Полный текст (318 стр.). Показаны 281–318 · переход к 286.
стр. 281
فيا واحد الأزمان علما ومنصبا ... ويا شيخي الأعلى الأجل الموقرا
تعال لكي نحتال في نيل مطلب ... فندرك وصلا, "أو نموت فنعذرا"
وأنت حسام فيه للعلم جوهر ... فكن لي على الدهر الحسام المجوهرا
وهل حلية العشاق إلا رغيبة ... وقد بايعوا منك الأمير المؤمرا
فهز رماح الخط وانشر بنوده ... وقد من معانيك البديعة عسكرا
فإنك منصور لدى موقف الهوى ... فلم تعط جيش الشعر إلا لتنصرا
وقصر حياة العاذلين فكلهم ... وشى بجميع العاشقين وقصرا
ومنها:
وجرد على من كان أبيض أبيضا ... اشرع إلى من كان أسمر أسمرا
وقم بيننا في منبر العز خاطبا ... فمثلك (حقا) من رقى اليوم منبرا
وعظ كل وسنان المدامع أزهر ... ليضحى زمان الصب وسنان أزهرا
فنقطف من تلك السوالف سوسنا ... ونرشف من تلك المراشف سكرا
ومنها:
أعالمنا المشهور في كل بلدة ... ومن لم يزل من حاجب الشمس أشهرا
ومنها:
وليس مشيبا ما علاك, وإنما ... رياض المعالي فوق فوديك نورا
لك الله يا مولاي ذكرت خاطري ... بأشياء تشجي الصب مهما تذكرا
وسميت لي دهرا تصرم وانقضى ... وعيشا لدى الخضراء فينان أخضرا
زمان التقى البحران: علم ولجة ... فكنت به أصفى وأندى وأطهرا
ومنها:
وحقك ما قصرت في حق صاحب ولكنني لم ألق إلا مقصرا
إذا ما دنا مني تصور ثعلبا ... ومهما نأى عني تصور قسورا
وإن أنت عاينت التذلل من أخ ... فلا تعتقد من ذاك إلا تجبرا
فما من حياء تكتسي النار حمرة ... ولا من سقام معدن التبر أصفرا
стр. 282
ومنها:
وخبرني عن شاذن الريم أنه ... غدا صفو ماء الوصل منه مكدرا
أمولاي أرسل سحر نظمك نحوه ... فلم أر منه للبرية أسحرا
ومنها:
لعل غزال الريف يكسب رأفة ... فيهجر ذا عذل أساء وأهجرا
وهي من التعنيس صنعة فاعل ... يريك له في ساحة الصدر مصدرا
ومنها:
أمولاي قد قلدت جيدي قلادة ... يباع بها در المعالي ويشترى
وأسكرني للحين فرط انطباعها ... ولم أدر أن الشعر يوجد مسكرا
ومن لي بأن أحكي الحميا بحمأة ... وآتي بأمثال الثريا من الثرى
وأوجب شيء حين يظهر نظمكم ... لمثن بنظم الشعر أن يتسترا
وله أيضاً:
إلهي قد عصينا منك ربا ... تعالى أن يقابل بالمعاصي
فكيف خلاصنا من هول يوم ... تشيب لهوله سود النواصي
وتوفي الفقيه أبو عمرو ﵀ يوم الاثنين لثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المعظم عام عشرين وستمائة.
ومنهم:
١٥٧- سليمان المعروف بابن الطراوة
يكنى أبا الحسن, وهو الفقيه المشهور بابن الطراوة. كان ﵀ إماما في صنعة العربية, عارفا بها محققا لها متصرفا في غيرها من العلوم, جليل المقدار,
стр. 283
معروف العلم. عنه أخذ الأستاذ أبو زيد السهيلي ﵀. وكان أبو الحسين هذا أديبا شاعرا. فمن شعره ﵀: (بسيط)
أعوذ بالله من حال يزين لي ... بغض اللسان وحب البغي والفندا
أيا فلان (كفى) والله لو ظهرت ... لك الحقائق ما نازعتها أبدا
ولو خلوت لحلواها ولذتها ... لما عدلت بها مالا ولا ولدا
الجد في الدين نور يستضيء به ... من لا يصر على عميائه حسدا
لكن دنا بأناس رين أفئدة ... تحملوها فقد تاهت ذرى وندى
لا يستفيقون حوطا في عواقبه ... من الجهالة حتى يوقدوا كمدا
فاربأ بنفسك لما كنت ناصحها ... عن أن تموت صدى أو أن تعيش سدى
واكسب بدنياك علما تطمئن له ... واذكر لأخراك خوفا أن تموت غدا
ولا تصخ لمقال السوء تسمعه ... وإن نطقت فحاول منطقا سددا
وللشباب إذا عاشرتهم كرب ... (له هموم) فكن عن جمعهم فردا
وله ﵀ في قوم خرجوا للاستسقاء, والنهار مغيم, والرذاذ ينزل. فلما برزوا للمصلى, رجع الصحو: (كامل)
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... بحرية يبدو لها رشح
حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لأعينهم بها نضح
كشف الغطاء إجابة لهم ... فكأنما خرجوا ليستصحوا
ومنهم:
١٥٨- سليما بن أحمد يعرف بكثير
اجتاز على مالقة وأقام بها مدة. وكان حافظا للأدب واللغات والتواريخ.
стр. 284
وكتب لبعض السادات. وكان شاعرا أديبا كاتبا لوذعيا, من أهل الذكاء والفطنة رحمة الله عليه. ومن شعره: (سريع)
يا قارئ الخط بلمس البنان ... ينيبها اللفظ مناب العيان
أشكل في غيرك هذا, ول ... كن بان في فعلك كل البيان
ولو توارى شمته لاحظا ... ما عاق ذاك اللحظ عنه صوان
فكم تعري جننا نافدا ... صدور ما بدا لكم من جنان
من لم يلاحظ بفهم يجز ... عليك ما لم يره في الزمان
يا من أتى بوقعة ضارعت ... من خارق العادة ما قبل كان
يا صورة بدعا أرتنا من ال ... حسن فنونا لم تنلها الحسان
أرى لساني إذ يطول وقد ... قصر عن وصفك ذاك اللسان
قابلني من بعد يأس من الل ... يل: هوى, بل ضمني قرط بان
وقد قبلت اللوم من لائم ... فيك فهل لي من صدود أمان
ومنهم:
١٥٩- سليمان بن داود بن عبد السلام بن عمثيل
يكنى أبا أيوب, من بيت حسب وجلالة وعلم وشرف الأصالة, معلوم المكان. وقد تقدم ذكر بعض أسلافه فيما مضى من الكتاب. وكان أبو أيوب من العلم والوجاهة, جليل المقدار, فقيها مشاورا. أخذ عن شيوخ جلة وقيد وروى. ومن أغرب ما نقلت من خط ... قال: ألفيت بخط الفقيه الفاضل الأديب الكامل أبي محمد غانم بن وليد المخزومي, قال: وجدت بخط الفقيه الجليل أبي
стр. 285
أيوب سليمان بن داود بن عمثيل ﵁, رواية له عن بعض شيوخه, أن رجلا من الصالحين رأى يحيى بن أكثم القاضي ﵀ في المنام فقال له: ما فعل الله بك. قال أوقفني ربي ﵎ بين يديه, وقال لي: يا شيخ السوء, لولا شيبتك لأحرقتك بالنار. قال: فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه. فلما أفقت قلت: ما هكذا يا رب حدثت عنك. فقال ﵎: ما حدثت عني, وهو أعلم بذلك. فقلت: حدثني عبد الرزاق بن همام الصنعاني, عن معمر بن راشد, عن محمد بن شهاب الزهري, عن أنس بن مالك, عن نبيك محمد ﷺ , عن جبريل, عنك يا عظيم, أنك قلت: ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة فأعذبه بالنار. قال: فقال الله ﵎: صدق جبريل, وصدق نبيي محمد, وصدق أنس بن مالك, وصدق محمد بن شهاب الزهري, ومصدق معمر بن راشد وصدق عبد الرزاق بن همام الصنعاني, أنا قلت ذلك, انطلقوا به إلى الجنة. قال يحيى: يا لها من فرحة. جعلنا الله من أهل الجنة بمنه وكرمه.
