← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9273

الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية

حسام الدين عفانة

Полный текст (63 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

تقديم بقلم الدكتور موسى البسيط عميد كلية الدعوة والعلوم الإسلامية - أم الفحم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد لم يكن الإسلام يوماً ليحجر على العقول فيقيد حريتها في التفكير أو يلجمها بلجام التقليد الأعمى وقد انعكس ذلك على الفقه الإسلامي بصورة جلية واضحة، فوجدناه يمتاز عن سواه بالسعة والثراء. كيف لا! وللباحث حرية التفكير والبحث وفق الأسس العلمية التي سار عليها فقهاء الأمة، من اتباع للدليل وفهم ثاقب سليم له حسب منهج السلف الصالح في تفسير النصوص وفهمها والتثبت منها ومراعاة أصول الفقه مع مجانبة الهوى والشهوة. وكان تأثير ذلك أن تكونت المذاهب الفقهية مشكلة أطراً ومدارس فاختلاف فقهائنا ولله الحمد دليل صحه، وإمارة على الخصوبة الفكرية. على أنه ظهر في عصور مختلفة من التاريخ الإسلامي من لا يسلك مسلك السلف من الفقه والتفقه من حيث اتباع الهوى حيناً وتقديم العقل على النقل حيناً آخر ومحاكمة النص محاكمة عقلية مجردة، ومخالفة الطريق القويم المعهود في فهم المنقول حتى أفرز ذلك آراءً فقهية مستهجنة توصف بالشذوذ والنكارة. فكان لهؤلاء - ولا شك - الأثر السيء في مسيرة الأمة، من إحداث المعوقات وإثارة المشكلات وفتح الثغرات.

стр. 3

وإن هذا الكتاب ليتناول مسألة هامة من مسائل الفقه الاجتماعية ألا وهي حكم مصافحة المرأة الأجنبية. ولقد عمت البلوى بها في أوساط المسلمين حتى ليخيل للناظر أن مصافحة الأجنبية مباحة وينكر على من يرى حرمتها. وقد اتبع أخونا الدكتور حسام الدين عفانه الطريق الأمثل في معالجة هذه القضية ودرس نصوصها وتوجيه أدلتها التوجيه اللائق بها حتى خرج بنتيجة مفادها تحريم مصافحة الأجنبية وهو الحق الذي يسنده النقل والعقل ومقصد الشريعة فأوقفنا على الصواب بعد استفراغ الجهد في بيان مواقف أتباع المذاهب الفقهية وعرض أدلتها، وأدلة المخالفين ومناقشتها بما لا يدع مجالاً لشلك ولا للتخبط. فجزى الله أخانا خير الجزاء ونفع الله بجهده وبارك فيه إنه سميع مجيب.

стр. 4

مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ... وبعد فقد سئلت كثيراً عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية خلال دروس في المسجد الأقصى المبارك وخلال محاضراتي العامة، ولما كنت أجيب بما أعلمه في هذه المسألة وهو تحريم ذلك كان يقال أن طائفة من الناس يقولون بإباحة مصافحة المرأة الأجنبية ويستدلون بحديث أم عطية ﵂ وفيه: (فقبضت امرأة منا يدها) وغيره، فرغبت أن أبحث هذه المسألة بحثاً حديثياً

стр. 5

وفقهياً موسعاً، فجمعت ما وقفت عليه من الأحاديث الواردة في المسألة وذكرت أقوال جماعة كثيرة من أهل العلم قديماً وحديثاً ممن وقفت على أقوالهم فتبين لي بعد البحث والتمحيص أن المسألة متفق عليها بين علماء الإسلام وأن حكمها التحريم وأن القول المخالف حديث العهد ولم يقل أحد بجواز المصافحة للأجنبية قبل الشيخ تقي الدين النبهاني فيما أعلم. وقد ذكرت أدلة العلماء على التحريم وأتبعتها بذكر أهم الشبهات التي بني عليها القول الشاذ بالإباحة ورددت عليها وأبطلتها. وقد رجعت إلى المصادر الأصلية في التفسير والحديث وأصول الفقه والفقه وخرّجت الأحاديث التي ذكرتها، ونقلت أقوال المحدثين في ذلك. وفي الختام أسال الله العظيم أن يفقهنا في الدين وأن ينفعنا بما علمنا وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع قريب مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د. حسام الدين عفانه أبوديس - القدس الأربعاء ٢٥ شوال ١٤١٤ هـ / وفق ٦ نيسان ١٩٩٤ م

