Полный текст (318 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
١٢٩- علي بن عبد الله بن هرون
يكنى أبا الحسن. كان ﵀ من جلة الطلبة بمالقة ونبهائها والمعدود في حلبة أدبائها وشعرائها. وصفه الفقيه أصبغ في كتابه, فقال فيه: سبق العلية الجلة من العلماء, ومشى على ديدن الفضلاء, لأنه كان في عصره أحد الأطواد, وعلم الأمجاد, رسا بما عنده من علم فما تقلقل, وسما بذروته بما توقل. مكنه ابن حسون من نفسه لصفاء وده, وإبراز نده, فآخاه واصطفاه, واقتصر في نوازل أحكامه على هداه, وجعله الفاصل في قضائه.
وكان الفقيه أبو الحسن هذا من الفقهاء المشاهير المبرزين, مع ما كان له من الأدب البارع. ومن شعره, وكتب به إلى ابن عامل بلده: (خفيف)
يا صديقا صفا ضميرا وظنا ... وحكى المكرمات فينا فعنى
مجد كل امرئ لدى النقد لفظ ... وسنا مجدك الممجد معنى
صدئت نفسي الشريفة لما ... غيب اللهو من غنائك عنا
علمت نفسي العزيزة أني ... كل يوم سماعة أتمنى
فإذا ما سمعته قلت زهوا ... مثل هذا الغناء سلى المعنى
لذة النفس في السماع فإن شئ ... ت تفضل على الصديق بغنا
جئت للباب سائلا وقد أعطى ال ... له للمحسنين بالأجر عدنا
ومن شعره يمدح القاضي أبا الحسن عياض بن عياض اليحصبي السبتي: (كامل)
ظلموا عياضا وهو يحلم عنهم ... والظلم بين العالمين قديم
جعلوا مكان الراء عينا في اسمه ... كي يكتموه, وإنه معلوم
стр. 247
لولاه ما فاحت أباطح سبتة ... والروض حول فنائها معدوم
ومن شعره في الخرشف: (طويل)
وأهديت عشرا من بنات قنافذ ... مكللة هاماتها بمباضع
بدا حالك الإعراء مثل جفونهم ... نهارا وليلا تحتهم في المضاجع
فإن مد مولانا بها كف قابض ... فإني منها باسط خد خاضع
وله في الموز: (طويل)
ثلاثة أغلاف على جسد رطب ... مخالفة الألوان , من صنعة الرب
تقيه الردى في ليله ونهاره ... وإن كان كالمسجون فيها بلا ذنب
ومن شعره وقد وقف بالكونكة على وادي مالقة في أثر غمام: (طويل)
ويوم كصحن الخد حسنا قطعته ... برشف رضاب الكأس من كف أغيد
نزلنا به فوق العقيق ودوننا ... جداول ماء سلسبيل مبرد
وقد فوفت برد الرياض يد الحيا ... كحسناء في ثوب جديد مورد
وقد نسمت ريح الصبا فتعانقت ... غصون الربى واستضحكت عن زبرجد
وقد هتفت ورقاء في غصن أيكة ... كما نطقت بالعود ألحان معبد
تبكي على إلف لها بعد فرقة ... وتندب أيام الوصال المجدد
وأعجب منها كيف تبكي وغصنها ... نضير وفرخاها بوكر ممهد
وأترك أن أبكي معاهد وصلهم ... فلا رفعت كأسي لفي إذن يدي
هم أورثوا عيني البكاء وخاطري ... لهيبا كحر النار لم يتبرد
وعهدي بهم والدار تجمع شملها ... وخمري من راح الرضاب المبرد
وكأس مزجناها بدمع عيوننا ... فلاح عليها كالجمان المبدد
شربنا على حسن التذكر والمنى ... لدى الروضة الغناء والمربع الندي
مداما كخد الحب أو كر ضابه ... يلوح بها در على ذوب عسجد
стр. 248
وغيداء غنتنا بلابل حليها ... فجاوبها ورق الحمام المغرد
لها أرج كالعنبر الورد لو بدت ... لأصبت فؤاد العابد المتزهد
تجمعت الأضداد في حسن خلقها ... فجسم رطيب قد حوى قلب جلمد
ولم أنس إذ مرت بنا مثل ظبية ... تهادى على رمل الكثيب بفرند
وألقت قناع الليل فوق سنا الضحى ... كما قد حوت درا حقاق الزبرجد
مرخمة الألفاظ معسولة اللمى ... مفعمة الخلخال فضية اليد
شربت لماها والتثمت لثاثها ... وقبلت جيدا كالحسام المهند
وقالت أراد البدر قلت أو التي ... إذا طلعت لم يبد نجم لمهتد
فتلك التي أودى فؤادي بحبها ... وخالفت فيها قول كل مفند
وشعره كثير, وأدبه مشهور.
ومنهم:
١٣٠- علي بن معمر
يكنى أبا الحسن. كان ﵀ من جلة العلماء المبرزين, فاضلا ورعا زاهدا جليل المقدار, مع ما كان له من الأدب البارع والشعر الرائق. وصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه فقال: تبوأ للعبادة شعبا, وملئ من خوف الله العظيم رعبا, فانفرد ليستعد لسفره, وفقد حتى لم يعد من نفره, فلزم داره, واتخذ التبتل شعاره ودثاره, واعتزل جميع الناس, ولبس بملابس التقوى أصفى لباس.
كتب إليه الفقيه أبو الحسن بن هرون بشعر أوله:
لا ورمان نهده ... وببستان خده
وعقارب صدغه ... قد حمت روض ورده
وضمور بخصره ... واعتدال بقده
ولمى لؤلؤ جرى ... فيه درياق شهده
وامتلاء بردفه ... منحل جسم عبده
стр. 249
وبياض البهار فو ... ق احمرار بورده
لا سرى خاطري لش ... يء ذكر عهده
لو أذاب الفؤاد من ... حر نيران صده
بدل الله بالتوا ... صل من طول بعده
فراجعه أبو الحسن بن معمر: وردتني رقعتك فكلمتني بلسانك, وشافهتني بإحسانك, والله يحرس فيك الفضل, ويشكر ذلك الخلق السهل. وكتب معها بهذا الشعر:
أوه من نقض عهده ... إذ ذوى روض ورده
جل ما قد لقيته ... من هواه وصده
كيف أسلو وأدمعي ... إثره لون خده
أرق العين إذ بدا ... خلبا برق وعده
كنت صبا بقربه ... فرماني ببعده
يا غزالا لحاظه ... والهوى بعض جنده
زد فؤادي صبابة ... قد رضينا بفقده
أين ربع ألفته ... والهوى بعض جنده
انثنى بظله ... بين أحداق زنده
قطع العهد أحور ... ثغره مثل عقده
فاتن كلما بدا ... نفخت روض ورده
ولقد قلت: بانة ... إذ تثنى بقده
خلط الهزل في الهوى ... والتصابي بجده
ومن شعره:
стр. 250
محادثة وألحاظ تشير ... وقلب في جوانحه يطير
وربتما أسلنا الدمع سرا ... فباح لنا بما يخفي الضمير
فيا أملي ويا معنى حياتي ... صغير هواك في قلبي كبير
فيوم لا تلاقيني طويل ... وعام نلتقي فيه قصير
وله يصف سانية:
سانية مبدعة كلها ... وشكلها كالفلك الدائر
أكواسها شهب بدت للورى ... من طالع للأفق أو غابر
وله في الخرشف:
حسن الربيع الطلق حسن قلانس ... بالخرشف المكسو خش فلانس
يحكي النهود البيض حف جميعها ... حدق الرماة مخافة من لامس
وله في الخوخ:
يا حبذا الخوخ إذا ما بدا ... في الأغصن المخضرة الملد
من ذاقه ذاق لمى شادن ... مبسمة أحلى من الشهد
صورة الله لنا فضة ... بيضاء تحكي خلقة النهد
ومن شعره ﵀:
شربنا بذات الطل والروض يبسم ... وقد سجعت ورق الحمام ترنم
وقد زان جيد النور لؤلؤ طله ... كما لاح فوق النجم در منظم
ومن فوقنا خضر القباب كأنها ... أكاليل من فوق المفارق تنظم
وقد قهقهت تلك المياه على الصفا ... كما قهقه الإبريق حين يزمزم
وتنساب فوق الماء ذات تسارع ... كما انساب من بن الأباطح أرقم
أظن الذي بالقلب مني بقلبها ... فمن أجل ذا, العينان بالدمع تسجم
وما ضرها إلا بكاء وزفرة ... لنار لدى أحشائها تتضرم
كلانا مشوق ذارف دمع عبرة ... ودونك قلبي بالقطيعة يكلم
стр. 251
ومنها:
وقد نسمت ريح الصبا فتمايلت ... غصون الربى نحو الأباطح تلثم
وكف الحيا قد فوفت برد روضها ... كما زين الحسناء وشي منمنم
كأن أكاليل الرياض بأفقها ... لدى الروضة الغناء تاج منظم
وقد فغرت أفواه ورد كأنها ... شفاه العذارى نم منها تبسم
وكف على كأس المدامة هودج ... كطائر جو فوق ماء يحوم
إذا راضها ماء السحاب بدا بها ... ذبول صفت أو أرقش الجلد أدهم
له وجه روض وابتسام مفلج ... ولكن كمي في الحروب مصمم
إذا قبل الإبريق راحة كفها ... ترى خفرا منها لدى الخد عندم
ولا أنس أيام العقيق وربعه ... لدى الدوحة الغناء, والريح تنسم
فخلت نسيم الريح إذ فاح طيبه ... سرى من سليمى فهو نحوي يؤمم
وإني لمغر بالرياح لأنها ... تجيء بعطر والرياح تنعم
ألا يا نسيم الريح ردي تحيتي ... فإني بتذكار المليحة مغرم
فهل لك تبليغ السلام لغادة ... جناني بها مضنى وقلبي متيم
وكم قد سرى منها خيال مسلم ... فيا حبذا ذاك الخيال المسلم
وأدبه رحمة الله عليه كثير. وتوفي بمالقة عام تسعة وثلاثين وخمسمائة.
