود المدينة على ضوء الصحيفة النبوية.
فبعد غزوة بدر قام يهود بني قينقاع فلم يطعنوا في حق رسول الله والمسلمين فقط، بل أثاروا القتال والنزاع والفتن، وهو ما يتنافي صراحة والمعاهدة، وفي زمانهم اعتدى أحد اليهود على امرأة مسلمة في سوق الصرافة الذي كانوا يمتلكونه ويعملون به، فقام مسلم غيور فضرب المجرم، فقام اليهود على الفور وقتلوا هذا الشاب المسلم، وحاول رسول الله ﷺ رد بني قينقاع عن غيِّهم هذا، وعن أفعالهم الشائنة تلك، وذكّرهم بشروط المعاهدة، إلا أنهم لم يُظهروا فقط استعدادهم للقتال بل قاموا بنقض المعاهدة تمامًا، وكانت النتيجة القيام بعمل عسكري ضدهم. فقاموا باللجوء إلى حصونهم وحوصروا فيها، وحين دبَّ اليأس في قلوبهم، وبعد خمسة عشر يومًا، أعلنوا الاستسلام دون شرط، فتم إجلاؤهم عن وطنهم، وحملوا معهم جميع أمتعتهم وأموالهم وأجناس الطعام والمواشي، دون الممتلكات غير المنقولة والسلاح، وبعد جلائهم عن الوطن قامت عدة قبائل يهودية بتجديد المعاهدة مرة أخرى، إلا أنه بعد غزوة أحد عمد بنو النضير إلى مساعدة قادة جند وغزاة قريش أعداء المسلمين
стр. 69
ودفعهم غرورهم إلى التآمر على الدولة الإِسلامية الناشئة، تلك التي تعاهدوا على أن يكونوا أوفياء لها، وأن يتحملوا مسئولية الدفاع عنها، وطبقًا للمعاهدة، وحين ذهب الرسول إليهم للحصول على النصيب الواجب دفعه في دية قتل بني عامر، تآمر اليهود عليه وحاولوا قتله ﷺ ، وتم عقابهم عن غدرهم هذا بنفيهم، وحصلوا على جميع التسهيلات التي حصل عليها من قبلهم بنو قينقاع، حتى إنه سمح لهم بالحصول على فوائد قروضهم التي كانت لدى المسلمين، وحصلوا عليها كاملة، وطبقًا لأقوال المؤرخين خرج هؤلاء اليهود من ديارهم معززين مكرمين لدرجة أن نساءهم قمن بوضع ما يمتلكن من ذهب للزينة على أجسادهن.
ومن الملاحظ أن قضية بني قريظة كانت مختلفة إلى حد ما، فقد نقضوا المعاهدة في وقت حرج ودقيق، كان المسلمون فيه بين الحياة والموت وهو ما حدث في الأوقات الحرجة من غزوة الخندق حين أرادوا مساعدة الأعداء بكشف جناح المسلمين، ولم تنجح مؤامرتهم بتوفيق من الله، وبعد عودة جيوش الأحزاب، اتخذت ضدهم إجراءات عسكرية، وفي النهاية اضطروا إلى إلقاء السلاح والتسليم دون شروط، وأصدر حكمًا ضدهم رجل انتخبوه هم هو سعد بن معاذ الأوسي، الذي حكم عليهم طبقًا لما جاء في التوراة، وهو قتل جميع الرجال العاقلين البالغين، وأن تصبح زوجاتهم إماءً وأطفالهم غلمانًا، وقد أثبت باحثان مسلمان هما (و. ن. عرفات) و (بركات أحمد) أن جميع بني قريظة لم يقتلوا، كما أن أولادهم ونساءهم لم يصبحوا غلمانًا وإماءً، بل إن رؤساءهم فقط اعتبروا مجرمي حرب فقتلوا، وتم العفو عن بقيتهم، وردت إليهم أموالهم، كما توضح مصادرنا القديمة أيضًا أن عددًا من أسر بني قريظة وأفرادها تم العفو عنهم بوساطة بعض المسلمين، على شرط أن يتبع اليهود سلوكًا يتسم بالوفاء، وردت إليهم أملاكهم وممتلكاتهم جميعًا.