стр. 6

المبحث الأول تعريف المصافحة المصافحة: هي الأخذ باليد، أي وضع صفح الكف على صفح كف غيره. قال الجوهري: [والمصافحة الأخذ باليد والتصافح مثله] (١). وقال الفيومي: [صافحته مصافحة أفضيت بيدي إلى يده] (٢). وقال ابن منظور: [وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه] (٣). وقال الحافظ ابن حجر: [هي مفاعلة من الصفحة، والمراد بها الإفضاء بصف: [هي مفاعلة من الصفحة، والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد] (٤).

стр. 7

المبحث الثاني تحديد المراد بالمرأة الأجنبية من هي المرأة الأجنبية؟ المرأة الأجنبية: هي التي يحل للشخص نكاحها، وهي غير القريبة المحرم وغير الزوجة. (١) والمحارم من النساء هن اللواتي لا يحل نكاحهن تأبيداً أو مؤقتاً، والأصل في التحريم قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... ) الخ الآية. (٢) وقول الرسول ﷺ : (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) (٣). وقوله ﷺ : (إن الرضاعة تحرم ما ترحمه الولادة) (٤). وقوله ﵊: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) (٥).

стр. 8

والمحرمات من النساء ثلاثة أنواع: الأول: المحرمات من النسب: وهن سبع الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت، وهن محرمات على التأبيد فلا يحل الزواج بهن بحال من الأحوال. ويدخل في قولنا الأمهات الجدات وإن علون، ويدخل في قولنا البنات بنات البنين وبنات البنات وإن نزلت درجتهن، ويدخل في قولنا الأخوات الأخوات لأب والأخوات لأم. الثاني: المحرمات من الرضاع: وهن سبع أيضاً كما في المحرمات من النسب وهن الأمهات من الرضاعة، والبنات من الرضاعة، والأخوات من الضراعة، والعمات من الرضاعة، والخالات من الرضاعة، وبنات الأخ من الرضاعة، وبنات الأخت من الرضاعة. الثالث: المحرمات بسبب المصاهرة: ١. زوجة الأب ويشمل ذلك زوجة الجد. ٢. زوجة الابن ومثلها زوجة ابن الابن وزوجة ابن البنت وإن نزلت درجتهن. ٣. أم الزوجة ومثلها جدتها سواء كانت الجدة من جهة الأب أو من جهة الأم. ٤. بنت الزوجة وإن نزلت درجتها بشرط أن يكون الزوج قد دخل بأمها.

стр. 9

وأما المحرمات حرمة مؤقتة فهن: أخت الزوجة والمطلقة ثلاثاً والمشغولة بحق زوج آخر بزواج أو عدة والتي لا تدين بدين سماوي والخامسة لمن عنده أربع زوجات. وهناك تفصيلات واستثناءات في هذا الباب تراجع في مظانها من كتب الفقه. (١)

стр. 10

المبحث الثالث حكم مصافحة المرأة الأجنبية وأقوال العلماء في ذلك اتفق علماء الأمة من السلف والخلف من أهل التفسير والحديث والفقه وغيرهم على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية ولم يعرف لهم مخالف على مر العصور والأزمان - فيما أعلم - إلا ما أحدث في هذا العصر من قول شاذ يرى صاحبه أن مصافحة المرأة الأجنبية من قبيل المباح كما سيأتي. وهذه أقوال العلماء في هذه المسألة من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم يبينون فيها أن مصافحة المرأة الأجنبية حرام شرعاً للأدلة التي سنذكرها بعد ذلك: أولاً: أقوال علماء المذاهب الأربعة: (أ) أقوال الحنفية: ١. قال الإمام المرغيناني صاحب كتاب الهداية: [ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن كان يأمن الشهوة]. (١)