ومنهم:
١٣١- علي بن عمثيل المالقي
كان ﵀ من أشياخ مالقة ومنهم:
стр. 252
١٣٢- علي بن محمد عرف بابن خروف
يكنى أبا الحسن. هو الأديب أبو الحسن بن خروف, أصله من قرطبة. ورد علينا مالقة وأقام بها مدة. وكان ﵀ عارفا بصناعة الأدب محققا فيها حافظا للغات والآداب, يتصرف في فنون شتى من العلوم مع الشعر الرائق والأدب الفائق. نقلت من خط الأديب أبي عمرو بن سالم, قال: أنشدني أبو الحسن ن خروف لنفسه في صفة سندي هذه الأبيات:
ومنوع الحركات يلعب بالنهى ... لبس المحاسن عند خلع لباسه
متأود كالغصن فوق كثيبه ... متلاعب كالظبي عند كناسه
بالعقل يلعب مقبلا أو مدبرا ... كالدهر يلعب كيف شاء بناسه
ويضم للقدمين منه رأسه ... كالسيف ضم ذبابه لرياسه
قلت: وهذه الأبيات نسبها ابن أبي العباس في كتابه لعبادة. والصحيح أنها لابن خروف, لأنه لم يكن ممن ينتحل شعر غيره وينسبه لنفسه, والله أعلم. قال الأديب أبو عمرو بن سالم: أنشدنا الأستاذ أبو الحسن بن خروف, قال: كتبت إلى القاضي ابن الصفار في ليلة عيد:
يا من حوى كل مجد ... بجده وبجده
أتاك نجل خروف ... فامنن عليه بجده
وله:
أقاضي المسلمين حكمت حكما ... غدا وجه الزمان به عبوسا
سجنت على دراهم ذا جمال ... ولم تسجنه إذ قتل النفوسا
وله في مدينة باغة:
стр. 253
ولله باغوا الهيثمية إنها ... عرينة ضرغام ومكنس شادن
مدينة ينساب بين مياهها ... أريقم نهر ماؤه غير أسن
ربى من كروم, والبطاح حدائق ... فما شئت من حسن بها ومحاسن
قال الأستاذ أبو عمرو بن سالم: أنشدني أبو الحسن لنفسه يصف جيش شطرنج وأحسن فيه:
ومديرين بين جيشين حربا ... بصلاح العقول لا بسلاح
جيش هذا كالهجر أو كالدياجي ... جيش هذا كالوقل أو كالصباح
قال: وأنشدنا لنفسه في آنية خمر:
أنا جسم للحميا ... والحميا لي روح
بين أهل الظرف أغدو ... كل يوم وأروح
وله يستهدي خمرا:
يا من يهزه الراح عطفا ... حكى لما بين الراح روحا
خذ جسدي ليس فيه روح ... وانفخ من الراح فيه روحا
وله في متكأ:
أنا للسجدة زين ... أنا للخد وسادة
وله في غرفة ضيقة:
كأنها في الضيق خروبة ... معوجة, والبق فيها ثوى
وشعره وأدبه مشهور: ومنهم:
١٣٣- علي بن سوف الأنصاري
يكنى أبا الحسن. أصله من بلنسية. ورد علينا مالقة. أعادها الله. وكان فقيها
стр. 254
مقرئا. قال شيخنا أبو جعفر بن عبد المجيد: سمعت عليه بمالقة في الثاني من شوال سنة خمس وستمائة. أخذ عن مشائخ علماء, كابن النعمة, وابن هذيل والخطيب بن سعادة رحم الله جميعهم. قلت: ووجدت هذا الاسم بخط شيخنا أبي جعفر الجيار.
ومنهم:
١٣٤- علي بن أحمد بن الفضل
يكنى أبا الحسن. أصله من أريولة, لكنه نشأ بمالقة, وسكن بها وطالت إقامته فيها. كان ﵀ معدودا في جلة الأدباء ومحسوبا في علية الشعراء. قال فيه أبو البحر صفوان: من آيات الدهر وعجائبه, وشاهد ما أثبت له يدل على غائبه. وأنشد له:
لولا مهابتكم وإجلالي لكم ... وإذاعتي عنكم عظيم مواهب
لم يدر خلق سيدا من خاد ... قربا ولا ذا مطلب من واهب
ومن شعره:
سئمت المقام بغرناطة ... وألسن حالي بذا تنطق
وما أنكرت مقلتي حسنها ... ولكنها غيرها تعشق
ومن شعره:
فوا أسفا أتدركني المنايا ... ولم أبلغ من الدنيا مرادي
وما هو غير أن أدى, وحسبي ... حبا الإخوان أو حرب الأعادي
وأدبه ﵀ مشهور. وفيما ذكرته له كفاية.
стр. 255
ومنهم:
١٣٥- علي بن حزمون
يكنى أبا الحسن. أصله من مرسية. ورد علينا مالقة في عام.... وأقام بها وأخذ عنه أهلها جملة من شعره وأجازه لهم. ومكانه في الأدب وشهرته تغني عن الإطالة في ذكره.
وأنشد له أبو البحر صفوان في كتابه:
أعيت على الأوهام تلك العلى ... واستعجمت من وصفهن الفصاح
لا تدرك الغايات بالأماني ... لا يجتلي البارق إلا التماح
وله في المحول:
لو زارني منكم خيال ... أبصر مني الخيال الأصغر
غالطت نفسي على وجودي ... شخص أنا أم أنا مصور
وله من قصيدة يخاطب أبا البحر:
ما شئتما الآن للزمان ... قد جاد لي بالمنى زماني
أي يد للزمان عندي ... أدنى بنان لها بناني
وخير شيء اسداه دهري ... إلي مما به حباني
لقا ابن إدريس بعد بين ... غادرني في يديه عان
وشعره ﵀ كثير, وأدبه شهير.
ومنهم:
стр. 256
١٣٦- علي بن جامع الأوسي
يكنى أبا البحر. كان ﵀ أستاذا جليلا عارفا عالما محققا عالي الرواية. أخذ عنه الحاج أبو بكر عتيق وغيره وكان مع ذلك أديبا بليغا وشاعرا مطبوعا. وكان كفيف البصر, أقرأ بمالقة مدة ثم انتقل عنها لباغة, وذلك لسبب أن مقامة صنعت في ذم أعيان مالقة ونسبت له. فخاف من ذلك وتحاشى شر ما نسب إليه. فانتقل لباغة, فتلقاه أهلها جميعهم بما يتلقى مثله من العلماء. قال أصبغ ابن أبي العباس: استوطن باغة مدة من ثلاثين سنة يقرئ العلوم أعيانهم, حتى ألحق بالشيوخ الجهابذة شبانهم. ثم إنه أراد الرجوع إلى مالقة, فكتب إلى الفقيه أبي محمد ابن أبي العباس بذلك, فتوسط له, وكتب له بالوصول وأولاه من المبرة والإكرام ما يجب لمثله.
ومن شعره ﵀ وقد سئل إجازة بيتي الشريف الرضي, فقال الفقيه أبو البحر ارتجالا:
إذا ما قلت إني عنك سال ... فذاك اليوم أعشق ما أكون
فلا تخشى القطيعة إن قلبي ... عليك اليوم مؤتمن أمين
ولا تخشى مع الأيام خونا ... فقلبي بعضه بعضا يخون
وأين من السلو فؤاد صب ... هـ في كل جارحة حنين
يعلل بادكارك كل حين ... ويخضع في رضاك ويستكين
فيبلى كل حب غير حبي ... وتفنيني, ولا تفنى, الشجون
وله يمدح أبا بكر بن عيسى:
بالأروع الثبت الجنان الأوحد ... أسطو على صرف الزمان الأنكد
ومنها:
стр. 257
بالمنتقى والمرتجى والمحتذى ... ومطارد الأعدام كل مطرد
أحلى من الأمن المتاح لخائف ... وألذ من نوم لجفن مسهد
وأسن من كعب بن مامة للندى ... وأحن لاسترفاد من مسترفد
من أين للأنداد بيض بنانه ... أم أين من علياه عليا الفرقد
يممته فرأيت منه مسددا ... جمعت ضرائبه ضروب السؤدد
تلقى به قمر الندى, فلتقتد ... بيضاء غرته إذا لم تهتد
وترى مواهبه ثناء موحد ... وتظن موعده كأخذ باليد
ما إن يبالي حين يستمع الندا ... بذهاب وفر في السماح مبدد
وهي أكثر من هذا. وكتب ... يوما: من كنت يا موئلي حاضر غيبة, لم يبال بالزمن العبوس وريبة, فقد تعلم اقتصاري على علائك, واعتماري أبدا بود مائك, والله يبقيك كوكب سمائك, وعدة لأعدائك وأوليائك, بكرمه ومنه.