ومنهم:
١٦٠- سليمان بن عمثيل بن يحيى بن أحمد بن داود العاملي
يكنى أبا أيوب, من وجوه مالقة وذوي الشرف والأصالة فيها, قديم الحسب معلوم التعين, يرجع بيته إلى عاملة النازلين برية. وهو على ما ألفيت في بعض التعاليق: سليمان بن داود بن عبد السلام بن عمثيل بن عكار بن قيدون بن شرف بن خزيمة بن زياد بن شمر بن بشر بن حي بن عوف بن مالك بن قاسط بن الزاهر بن عاملة بن سبأ الأكبر بن يشجب بن عابر بن قحطان بن يعرب بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح, وهو آدم الصغير ﷺ . وشمر المذكور في هذا النسب هو الداخل (إلى) الأندلس. وكان أبو أيوب سليمان المتقدم الذكر, معدودا في طلبة مالقة ونبهائها. ولي القضاء بجهاتها مدة. وناب عن والده بمالقة أيام كونه
стр. 286
قاضيا بها, فساد ورأس. وعقبه بمالقة إلى الآن. ومولده ﵀ يوم الجمعة في عام أربع وعشرين وخمسمائة.
ومنهم:
١٦١- سليمان بن أحمد بن أبي غالب
يكنى أبا داود ويشهر بالداني. قد تقدم ذكر والده. وكان أبو داود ﵀ من نبهاء طلبة مالقة وأدبائها. كان كاتبا بليغا وشاعرا مطبوعا. وكان في صغره من أجمل الناس. نقلت من خط شيخنا الأديب أبي عمرو بن سالم, أنشدنا صاحبنا الفقيه الأديب أبو جعفر أحمد من محمد الأبدي مما قاله ارتجالا, وقد مر به الفقيه أبو داود سليمان ابن أبي غالب, وكان مشتهراً بالجمال, صانه الله من العين, فمر به وقد لبس ثوبا اصفر وجعل عمامته بيضاء فقال:
قد قضيب من اللجين ... عليه ثوب من النضار
أضاء كالبدر جنح ليل ... وعمم الليل بالنهار
ومن شعر الفقيه أبي داود المذكور
نكرت عطية وهي جد غريزة ... أغباب كتبي في زمان بعادي
أحبب بها, ولها الوقاية لم أكن ... لأصد عن مرضاتها بمرادي
ظلما تكلف أن يحن على النوى ... من لم يرح عن أرضها بفؤادي
وله أيضاً:
زرتها وهي كالغزالة حسنا ... وأنا النجم في سنا وارتفاع
آمنا أن يرى الوشاة مكاني ... لا حقا بالنجوم تحت الشعاع
وله أيضاً:
стр. 287
تلوح على بعد المزاز أميمة ... لعين شموق لم تذق لذة الغمض
كذا الشمس تبدو للعيون منيرة ... على بعد ما بين السماوات والأرض
وله أيضاً:
ضننت فلو تزور رأت ... فتى أودى به المرض
فقد قامت بجوهره ... وقام بنفسه العرض
وله أيضاً:
مسحت على خدها مسحة ... فكادت تذوب لفرط الحياء
وقامت تلوذ بمرآتها ... فكانت شبيهة شمس السماء
كجؤذر قفر أصاب الصدى ... فأومأ ليشرب من فضل ماء
وله أيضاً:
تاقت إلى زورة أوطانها ... تشوق الظبي على المكنس
وأرسلت أجفانها عبرة ... تفنى بها, وهي ندى الأنفس
فقمت لما أن بكت وحشة ... لهاجس ريعت له مؤنس
ألتقط الؤلؤ من حجرها ... ينهل فوق الوشي من نرجس
كأنني قمت إلى روضة ... ممطورة من أفق مشمش
وله أيضاً:
تطلعت حوراء نورية ... باطنها يلحظ من ظاهر
وقد بدا خال على نحرها ... كأنه من خدع الساحر
(كأنه إذا راقني عنبر) ... دك على مسرجه الزاهر
وإنما الأسود من قلبها ... بحيث لا يخفى على الناظر
وله أيضاً:
стр. 288
وقالوا هذه الشيماء قامت ... نفت المسك عن يقق الجبين
وللألباب من خدي سليمى ... دواع للمجون وللفتون
وما الخيلان أبصر من رآها ... إذا ردن الحديث إلى يقين
ولكن فوق صفحتها صقال ... تشكل فيه أحداق العيون
وله أيضاً في غداة ذات ثلج ونار, ورقيق رمادها:
وغدوة ثلج كاللجين بياضها ... طردت الأذى منها بنار كعسجد
يريك رقيق فوقها من رمادها ... شفوف قناع فوق خد مورد
وله أيضاً في شمعة
وصفراء قائمة كالسنان ... لها لهب بالدجا عابث
متى تطفئ الريح روح السراج ... ففيها لرمته باعث
وله يرثي والده ﵀:
خليلي لو ترى في حمص دفني ... أبي لهجرت نومك والطعاما
أواريه بستر من ضريح كأني مغمد منه حساما
كأن محاجري ورثت يديه ... عشية قمت أدفنه, غماما
وله أيضاً فيه:
صلبوك لا كلفا بعيش فيهم ... يبكي لفقدهم, ولا متأسفا
يا من رأى بدر الدجا لتمامه ... عبثت به أيدي الزمان تصرفا
والشر يظلم راحة لم تدر إلا ... لاثما أو مرهفا أو مصحفا
стр. 289
عجبا لجذع قام يحمل كوكبا ... وغمامتين وصدر علم نفنفا
ولقد نظرت إليه يوم تقله ... كالرمح عوض من سنان أرهفا
لم يصلبوه فليس يصلب مثله ... إن كنت تسمع ما أحدث منصفا
جهد التراب به ليستر شخصه ... فإذا به قد كان منه ألطفا
وكأنه رام اللحاق بعالم العل ... والذي هو منهم فاستوقفا
وشجاه نوح الباكيات لفقده ... فثوى هنالك رقة وتعطفا
وهي أكثر من هذا ومنهم:
١٦٢- سفر بن عبيد الكلاعي
... ويقال هو من الأنصار, وهو من الذين كانوا يحملون ألوية رسول الله ﷺ . وكانت قريته بقرب قرطبة على طريق قرطبة, وتعرف ببنيلة وكان من أهل رية, وإليه ينتسب الرمان السفري. وسببه أن عبد الرحمن بن معاوية الداخل بعث إلى أخته بالشام أم الأصبغ عند ما استقر له ملك الأندلس أن تأتيه, فأبت, ووجهت له بتحف, منها ذلك الرمان. فجمع عبد الرحمن أصحابه. فلما نظروا إليها حنوا إلى الشام وبكوا. فأخذ سفر من حب ذلك الرمان وجعله في سبنية. فقال له عبد الرحمن: ما هذا؟ فقال له يا مولاي أغترسها في بلدي لعلها تعلق. فاغترسها فعلقت وكثرت في الأندلس, فنسبت إليه. ذكره ابن أبي الفياض, وابن مزين في تاريخهما. وقد وصف أحمد بن فرج الشاعر هذا الرمان في أبيات فقال:
стр. 290
ولابسة صدفا أحمر ... أتتك وقد ملئت جوهرا
كأنك فاتح لطيف ... تضمن مرجانه الأحمرا
حبوبا كمثل لثاث الحبيب ... رضابا إذا شئت أو منظرا
وللسفر تعزى وما سافرت ... فتشكو النوى أو تقاسي السرى
بلى فارقت أيكها ناعما ... لطيفا وأغصانها نضرا
وجاءتك معتاضة إذا أتتك ... بأكرم من عودها عنصرا
بعود ترى فيه ماء الندى ... ويورق من قبل أن يثمرا
هدية من لو غدت نفسه ... هديته, ظنه قصرا
ومنهم:
١٦٣- سهل بن عثمان ابن أبي حبيب
من أهل سهيل من غرب مالقة. كان إمام المسجد المنسوب لبني أبي زيد. وكان الحكم عند وصوله إلى مالقة قد وجه أحمد بن فارس من عنده إلى سهل ليعرف مطلع الكوكب المسمى سهيل, فوصل واستفهم عند سهل بن عثمان المذكور, وحسن بن محمد. فوصفا له وصفه, ووقت طلوعه. فرجع على أنه ليس ذلك الكوكب المعروف.
قلت: والمحققون لتلك الصنعة يزعمون أنه هو.