стр. 11

٢. وقال السمرقندي: [وأما المس فيحرم سواء عن شهوة أو عن غير شهوة وهذا إن كانت شابة. فإن كانت عجوزاً فلا بأس بالمصافحة إن كان غالب رأيه أنه لا يشتهي، ولا تحل المصافحة إن كانت تشتهي وإن كان الرجل لا يشتهي]. (١) ٣. وقال صاحب الاختيار: [ولا ينظر إلى المرأة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن لم يخف الشهوة، فإن خاف الشهوة لا يجوز إلا للحاكم والشاهد ولا يجوز أن يمس ذلك وإن أمن الشهوة]. (٢) ٤. وقال صاحب الدر المختار: [فلا يحل مس وجهها وكفها وإن أمن الشهوة]. (٣) ٥. وقال الزيلعي: [ولا يجوز له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن أمن الشهوة لوجود المحرم وانعدام الضرورة والبلوى]. (٤) ٦. وقال الكاساني: [وأما حكم مس هذين العضوين - الوجه والكفين - فلا يحل مسهما]. (٥) ٧. وقال صاحب ملتقى الأبحر: [ولا إلى الحرة الأجنبية - أي ولا ينظر - إلا إلى الوجه والكفين إن أمن الشهوة وإلا فلا ... ولا يجوز مس ذلك وإن أمن الشهوة إن كانت شابة ... ]. (٦)

стр. 12

(ب) أقوال المالكية: ٨. قال الإمام ابن العربي: [قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) عن عروة عن عائشة قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يمتحن إلا بهذه الآية (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)) قال معمر فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما مست يده يد امرأة إلا امرأة يملكها. وعن عائشة أيضاً في الصحيح: (ما مست يد رسول ﷺ يد امرأة وقال إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة). وقد روي أنه صافحهن على ثوبه. وروي أن عمر صافحهن عنه وأنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن، وذلك ضعيف وإنما ينبغي التعويل على ما روي في الصحيح] (١). ٩. وقال الإمام ابن العربي أيضاً: [كان النبي ﷺ يصافح الرجال في البيعة تأكيداً لشدة العقدة بالقول والفعل فسأل النساء ذلك فقال لهن قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة ولم يصافحهن لما أوعز إلينا في الشريعة من تحريم المباشرة لهن إلا من يحل له ذلك منهن]. (٢) ١٠. وقال الباجي: [وقوله ﷺ : (إني لا أصافح النساء) لا أباشر أيديهن بيدي. يريد - والله أعلم - الاجتناب، وذلك أن حكم مبايعة الرجال المصافحة، فمنع ذلك في مبايعة النساء لما فيه من مباشرتهن). (٣)

стр. 13

(جـ) أقوال الشافعية: ١١. قال الإمام النووي: [ ... وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه فإن النظر إليه حرام ... وقد قال أصحابنا كل من حرم النظر إليه حرم مسه بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك]. (١) ١٢. وقال الإمام النووي أيضاً بعد أن ذكر حديث عائشة - سيأتي -: [فيه أن بيعة النساء بالكلام وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة وأن صوتها ليس بعورة وأن لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبيب وفصد]. (٢) ١٣. وقال الحافظ بن حجر أيضاً: [وفي الحديث - حديث عائشة - أن كلام الأجنبية مباح سماعه وأن صوتها ليس بعورة ومنع لمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة لذلك]. (٣) ١٤. وقال الحافظ بن حجر أيضاً: [ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن]. (٤) ١٥. وقال العلامة الحصني: [وأعلم أنه حيث حرم النظر حرم المس بطريق الأولى لأنه أبلغ لذة]. (٥)

стр. 14

١٦. وقال الحافظ العراقي: [وفيه - حديث عائشة - أنه ﵊ لم تمس يده قط يد امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينه لا في مبايعة ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلك مع عصمته وانتفاء الريبة في حقه فغيره أولى بذلك، والظاهر أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمه عليه ... ]. (١) ١٧. وقال الحافظ الحازمي: [وردت في الباب أحاديث ثابتة تصرح بأن النبي ﷺ لم يصافح امرأة أجنبية قط في المبايعة وإنما كان يبايعهن قولاً ... ]. (٢) ١٨. وقال الشيخ برهان الدين الجعبري بعد أن ساق حديث أميمة -سيأتي-: [وهذا صحيح يدل على حرمة مصافحة النساء في المبايعة وغيرها]. (٣) (د) أقوال الحنابلة: ١٩. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويحرم النظر بشهوة إلى النساء والمردان ومن استحله كفر إجماعاً ويحرم النظر مع وجود ثوران الشهوة وهو منصوص الإمام أحمد والشافعي .. وكل قسم متى كان معه شهوة كان حراماً بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع النظر أو كانت شهوة الوطء واللمس كالنظر وأولى]. (٤)