وما مننت من الجواب المنتظر, ففضل منك محمود الأثر, موموق الخبر, مرقوم في صحف الشكر مشتهر, أبقاككم الله علق غرس في سراره الكرم, وسحابا تنجلي عنه غياهب الظلم, بفضله وطوله, والسلام.
وله في مغنية:
غناؤك يجلب الأنسا ... ويحيي حسنه النفاس
ولو أسمعته ميتا ... لعاش وفارق الرمسا
стр. 258
وله في مغنن في يده عود:
غنى لنا حسن فكدنا ننتشي ... من قهوة الطرب لايت تستعذب
لعبت بأوتار المثالث كفه ... فإذا القلوب بكفه تتقلب
وله في تحريم الخمر:
يظنون ن الراح فيها سرورهم ... وقد غلطوا. إن السرور اجتنابها
سرت بعقول القوم فاستحسنوا الخنا ... وغطت عليه حين ساغ شرابها
وله في غناء الحمامة:
تزري بألحان الحمام حمامة ... ورقاء تشدو في الغصون وتنطق
غنت غناء العاشقين ولم أخل ... من قبلها أن الحمام تعشق
وله يتشوق إلى وطنه:
سقى الله أرضا قد عهدت عراصها ... مآلف آرام, ولكنها غيد
يسقيننا راح الهوى بلواحظ ... بواتر, منها في القلوب أخاديد
يدعن حليم القوم يكلف بالظبا ... يقول إلا للحلم عندي تفنيد
وشعره كثير, وأدبه شهير.
ومنهم:
١٣٧- علي بن عبد الرحمن السهيلي
يكنى أبا الحسن. هو ولد الفقيه أبي زيد السهيلي. وكان وحمه الله من أهل الطلب والنباهة عفيفا فاضلا دينا ورعا. وكان مشتغلا بصنعة التوثيق مشهور الفضل والديانة.
وصفه الفقيه أبو الطاهر, فقال فيه: ممن ينطبق اسم الفضل حقيقة عليه, ويخترق المجد غياهب صنعته غليه. نشأ بمالقة سالكا من الصلاح سبله, راميا شرك الخداع وأحبله. يفر من الدنيا وخنا غفلاتها, واستقر بفنائها القفر وفلاتها, حتى اشتغل بصنعة التوثيق فبحث عن أصولها, وتلذذ بمعانيها السنية وفصولها. وهو الآن
стр. 259
قد ملك قيادها, وحلى بجواهر اللفظ أجيادها, وأجرى في ميدان ذهنه جيادها. ﵀, ونفعه بمنه وفضله.
ومنهم:
١٣٨- علي بن أحمد الأنصاري, ويعرف بابن قرشية
كان رجمه الله من موثقي مالقة ونبهائهم, عارفا بالصنعة, متقنا لها, ضابطا لأصولها, مختصر الوثيقة, سهل الألفاظ. وصفه الفقيه أبو الطاهر في كتابه فقال فيه: دمث المأخذ والمسلك, يلزم أن تقتفى طريقته الصالحة وتسلك. اشتغل بالدين, وصحب من يكلف به ويدين. وعد الله فما تنكر, (فكانت) معرفته لا تنكر. رمى فأصمى وأصاب, فتدفق علمه وصاب. (لازم الجلوس) بدكانه فلم يعرج على الخطة, واعتقد منها بمخالطة الناس محطة, وقنع بدرهمه, ورمى بقوس أسهمه. قلت: وقد قرأ أبو الحسن (هذا) على أبي زيد السهيلي. وكان يذكر النحو جيدا.
ومنهم:
١٣٩- أبو علي النشار
من أهل بلنسية لم أقف له على اسم. وكان ﵀ من الأدباء النبهاء رائق الشعر سهل الألفاظ بديع المعاني. ورد علينا مالقة, وأقام بها كثيرا, وقرأ فيها على الأستاذ العالم أبي محمد بن حوط الله ﵀, فكان بذلك محسوبا في طلبة مالقة, معدودا منهم. ومن شعره رحمه الله تعالى: (بسيط)
والشهب جانحة للغرب مائلة ... كالطير فتح عنه بابه القفص
стр. 260
فطارد اللهو في بيد المنى قنصا ... وسقني الكأس, إن اللهو يقتنص
وله أيضاً: (مخلع البسيط)
قالوا على خده عذار ... فبكره في الهوى عوان
لا تنكروه فليس نكرا ... أن طاف بالروض أفعوان
إن دخنت نار وجنتيه ... فالنار من شأنها الدخان
ومن شعره وكتب به إلى صفوان: (سريع)
جزى إله العرش يوم النوى ... بشر ما يجزيه يوم الحساب
كم وقفه قلبي أضحى بها ... يخفق في الصدر خفوق السراب
والعيس قد ولت بأحبابها ... تمر بالبيداء مر السحاب
أدعو أبا البحر, وكم دعوة ... لم ألق في الركب لها من جواب
هل رقعة تجري بأغراضها ... في وجنة الأشيب ماء الشباب
ولو أتيت الود من بابه ... ثقلت بالعتب ظهور الركاب
ولست بالذاكر ما قد مضى ... من غفلة توجب حلو العتاب
وله أيضاً: (كامل)
ما الملك إلا مهرة عربية ... إلجامها بيديك أو إسراجها
هل قر إلا مذ حواك سريرها ... أوراق إلا فوق رأسك تاجها
وله أيضاً: (سريع)
قلبي ترى أي طريق سلك ... فالحكم يا جسمي أن أسألك
стр. 261
أنينه دل عليه فهل ... أنحله الشوق الذي أنحلك
ويا رشا خول أسد الشرى ... هناك رب العرش ما خولك
ارفق بعبد الحب, ما هكذا ... يملك مأسور الهوى, من ملك
قتلت يا بدر جميع الورى ... فمن إلى قتل الهوى أنزلك
لو لم يكن سخرك من بابل ... لقلت: هاروت به أرسلك
ما ملك الموت كما حدثوا ... بل لحظك الموت وأنت الملك
يا يوسفا يزري بحسن الذي ... أمن في الحب وقوع الهلك
أقسمت لو أنك في عصره ... بآية الحب الذي ذل لك
ما خلت الحسناء في خدرها ... به ولا قالت له: هيت لك
ولم تعظم نسوة حسنه ... إذ قلن ماذا بشرا, بل ملك
إن قطعت أيدي نساء له ... فكم فؤاد قطع الناس لك
طوبى لصب في خيال (الكرى) ... هم بتقبيلك أو قبلك
وشعره ﵀ كثير. وفيما ذكرته كفاية.
ومنهم:
١٤٠- عمر بن حسن بن علي بن محمد بن دحية الكلبي
يكنى أبا الخطاب, ويشهر بابن الجميل من أهل مالقة. قرأ بها, وأخذ عن أشياخها, ثم انتقل إلى المشرق. وأخذ عن من هناك من الأشياخ. فعظم قدره, واتسعت روايته, وبعد صيته. وسكن القاهرة, واستوطنها في أيام الملك الكامل. وكان له عنده من الجاه والمحل ما لم يصل إليه غيره. وكان استيطانه من القاهرة
стр. 262
بحارة ابن خزان من القاهرة المصرية. وكان يخطط نفسه بذي الحسبين والنسبين, ما بين دحية والحسين. وكان ينسب إلى دحية صاحب النبي ﷺ . ونازعه في نسبه التاج الكندي أمير النحاة هناك, وزعم أن دحية لم يعقب. ورد عليه أبو الخطاب في جزء سماه: المرهف الكندي في الرد على التاج الكندي, وأثبت فيه أن دحية قد عقب وأنه من ذريته. وكان ﵀ أديبا بارعا وشاعرا مطبوعا, إلا أنه كان يتهم في الرواية, لأنه كان مكثارا, وكان قليلا ما يروي. وتوفي بالقاهرة ﵀.