стр. 70
ويتضح من تحليل جميع الروايات أن الدولة الإِسلامية قامت باتخاذ إجراءات عسكرية ضد هذه القبائل اليهودية الثلاث نظرًا لأسباب سياسية كانت مسئوليتها كاملة تقع على كاهل القبائل المذكورة، فقد قاموا بمعارضة المعاهدة ونقضها قصدًا وعمدًا والعمل خلافًا لما جاء في موادها، وخلافًا لما وقّعوا عليه وأقروه، كما قاموا بارتكاب غدر واضح فاضح ضد الدولة التي تعهدوا رسميًا بمسئولية الدفاع عنها وحمايتها، وقد عوقبوا طبقًا لجرائمهم التي ارتكبوها وليس لأنهم يدينون باليهودية، ويتضح من المصادر -وهو ما يعترف به أيضًا مونتجمري وات ومن على شاكلته من المستشرقين- أنه رغم هذه الإجراءات فقد بقيت في المدينة المنورة أكثر من عشرين أسرة يهودية، ولم يثبت أبدًا ضدها أي إجراء سياسي في العهد النبوي، وفي عهد الخلافة بطولها، فلم تُسلب أموالهم ولا ثرواتهم، ولم يُستول على أملاكهم ولا على ممتلكاتهم، ولو كان هدف الرسول ﷺ هو الحصول على الأموال والغنائم لما سمح رسول الله بأن تأخذ القبائل التي نفاها أموالها ومنقولاتها وأمتعتها معها، ولما أعاد لهم قروضهم التي كانت لدى المسلمين.
وصحيح أن الأهمية الاقتصادية للممتلكات غير المنقولة أكثر، وفائدتها أعم، إلا أن الحقيقة أيضًا هي أن الأموال والأمتعة والأجناس التي حملها اليهود معهم كان من الممكن أن تمثل من ناحية أخرى عونًا ومددًا عظيمًا للمسلمين داخل دولتهم.
إن المستشرقين عمدوا إلى تضخيم الإجراءات العسكرية للدولة الإسلامية ضد اليهود إلا أن بعضهم بدأ الآن تدريجيًا في الاعتراف بالحق، رغم أن هذا الاعتراف يحمل بين طياته السمّ إلى حد ما.
يجب أن ننظر دائمًا إلى علاقات يهود المدينة في ضوء خلفية تشكيل الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، وإلا فلن نحللها وننقدها بطريقة صحيحة.
стр. 71
تشكيل الدولة الإسلامية:
عرض بعض المستشرقين وعلى رأسهم (مونتجمري وات) نظرية فحواها أن النظام السياسي الذي أقامه رسول الله ﷺ في المدينة المنورة قد قام على أسس قبلية، وطبقًا لرأيه، فقد كان هناك وفاق بين مختلف القبائل والبطون في المدينة المنورة، وكان هذا الوفاق يضم تقريبًا تسع قبائل كبيرة، ويمكن القول بأنها كانت تمثل تسع وحدات سياسية من بينها وحدة تضم المهاجرين، وكان رسول الله ﷺ رئيسًا للمهاجرين فقط، وبالإضافة إليه كان هناك ثمانية رؤساء سياسيين للقبائل كانوا في جميع الأشكال متساويين معه في الرتبة والمكانة، ولم يكن له عليهم أي أفضلية.
ويحاول هؤلاء المستشرقون في النهاية أن يثبتوا أنه لم يكن حاكمًا للمدينة، كما أنه لم تكن هناك دولة إسلامية بالمدينة تحكم جميع القبائل الأخرى.
وهذه نظرية خاطئة من الناحية التاريخية ودلائلها باطلة، ففي بيعة العقبة الثانية اعترف مسلمو المدينة برسول الله زعيمًا وقائدًا مثلما اعترف به مسلمو مكة بعد الهجرة، ولم تنته سيادته ﷺ إلى حد السيادة على المهاجرين فقط، بل امتدت لتشمل قبيلتي الأنصار أيضًا، ويمكن القول بأنه بعد الهجرة مباشرة كان ﷺ هو شيخ ورئيس جميع طبقات المسلمين بلا استثناء وبعد دستور المدينة أصبح ﵊ هو القائد السياسي للمدينة بأكملها بما فيها من يهود وغيرهم من غير المسلمين، ورغم أن اليهود لم يعترفوا به كرسول فإنهم بانضمامهم إلى المعاهدة النبوية أو الصحيفة النبوية سلموا بزعامته السياسية، تلك الزعامة التي جعلتهم يعترفون بالحيثية القانونية للإجراءات العسكرية التي اتخذت ضدهم.
لقد كان ﷺ هو الحاكم الأعلى للمدينة والقائد الديني والسياسي للجميع.
اعترف به الجميع بعد الهجرة مباشرة وحتى غزوة الخندق كانت القبائل
стр. 72
الموجودة في أطراف ونواحي المدينة قد اعترفت بسيادته، وقد كان منبع سيادته وقيادته رسالته ونبوته، والمستشرقون أساسًا لا يريدون التسليم في كتاباتهم بهذه المكانة الأساسية لرسول الله ﷺ لأنها مكانة دينية.