стр. 15

وقال ابن مفلح: [فتصافح المرأةُ المرأةَ والرجلُ الرجلَ والعجوزَ والبرزةَ غير الشابة فإنه يحرم مصافحتها ذكره في الفصول والرعاية]. (١) ٢١. ونقل ابن مفلح عن محمد بن عبد الله بن مهران أن أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - سئل عن الرجل يصافح المرأة قال: [لا وشدد فيه جداً، قلت يصافحها بثوبه. قال: لا]. (٢) ٢٢. وقال السفاريني: [ ... إلا الشابة الأجنبية فتحرم مصافحتها كما في الفصول والرعاية وجزم في الإقناع كغيره لأن المصافحة شر من النظر]. (٣) ٢٣. وقال صاحب منار السبيل: [ويحرم النظر لشهوة أو مع خوف ثورانها إلى أحد ممن ذكرنا. ولمس كنظر وأولى لأنه أبلغ منه فيحرم المس حيث يحرم النظر]. (٤) (هـ) أقوال العلماء المعاصرين: ٢٤. قال الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني: [وفي الحديث: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط ... ) وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك]. (٥)

стр. 16

٢٥. وقال الدكتور وهبي الزحيلي: [وتحرم مصافحة المرأة لقوله ﷺ : (إني لا أصافح النساء)]. (١) ٢٦. وقال الدكتور محمد عبد العزيز عمرو: [وانعقد الإجماع كذلك على حرمة مصافحة المرأة الأجنبية الشابة]. (٢) ٢٧. وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: [علمت مما ذكرناه من كيفية بيعة النبي ﷺ للنساء أن بيعتهن إنما تكون بالكلام فقط من غير أخذ الكف وذلك على خلاف بيعة الرجال فدل ذلك على أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة امرأة أجنبية عنه ولا أعلم خلافاً في ذلك عند علماء المسلمين اللهم إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة كتطبيب وفصد وقلع ضرس ونحو ذلك]. (٣) ٢٨. وقال الشيخ محمد أحمد إسماعيل: [اعلموا أيها المسلمون رحمنا الله وإياكم أنه لا يجوز للرجل أن يصافح امرأة أجنبية منه ولا يجوز له أن يلمس شيء من بدنه شيئاً من بدنها]. (٤) ٢٩. وقال العلامة المحدث فضل الله الجيلاني: [فالمصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي ويستثنى من عموم الأمر المرأة الأجنبية والأمرد]. (٥)

стр. 17

٣٠. وقال المحدث شمس الحق العظيم أبادي: [وكان شيخنا العلامة القاضي مولانا بشير الدين بن كريم الدين القنوجي رحمه الله تعالى من أشد المنكرين على ذلك - مصافحة النساء - وله في ذلك رسالة وبسط الكلام في عدم جواز مصافحة النساء وهو الحق]. (١) ٣١. وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي: ... [وأحاديث الباب تدل على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية ولمس بشرتها بغير حائل]. (٢) ٣٢. وقال الشيخ محمد سلطان المعصومي: [أن مصافحة النساء الأجنبيات لا تجوز ولا تحل سواء مع الشهوة أو لا، وسواء أكانت شابة أم لا ... وذلك مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء رحمهم الله]. (٣) ٣٣. وقال الشيخ محمد علي الصابوني: [وقد كانت بيعة الرجال أن يضع يده في يد الرسول ﷺ ويبايعه على الإسلام والجهاد والسمع والطاعة، وأما النساء فلم يثبت عنه أنه صافح امرأة ولا أنه وضع يده في يدها، إنما كانت البيعة بالكلام فقط]. (٤) ثم قال: [ ... ولم يثبت عنه ﷺ أنه صافح النساء في بيعة أو غيرها]. (٥) ٣٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين جواباً على السؤال التالي: هل تجوز مصافحة المرأة الأجنبية؟ وإذا كانت تضع على يدها حاجزاً من ثوب وغيره فما الحكم؟ وهل يختلف الأمر إذا كان المصافح شاباً أو شيخاً أو كانت امرأة عجوزاً؟