ومنهم:
١٦٤- سعيد بن محمد بن سيد أبيه بن مسعود الأموي البلدي
من أهل بلدة, من عمل رية يكنى أيا عثمان. رحل على المشرق سنة خمسين وثلاثمائة, وحج سنة إحدى وخمسين. ولقي أبا بكر الآجري وقرأ عليه جملة من تواليفه, وأبا الحسن محمد بن نافع الخزاعي وقرأ عليه فضائل الكعبة من تأليفه. وأقام بمكة نحو العام وسمع بمصر من أبي بكر ابن أبي طيبة, والحسن بن
стр. 291
رشيق ومحمد بن القاسم بن شعبان وحمزة بن محمد وغيرهم. وقال سكنت مصر نحوا من سبعة أعوام. ولقي بالقيروان علي بن مسرور, وأبا العباس بن تميم بن محمد وغيرهما. وكان رجلاً صالحا متبتلا متقشفا يلبس الصوف. وكان كثير الرباط والجهاد في الثغور. ومولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ذكره ابن بشكوال.
стр. 292
حرف الشين
ومنهم
١٦٥- شاكر بن محمد بن الحسن بن محمد بن كامل الحضرمي
يكنى أبا الحسين, ويعرف بابن الفخار, وهو خال الأستاذ أبي بكر بن دحمان. وكان أبو الحسين ﵀ من جلة الطلبة ونبهائهم, كان ذكيا لوذعيا عالي الهمة شريف النفس كريما. وكان ﵀ أديبا شاعرا. كان كثير الصحبة لأبي علي بن كسرى. نقلت من خط الفقيه أبي عمرو بن سالم قال: حدثنا أبو الحسين, قال: حضرنا بقرية ذكوان, ومعنا الكاتب أبو علي بن كسرى في موضع على أحد الأنهار بها, وفيه حيتان تسبح فقطعنا مادة الماء عنه حتى نضب, وبقيت الحيتان دون ماء, ثم نزلنا في وسط ذلك النهر نشرب فيه, فما رأيت منظرا أبدع منه وكان معنا فتى جميل. فقال أبو علي بن كسرى:
شربنا مع الحيتان في يبس النهر ... وما كان يرجى ذاك في سالف الدهر
فقال شاكر: فقال أبو علي بن كسرى:
وما نقلنا فيه سوى نبت شطه ... وما فرشنا فيه سوى الرمل والصخر
ولاحت به شمس الندامى بريهة ... فكان هو الثاني لمنفلق البحر
قال شاكر: فقلت:
فكيف ترى إقلاع صب متيم ... أتاه الهوى من حيث يدري ولا يدري
стр. 293
قال أبو عمرو: وسألت ابن كسرى عن قوله "فكان هو الثاني لمنفلق البحر", فقال: الموضع الذي انفلق فيه البحر لموسى بن عمران ﵇, لم تطلع عليه الشمس أكثر من تلك الساعة. وهذا الموضع لم يظهر فيه ذلك الفتى أكثر من الساعة, وكأنه الشمس في حسنه. قال أبو عمرو: ومررنا في هذه السفرة مع أبي الحسين المذكور, ومعنا صاحبنا أبو شهاب المشعلاني, فأخذ في يده نوارا كان معنا, وقال: ليقل كل واحد منكم فيه فقال أبو شهاب:
لنورك يا خابور بوركت منة ... على الصحب لا تفنى على قدم الدهر
فقال أبو الحسين شاكر:
ظفرت بلثم من بنان معذبي ... فجئت ذكي النشر منتخب العطر
قال أبو عمرو: فقلت أنا:
سرت لك من أنفاسه طيب نكهة ... فجرر بها أذيال فخر على الزهر
ونقلت من خط خالي ﵀ عليه, قال: أنشدني الأستاذ أبو بكر بن دحمان لخاله الوزير أبي الحسين شاكر, يعني المتقدم الذكر, فقال:
أبت همتي تعلو معالي آمالي ... فيسلو هواها القلب حالا على حال
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... بدا منه بغض في صفات وأفعال
فأبت لحال أكد النفي نعتها ... وفي آل عباس عطفت على الحال
ففيهم فتى أروى أوامي بعد ما ... عمدت زمانا أمتري وضح الآل
لقد آن أن يبكي على الحق أهله ... وأن تمتري أخلاق حزين وأوجال
وأنشدني خالي رحمة الله عليه, قال أنشدني الأستاذ أبو بكر بن دحمان ليوسف بن حمدان اليهودي لعنه الله, وذكر أنه كتب لها إلى خاله أبي الحسين شاكر بن الفخار:
أبا الحسين أتاكم يشتكي ظمأ ... ضيف عليل غدت في الراح راحته
فابعث غليه بها صهباء نارية ... تلفت منها بنور الشمس راحته
فقال أبو الحسين أبياتا أولها:
стр. 294
أتاك نضو طليح الجسم مهتضم ... فما تماسك أن رثت ملاحته
شهم أبر على الأقران ملتمسا ... قرنا مشيحا بما تفي إشاحته
قال الأستاذ أبو بكر بن دحمان: وبعد هذين البيتين يدعوه فيها إلى الإسلام, وأن يجيبه على هذه القافية, خرجت عني. وآخرها:
وأي عذر لمن يضيع فكرته ... تلتف منها بنور الشمس راحته
وأدبه ﵀ كثير. قال أبو عمرو: كان حسن العشرة, ممتع الحديث, كثير الكف عن إذاية الناس. وتوفي بإشبيلية. وكان قد حمل مكبولا مع من حمل من مالقة عند كائنة الجزيري لعنه الله. فمن الله عليهم وأبرأهم من تلك الكائنة. فأصابه لذلك وهم. وكان سبب موته في سنة ست وثمانين وخمسمائة.
ومنهم:
١٦٦- شهيد بن محمد بن شهيد المضري
يكنى أبا الحسن, وهو من بيت حسب وعلم. وأصله من سرقسطة. وكان والده عالما من أعلام غرناطة, مشاراً إليه فيها. وكان أبو الحسن هذا معتنيا بصنعة العمل. تولى خطة الإشراف غير مرة. وله تأليف سماه بالمرشد, جمع فيه فنوناً من علم الحساب والفرائض وصنعه الزمام, ومساحة الأرض من علم الفلك. وهو كتاب لم يوضع في فنه مثله فيما أعلم. وأبو الحسن هذا هو جد الحاج أبي بكر بن زنون وإخوته لأمهم. وكان موصوفا بدين وكرم. قال صاحبنا الفقيه الأجل أبو بكر ابن الفقيه الأستاذ أبي محمد القرطبي. حدثني خالي أبو بكر بن زنون أن أبا الحسن كان يذكر خطته ويرى ما حرمه من مرتبة أسلافه, فيبكي ويقول: أراد أبي أن أكون عالما, فكنت ظالما. ولم يكن ﵀ موصوفا بظلم, وإنما كان يقول ذلك استصغارا لنفسه, وخوفاً, ﵀. وتوفي في حدود السبعين وخمسمائة.
стр. 295
حرف الهاء
ومنهم:
١٦٧- هشام بن عبد الله بن أصبغ بن أحمد ابن أبي العباس
يكنى أبا الوليد, وهو جد الفقيه الأديب أبي العباس أصبغ. وكان ﵀ جليل المقدار, فقيها نبيها حسيا, كاتبا بليغا شاعرا مجيدا. وصفه حفيده في كتابه فقال فيه: ناظم ناثر, وحامل علوم ومآثر, وخطيب محافل ومنابر. فرعت رواسي البدائع قدمه, وأزرى بآيات الشمس فهمه, وقصر بوشيج السمر قلمه. كتب يوما إلى القاضي ابن أدهم يشفع في شخص أن يجعله إمام البادية:
يا سيدي الأعلى وعلقي الأغلى ومعضدي الأوفى, لا زال جانبك يحاط ويعفى, ويكلأ ويكفى, الفقيه أبو محمد الذكواني, دعاه إليكم من وطنه قدر يستفز ويستخف, وأمل يند ويرف, وأيكة لعل غضارتها لا تجف. وهذا أمر لله مقدوره, واقفا عليه أني تم صدوره. وقد أرشده الرواد إليك, وعقدت آماله عليك. وطريقته نزيهة, ومكانته بالتصاون وجيهة. ولعله يصادف كرامة منجد, وإمامة مسجد, فيحط الرحل ويلقي عصا التسيار, ويستند إلى كرم الجوار, ويستبدل جيرانا بجوار, ودار بدار. لا زلت تعقد أملا, وتكشف وجلا, وتجمع أشتات البر كملا, إن شاء الله تعالى والسلام.