ومنهم:
١٤١- الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي
يكنى أبا حفص, ويعرف بعمر ينات. وكان ﵀ من جلة الموحدين وأكابرهم. وجهه أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مالقة حين كان ابن حسون بها, فوصل إليها وأقام عليها أياما, ثم أقلع عنها بخطاب ابن حسون ملك طليطلة. فلما تم أمر ابن حسون كتب أهل مالقة على أبي حفص, وكان بمحلته بفج قامرة, ليصل إليهم, فشكرهم على ذلك, وكتب إليهم كتابا, نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من عمر بن يحيى إلى الشيوخ الأعيان والكافة بمدينة مالقة أكرمهم الله وأعانهم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو, ونشكره على آلائه, ونصلي على محمد نبيه ورسوله, ونسترضيه للإمام المعصوم, المهدي المعلوم, ونستديمه عادة النصر المكين, لسيدنا أمير المؤمنين. كتابنا من مضرب المحلة المباركة بفج قامرة. وقد كان كتابكم الأثير وصل صحبه جماعتكم الكريمة, من أهل البلد والجند, حفظهم الله, فأدى الكتاب, والجماعة, ما سناه الله تعالى لكم, ويسره وبفضله عليكم من القيام على النصارى وحزبهم, أخزاهم الله, وكيف أخذتهم
стр. 263
صيحة واحدة قطعت دابرهم, وأعدمت صاغرهم وكابرهم, ولم ينج منهم إلا من يحدث عن المثلات, ويندب نجما تضلل بالأثلات. بركة من بركات هذا الأمر, عمتكم وأنقذتكم من ظلمات وضلال, طالما عمتكم وصدقت موعدكم الحسنى, ومحفلة منا قصدتكم بمنونها الجميلة وأمنتكم, فاشكروا الله كثيرا على ما هداكم إليه, وأعانكم بحسن معتقدكم لهذا الأمر العزيز عليه, فهذا (هدى) من الله تعالى, من استعصم به عصم, ومن ناوأه قصم, ومن آثره جل, ومن كاثره قل وذل. وكانت عاقبته في الدنيا عاقبة الذين عذبهم الله بأيديكم, وشفى صدوركم منهم. وكيف لا يدرك الله من بني حسون وأمثالهم ثأر إسلام البلاد لأعداء الإسلام, أو كيف تسوف العقوبة من رضي بالتثليث من التوحيد بدلا. لشد ما عميت أبصارهم, وصار إليه صائرهم. ورأينا في كتابكم الأثير شدة في ألا نستنيب في الوصول إليكم لتطهر بذلك قلوبكم وتستقر أنفسكم. فما تركنا لإسعافكم غير ما وجه من وجوه البر. والله ينفعكم بما نويناه لكم وأتيتموه من أبواب الخير, ويجعلنا وإياكم من الذين يتمسكون بالكتاب وعروة هذا الأمر, وأنتم كافة مؤمنون وجندكم وغيرهم بتأمين الله تعالى وبفعلكم المشكور المرضي. والله يعينكم على طاعته ويوفقكم لمرضاته, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب ظهر السابع عشر من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به, وبصفتكم الرابحة. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وكتب في التاريخ المذكور وبالله التوفيق.
ثم إنه وصل إثر كتابه إلى مالقة وأقام بها, ثم انتقل عنها, والحمد لله.
ومنهم:
١٤٢- عمر بن عثمان بن محمد بن أحمد الفارسي الخراساني
الساجوري الماليني, يكنى أبا بكر, ويلقب بطنه, وهو من الأغزاز. وكان
стр. 264
شيخا فاضلا. ورد علينا مالقة في ربيع الأول من عام ستمائة. وأخذ عنه جلة من شيوخنا. حدثهم بصحيفة الأشج, وصحيفة جعفر بن نسطور. وكان يحمل ذلك عن الإمام رضي الدين حجة الإسلام أبي الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني القزويني. وكان يحمل أيضاً عن شرف الدين أبي يعقوب يوسف بن أبي حفص الخطبي الخالدي الرنجاني رحمهما الله.
ومنهم:
١٤٣- عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر الإسلامي
كان أصله من رندة, ثم انتقل جده جعفر في أيام الحكم بن هشام, فسكن بقرية طرجالة, المجاور حصن أوطة, من كورة رية. استوطنها فأنسل فيها عمر, ثم أنسل عمر حفصا, ففخم فقيل حفصون. ثم أنسل حفصون عمر الثائر. وكان ابتداء أمره في سنة خمس وستين ومائتين. واقتعد حصن ببشتر سنة اثنتين وسبعين. وكان ابن حفصون قد صالح الأمير عبد الله ورهنه ابنه رهينة, وتوثقا, من أن يخالف عليه, فاختبر الطفل فوجده غير ابنه. فأغزاه الأمير ابنه المطرف بحصن ببشتر, وخرب له منيته التي كانت باللوقات. فخرج ابن حفصون يذب عن كنيسة كانت بقربها, فغلبه مطرف, وهدم الكنيسة والمنية. وانقطع أثره على يد عبد الرحمن الناصر في سنة خمس وثلاثمائة. وكان عمر بن حفصون شديد الغيرة على الحريم, ولم يكن جزاء من مد يده من رجاله إلى امرأة إلا السيف, ولو أخبت من الحلي وغيره ما أرادت. قال ابن حيان: وكان ذلك كالقرحة في مهجة مساويه. ونسبه على ما ذكره ابن حيان: عمر بن حفص المعروف بحفصون, بن عمر بن جعفر بن شنتم بن دميان بن مرغلوش بن ادفنش بن مسالمة. وكان جدهم مرغلوش قومسا برندة. ذكره ابن أبي الفياض. وذكر نسبه ابن حيان.
ومنهم:
стр. 265
١٤٤- عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي ثم الرندي
يكنى أبا علي. هو الفقيه الأستاذ العالم أبو علي الرندي, من أهل مالقة. تفنن ﵀ في علوم النحو والآداب, وشارك في غيرها من العلوم. وكان ﵀ موصوفا بذكاء وفطنة, معدودا في الجلة من العلماء, عارفا برواية الحديث. قيد كثيرا, والأستاذ الكبير أبي محمد بن دحمان, وأبي بكر بن خير, وغيرهم. وله وضع على كتاب الجمل, ومسائل متفرقات في معان شتى في غاية من البراعة. وكان ﵀ كاتبا وشاعرا. أنشدني خالي رحمة الله عليه, قال: أنشدني أبو عمرو بن سالم لشيخنا العالم أبي علي الرندي ﵁: (بسيط)
علمي بقلبي ما لانت قساوته ... حتى تصدت له عيناك يا قاسي
بسحر عينكم, لم أستطع جلدا ... فها أنا الآن من صبري على ياس
دع التجني إنني مغرم كلف ... رهين وجد وأشواق ووسواس
لقد تناهت بي الأشواق فاشتعلت ... نيران قلبي واذكت حر أنفاسي
لولاك لولاك لم أعرف هوى أبدا ... فحبكم في فؤادي ثابت راس
هذي أوائل أبياتي مخبرة ... باسم الذي حبه روحي وإيناسي
ومنهم:
١٤٥- عمر بن الشهيد
يكنى أبا حفص. كان ﵀ جليل المقدار, فقيها أديبا, كاتبا, شاعرا
стр. 266
مطبوعا. قال ابن أبي العباس فيه: كبير مالقة المعظم في النفوس قدرا, واللائح في سماء الأدباء بدرا, والمستوجب في المحافل عند المذاكرة حمدا وشكرا.
ومن شعره في محبرة آبنوس: (كامل)
وكنانة من آبنوس نبلها ... قصب تراش بأنمل الكتاب
قد غشيت طوق اللجين كأنها ... ثلج سقيط فوق متن غراب
سبط أفاعيها تصيب بسهمها ... وتكون ترياقا من الأوصاب
ولم أقف له على شعر سوى هذا ﵀.
ومنهم:
١٤٦- عمران الذجي
من أهل شريش. اجتاز على مالقة وأقام بها, ثم انصرف عنها. وكان ﵀ من الأدباء النبهاء. وقرأ من علم أصول الدين وأصول الفقه. وكان شاعرا مطبوعا.
حدثني خالي رحمة الله عليه قال: حدثني أبو موسى الذجي قال: سمعت يوما شعر الخفاجي, فرأيت فيه بيتا في صفة فرس, وهو:
سبكته يد الطبيعة نارا ... فأسالت لجينه ونضاره
قال الذجي: فاستحسنته, وكررته في خاطري, وكنت ذلك الوقت أنظر شيئا من علم أصول الدين. فنمت تلك الليلة, فرأيت رجلا كنت أعتقد أنه أحد الخلفاء الأربعة ﵃. ثم كان يقوى وهمي على أنه علي بن أبي طالب ﵁, فكنت أقصده, وأبادر للسلام عليه, فيعرض عني, وكنت أخاف من ذلك, وأعرض له وألاطفه بالكلام, فيقول لي: كيف تنشد: "سبكته يد الطبيعة", هذا,
стр. 267
وأنت تقرأ علم الأصول. فكنت أقول: يا أمير المؤمنين, إنما حمل الشاعر على هذا, الوزن. فيقول لي: هذا وأنت شاعر, فهلا قال: سبكته يد القدير اقتدارا فكنت أقول له: هذا والله أحسن لما فيه من التجنيس, وهو من البديع. فكان يقول: أحسنت. لا تنشده إلا هكذا, واستيقظت.