стр. 18

قال الشيخان المذكوران، في الجواب: [لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقاً، سواء كن شابات أو عجائز وسواء أكان المصافح شاباً أم شيخاً كبيراً لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: (إني لا أصافح النساء) وقالت عائشة ﵂ [ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام] ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل، لعموم الأدلة ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة]. (١) ٣٥. وقال الشيخان المذكوران في نفس الكتاب جواباً على السؤال التالي: هل يجوز مصافحة النساء الأقارب من وراء حائل؟ قالا: [النساء الأقارب إن كن محارم للإنسان يعني من المحرمات عليه في النكاح فإنه يجوز أن يصافحهن من وراء حائل أو مباشرة لأن المحرم يجوز أن ينظر من المرأة التي هو محرم لها ... وجهها وكفيها وقدميها وما ذكره أهل العلم في ذلك، وأما إن كانت القريبة ليست محرماً فإنه لا يجوز أن يصافحها لا بحائل ولا بدونه حتى لو كانت من عادتهم أن يصافحوهن فإنه يجب على المرء أن يبطل تلك العادة لأنها مخالفة للشرع فإن المس أعظم من النظر وتحرك الشهوة بالمس أعظم من تحركها بالنظر غالباً، فإذا كان الإنسان لا ينظر إلى كف امرأة ليست من محارمه فكيف يقبض على هذا الكف]. (٢)

стр. 19

٣٦. وأجابت اللجنة العامة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية على السؤال التالي: هل يجوز لي أن أسلم على زوجة خالي أخي والدتي مع العلم أنني رضعت مع خالي من جدتي، أم يحرم لكون أنها غير محرم لي؟ الجواب: [لا يجوز لك أن تمس يدك يد زوجة خالك سواء ثبت رضاعك من جدتك أم لم يثبت لأنك أجنبي، أي لست محرماً، أما سلام السنة الذي باللسان فيجوز، قالت عائشة ﵂ في تفسير آية مبايعة رسول الله ﷺ للنساء: (لا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك) رواه البخاري. وعن أميمة بنت رقيقة قالت: [أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، قلنا يا رسول الله ألا تصافحنا، قال: (إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة) رواه أحمد بسند صحيح]. (١) ٣٧. وقد قال بحرمة مصافحة النساء الأجنبيات العلامة الشيخ محمد الحامد وله رسالة في ذلك بعنوان "حكم الإسلام في مصافحة المرأة الأجنبية ". (٢)

стр. 20

٣٨. وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: [ومن عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم وذكر ما جاء في السنة النبوية الشريفة بشأن المس والمصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية يترجح عندي عدم جواز المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية سواء بدأ بالمصافحة الرجل أو بدأت بها المرأة سواء شابين أو عجوزين أو كان أحدهما شاباً والآخر عجوزاً، لأن الأحاديث التي ذكرنا وأفادت حظر المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية جاءت مطلقة دون أن يرد فيها ما يقيد عدم الجواز بالشاب والشابة وجوازها بالنسبة للعجوز]. (١)

стр. 21

المبحث الرابع أدلة العلماء على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية بعد أن ذكرت أقوال أهل العلم من السلف والخلف التي وقفت عليها في تحريم مصافحة المرأة الأجنبية أسوق أدلتهم على ذلك: أولاً: حديث عائشة ﵂ قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي ﷺ يمتحنهن بقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ... ) الخ الآية. قالت: من أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة (١) فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله ﷺ انطلقن فقد بايعتكن. لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام) رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما (٢). وفي رواية للبخاري عن عائشة قالت: (فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ قد بايعتك كلاماً. لا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك). (٣)

стр. 22

وفي رواية أخرى لحديث عائشة عند ابن ماجة: [ولا مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاماً). (١) قال الحافظ بن حجر: [قوله قد بايعتك كلاماً أن يقول ذلك كلاماً فقط لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة]. (٢) وقال الإمام النووي [قولها: (والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام) فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه وأن صوتها ليس بعورة وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبيب وفصد]. (٣) ثانياً: عن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: [أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه فقلن نبيعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ (فيما استطعتن وأطقتن)، قالت: فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله. فقال: (إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة)] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك وأحمد وابن حبان والدارقطني (٤).