ومن شعره يمدح باديس بن حبوس:
стр. 296
تمسك أيها المولى بحزم ... فأنت الحارس البطل النجيد
وصل بالله صبرك تلق خيرا ... فغب الصبر مغتبط حميد
وكم من معشر قلوا دفاعا ... وما جبنوا وإن كثر العديد
ومنها:
بعيد أن يحل الله عقدا ... تملك فيه للدنيا عقود
مظفر دولة برضاة قامت ... به الدنيا ونحن بها قعود
رأى حق الخلافة جد حق ... فأقبل من رضاها يستزيد
وكان لها قديما سيف نصر ... تقد من الكماة به القدود
ومنها:
يرون الموت في الهيجا حياة ... كأن فناءهم فيها خلود
دنا باديس منها في جنود ... ملائكة السماء له جنود
أتى في غير يوم العيد فينا ... فكان لنا بذاك اليوم عيد
فأعلنت الطبول به ثناء ... وماجت في مفاخره البنود
لملكك في بلقين حسام ... حديد الحد رد به الحسود
كذاك بنو مناد منذ كانوا ... سيوف ليس تحملها الغمود
حللت محل مالقة بسعد ... تحل به الضغائن والحقود
فأحييت النفوس به بفضل ... به شكر المهيمن يستزيد
ليهنك يا مظفر نيل ملك ... حباك ببره البر الودود
فلا عريت منه ودمت فينا ... تبيد الحادثات ولا تبيد
وشعره ﵀ كثير, وأدبه مشهور. وسأذكر له قطعة في باب يحيى إن شاء الله.
ومنهم:
стр. 297
١٦٨- هشام بن فلان الدعي
هو الذي ادعى أنه هشام المؤيد أمير المؤمنين. وتسمى هشام الدعي, المؤيد. وكان سبب ذلك خفاء أمير المؤمنين بقرطبة, فإنه لما قام عليه ابن عمه محمد بن عبد الجبار المتلقب بالمهدي, ورأي أن الأمر قد تم له بقرطبة وأن الخلافة باسمه, وكان المؤيد معه في القصر, أخرجه وأسكنه في دار الحسن بن يحيى, وأظهر للناس ميتا يقال إنه كان نصرانيا, وكان يشبه المؤيد هشاما, ومات النصراني, فمثله للناس وموه عليهم, وأدخل الوزراء وأهل الخدمة عليه فلم يشكو أنه المؤيد. فغسل وكفن, وصلي عليه. ثم إنه أظهره بعد ذلك حين غلب سليمان بن الحكم, ودخل قرطبة وقتل هشاما المؤيد على ما ذكره ابن حيان وصححه.
وقال ابن أبي الفياض وغيره: إنه لم يقتله وإن الفتيان الذين شهدوا لعلي بن حمود بموته, إنما كان ذلك خوفاً منه, حتى إن عبد الرحمن المقرئ, وكان من شيوخ قرطبة, قال: كنت حاضرا, فلما رأيتهم قد صححوا موت المؤيد, خرجت باكيا, فلقيني الفتى الذي شهد بذلك, فقال لي: وما يبكيك؟ فقلت: موت المؤيد. فقال لي: والله إنه لحي, وإني لأعلم الناس بحياته وبحيث هو, وإنما شهدت بما رأيت خوفا على نفسي. هكذا ذكر ابن أبي الفياض وصححه.
فعند ذلك ظهر هشام الذي ادعى انه المؤيد, ونزل بمالقة, ومنها انتقل إلى المرية. وكان نزوله في سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
قال المظفري في كتابه: إن خيران العامري بينما هو في المرية, إذ أتاه قوم فقالوا له: هشام المؤيد أقبل من المشرق, وهوب رابطة عمر. وأعلم بصفته وحاله, فأعطاه شيئا, وأخرجه من بلده. ومشى إلى غافق. فلما أجمع ابن عباد على خلع طاعة العلويين, أرسل عنه القاضي وأدخله القصر وبايعه أهل البلد قال ابن حمادة في تاريخه: إنما كانت مخاطبة يحيى المعتلي باديس بن حبوس, والبزالي, لما بلغه أنهم بايعوا الدعي الذي ادعى أنه المؤيد هشام.
قال: وقال ابن أبي الفياض: زهر هشام بألمرية في يوم الاثنين لسبع خلون من
стр. 298
رمضان المعظم سنة خمس وعشرين وأربعمائة, في أيام زهير بن محمد العامري, حين موت خيران. وهو الصحيح. فأخرجه زهير في البحر سنة ست وعشرين. وبويع له بقرطبة خوفا من يحيى بن علي أن لا يرجع إليهم. فبايعوا هشاما الدعي على أن خلعوه بالجامع. هكذا ذكره ابن حمادة في تاريخه, وصححه.
قلت: وهشام هذا اضطربت أقوال المؤرخين فيه, والصحيح عندي أنه الدعي على ما يتبين بعد هذا إن شار الله تعالى. وأما ابن أبي الفياض فإنما صحح أنه المؤيد أمير المؤمنين هشام لأنه قال في ترجمته في كتابه: ذكر خلافة المؤيد بالله هشام بإشبيلية بالدولة الثانية. فهذا يدل على أنه ليس عنده هو الدعي. وقال: بويع بقرطبة بعد أن وصلت كتبه إليها, وأخذت له البيعة فيها, وصحح أنه كان بالمشرق. وقال في كتابه: وبقي هشام بقلعة رباح, وخرج عنها إلى إشبيلية. وأجمع بنو عباد مع القاضي محمد بن إسماعيل على القيام به والإحياء لدولته. فهذا يدل على تصحيحه أنه المؤيد هشام, وليس بالدعي.
وقد صحح ابن حمادة وغيره من المؤرخين أنه هشام الدعي وأنه هو الذي بايعه ابن عباد وقد ذكر ابن حيان أن سليمان ن الحكم قتل المؤيد أمير المؤمنين, فلا يصح أن يكون الذي قام هـ ابن عباد إلا هشام ادعي.
وعلى قول المظفري إن خيران هو الذي أخرجه, لا يصح أيضاً أن يكون المؤيد, لأن خيران كان أحب الناس في المؤيد بالله, وأرغبهم في دولته والقيام بأمره. وعلي ذلك خالف على ابن حمود, وكان بينهما ما ذكره أهل التاريخ, إذ لم يجد خيران المؤيد في القصر, وكان كثيرا ما يسأل عنه, وعقد الولاية لعلي بن حمود على طاعة المؤيد. وكان يدعو بعد فقده في المنابر باسمه على ما ذكر هشام في تاريخه وغيره. فكيف كان يجده ويخرجه عنه, مع طلبه له, وحبه فيه وفي دولته. فإنما صح عنده, أنه الدعي.
стр. 299
وكان الدعي أشبه النسا بالمؤيد بالله. وحدثني بعض من أثق به, أنه رأى في أحد التواريخ, أن هشاما الدعي لما وصل على ألمرية دخل في فندق بها, فرآه الناس فقالوا: هذا أمير المؤمنين المؤيد, للشبه الذي كان بينهما, فسألوه, فقال: إنما أنا هشام مالقي. فتأولوا ذلك وقالوا: إنما أراد: هشام ما لقي, أي ما لقي من قومه وما فعلوا به, فقوي عندهم أنه المؤيد. فلما رأى خيران ذلك أخرجه عن ألمرية, لعلمه أنه ليس بالمؤيد. قلت: ومما يقوي أنه الدعي أن المؤرخين قد ذكروا أن المؤيد بالله بويع سنة ست وخمسين وثلاثمائة, وهو ابن عشرين سنة وثلاثة أشهر, وقيل: عشرة أشهر. وأنه مات وهو ابن ست وأربعين سنة وثلاثة أشهر, وقيل عشرة أيام أو ثلاثة عشر يوما. فهذا يقتضي أن تكون وفاته سنة اثنين وأربعمائة أو نحوها. وهشام الذي بايعه القاضي ابن عباد سنة ست وثلاثين وأربعمائة, فكيف يصح أن يكون المؤيد بالله أمير المؤمنين.
قال بعض المؤرخين: من أشنع ما كان في أيام بني حمود أربعة خلفاء في مسيرة ثلاثة أيام, كلهم يسمى بأمير المؤمنين, ويخطب لهم بها في زمن واحد, وهم: المدعي أنه هشام المؤيد بإشبيلية يخطب له ابن عباد, ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة, ومحمد بن إدريس بن علي بمالقة, وإدريس بن يحيى بمبشتر. وكانت وفاة الدعي في نحو عام سبعة وثلاثين وأربعمائة.