وله من قصيدة في وصف الخيل: (بسيط)
أعناقها قصب ماس النشاط بها ... لها من ورق الريحان آذان
وله في صبي في يده مطيب نرجس: (بسيط)
وشادن جاء وفي كفه ... مطيب من زهر النرجس
فقلت للشرب: هلال جلا ... نور الثريا وسط المجلس
وله في صبي في كفه نارنجة: (سريع)
وشادن جاء وفي كفه ... نارنجة يعبث في حسنها
هز بها راحته لاعبا ... فقلت قد عادت إلى غصنها
فإن تكن أنمله قضبها ... فأدمعي أغنته عن مزنها
ومنهم:
١٤٧- عيسى بن عياش بن محمد القيني
يعرف باسم أبيه, ويكنى أبا الأصبغ. كان ﵀ معدودا في العلماء, ومحسوبا من الأدباء, من جلة فقهاء مالقة وأعلامها. كان مشارا إليه فيها, يتصرف في فنون من المنقول والمعقول. وكان له في صنعة التوثيق قدم راسخ, وإحكام أمن من الناسخ. قرأ علم الأصول, وأقرأه, واشتغل به كثيرا. وكانت له أشعار وخطب. وله تقييدات على مسائل شتى كالسر المكنون, في أن الحركة سكون, وغير ذلك. وقد وصفه أبو الطاهر فقال فيه: صنوه معروف, وأمله إلى الآخرة موصوف. بحث
стр. 268
عن العلم فنال, ونعم بذلك المنال. وله في الطريقة تصرف, يقضي لمنكره له بالتعرف. وقد كان تهمم بمعرفة المعقول, وشغل بكلام أهل العقول. وأما النحو فبضاعته, ومثل هذا لا يجب إهماله وإضاعته.
وكان أبو الأصبغ ﵀ من أهل الفضل والدين والورع. كان خطيبا بجامع مالقة وإماما به. قدم للخطابة في عام اثنين وعشرين. وأول خطبة خطب في العيد, خطبة عيد الفطر من العام المذكور. وتوفي ﵀ في ساعة الأذان من يوم الجمعة ثالث شعبان المكرم, عام ثمانية وعشرين وستمائة. وصلى عليه بعد العصر من اليوم الثاني على شفير قبره ﵀.
ومنهم:
١٤٨- عقيل بن عطية المالقي
يكنى أبا طالب. ليس من مالقة, لكنه أقام بها واستوطن. وكان بها يكتب المناكح على القاضي ابن يربوع. ثم إنه ولي قضاء غراناطة مدة, ثم انتقل عنها. وولي قضاء سجلماسة. وكان ﵀ من جلة العلماء, مشاركا في كثير من العلوم, محققا فيها. وله كتاب سماه: تجريد المقال في موازنة الأفعال, يرد فيه على الحميدي. وكان جليل المقدار رحم الله ونفعه. وذكره صاحب الخبر وكناه بأبي المجد, وقال: روى عن ابن خبر.
ومنهم:
١٤٩- عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك
ابن عبد الله بن محمد الرعيني الرندي
يكنى أبا محمد, ويعرف بالرندي. كان ﵀ من جلة المحدثين
стр. 269
والمسندين, عارفا بطرق الرواية, ضابطا متقنا متفننا. أخذ عن شيوخ جلة من أهل الأندلس كأبي الحجاج ابن الشيخ وغيره. وأكثر بالمشرق, فأخذ عن ابن قدامة المقدسي, وعن إسماعيل الشيباني الحنفي, وغيرهما. قرأنا عليه بمالقة كثيرا. ووصل مالقة من ديار المشرق في أوائل عام أحد وثلاثين وستمائة. وكان مغيبه عن مالقة نحو من ستة عشر عاما, حج, واستوطن بدمشق. وقرأ وسمع كثيرا, وأتى بفوائد جمة. وأوصل إجازات ثيرة من جلة من شيوخ البلاد العراقية والشامية نفعه الله بذلك. وكان في نهاية من الضبط والثقة ومعرفة الرجال وصحة الرواية, نفعه الله ونفع به بمنه. وكان ﵀ قد قدم بواسطة خالي رحمة الله عليهما للإمامة بالمسجد الجامع بمالقة, فمرض ﵀ قبل أن يصلي فيه بالناس, واستمر مرضه على أن توفي في الثامن لربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
ومنهم:
١٥٠- عيشون الملقب بالخير
كان قد ملك رية لابن حفصون. فنزل عليه الأمير المنذر, وقاتله حتى عجز أهل رية مما حل بهم, فنبذوا إليه عيشونا, فوجه به إلى قرطبة, وصلب, وعن يمينه خنزير وعن يساره كلب, لأنه كان يقول في نفاقه: إذا المنذر ظفر بي فليصلبني بين خنزير وكلب. فوفى له بما قال, والبلاء موكل بالمنطق. ونسأل الله السلامة. ذكره ابن حيان.
ومنهم:
١٥١- عياض بن محمد بن عياض اليحصبي
يكنى أبا الفضل, وهو حفيد الفقيه العالم العلم الأوحد الإمام أبي الفضل
стр. 270
عياض. وكان ﵀ من جلة الطلبة, مشارا غليه, معظما عند الملوك, يفاخرون به في مجالسهم لطلبه وحسبه. وكان ﵀ مهابا مقداما فصيح اللسان, عارفا بمقادير الناس, متواضعا فاضل الأخلاق, حسن المصاحبة, جميل العشرة, كثير الرجولية, متسرعا لقضاء الحوائج, فاضل الطبع, كثير الأدب. حدثني خالي رحمة الله عليه قال: لما تزوجت صنعت طعاما معدا للعرس على جري العادة بين الناس. قال: فلما كان في يوم الذبح أكبرت الفقيه أبا الفضل على أن استدعيه لمثل ذلك اليوم. وكان في نفسي أن لا أستدعيه غلا في يوم الإطعام لكون يوم الذبح إنما هو يوم مهنة وتعب. قال: فبينما أنا جالس, وإذا الضرب على الباب, ففتح, فإذا بالفقيه أبي الفضل, فدخل. قال: فعتب علي, وقال لي: ما كنت أظن منك هذا. أفلا استدعيتني حتى أكون أتصرف في جملة من يتصرف. قال: فخجلت منه, واعتذرت له, وقلت له: يا سيدي, ما منعني من هذا إلا كوني أجلك عن مثل هذا. قال: فقال لي: لا عليك, الموضع موضعي, سواء استدعيت أم لم تستدع. وهذا غاية في التواضع والفضيلة وصفاء النفس.
نقلت من خط خالي رحمة الله عليه قال: حدثني الشيخ الفقيه الأجل أبو الفضل عياض أعزه الله أن والده القاضي أبا عبد الله, كان مع أبي محمد التادلي, وكان قد أصابهما بعض اعتقال, فباتا ليلة (معا) , وصنع كل واحد منهما بيتين توافقا في معناهما, فأنشد التادلي لنفسه:
اصبر إذا ما أردت أمرا ... فالصبر مفتاح كل نجح
والهم ليل وكل ليل ... لا بد أن ينجلي بصبح
وأنشد القاضي لنفسه:
من حيث يغلق باب أمر يفتح ... والله أعلم بالذي هو أنجح
لا تيأسن من الظلام لليلة ... طالت عليك, فكل ليل يصبح
стр. 271
وحدث الفقيه أبو الفضل ﵀ أن والده دخل على بعض الملوك, فأنشد الملك بيتين صنعا له في هميان, وهما: (بسيط)
انظر إلى أبدع الألوان نظمها ... بنان بكر, فصاغت منه هميانا
ثم التوته على خضر لها هضم ... فبات يحرس أردافا وأعكانا
فقال القاضي أبو عبد الله: البيت الأول لا يلتئم مع الثاني, فارتجل بيتا بينهما وهو:
بسحر ألفظها رقته نافثة ... في عقد أخياطها فعاد ثعبانا
فالتام المعنى بذلك.
حرف الغين
ومنهم:
١٥٢- غانم بن وليد بن عبد الرحمن المخزومي
يكنى أبا محمد. وكان رحمه من الحفاظ الجلة المبرزين, عالما يطرق الرواية, عارفا بها. روى عن جملة شيوخ. كلن جليل المقدار مشهور المعرفة والمكان, مشارا إليه, معظما عند الملوك, مقربا لديهم, مع ما كان عليه ﵀ من الحفظ للآداب واللغة. وغلب عليه الأدب, وبه اشتهر. ووصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه فقال فيه: حبر يعجز عن وصفه اللسان, وبحر يحدث عنه بلا حرج الإنسان, وبدر طلع بين ذوائب النوائب في سماء الإحسان. إن نثر فأسبق في البيان من سحبان, أو نظم فأثبت في الإحسان من حسان, وأعرق فيه من آل جفنة في غسان, وأخلاق ارق من حاشية النسيم, وشمائل أعطر من نفحات الروض الوسيم, ووقار بهزة السماح يسيم, على أنه ما ناط التمائم وخلعها, وأظهر المحاسن وأطلعها, واخترع البدائع ووضعها, إلا والفتنة قد سحبت ذيلها, وصدت على
стр. 272
أنوار الهدنة ليلها. فلا فأل إلا غابر الكواكب, جهام المراكب, ولا علم غلا موطوء المناكب, مفلول المواكب. وقد اثبت من نظمه ونثره ما يستميل الأسماع, ويعمر الجوانح والأضلاع.