стр. 23

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (١) وقال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد صحيح. (٢) وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: إسناده صحيح. (٣) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٤) وفي رواية أخرى عند الترمذي: (فقلت: يا رسول الله بايعنا - قال سفيان تعني صافحنا - فقال رسول الله ﷺ إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة). (٥) وفي رواية أخرى عند عبد الرزاق: (قالت فقلنا ألا نصافحك يا رسول الله فقال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة كقولي لمئة امرأة). (٦) وفي رواية أخرى: (قالت: ولم يصافح رسول الله منا امرأة) رواه احمد والحاكم بسند حسن كما قال الشيخ الألباني. (٧) وهذا الحديث يبين أن النبي ﷺ لم يصافح النساء في البيعة وهو نص صريح في ذلك، وإذا كان النبي ﷺ لم يصافح النساء في البيعة فمن باب أولى أنه لم يصافح النساء في غير البيعة. فالرسول ﷺ مع عصمته ترك مصافحة النساء، فعلينا أن نترك ما ترك رسول الله ﷺ لأنه أسوتنا وقدوتنا.

стр. 24

ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ : (كان لا يصافح النساء في البيعة) رواه الإمام أحمد في المسند. (١) ونقل المناوي قول الهيثمي إسناده حسن. (٢) وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي: [وحسنه الحافظ السيوطي]. (٣) وقال الشيخ الألباني: [وهذا إسناد حسن على ما تقرر عند العلماء من الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كأحمد والبخاري والترمذي وغيرهم]. (٤) رابعاً: روى الإمام الترمذي قال معمر فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: [ما مست يد رسول الله ﷺ إلا يد امرأة يملكها] وقال الشيخ الألباني صحيح. (٥) وفي رواية عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: (كان النبي ﷺ يأخذ عليهن ويقول: لا أصافح النساء) رواه عبد الرزاق. (٦) خامساً: روى أبو نعيم في المعرفة من حديث نُهَيّة بنت عبد الله البكرية قالت: وفدت مع أبي على النبي ﷺ فبايع الرجال وصافحهم وبايع النساء ولم يصافحهن). (٧)

стр. 25

سادساً: عن عقيله بنت عبيد أن النبي ﷺ قال: (لا أمس أيدي النساء) رواه الطبراني في الأوسط وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. (١) وهذه الرواية وما قبلها تشهد لحديث عائشة أن النبي ﷺ لم يصافح النساء في البيعة وهي تؤكد أن عائشة ﵂ لم تنفرد في روايتها أن النبي ﷺ لم يصافح النساء وأن ذلك مبلغ علم عائشة كما زعم بعض الناس، وسيأتي توضيح ذلك عند إبطال شبهات القول الشاذ في هذه المسألة. سابعاً: عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: (لإن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني والبيهقي. قال المنذري: [رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح]. (٢) وقال الشيخ الألباني: [رواه الروياني في مسنده، وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن ... والمِخيَط بكسر الميم وفتح الياء ما يخاط به كالإبرة والمسله ونحوهما وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك]. (٣)

стр. 26

ثامناً: روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محاله، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه). (١) قال الإمام النووي: [معنى الحديث أن ابن آدم قُدر عليه نصيب من الزنا فمنهم من يكون زناه حقيقياً، بإدخال الفرج بالفرج الحرام. ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنى وما يتعلق بتحصيله أو بالمس بأن يمس بيده أجنبية أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنى أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك]. (٢) تاسعاً: إن الإسلام حرم النظر إلى الأجنبية بغير سبب مشروع (٣) بل إن الرسول ﷺ قد حث المسلم على أن يصرف بصره إذا وقع على امرأة أجنبية فقد ثبت في الحديث عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري). (٤) وعن بريده ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقال الألباني حسن. (٥)

стр. 27

قال الشوكاني: [وحديث بريدة فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمد لا يوجب إثم الناظر لأن التكليف به خراج عن الاستطاعة وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريقة التعمد أو ترك صرف البصر بعد نظر الفجأة]. (١) والأدلة على تحريم النظر إلى الأجنبية بدون سبب مشروع كثيرة، وإذا كان النظر محرماً فمن باب أولى اللمس، لأن اللمس أعظم أثراً في النفس من مجرد النظر حيث أن اللمس أكثر إثارة للشهوة وأقوى داعياً إلى الفتنة من النظر بالعين وكل منصف يعلم ذلك كما قال العلامة الشنقيطي. (٢) وقال الإمام النووي: [وقد قال أصحابنا كل من حرم النظر إليه حُرّم مسه، بل المس أشد فإنه يحل النظر إلى أجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك ولا يجوز مسها في شيء من ذلك]. (٣)