يهود خيبر:
كان يهود خيبر من بين القاطنين خارج المدينة يحيكون المؤامرات ضد الدولة الإسلامية، وكان من أهم العناصر المتآمرة يهود بني نضير الذين نفوا من ديارهم، وخاصة شيوخهم ورؤساءهم الذين كانت نيران الانتقام والحسد تعتلج في داخلهم، فقد لعبت أيديهم دورًا في غزوة الأحزاب، وفي تأليب القبائل العربية على المدينة، وفي دفع بني قريظة إلى الغدر، وبعد صلح الحديبية وحين اطمأن رسول الله ﷺ إلى جانب قريش في مكة رأي أن أول عمل يجب أن يقوم به هو أن يسد باب مؤامرات يهود خيبر، وقام جيش المسلمين الذى ضم مجاهدي غزوة الحديبية بمحاصرة خيبر وكان بها عدة قلاع، تم حصار بعضها ولم تصمد للحصار، فسقطت واحدة بعد الأخرى وحين وضح لليهود أنهم سيهزمون عرضوا الصلح فقبله الرسول، وتم على أن يُقدِّم زراع اليهود نصف نتاج أراضيهم كل موسم بمثابة خراج، وبعدها تم عقد معاهدات أخرى مع يهود خيبر الآخرين الذين يعيشون في قرى فدك وتيماء ووادي القرى على نفس الشروط.
وصفحات التاريخ الإسلامي شاهد عدل وحكم فصل على أن المسلمين لم يغدروا وصانوا شروط معاهداتهم بكل أمانة وإنصاف وخوف من الله، ويشهد على ذلك الأعداء الذين هزموا، يشهدون على أصول العدل والإنصاف الإسلامي، وعلى سلوك المسلمين السامي، وما اتبعه المسلمون مع أهل خيبر ونواحيها من القرى إنما يثبت بذاته أن الإجراءات العسكرية التي نفذت ضد هذه المناطق لم تكن وراءها أية عوامل أو محركات اقتصادية بل كان هدفها
стр. 73
الأساسي الجهاد الإِسلامي الذي تم به رفع كلمة الله وتقوية الإِسلام وصيانة الأمة الإِسلامية والحفاظ على الدولة الإِسلامية.
والجيش الإِسلامي لم يكن كغيره من الجيوش يعمد إلى السلب أو النهب أو القتل أو الدمار، فلم يكن ليتعرض إلا للسلاح ولأموال الغنيمة التي يحصل عليها في ميدان القتال.
إن القبائل اليهودية التي سلكت مع الدولة الإِسلامية سلوكًا طيبًا سليمًا، ولم تلجأ إلى أسلوب التآمر أو الخداع ولم ترفع في وجه الدولة الإِسلامية السلاح، هؤلاء لم يتخذ المسلمون ضدهم أي إجراء عسكري، ولقد كان الإِجراء العسكري الذي اتخذه المسلمون ضد خيبر والقرى المجاورة لها إجراء اضطر إليه المسلمون حتى يقتلعوا جذور المؤامرات والفتنة والفساد.
الخطّ السياسي للعلاقات مع غير المسلمين:
يتضح من تحليل الخط السياسي للدولة الإِسلامية مع الفئات غير المسلمة أن الخط السياسي الذي اتخذه الرسول بعد الهجرة كان يهدف إلى دعوة القبائل والبطون غير المسلمة إلى الإِسلام، فإن امتنعوا عن قبول الإِسلام عقد معهم معاهدة صلح وتعاون أو على الأقل عدم انحياز.
وهكذا تم عقد معاهدات من هذا القبيل مع القبائل المجاورة للمدينة المنورة، وبخاصة القبائل الغربية مثل مزينة، جهينة، كنانة وغيرها، وبالتدرج وفي فترة بسيطة دخلت هذه القبائل في الإِسلام.