من شعره ﵀ يصف روضة قد بلل الندى أغصانها, وتفتحت بالأنوار, فقال في ذلك: (كامل)
ضحك الزمان بحسنه وبهائه ... كالصب يضحك بعد طول بكائه
وكأن إقبال الربيع بفضله ... وصل الحبيب أتاك بعد جفائه
وكأنما وادي العقاب عشية ... مستمطر دمعي لجرية مائه
وكأن رشح الطل في نور الربى ... رشح الخدود بدا بنار حيائه
وله فيه أيضاً: (سريع)
ما أحسن الزهر إذا ما ابتسم ... عن لؤلؤ الروض إذا ما انتظم
نم بسر الروض نواره ... كعاشق باح بما قد كتم
لم يك عن قصد ولكنه ... أعوزه الصبر عليه فنم
ودخل على بعض السلاطين فقام له وقرب مجلسه منه, فقال: (بسيط)
صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للمحبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
وله يراجع الشاعر الحصري: ما أفصح لسانك, وأفسح ميدانك, وأوضح بيانك, وأرجح ميزانك, وأنور صباحك, وأزهر مصباحك, أيها الفارط المتمهل في ميدان النبل, والسابق المتطول بفضائل الذكاء والفضل. أرحتني من صل الهم فازدهتني أريحية, وأرحتني من ظل الغم فلاحت لي شمس الأمنية, مما اطلعت علي, وأهدته مكارمك إلي. فقلت: أعصر الشباب رجع, أم كوكب السعد طلع, أم
стр. 273
بارق الإقبال لمع. كلا والله إنها لمكرمة مهدية, أهدتها نفس سنية, وهمة علية. إن قلت: الوشي الصنعاني فقد نقصتها, أو الديباج الخسرواني فقد بخستها. بل والله أرتني زهر الربيع في غير أوانه, وحسن الصنيع على عدمه في أهل زمانه, ولمحت منه عقد لآلي, يبقى على آخر الليالي, فقلدت ما قلد الأوحد نظما ونثرا, والأمجد علما وفخرا.
وفي فصل منها: وجوزيت أفضل ما جوزي حر شريف المحتد, صحيح المعتقد, كريم المصدر والمورد, عمن تكنفه بك شوائب النسب, ويجمع شمله معك شمائل العصب. وقد اعتقدت ما به أشرت, وإياه اعتمدت, إذ لاح لي في أفق النقلة صباح, واستقل بي في طرق الرحلة جناح. وكم ولت سالمة النوائب بانقباضي, ومداراة الدنيا بتركي لغراضها وإعراضي, فإذا الانقباض حصلني في جملة القبض, والترك للأغراض قد جعلني للنوب كالغرض, ولا سلاح إلا الدعاء على الله تعالى في الصلاح, ولا نجاح إلا التمني لمن يقر ما عليك جناح.
وفي فصل منها أستغفر (الله) فقد حمي صدري حتى على مرجله, وضاق مجال فكري حتى اتسع في الشكوى مقوله. ولو أني سلمت لمواقع الأقدار, وعلمت أنه ليس على القدر اختيار, ورضيت بما يأتي به الليل والنهار, وتيقنت أن خلق الزمان عداوة الأحرار, لأرحت قلبا يتقلب في جمر الأسى, وأذكرت لبا قد نسي الاقتداء بالأسى.
ومن شعره:
صديقك من يرعاك في كل حالة ... وإن تدعه للخير والشر ساعدك
وليس الذي يوليك ظاهر وده ... وإن تدعه كيما يساعد باعدك
فإن ظفرت يمناك في الدهر مرة ... بعلق من الإخوان فاشدد به يدك
وله في النهد: (متقارب)
حقاق من العاج قد ركبت ... على مثل صحن من المرمر
стр. 274
فلقن فأثبتن من فوقها ... بمثل مسامير من عنبر
وله أيضاً: (متقارب)
كئيب ببابك مسترحم ... ليشكو غليك جوى شجوه
يقر بذنب ولم يجنه ... ولكن لك الفضل في محوه
وقد ذاق من حبكم مره ... فهل من سبيل إلى حلوه
ومن شعره يصف ليلة أنس قد ولت: (بسيط)
وليلة نسخت عندي محاسنها ... ذنوب دهر يشوب الصفو بالكدر
بتنا وباتت نجوم الليل طالعة ... فينا فلم تبق من هم ولم تذر
ونحن في روضة للهو يانعة ... كؤوسنا اللهو فيها موضع الزهر
حتى إذا ليلنا ولت كتائبه ... وأقبلت غرة الإصباح في الأثر
تشتت الشمل إلا أن يزورهم ... طيف فهل أحد يعلو على القدر
يا ليلة حسنت عندي مواقعها ... لا أكذب الله, لولا آفة القصر
وددت لو زاد لي في عمرها عمري ... وزيد فيها سواد القلب والبصر
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... وأحسن الناس في بدو وفي حضر
إن كان للنيرين المستضا بهما ... نسل فإنكه لا شك فافتخر
ومن شعره: (سريع)
ثلاثة يجهل مقدراها ... ألأمن والصحة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرها ... لو أنه در وياقوت
وأدبه مشهور. وقد ذكرت له قطعة في باب علي.
стр. 275
حرف القاف
ومنهم:
١٥٣- قاسم بن سعدان بن ابراهيم
أندى, من أهل رية, سكن قرطبة. يكنى أبا محمد. سمع من عبد الله بن يحيى, وطاهر بن عبد العزيز, ومحمد بن عمر بن لبابة, واسلم بن عبد العزيز, وابن أبي تمام, وأحمد بن خالد, وابن أيمن, وعبد الله بن يونس, وعثمان بن عبد الرحمن, ومحمد بن قاسم, وقاسم بن أصبغ, والحسين بن سعد, وأحمد بن زياد, وأحمد بن محمد الحسني, وغيرهم. ورحل إلى محمد بن فطيس وسمع منه كثيرا. وكان ﵀ ضابطا لكتبه متقنا لروايته, حسن الخط جيد الضبط, عالما بالحديث بصيرا بالنحو والغريب والشعر,. ولا أعلم أحدا بالأندلس أعنى بالكتاب عنايته. ولن يزل في نسخ ومقابلة إلى أن مات. ولم يحدث. وحبس كتبه, فكانت موقفة عند محمر ابن أبي دليم. وتوفي ﵀ ليلة لا أحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. ذكره ابن الفرضي.
ومنهم ١٥٤- قاسم بن محمد بن قاسم الصدفي
﵀. من أهل شذونة. وكان رحمه اله رجلا صالحا مقرئا ومعلما لكتاب الله تعالى, معنيا بالحديث. أخذ عن السهيلي وابن الفخار, وابن بونه, وابن حبيش, وابن حميد. اجتاز على مالقة في سنة سبع وعشرين وستمائة. وتوفي بعد ذلك بيسير.
ومنهم:
стр. 276
١٥٥- القاسم بن عبد الرحمن بن دحمان الأنصاري
يكنى أبا محمد, وهو المدعو بالأستاذ الكبير. أصله من وادي الحجارة, ثم انتقل أبوه منه بسبب النصارى إلى مدينة بلنسية, وولد الفقيه أبو محمد بها سنة خمس وثمانين وأربعمائة, ثم انتقل إلى مالقة إثر تغلب الروم على بلنسية. وكان الأستاذ أبو محمد هذا من جلة العلماء المقرئين حافظا ضابطا رواية ثقة من أهل الفضل والدين المتين. أخذ عن أبي علي بن يملى. قال شيخنا الفقيه المحدث الرواية أبو عبد الله البلنسي: أخبرني, يعني الأستاذ أبا محمد, أنه تلا بالسبع مع خمسين رواية عن نافع, وأربعين ومائة عن ابن كثير, على المقرئ أبي علي بن يملي. وأخذ أيضاً عن أبي الحسين ن محمد بن الطراوة, وعن الأديب أبي عبد الله بن سليمان, وعن ابن الغماد. ومحله في العلم وشهرته تغني عن الإطالة فيه, والحمد لله. ذكره صاحب الخبر قال: هو من مالقة, أخذ عن ابن الوحيدي, وأبي بحر, وأبي عبد الله بن الحاج, وأبي القاسم بن ورد, وحفيد مكي, وغيرهم.