стр. 28

هذه أهم الأدلة على حرمة مصافحة المرأة الأجنبية وإن الناظر المخلص في هذه الأدلة ليطمئن إلى صحتها وقوتها في إثبات هذا الحكم الشرعي ويدفعه ذلك إلى العمل به إقتداءً بسيد الخلق محمد ﷺ ، وأما من كان صاحب هوى أو عصبية ويدعو إلى التحلل والتنصل من أحكام الشرع فلا تعجبه هذه الأدلة وقد جئناه بها ساطعة واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار وسيحاول بشتى الطرق والوسائل أن يتمحل في التحلل من هذا الحكم الشرعي الثابت، تارة بالتأويل الفاسد، وأخرى بالاستدلال الباطل، وثالثة باسم الضرورة أو المصلحة أو نحو ذلك من التعليلات الفاسدة والتخريجات الساقطة كما سنرى فيما بعد.

стр. 29

المبحث الخامس القول الشاذ بجواز مصافحة المرأة الأجنبية ذهب الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير إلى جواز مصافحة المرأة الأجنبية وليس له سلف فيما ذهب إليه بل خالف جماهير علماء المسلمين السابقين واللاحقين، فمن أقواله في ذلك: ١. قال النبهاني في كتابه النظام الاجتماعي في الإسلام: [أما بالنسبة للمصافحة فإنه يجوز للرجل أن يصافح المرأة وللمرأة أن تصافح الرجل دون حائل بينهما]. (١) ٢. وقال أيضاً: [وتكون البيعة مصافحة باليد أو كتابة لا فرق بين الرجال والنساء فإن لهن أن يصافحن الخليفة بالبيعة كما يصافحه الرجال]. (٢)

стр. 30

وقول النبهاني هذا معتبر ومتبنى عند حزب التحرير ويقولون به ويصافح كثير منهم النساء ولا يرون بأساً بذلك، ويدافعون عن قولهم هذا دفاعاً مستميتاً بل عن بعضهم سود صحائف كثيرة في نصرة هذا القول وحاول أن يظهر أن أكثر العلماء يقولون بقول النبهاني بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك فقال: [ثم إذا ثبت أن أحداً من الفقهاء قال بتحريم مجرد لمس المرأة سواءً كان بشهوة أو بغيرها تكون المسألة خلافية]. (١) وهذه مكابرة ومعاندة للحق وجهل أو تجاهل لأقوال علماء المسلمين وقد تشبث النبهاني وأتباع حزبه بشبهات كثيرة وحملوا النصوص ما لا تحتمل وسأورد أهمها وأكشف عن وجه الصواب فيها.

стр. 31

المبحث السادس شبهات المخالف والرد عليها الشبهة الأولى: تشبث النبهاني بما فهمه من حديث أم عطية الأنصاري ﵂ قالت: (بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا: أن لا تشركن بالله شيئاً. ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها. فما قال لها النبي ﷺ شيئاً فانطلقت ورجعت فبايعها) رواه الإمام البخاري. (١) قال النبهاني: [فهذا حديث يدل على أن الرسول بايع النساء بالمصافحة بدليل قوله فقبضت امرأة منا يدها) فإن معناها أن النساء الأخريات اللواتي معها لم يقبضن أيديهن وهذا يعني أنهن بايعن بأيديهن أي بالمصافحة (٢) وقال النبهاني أيضاً: [ وهو - أي حديث أم عطية - نص في المصافحة في مفهومه ومنطوقه] (٣) وقال أحد أتباع النبهاني: [وحديث أم عطية نص في وقوع المصافحة ببيعة النساء في مفهومه ومنطوقه، فتكون بيعة النساء بالمصافحة جائزة شرعاً ولا شيء في ذلك]. (٤)