وقبل أن تنجح هذه التدابير والخطط التي وضعها رسول الله ﷺ نجاحًا كاملاً بدأت سلسلة الغزوات مع قريش مكة، وكان من نتيجة ذلك أن بعض القبائل التي ناصبت الإِسلام العداء انتهجت نهجًا يهدف إلى التآمر على الدولة الإِسلامية وقتالها واضطر رسول الله ﷺ إلى أن يعلن الجهاد ضد جميع هذه العناصر المعادية، وأخضع كثيرًا من تلك القبائل بهزيمتها، إلا أن الأسلوب
стр. 74
الذى اتبعه معها كان قائمًا على العدل والإنصاف، فالقبيلة أو الجماعة التي طلبت الصلح، أجيبت إلى طلبها، ولكن حين كان الأمر يقتضي إقامة وحدة سياسية للجزيرة العربية كلها؛ لأنه بدون هذه الوحدة لا يمكن للدولة الإسلامية أن تبقى، ولا يمكن أن تكتمل الفريضة الإلهية الرامية إلى إعلاء كلمة الله، حينئذ أصر رسول الله ﷺ أن يطالب جميع السكان العرب بالموافقة على أحد مطلبين: إما أن يقبلوا الإسلام، ويصبحوا بذلك من مواطنى الدولة الإسلامية بصورة كاملة فيؤدون الفرائض الإسلامية كاملة بما فيها الأحكام التي تخص المال أي الزكاة والصدقات، وإما أن يعترفوا بالتفوق السياسي للدولة الإسلامية إن أرادوا البقاء على دينهم، وعليهم أن يخضعوا لها، ويكون ضمان هذا الوفاء هو دفع الجزية السنوية وفي مقابل دفع الجزية تكون على الدولة الإِسلامية مسئولية حماية أرواحهم وأموالهم وعزتهم وكرامتهم، ويحصلون بذلك على مكانتهم في المجتمع بصفتهم من " أهل الذمة " ويكون لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم التي حددها الإسلام، ومن خلال هذه الخلفية، ومن خلال تحليلنا لجميع الغزوات والسرايا النبوية تحليلاً كاملاً نعرف أن المسلمين قد رفعوا السيف في وجوه تلك العناصر التي أثارت الفتنة والفساد أو كانت عاملاً من عوامل إثارة الفتنة والفساد، وكانت تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية، على أن الدولة الإسلامية قد اتخذت من المصالحة أسلوبًا لها مع جميع الفئات التي كانت تدعو للمصالحة، وتريد الحياة في أمن وسلام.
وفيما يتعلق بالحصول على الفوائد الاقتصادية وأموال الغنيمة فإن التاريخ يثبت أنها لم تكن هي الدافع، ولم تكن هي المحرك، ولم تكن هي الهدف بل كان كل هذا من ثمار الجهاد الإسلامي، وإذا ما حللنا جميع أموال الغنيمة التي تم الحصول عليها أثناء الغزوات والسرايا النبوية فإن نصيب حياة المسلمين الاقتصادية في المدينة كان اثنين بالمائة (٢%) فقط، أما الباقي فقد كان من نصيب الدولة للحفاظ على الأمن، لقد كان الهدف الأساسي لجميع تلك الغزوات والسرايا هو الجهاد الإِسلامي وهو ما يمكن أن تجد له مئات الأمثلة التي قدمها لنا القرآن الكريم وقدمتها لنا الأحاديث النبوية، وقدمها لنا التاريخ الإسلامي.!!
стр. 75
الرسالة العالمية:
مع أن المستشرقين وبعض المؤرخين الجدد يدعون أن رسول الله ﷺ كان رسولاً للعرب دون غيرهم، وأن الرسالة التي حملها كانت قاصرة على منطقته التي عاش فيها، بل كانت وقفًا أيضًا على زمانه هو، وأكثر من هذا فإنهم يدعون بدعوى عجيبة وغريبة وهي أنه لا شرف له في المجىء بهذا " الانقلاب " أو " الثورة الإِسلامية " (١) لأن المجتمع العربي آنذاك كان متعطشًا لثورة اجتماعية وحركة إصلاحية أخلاقية، وحين وجد هذا المجتمع إمكانات قدوم مثل هذه الثورة الاجتماعية والأخلاقية في شكل الإسلام خطا خطوة للأمام فرحب أفراده به.
وهذا الادعاء بشطريه لا يوجد فيه تناقض فقط، بل إنه لا يقوم على محك التحليل والنقد التاريخي وسوف نقوم بتحليله بشطريه.
من بين مستشرقي العصر الحديث المشهورين " مونتجمري وات " وهو من المتعاطفين مع التاريخ الإسلامي، إلا أن إعجابه بالإِسلام لا يمنعه من أن يقدم من خلال كتاباته الاستعراضية تلك النظرية الخاطئة في حق الرسالة العالمية والنبوة العالمية لرسول الله بعد بحث وكد وجهد جهيد، وهو يدعي أن النبي ﷺ بعد تشريفه للمدينة المنورة لم يعرض الإِسلام على يهود المدينة المقدسة لمدة طويلة ولم يقل للفئات الأخرى من غير المسلمين أن يدخلوا في الإِسلام، فلقد كانت رغبته وكان هدفه فقط هو أن يعترفوا به، كواحد من أنبياء الله " حتى يجد لنفسه شهادة تصديق " بين العرب على قبول رسالته، إلا أنهم لم يفعلوا هذا، وهكذا وبعد مدة كافية حين عرض عليهم الدعوة إلى الإسلام، فرفض اليهود قائلين له: إن الإِسلام هو دين العرب فقط، وليس لبقية الفئات والجماعات؛ لأنه ليس دينًا عالميًا، وحتى يرد على استدلال اليهود هذا عرض عليهم تصور الدين الإِبراهيمى، قائلاً بأن الإِسلام الذي جاء به والدين الذي يدعو إليه هو في الأصل الدين الحقيقي لأبي الأنبياء والجد الأكبر للعرب