حرف السين
ومنهم
١٥٦- سالم بن صالح الهمداني
يكنى أبا عمرو. وكان ﵀ من جلة المحدثين والأدباء النبهاء حافظا للغات عالي الرواية كثير الضبط والإتقان. أخذ عن أبي عبد الله بن زرقون, وأبي بكر بن الجد, وأبي محمد بن عبيد الله وأبي زيد السهيلي وأبي عبد الله بن الفخار, وغيرهم. وكان ﵀ أديباً شاعرا فاضلا لوذعيا متواضعا, حسن الصحبة, جميل العشرة, حسن العقيدة, كثير العبرة عند ذكر النبي ﷺ , كثير الخشوع عند سماع أخباره, نفعه الله بذلك بمنه.
ومن شعره يصف رمحا:
أنا الرمح المعد إلى النوائب ... فصاحبني تجدني خير صاحب
стр. 277
لئن فخر اليراع بكتب خط ... فللخطي فخر بالكتائب
وله فيه:
أنا في الشيبة كالصل الذكر ... طلت حتى نبت عن ليل الذكر
ثم من أإرب شيء أنني ... لم أطل إلا لتقصير العمر
وله فيه:
آمن من سطوة النوائب ... من جعل الرمح خير صاحب
وبات في صحة وآمن ... لذيل برد الفخار ساحب
وله وقد وصل أبو علي بن أرقندال إلى منزله, ولم يكن حاضرا:
أصبحت عن خطب الزمان بمعزل ... مذ زار بيتي نجل أراقندل
وتشرفت تلك البقاع وأشرقت ... بضياء غرته وأخصب منزلي
وأعلى على أوج الزمان محلها ... بأبي علي, فهي تنظر من عل
والترب مذ وطئته أخمص نعله ... أزري شذاه بطيب عرف المندل
قد كان حقي أن أزور محله ... فأحل بالخضراء أمنع معقل
حيث التقى ماء الفرات بجدول ... عذب, ويا شوقي لذاك الجدول
ذاك المحل أقيم فهي صبابة ... من أجل هذا الأفضل بن الأفضل
زين الندي وقطب أرباب الندى ... عين الجزيرة والخطيب المقول
فالله يبقيه ويجمع شملنا ... معه فنظفر بالنعيم اللأطول
ثم السلام عليه ما هطل الحيا ... وانهل صوب العارض المتهلل
وله, وقد سيق زهر لأبي علي بن كسرى, فأعجبه, فقال أبو عمر:
يا مغرما بالزهر, زهر جلالكم ... أربى على زهر الرياض وزادا
لو أستطيع جعلت ربعك كعبتي ... وتخذت من تلك المكارم زادا
وله, وكتب بها إلى خالي:
стр. 278
يا من إذا بين أهل العلم كالعلم ... أزلت بعض الذي اشكو من الألم
أعملت فكري يا من لا مثال له ... في العلم والحلم والآداب والحكم
في قصة أنت تدري سر ميسمها ... جلوتها كجلاء البدر في الظلم
أثبت خيرا, أبا عبد الإله, على ... من بات يشكر ما أوليت من نعم
حتى ثنى جيده بالجيد ملتفتا ... إلى رب الجدا والجود والكرم
شخص السماح ومعنى كل معلوة ... من خص بالخلق المحمود والشيم
وأكتب الناس, إن هزت يراعته ... فيخفق السيف إن الفضل للقلم
إذا وشى سطر خط فوق مهرقة ... فالدر ما بين منثور ومنتظم
أقسمت أن المعالي في الورى قسم ... حاز ابن مقلة فيها أبخس القسم
سما إلى الأفق الأعلى, فهمته ... ما همها غير أن تسمو على الهمم
موفر العرض, لكن وفر نائله ... مقسم في ذوي الإثراء والعدم
مرفع القدر مشهور تواضعه ... يسدي ويعطي ويرعى خالص الذمم
فلذ بحرمته إن كنت مهتضما ... تأمن كأنك قد أصبحت في الحرم
إن جئته سائلا عن حاجة صعبت ... في الحين تقضى ولم تبرح ولم ترم
وإن شكوت إليه جور مظلمة ... لم يرقد الليل إشفاقا ولم ينم
فاردد جوابي فقد أصبحت في قلق ... محالف الوجد والأشجان والسقم
فأجابه خالي رحمة الله عليهما:
مالي يد بالذي أوليت من نعم ... ولا أطيق حياتي شكرها بفمي
ولست أسطيع وصف بعضها أبدا ... حتى أؤلف بين الماء والضرم
صحيفة قر أتتني منك محكمة ... كأنها راحة تهدى إلى سقم
بدا بها عند ما عاينت أحرفها ... لاحت كمسك على الكافور منتظم
شعر مصوغ من الشعرى ومرزمها ... ومن عقيق ومن در ومن حكم
شتى, وألفها السحر الحلال به ... كأن هاروت بين الفكر والقلم
كأنما كوكب في كل قافية ... ما أحسن الشهب في الألفاظ والكلم
إن كان زهراً فمن يمناك منبته ... وإنما تنبت الأزهار بالديم
أو كان درا فأنت البحر في أدب ... وعادة البحر قذف الدر للأمم
стр. 279
وافت بخط لوان الوشي أبصرة ... أقر بالفضل للأقلام في القدم
ومنها:
أكرم بمرسلها من ماجد ورع ... حلو الشمائل والأخلاق والشيم
قد رق طبعا وقد راقت شمائله ... فهو الوجود ولك الناس كالعدم
ومنها:
وصاغه الله من فضل ومن أدب ... حتى اغتدى فوق أنف المجد كالشمم
من آل سالم من قول لهم حسب ... يضيء كالبدر جلى ليلة الظلم
الحالمون علوم الدين إن تركت ... والحاكمون صروف الدهر بالحكم
فلو رآهم زهير لانثنى لهم ... بمدحه وتعدى القول عن هرم
فيا أبا عمرو الأعلى, نداء أخ ... لم يرم في شكر ما أوليت بالسأم
نوهت باسمي في شعر بعثت به ... حتى رأيت الثريا فوقها قدمي
ألزمتني فيه حقا لا أفراقه ... عمري كما ألزم التأكيد للقسم
لئن مدحت فلي قربى شرفت بها ... ما إن يفي خاطري عن ذكرها بفمي
ومنها:
أرضعتني بلبان العلم مغتديا ... به, فحسبي من قربى ومن رحم
بعثت لي ببنات الفكر محكمة ... حرائرا, فلذا وجهت بالخدم
وما قصدت, وحاشا, أن أماثلها ... ومن يماثل بين السيف والزلم
وإن تكن صفة للشعر تجمعها ... فليس حمرة خد كاحمرار دم
ومن شعره وكتب إلى الفقيه الأستاذ عبد الله الاستجي:
عدمت لذيذ العيش بعدك والكرى ... وأشغلت قلبي لوعة وتذكرا
وكم ليلة قد بت فيها مولها ... مخافة نفس أن تذوب تحسرا
أقابل مسرى الريح من نحو أرضكم ... فيحرمني برد النسيم إذا سري
لقد خاب ما أملت مذ سرت عنكم ... ومن ركب الآمال لم يحمد السرى
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... عرفت جلي الأمر لما تنكرا
стр. 280
وأتحفني فكري فوائد جمة ... فما زدت إلا عبر وتفكرا
يقولون لي صبرا على البعد والنوى ... ومذ بنت عني ما رزقت تصبرا
ومما شجاني أنني بت مغرما ... بأزهر يحكي البدر حسنا ومنظرا
يؤرق جفني منه غنج محاجر ... تعد منام الجفن حجرا محجرا
ولولا الذي أخشاه من جور حكمه ... لحدثتك الأمر الخفي كما جرى
وبحت بمكنون الضمير إليكم ... وأظهرت وجدا كان في القلب مضمرا
ولا بد من شكوى فتعذر مذنفا ... حليف سقام, أو يموت فيعذرا
ومنها:
ولكنه مذ لاح لام عذاره ... تجنى فلا يلوي على من تعذرا
ومنها:
شراني ببخس وهو في الحسن يوسف ... وما باعني إلا بأرخص ما اشترى
فيمسي إذا ما أظلم الليل, ظالمي ... ويهجر إن صام النهار وهجرا
ولا ذنب إلا أنني بحت باسمه ... ولا بد للمحزون من أن يتذكرا
فكن ناصري عن شئت في موقف الهوى ... فحق لمثلي أن يعان وينصرا
ألست الذي تزهى به أرض رية ... فريا رباها فاح مسكا وعنبرا
ومنها:
ونحن بنو همدان والأصل واحد ... نما فرعنا في المكرمات وأثمرا
ومنها:
ولولا حلول الشيب كررت منشدا ... "سما لك شوق ما كان أقصرا"
فجاوبه الأستاذ أبو عبد الله بقصيدة منها:
بنفسي غزال لم يدع لي تصبرا ... وزدت خضوعا حين زاد تكبرا
وما صغر المحبوب, لكن همومه, ... على قلب من يهواه أعلى وأكبرا
ولو أن محبوبي تعذر لم أخف ... على الوصل يوما أن يرى قد تعذرا
стр. 281
فيا واحد الأزمان علما ومنصبا ... ويا شيخي الأعلى الأجل الموقرا
تعال لكي نحتال في نيل مطلب ... فندرك وصلا, "أو نموت فنعذرا"