стр. 300
حرف الياء
ومنهم:
١٦٩- يحيى بن علي بن حمود بن إدريس العلوي
يسمى بالمعتلي. خاطبه البربر عند فرار عمه القاسم من قرطبة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة, فوصل إلى قرطبة غرة جمادى الأولى يوم الاثنين من عام اثني عشر. ثم إنه خرج في عام أربعة عشر على الجزيرة الخضراء فدخلها غدوة. ولما دخل قرطبة أساء إلى البربر, وخرج منها إلى مالقة, وخاطبوا بعد خروجه القاسم, فرجع غليهم إلى أن قاموا على عبد الله بن عبد الرحمن الناصر سنة ست عشرة, وانصرفت الدولة للعلويين, فخاطبوا يحيى بن علي المذكور بن علي المذكور. وفيه يقول إدريس بن اليماني الشاعر:
قيل لي أنت أشعر الناس طرا ... بالمقالات والكلام البديه
فعلا ما تركت مدحك يحيى ... والخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أكتفي بمدح إمام ... كان جبريل صاحبا لأبيه
وكان أشجع بني حمود وأكرمهم وأجملهم. ثم إن أهل قرطبة تخاذلوا عليه, فأطلق النار في القصر, فاشتعلت فيه ثلاثة أيام, ولم يعد بعد لما كان. وانصرف إلى مالقة, وأقام عمه القاسم بها. وفي سنة ست وعشرين خاطب باديس بن حبوس الصنهاجي وعبد الله بن محمد البرزالي بالوصول إليه, فاعتذرا له, فنهض إلى قرمونة, ففر عبد الله أمامه, ودخل هو قرمونة. فقال له البربر: هذا رجل قد فر إلى إشبيلية, وهي لا تدخل إلا بالحصار, فلتجلس حتى تنقضي الصائفة وتنزل عليها. فقال لهم: أما أنا فلا أبرح حتى يفتح الله فيها. لكن انصرفوا وأنا مقيم حتى
стр. 301
ترجعوا. فلما انصرفوا خاطب بعض رجال يحيى لأبي عبد الله, وقالوا له إنه في نفر قليل. فأكثر من الضرب عليه حتى ينصرف عنك. فخرج أبو عبد الله وإسماعيل ابن القاضي محمد بن عباد, فضربوا على قرمونة, وكان يحيى يشرب, فسمع الحركة, فقال ما هذا, قيل له: خيل طرقت من ابن عباد, فقال: جاءت الغنم للجازر. فربوا الفرس. فكلما راموا إمساكه بسبب سكره, لم يقدروا. فخرج والكمائن معدة لأخذه, ففروا من أمامه, وتبعهم. فلما بعد, انقضت الخيل عليه, فرأى ما لا طاقة له به, فقاتل حتى أثخنته الجراح, فوقع عن الفرس, وقطع رأسه, وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ذكره ابن حمادة في تاريخه, وجمع قصته.
ومنهم:
١٧٠- يحيى بن ...
ومما قيد عن أبي زيد الفازازي ﵀ قال: أنشدني صاحبنا الفقيه الأجل القاضي أبو إسحاق بن القصير أكرمه الله, قال: أنشدني الفقيه الكاتب أبو زيد لنفسه بيتا في الغيرة وهو:
أغار عليك من غيري ومني ... ومنك ومن مكانك والزمان
حدثني ﵀, قال: حدثنا الشيخ الزاهد أبو عمران بحمص, قال أنشدنا أبو إسحاق بن حبيش, قال: كنت قاعداً مع القاضي أبي بكر بن العربي في يوم جمعة بعد خروج الإمام للصلاة فإذا بفتى من أبناء الروم قد سلم وبيده شمعة وعقد. فلما رآه القاضي أبو بكر أنشد سريعا من قوله ﵀:
وشمعة تحملها شمعة ... يكاد يطفئ نوره نورها
لولا نهى نفسي نهى غيها ... لقبلته وأتت عارها
стр. 302
قال الشيخ أبو عمران: فلما أنشدني الحاج البيتين استعظمت ذلك في حق القاضي أبي بكر, وحق الموضع, وقلت, هلا اقتصر على النظم, ثم استغفر, ولكن هزته لوذعية الأدب. لو كنت أنا لقلت, ثم أنشد بديها:
لولا الحياء وخوف الله يمنعني ... وأن يقال صبا موسى على كبره
إذن لمتعت لحظي من محاسنه ... حتى أوفي لحظي الحق من نظره
ثم قال مستغفراً من ذلك:
أستغفر الله ربي ما هممت به ... ولا جرى منه لي ذكر على بالي
غلا مقالة لغو, ما أردت بها ... إلا التطرف, لا وصف لأحوالي
وهذا الفقيه ابن عمران هو من الفضلاء الزهاد مشهور الأدب. من شعره ﵀ ما قاله عند تمام كتاب:
كملت مقابلة الكتاب ونسخه ... فارحم به يا ربنا وبما حوى
وارحم مؤلفه وكاتبه ومن ... قرأ الكتاب وسامعيه ومن روى
وله في كتمان السر:
يا ذا الذي أودعني سره ... لست لما أودعت بالذاكر
نسيته لما تناسيته ... وصنته مني عن الخاطر
وله في الخطاف:
يا أحسن الطير تطريبا وترديدا ... أنستينا معبدا لحنا وتغريدا
قد هاج لي طربا صوت تردده ... لا بم يعدله عندي ولا عودا
جزاك ربي عني كل صالحة ... أنست موحش قلب بات معمودا
стр. 303
وله أيضاً:
أحبة الناس من لم يرزهم قوتا ... من يرزئ الناس كان ممقوتا
وله في الخرشف:
أتحفتني نفسي فداك خرشف ... غض الجنى عذب شهي المطعم
أهديتني منها نهود كواعب ... أعزز بمهديها على وأكرم
ضن الزمان بلمسها من غيرة ... فأتى بها في مثل جلد الشيهم
وله في مدح الهر, نعم الجليس الهر, لا يخبر ولا يستخبر, ولا يبوح بسر, يحفظ سرك عليك, ولا ينقل عنك ولا إليك, كريم المؤانسة, سليم المجالسة, لا يهمز ولا يلمز ولا يغتاب, ولا صاحبه منه بمرتاب. يحفظه إذا ما نام, ويطرد عنه الهوام. منافعه كثيرة, ومؤونته يسيرة. فاقتصر عليه أنيسا, واتخذه جليسا, يسلم لك معه دينك ودنياك, إياك ن يفارق موضعك إياك, هو أنفع لك من كريم إخوانك, وأحرس من خدمك وأعوانك
فنعم الجليس ونعم الأنيس ... ونعم المعد لدفع الأذى
ونعم الضجيج لمستدفئ ... إذا كلب القر واستحوذا
ومنهم:
١٧١- يحيى الحمامي
من أهل ربض التباين من مالقة. من نبهاء الطلبة. وكان أديبا كاتبا شاعرا. أنشدني الفقيه الأجل أبو جعفر الحمامي أكرمه الله, قال أنشدني أبو بكر لنفسه:
أخضب الشيب بالحنا لأستره ... وتحت ثوبي ميت ليس يستتر
إذا أردت وفاء للعهود به ... رأيت منه عوارا فيه يعتبر
стр. 304
هلا اعتراه رقاد جف مدمعه ... وطالما كان منه الدمع والسهر
ومنهم:
١٧٢- يحيى بن مسعود بن فتحون المليلي
يكنى أبا بكر. من أهل مالقة من نبهائها وأدبائها. كان ﵀ أديبا كاتبا شاعرا. نقلت من خط الفقيه أبي عمرو بن سالم, قال: أنشد أبو بكر لنفسه, وكتب بها للقاضي أبي عبد الله بن مطرف:
سألت الغوث من لو قد أغاثا ... لأبدى من عزيمته انبعاثا
وما أحببت استجديه شيئا ... ولكن أني ملكني تراثا
ومثلك من يجهز حق كر ... ويلبسها الأساور والرعاثا
وإن ملأ السماع لحاه يوما ... فإن الصقر يقتنص البغاثا
وكتب له أيضاً:
أطمأنينة أنام ويسري ... بها حربي وأنت عن ذاك جاز
وينادي مبارز لي ظلوم ... هات لدنك في مكان البراز
أترى, الاعتداء يصلح أم هل ... عن قليل تحركي واهتزازي
أصعودا تنو المخاوف نحوي ... دونك اليوم منعتي واعتزازي
فاجعلن بيننا بفضلك حجزا ... مثل ما بيننا وبين الحجاز
ولئن لم أوصلن إلى الح ... ق فحق الوصول حلف المجاز
وكتب إلى الوزير أبي علي غالب بن أحمد بن غالب:
تضيق بالمطلوب والهارب ... أرض بها رحب على الطالب
يغلب المغلوب في حقه ... يوماً إذا دل على غالب
стр. 305
مآثر تجمعها جمة ... تبعث قلب الحاسد العائب
ومستثار رأيه صالح ... ينفع للحاضر والغائب
وأفقه الناس وأدراهم ... وأقبل الناس على راغب
وحيثما كان له صاحب ... تلق بما فيه على الصاحب
فضامن منه لذي حاجة ... ألا يرى يرجع بالخائب
ألا بعينيه فكن راصدا ... إلى مقيم في الذرى راتب
ومن غدا محله أحمدا ... فليس لسؤدد بالغاصب
أبا علي دمت في نعمة ... عميمة كالمطر الصائب
ومن شعره وقد عمي:
كل حسن عاد في العين سمج ... وتساوى غسق ذا وبلج
خفيت أنباء دنيا عن عم ... بعد أن كان رأى الدنيا حجج
ما يرى الأكمه من شيء سوى ... ظلم غود رمنها في لجج
ليت شعري كيف لحاظ للفتى ... فقد اعتلت جسوم ومهج
فكلوا أمري على خالقه ... فلعل الله يأتي بالفرج
قصرت ستون عمري فانقضى ... ومضى جل زماني واندرج
قال أبو عمرو بن سالم: كان هذا الرجل: يعني أبا بكر, حسن البديهة. وكان الأستاذ أبو عبد الله الحجاري يثني عليه ويقول: لم أر أسرع بديهة منه. والأبيات التي يتخلص له لا تقاس بغيرها في الحسن وسهولة اللفظ, ﵀.
ومنهم:
стр. 306
١٧٣- يحيى بن الحسن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صفوان
ابن عبد الرحمن بن يحيى بن مزدوغة بن محمد بن عبد الله بن دعامة بن عرار القيسي, يكنى أبا بكر. وهو الفقيه الأجل الوزير أبو بكر بن صفوان, مشهور الحسب, جليل المقدار, قديم الرياسة, معلوم المكان. يتصل نسبه بعرار المتقدم الذكر. وعرار هو الداخل في طالعة بلج. وقد تقدم ذكر والد أبي بكر في باب الحسن. ولم يزل عقب عرار يتمادى ويتصل, ويتوالى ولا ينفصل, إلى أن أعقب أبا بكر يحيى المذكور. وكان أكثرهم عدا, وأولهم جلالة ومجدا. انتظم به سلك فخارهم, وكملت به مكارم أخبارهم. فاق أهل زمانه سياسة ونباهة, وبرعهم عناية ووجاهة. كان ﵀ أحسن الناس خلقا وأنداهم يدا وأشدهم تسرعا لقضاء الحوائج وأسرعهم إلى فعل الخير. وكان ﵀ مقسم المال على الأصحاب والخدام, معظما عند الملوك والسادات, مشارا إليه, سني الهمة, ذا شارة حسنة, كثير الفضائل.
حدثت أن بعض خدامه كان يتفقده في الجمع بحوت نفيس رغبة في وجاهته, وطلبا في عنايته به, إلى أن انقطع عنه ذلك الرجل مدة. فبينما هو جالس في بعض الأيام, وإذا بامرأة قد جاءت تشكو له بحالها, وأن عندها بنتا تحتاج إلى الزواج, وما لها بما تجهزها به, وعرفته أنها زوجة ذلك الرجل, وأنه قد مات. فقال لها: اقعدي حتى أخرج إليك, فمكث ساعة ثم خرج إليها بزمام في يده, ونحو من ثلاثين دينارا. فقال لها: يا هذه خذي هذه الدراهم, وأصلحي بها حال نفسك فشكرته. وترامت عليه تقبل يده. فقال لها: يا هذه, لا تشكريني على هذا, فإن تلك الدراهم من مال زوجك. فقالت له: يا مولاي, وكيف؟ فأخبرها أنه عندما كان زوجها يأتيه بذلك الحوت النفيس كان يعرضه على من يقدره له, ويقيد عند ذلك, حتى اجتمع في الحوت وغيره من الهدايا ذلك العدد, فدفعه
стр. 307
إليها, وقال لها: إذا كانت الصبية للزواج, فجهازها عندي. فكان الأمر كذلك. وهذا غاية في الفضيلة والكرم. ومكارمه وإحسانه أكثر من هذا.
وبقي ﵀ ببلده مالقة. فلما كان في أيام الأمير أبي محمد عبد الواحد المخلوع حمل بيعة مالقة. ولقي الوزير الأجل أبو بكر يحيى منه من القبول والإكرام ما رقى درجته, ورفعه وأظهر العناية عليه. ثم وصل خبره أنه مات بأحواز مربلة, ووصل إليها ابنه أبو جعفر, فأخبر أنه مات بعد هدء من الليل ليلة يوم الاثنين الثامن عشر من رجب الفرد من عام إحدى وعشرين وستمائة. وأوصله ولده المذكور. والله يجدد عليه الرحمة بمنه. ورثاه ﵀ جملة من الشعراء. وممن رثاه خالي ﵀ عليه بهذا الرثاء:
أما الحمام فمحتوم ومقدور ... فالصبر أولى, ومن ينفث فمصدور
دع عنك زخرف عيش لا بقاء له ... كأنه فوق ظهر الماء تصوير
واخلع ثياب الأماني فهي كاذبة ... دنوها
وإن امتد المدى. زور
لا يترك الموت ذا عز لعزته ... ولا الذي هو مذلول ومحقور
سيان للموت: آساد وغيد فلا ... وذو التواضع منا والجبابير
من لم يصبه إذا وافاه بعد غد ... فما يفيدك تقديم وتأخير
دع التعمق في فعل وفي كلم ... فذو البلاغة عند الموت محصور
والموت لا يعرف الإعراب عامله ... فيستوي فيه مرفوع ومجرور
سلا خبيرا بهذا الدهر إن له ... عجائبا هي للألباب تذكير
واستنطقا أثر الماضي ففيه, وإن ... لم يسطع النطق, تعريف وتعبير
فهل عدا الموت عادا عند ما كثروا ... فلم تفد قوة فيهم وتكثير
وعن ثماد ثمود هل تحينها ... من حادث الدهر تعطيل وتعذير
стр. 308
واذكر أخا الحضر إذا أمسى بقنته ... فما تصبح إلا وهو مشحود
وسل معافر إذ طالت سنوه أما ... إذا بترب المنايا وهو معفور
واستفهما لبدا عن طول مدته ... أخلدته فأمسى وهو منظور
وعن ربيع وما يغشاه من مطر ... ومن رياح أسفته الدهارير
وعن لبيد وقد أبدى السآمة من ... طول الحياة, ألم يلحقه تغيير
وعن جديس وطسم كم تطمس من ... آثارها فهي إن أبصرتها بور
وعن معد وما عدوه من ولد ... له, أمنهم مع الأحياء مذكور
كم قد أشادوه من قصر وكم عمروا ... فمنهم اليوم بطن الأرض معمور
قد مات منهم لعمر الله منتجه ... إن الجميع بسهم الموت مقهور
أعد أحاديث هذا الموت فهي لنا ... أنس, وهن لذي السلوان تكدير
وهون الأمر, إن الموت من عظم ... معروفة في نفوس الأنس منثور
فاذكر فقيداً أتتنا كل فادحة ... بفقده فنظام الأنس منثور
وقابلتنا وجوه العيش فاسدة ... وأبصرتنا عيون للمها عور
وأضرمت بلهيب الشوق واتقدت ... صدورنا فهي تشبيها تنانير
وأرسلت سحب الأجفان أدمعها ... فكل خد بماء الدمع ممطور
على الذي إن يطل وصف الرثاء له ... فإنما هو في التحقيق تقصير
على المقدم في الأمر الجليل, له ... في المشكلات إذا أشكلن تصدير
على الذي انتثرت شهب السماء له ... ودك في الأرض من أرزائه الطور
على الصفي ابن صفوان ومن شرفت ... به اليراع بهاء والمحابير
إيه أبا بكر الأعلى وكم طمعت ... نفسي بما لو تؤتيها المقادير
ألف عنك قضيب المجد في كفن ... عليه كل حنوط الطيب مذرور
ما كان أغناك عن هذا وذاك فمن ... ثناك ترب ومن رياك كافور
قد أظلمت بعدك الآفاق من وله ... كأنما اتصلت فيها الدياجير
стр. 309
إذا ذكرت فأنفاس مصعدة ... كأن ذاكرك الملهوف مهجور
من المؤمل, أنما ذو الدنى فله ... شغل وذو الدين في دنياه مقهور
وكنت في ذين مضاء العزائم قد ... أصاب كل عسير منك تيسير
ما كنت كالناس لكن إن يقل بشر ... ففضة قد حكاها اللون قزدير
لو كان صفوك للماء القراح لما ... بدا بصفيحة للوراد تكدير
أو كان عندك للسيف الحسام لما ... بدا به من قراع الهند تأثير
أو كان جودك في زهر الرياض لما ... حمى جنى الورد من شوك سنانير
بنى لك الله بين الخلق منزلة ... لها العلاء أساس والتقى سور