وأنت حسام فيه للعلم جوهر ... فكن لي على الدهر الحسام المجوهرا
وهل حلية العشاق إلا رغيبة ... وقد بايعوا منك الأمير المؤمرا
فهز رماح الخط وانشر بنوده ... وقد من معانيك البديعة عسكرا
فإنك منصور لدى موقف الهوى ... فلم تعط جيش الشعر إلا لتنصرا
وقصر حياة العاذلين فكلهم ... وشى بجميع العاشقين وقصرا
ومنها:
وجرد على من كان أبيض أبيضا ... اشرع إلى من كان أسمر أسمرا
وقم بيننا في منبر العز خاطبا ... فمثلك (حقا) من رقى اليوم منبرا
وعظ كل وسنان المدامع أزهر ... ليضحى زمان الصب وسنان أزهرا
فنقطف من تلك السوالف سوسنا ... ونرشف من تلك المراشف سكرا
ومنها:
أعالمنا المشهور في كل بلدة ... ومن لم يزل من حاجب الشمس أشهرا
ومنها:
وليس مشيبا ما علاك, وإنما ... رياض المعالي فوق فوديك نورا
لك الله يا مولاي ذكرت خاطري ... بأشياء تشجي الصب مهما تذكرا
وسميت لي دهرا تصرم وانقضى ... وعيشا لدى الخضراء فينان أخضرا
زمان التقى البحران: علم ولجة ... فكنت به أصفى وأندى وأطهرا
ومنها:
وحقك ما قصرت في حق صاحب ولكنني لم ألق إلا مقصرا
إذا ما دنا مني تصور ثعلبا ... ومهما نأى عني تصور قسورا
وإن أنت عاينت التذلل من أخ ... فلا تعتقد من ذاك إلا تجبرا
فما من حياء تكتسي النار حمرة ... ولا من سقام معدن التبر أصفرا
стр. 282
ومنها:
وخبرني عن شاذن الريم أنه ... غدا صفو ماء الوصل منه مكدرا
أمولاي أرسل سحر نظمك نحوه ... فلم أر منه للبرية أسحرا
ومنها:
لعل غزال الريف يكسب رأفة ... فيهجر ذا عذل أساء وأهجرا
وهي من التعنيس صنعة فاعل ... يريك له في ساحة الصدر مصدرا
ومنها:
أمولاي قد قلدت جيدي قلادة ... يباع بها در المعالي ويشترى
وأسكرني للحين فرط انطباعها ... ولم أدر أن الشعر يوجد مسكرا
ومن لي بأن أحكي الحميا بحمأة ... وآتي بأمثال الثريا من الثرى
وأوجب شيء حين يظهر نظمكم ... لمثن بنظم الشعر أن يتسترا
وله أيضاً:
إلهي قد عصينا منك ربا ... تعالى أن يقابل بالمعاصي
فكيف خلاصنا من هول يوم ... تشيب لهوله سود النواصي
وتوفي الفقيه أبو عمرو ﵀ يوم الاثنين لثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المعظم عام عشرين وستمائة.
ومنهم:
١٥٧- سليمان المعروف بابن الطراوة
يكنى أبا الحسن, وهو الفقيه المشهور بابن الطراوة. كان ﵀ إماما في صنعة العربية, عارفا بها محققا لها متصرفا في غيرها من العلوم, جليل المقدار,
стр. 283
معروف العلم. عنه أخذ الأستاذ أبو زيد السهيلي ﵀. وكان أبو الحسين هذا أديبا شاعرا. فمن شعره ﵀: (بسيط)
أعوذ بالله من حال يزين لي ... بغض اللسان وحب البغي والفندا
أيا فلان (كفى) والله لو ظهرت ... لك الحقائق ما نازعتها أبدا
ولو خلوت لحلواها ولذتها ... لما عدلت بها مالا ولا ولدا
الجد في الدين نور يستضيء به ... من لا يصر على عميائه حسدا
لكن دنا بأناس رين أفئدة ... تحملوها فقد تاهت ذرى وندى
لا يستفيقون حوطا في عواقبه ... من الجهالة حتى يوقدوا كمدا
فاربأ بنفسك لما كنت ناصحها ... عن أن تموت صدى أو أن تعيش سدى
واكسب بدنياك علما تطمئن له ... واذكر لأخراك خوفا أن تموت غدا
ولا تصخ لمقال السوء تسمعه ... وإن نطقت فحاول منطقا سددا
وللشباب إذا عاشرتهم كرب ... (له هموم) فكن عن جمعهم فردا
وله ﵀ في قوم خرجوا للاستسقاء, والنهار مغيم, والرذاذ ينزل. فلما برزوا للمصلى, رجع الصحو: (كامل)
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... بحرية يبدو لها رشح
حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لأعينهم بها نضح
كشف الغطاء إجابة لهم ... فكأنما خرجوا ليستصحوا
ومنهم:
١٥٨- سليما بن أحمد يعرف بكثير
اجتاز على مالقة وأقام بها مدة. وكان حافظا للأدب واللغات والتواريخ.
стр. 284
وكتب لبعض السادات. وكان شاعرا أديبا كاتبا لوذعيا, من أهل الذكاء والفطنة رحمة الله عليه. ومن شعره: (سريع)
يا قارئ الخط بلمس البنان ... ينيبها اللفظ مناب العيان
أشكل في غيرك هذا, ول ... كن بان في فعلك كل البيان
ولو توارى شمته لاحظا ... ما عاق ذاك اللحظ عنه صوان
فكم تعري جننا نافدا ... صدور ما بدا لكم من جنان
من لم يلاحظ بفهم يجز ... عليك ما لم يره في الزمان
يا من أتى بوقعة ضارعت ... من خارق العادة ما قبل كان
يا صورة بدعا أرتنا من ال ... حسن فنونا لم تنلها الحسان
أرى لساني إذ يطول وقد ... قصر عن وصفك ذاك اللسان
قابلني من بعد يأس من الل ... يل: هوى, بل ضمني قرط بان
وقد قبلت اللوم من لائم ... فيك فهل لي من صدود أمان
ومنهم:
١٥٩- سليمان بن داود بن عبد السلام بن عمثيل
يكنى أبا أيوب, من بيت حسب وجلالة وعلم وشرف الأصالة, معلوم المكان. وقد تقدم ذكر بعض أسلافه فيما مضى من الكتاب. وكان أبو أيوب من العلم والوجاهة, جليل المقدار, فقيها مشاورا. أخذ عن شيوخ جلة وقيد وروى. ومن أغرب ما نقلت من خط ... قال: ألفيت بخط الفقيه الفاضل الأديب الكامل أبي محمد غانم بن وليد المخزومي, قال: وجدت بخط الفقيه الجليل أبي
стр. 285
أيوب سليمان بن داود بن عمثيل ﵁, رواية له عن بعض شيوخه, أن رجلا من الصالحين رأى يحيى بن أكثم القاضي ﵀ في المنام فقال له: ما فعل الله بك. قال أوقفني ربي ﵎ بين يديه, وقال لي: يا شيخ السوء, لولا شيبتك لأحرقتك بالنار. قال: فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه. فلما أفقت قلت: ما هكذا يا رب حدثت عنك. فقال ﵎: ما حدثت عني, وهو أعلم بذلك. فقلت: حدثني عبد الرزاق بن همام الصنعاني, عن معمر بن راشد, عن محمد بن شهاب الزهري, عن أنس بن مالك, عن نبيك محمد ﷺ , عن جبريل, عنك يا عظيم, أنك قلت: ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة فأعذبه بالنار. قال: فقال الله ﵎: صدق جبريل, وصدق نبيي محمد, وصدق أنس بن مالك, وصدق محمد بن شهاب الزهري, ومصدق معمر بن راشد وصدق عبد الرزاق بن همام الصنعاني, أنا قلت ذلك, انطلقوا به إلى الجنة. قال يحيى: يا لها من فرحة. جعلنا الله من أهل الجنة بمنه وكرمه.
ومنهم:
١٦٠- سليمان بن عمثيل بن يحيى بن أحمد بن داود العاملي
يكنى أبا أيوب, من وجوه مالقة وذوي الشرف والأصالة فيها, قديم الحسب معلوم التعين, يرجع بيته إلى عاملة النازلين برية. وهو على ما ألفيت في بعض التعاليق: سليمان بن داود بن عبد السلام بن عمثيل بن عكار بن قيدون بن شرف بن خزيمة بن زياد بن شمر بن بشر بن حي بن عوف بن مالك بن قاسط بن الزاهر بن عاملة بن سبأ الأكبر بن يشجب بن عابر بن قحطان بن يعرب بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح, وهو آدم الصغير ﷺ . وشمر المذكور في هذا النسب هو الداخل (إلى) الأندلس. وكان أبو أيوب سليمان المتقدم الذكر, معدودا في طلبة مالقة ونبهائها. ولي القضاء بجهاتها مدة. وناب عن والده بمالقة أيام كونه
следующие страницы →