يا مخلصا وضع الله القبول له ... حتى استوى منه منهي ومأمور
لو بعض حبك بين الخلق كلهم ... مقسم لم يكن في الناس مهجور
ما زلت تحسن حتى في الممات فقد ... أصبحت والكل منا فيك مأجور
أقمت بالعدوة القصوى وأنفسنا ... لها من الذعر تسبيح وتكبير
حليف حصرين إما من سيوف عدى ... محصر, ومن الأمراض محصور
وكل ذلك إن حققته عرض ... قد انقضى, وهو عند الله مذخور
جرت ودائرة الأفلاك تحسرها ... في اليم تحملك الفلك المواخير
ومن لها بك بدر لو تسير به ... لم يعقب الشمس في الأفلاك ديجور
لو يعلم الفلك ما يحويه من كرم ... لم تستطع سيرة الفتخ الكواسير
سلت عليك ضلوع منه فانتفضت ... حزنا, وفارق جنبيه الدساتير
وقد بدا منه إشعار, فمن وله ... أنينه وهو عند الله تصوير
وكنت مجتمع البحرين فاجتمعت ... ثلاثة هي في الأرض المشاهير
فاثنان ماؤهما ملح لشاربه ... وثالث منه ماء المزن معصور
عذب يفيض على العافي عوارفه ... درا, وكل نوال البحر منزور
стр. 310
إني أظنهما جارا به حسدا ... وكل ذي حسد مدحور
كأن زورقه الجاري بصفحته ... جفن قد استل من إنسانه النور
لما انحدرت إلى شط المجاز وقد ... تقدمتك التهامي والتباشير
وهبت الريح طيبا عندما فصلت ... به الركائب في البيداء والعير
فطار فينا سرور لو يخوض بنا ... في لجة البحر أضحى وهو معبور
فمن مقيم, إلى لقياك مرتقب ... ومدلجين لهم جد وتشهير
فبينما نحن في أنس وفي فرح ... والكل منا بقرب الدار مسرور
وافى المصاب بباك وهو مبتسم ... وهائم منه في الضدين تفكير
يبكي ويضحك لا عقل ينبهه ... كما تحرق دون القصد مخدور
يا واصلا لم يصل والناس قد وصلوا ... كأنما هو طيف, زار, مذعور
أستودع الله منك القبر أي فتى ... على الفضائل والآداب مفطور
مبارك لو ينيل الترب سائله ... لعاد تبرأ تساويه الدنانير
له من الجن تسخير يخلصه ... ومن تناوله الميمون إكسير
حسيب ريه من قوم لهم شرف ... تزهى الدواوين منه والدفاتير
سيوفهم فتحتها وهي مغلقة ... حتى اشتفى الدين منها وهو موتور
قيس وما القيس إلا سادة نجب ... تزهى القبائل منهم والعشائير
توارثوا المجد من جد إلى ولد ... يأتي أكابر إن مرت أكابير
حتى أتيت أبا بكر قد اجتمعت ... لك الفضائل منهم والمآثير
فرد تفتق عنه كل مكرمة ... كما تفتق في الروض الأزاهير
يبكيك كل طريد الدار منتزح ... عن الأقارب أعيته المعاذير
قد كان منك إلى ظل ومستند ... يأوي, ويعقبه, المعسور, ميسور
يبكيك طالب حاجات معذرة ... له لبابك إدلاج وتهجير
стр. 311
فالآن يرجع لا ما رام أدركه ... منها فحبل رجاء الحاج مبتور
إني لأبكيك عن خبر ومعرفة ... فأنت عندي معلوم ومخبور
إن يؤثر الفضل في الأقوام عن فرق ... شتى, فعنك جميع الفضل مذخور
أو يوصف الناس أفرادا بمكرمة ... فأنت بالكل موصوف ومشهور
قد أقفرت أربع الإكرام منه وقد ... سفت عليها لأرواح البلى مور
وعندما كان غصنا مثمرا كرما ... هبت عليه من البلوى أعصاير
ومد في القبر لكن ... ... لأنه فيه حتى الحشر مقصور
يا روضة باهر الأفضال ناب بها ... عن البهار وعن خيريها الخير
تيهي على الدهر طول الدهر والتزمي ... إعظام أعظم من في الترب مقبور
فقد تأنس سكان القبور به ... كما توحش من في الدور, والدور
بين المعزين كاس الحزن دائرة ... فالناس مخمورة: سكرى ومخمور
عزيت فيك لأن الناس قد علموا ... أني, إذا مت وجدا فيك, معذور
زجوا عن الغمض منك الجفن وائتربوا ... فالكل منهم من الأرزاء موفور
هذا شقيقك لا صبر يؤنسه ... كأنه لسماع الحزن مصدور
وذا خليلك فوق الترب منعفر ... كأنه بسيوف الحتف معقور
فيا بنيه اخلفوا فينا مراتبه ... فالزهر تجلو الدجا والبدر مستور
ولتلزموا كل فعل كان يلزمه ... من المعالي فسيروا مثله سيروا
حيى ضريحا حواه, كل منهمر ... ولا تعداه تقديس وتطهير
وحل روضة خلد لا زوال لها ... تغدوا عليه بها الولدان والحور
إن القلوب إليه الدهر مائلة ... وأعين الناس وجدا نحوه حور
ولنقتصر بهذا الرثاء على ما رثي به الفقيه الوزير أبو بكر, ففيه كفاية, والحمد لله.
стр. 312
ومنهم:
١٧٤- يوسف بن محمد بن عبد الله بن يحيى البلوى
يكنى أبا الحجاج, وهو الفقيه الفاضل الزاهد الورع المحدث الأوحد أبو الحجاج ابن الحجاج ابن الشيخ, مشهور الفضل والدين والعلم. كان ﵀ أحد من بقي من السلف الصالح. فضائله كثيرة, ومنزلته في الدين والعلم شهيرة. أخذ ﵀ عن شيوخ جلة. ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي الطاهر السلفي, وأبي العباس السرقسطي, وعن العثماني, وغيرهم. وروى بالأندلس عن ابن عبيد الله, وابن قرقول, وغيرهما. وكان ﵀ يؤم الناس بجامع مالقة. وله كرامات مشهورة, ومكاشفات وإجابة دعوات. فمن فضائله ﵁: الرؤيا اليت كان رآها المؤذن أبو جعفر المرسي في حقه, وذلك أن الفقيه أبا الحجاج ﵁ كان يؤم في الجامع الكبير, ويؤذن في أحد أبوابه. وكان بالجامع إمام راتب غيره فكان الشيخ ﵁ يبكر ويؤذن في الباب ويدخل للصلاة. فلما كان في بعض الأيام ربما طرأ عليه عذر أو غلبة النوم, فتأخر عن وقته, فانتظر حتى جاء, ثم جرى له ذلك في يوم آخر, كذلك نحو من ثلاثة أيام. فلما كان في اليوم الثالث أبطأ, فأقام المرسي الصلاة ولم ينتظره, فأتى وقد فاته بعض الصلاة, فلم يقل للمرسي شيئا. فلما كان الليل نام المرسي فرأى النبي ﷺ في المنام, فعاتبه, وقال به: تأدب مع الشيخ وانتظره. فلما كان في صبح اليوم الثاني جاء الشيخ على عادته, فلما صلى ذهب المرسي ليخبره بما اتفق, فقال له الشيخ مبادرا. أظننت أنني ليس لي من ينصرني, ووصاه ألا يخبر بالرؤيا حتى يموت.
وفضائله ﵀ كثيرة, وهي أشهر من أن تذكر. وكان ﵀ مع ذلك شاعراً.
ومن شعره:
стр. 313
ألا يا ويح نفسي ما لها إذ ... ميل بها على الخيرات تأبى
فمالي لا أتوب من الخطايا ... ويعجلني إذا ما الذئب تابا
ومن شعره في الزهد:
ولا بد أيضاً أن تسير على الفنا ... سوى الحق, إن حققت, إلا ملاهيا
وتعلم ذا علم اليقين وبعد ذا ... فلست غلا غفولا ولاهيا
وكان ﵀ مولعا في شعره باللزوم. وله في ذلك:
كل شعر بلا لزوم فسخل ... هو نسج سدى ونير ولحمه
واللزوم مثال ثوب موشى ... بابيضاض واخضرار ولحمة
ذاك ميت بغير روح وهذا ... هو حي يرى, وتسمع نحمه
وله ﵀ من الملح الأدبية ما يروق سماعه. من ذلك ما عارض به الحريري في أبياته المعكوسة, وهي هذه:
أسما, هوانا حرفت ... تفرح إن أوهى مسا
أسأت, من ململنا ... إن لم لم نمت أسى
أسلمنا هذا فإذا ... ذاف أذاه انملسا
اسق حشاك والعسا ... وساع لكاشح قسا
استر تسن مآثرا ... رثاء من ستر تسا
اسأل من منَّ ألا ... لأن من مل أسا
стр. 314
وكان بينه وبين أبي محمد عبد الوهاب مكاتبات وأشعار ومداعبات. فمن ذلك ما كتب به أبو الحجاج يستدعي منه نقل تين, وهي هذه:
إلى من جل لي حالي ... وسؤلي أن يبقى لي
أبو عيسى الصدوق الب ... ر في فعل وفي قال
محب كل مكرمة ... لكل مذمة قال
وحمال لأعباء ... إذا عنت, وأثقال
أريد تفضلا منكم ... حزيمات من أنقال
من التين الذي هو, يا ... عمادي, زين أحقال
وما شيء بأحسن من ... هـ في حانوت بقال
ألا فاسأل, ولا تسأل ... فديتك غير عقال
فيا طربي أن أكله ... وأشبعن ثم يبقى لي
ويا حرصي لأحرزه ... ويا جريي وإرقالي
وهذي حاجة, خير ... لدي من ألف مثقال
فأرسل إليه خبرا أنه لم يجدها. فكتب أبو الحجاج رحمة الله عليهما إليه بهذه:
خليلي هبك لم تقض ... بإرسال النقيلات
ولم يسمح بها قدر ... فأين جواب أبياتي
أليس جوابها فرضا ... لدى أهل المروآت
ويعلم سيدي فرحي ... بشعركم إذا ياتي
وكان الفقيه أبو الحجاج قد اشترى كرما فغاب عن أبي محمد عبد الوهاب, فكتب إليه:
стр. 315
أصلحك الله مذ بدا الكرم ... أعرضت عنا وما لنا جرم
بنت العناقيد وحدها حرمت ... ما لأب فيما علمته حرم
فكتب إليه أبو الحجاج: (منسرح)
والله ما كان ذاك من خلقي ... وإن تشاحل فهذه جرم
كم كلفتني سويقة فأتى ... منه الحلال الكثير لا الحرم
وله ﵀ يتزهد:
لا بد للإنسان من رقدة ... في القبر يوما مرغما أنفه
ليس له أنس به غير ما ... تنشره من عمل صحفه
وكان ذا إلف ولم يغنه ... أول من أسلمه إلفه
يا أيها الزارع, كل امرئ ... يحصد ما تزرعه كفه
فإن يكن خيرا ينل غبطة ... وإن يكن شرا يطل لهفه
طوبى لمن تاب إلى ربه ... من قبل أن يأتيه حتفه
وله وقد قدم للصلاة بالمسجد الجامع بمالقة:
قدموني لظنهم بي أني ... في خير كما يقولن عني
ولو استثبتوا وكشف حالي ... كان من ودني ينفر مني
وبحق فإنني عبد سوء ... كل سوء فإنه من لدني
يا إلهي يا عالما بذنوبي فاعف عني فإن ذلك ظني
وأقل عثرتي وحقق رجائي ... إنك الله ذو حنان ومن
ولما مشى إلى المشرق وصل إلى أبي الطاهر السلفي, فلم تتمكن له القراءة عليه لكثرة الواردين. فكتب إليه أبو الحجاج:
стр. 316
أيا من حل مني نور عيني ... ويا من حاز كل نقا وزين
أنا مذ صرت عبدك زدت فخرا ... وزان بملككم نقصي وشيني
أتيتكم لأقرأ أو لأروي ... قعدت لمنزلي صفر اليدين
قريح القلب لم أظفر بشيء ... كأني لم أكن أهلا لذين
يروح الناس عنك بكل خير ... وأرجع لابسا خفي حنين
وما ذنبي سوى أني غريب ... وقومي حيل بينهم وبيني
فلما دفعها له, ضحك لما قرأها, وقال له: اقرأ ما أحببت, وفي أي وقت شئت.
ومن شعره:
أقلل آمالا ولست بعارف ... أأبلغها أم يبلغ الموت قبلها
وللمرء نفس لا تزال لحرصها ... تمنى وتهوي أن تبلغ سؤلها
وليست تبالي من سفاهة رأيها ... أكان عليها ذلك الأمر أم لها
وكتب يوماً على أبي علي بن كسرى:
إذا سئلت من أسرى ... ونال للمجد أسرا
فقل ولا تتوقف ... أبو علي بن كسر
فحازهن اقتدارا ... كرها وقهرا وقسرا
بأمرها والذي عن ... هـ سد مذ سد شرا
والشعر أودعه الشع ... ريين والنجم نسرا
تمكنا واقتدارا ... وعز نفسا وجسرا
ودون ذلك بحر ... وليس يحسر حسرا
فمن يرد منه شيئاً ... احتاج مرسى وجسرا
стр. 317
سألته شرح بيت ... أرهقته فيه عسرا
فساق للحين والوق ... ت فيه شرحا وفسرا
شيئا غريبا وقولا ... سهلا سدادا ويسرا
حاشاه من أن ترى في ... ما قال لحنا وكسرا
والأمر أعظم من ذا ... والمرء أعلى وأسرى
يا بحر فهم وعلم ... يا بدر قد حزت سرا
صيرت شعري تمرا ... وكان من قبل يسرا
فبت آكل خبزي ... به واشرب بسرا
شبعان أعمر بيتي ... ومنه ألزم كسرا
لا أشتهي مع هذا ... طوقا شهيا ككسرى
يا رب سبب ليسرى ... يا رب جنب لعسرى
إياك نعبد لا نرتجي ... سواك عونا ويسرا
كما خلقت الورى ثم ... منه شددت أسرا
فلا ترى الكل منا ... أمراً, وإسرا وأسرا
وصل بعد على أح ... مد الذي لك أسرى
وكتب إليه أبو علي بن كسرى المذكور رحمة الله عليهما:
مرامكم لا ينال ... كعثرة لا تقال
وذاك شيء محال ... للسر منه مجال
نرى لك الدهر مالا ... يسوغ منه نوال
وأدبه ﵀ وقدره مشهور. وقد وصفه الفقيه أبو الطاهر في كتابه فقال فيه: اشتغل بالطريقة أيام شبابه, وولج محل التودد من بابه, ثم إنه لازم الدين
стр. 318
وأصبح في زمانه علم المهتدين. فكم من بيت لله بناه, ورفع نحو السماء فناه. وكم من معطلة عمرها, وجنى بذلك الحسنات وثمرها, ومن عان بذل فيه وجهه وجداه, وبأبيه وأمه فداه.
وأما التواليف فالتقصير ... ترجمة أولى, وهي مع نظرائها في الرتبة كالعبد والمولى. لم يشتغل بالطريقة حتى طاف بالحرم, فوقف بتلك المقامات والحرم. وتوفي ﵀ يوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر السادس من رمضان المعظم عام أربعة وستمائة.