стр. 32

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: إن المراد بقبض اليد في الحديث التأخر عن القبول كما قال الحافظ ابن حجر: [المراد بقبض اليد التأخر عن القبول] (١) ومثل ذلك قوله تعالى في حق المنافقين: (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) فهو كناية عن عدم الإنفاق في سبيل الله، ودليلنا على أن هذا هو المراد بقبض اليد ما جاء في رواية أخرى لحديث أم عطية رواها الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عاصم عن حفصة عن أم عطية قالت: (لما نزلت الآية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ... وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قالت كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله ﷺ إلا آل فلان). (٢) وكذلك ما رواه النسائي عن أم عطية ﵂ قالت: (لما أردت أن أبايع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله إن امرأة أسعدتني في الجاهلية فأذهب فأسعدها (٣) ثم أجيئك فأبايعك، قال: اذهبي فأسعديها، قالت: فذهبت فأسعدتها ثم جئت فبايعت رسول الله ﷺ ) (٤) قال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد. (٥)

стр. 33

إن الناظر في هذه الروايات الثلاث لحديث أم عطية: رواية البخاري ورواية مسلم ورواية النسائي يظهر له أن المراد بقول أم عطية: (فقبضت امرأة منا يدها) التأخر عن قبول المبايعة، فلم تقبل المبايعة مباشرة ولكن أخرتها حتى تذهب لإسعاد المرأة التي أسعدتها في الجاهلية. انظر إلى قولها: (ثم أجيئك فأبايعك). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أم عطية لما قالت: (فقبضت امرأة منا يدها) أنها كانت تقصد نفسها، قال الحافظ: [وفي رواية النسائي قلت أن امرأة أسعدتني في الجاهلية ... وتبين أن أم عطية في رواية عبد الوارث أبهمت نفسها]. (١) يقصد رواية البخاري المذكورة سابقاً لحديث أم عطية، فقد قال البخاري: [حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية الحديث]. (٢) ومن المعلوم أن الحادثة واحدة مع أم عطية فعبرت مرة بقولها: (فقبضت امرأة منا يدها) ومرة بقولها: (فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية) ومرة قالت: (إن امرأة أسعدتني في الجاهلية ... ثم أجيئك فأبايعك). ثم نقول إن حديث أم عطية ليس فيه ذكر للمصافحة أصلاً حتى تزعموا أن قبض اليد معناه الامتناع عن المصافحة. وبهذا يظهر لكل منصف أن تأويل النبهاني لحديث أم عطية تأويل باطل مردود رواية ودراية.

стр. 34

الوجه الثاني: إن الروايات الثابتة والصريحة الواردة في بيعة النبي ﷺ للنساء تؤكد أن الرسول ﵊ لم يصافح النساء في البيعة فمن ذلك ما سبق من حديث عائشة حيث قالت: (لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط غير أنه بايعهن بالكلام). وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو أن الرسول ﷺ كان لا يصافح النساء في البيعة، وما ورد في حديث أميمة بنت رقيقه حيث قالت: هلم نبايعك، قال سفيان - أحد رواة الحديث - تعني صافحنا، فقال رسول الله: (إني لا أصافح النساء) فقول النبي ﷺ هذا قاله في البيعة، فتأويل حديث أم عطية يتناقض مع قول رسول الله ﷺ ، وقوله ﵊ مقدم على قول غيره في جميع الأحوال. وكذلك ما ورد في إحدى روايات حديث أميمة السابق: (قالت: ولم يصافح رسول الله منا امرأة). فهذه الأدلة الصحيحة الصريحة تثبت أن النبي ﷺ لم يصافح أحداً من النسوة في البيعة، فلا ينبغي لمسلم أن يترك هذه الأدلة ويتمسك بتأويل فاسد لحديث أم عطية، وخاصة أن المصافحة لم تذكر في ذلك الحديث أصلاً، ويزعم أن النصوص متعارضة. قال الشيخ الألباني: [وجملة القول أنه لم يصح عن الرسول ﷺ أنه صافح امرأة قط، حتى ولا في المبايعة، فضلاً عن المصافحة عند الملاقاة، فاحتجاج البعض لجوازها بحديث أم عطية الذي ذكرته مع أن المصافحة لم تذكر فيه وإعراضه عن الأحاديث الصريحة في تنزهه ﷺ عن المصافحة لأمر لا يصدر عن مؤمن مخلص]. (١)

стр. 35

الوجه الثالث: إن دعواكم بأن حديث أم عطية نص في المصافحة دعوى لا ينقضي منها العجب وهي دعوى عريضة ينقصها الدليل ويعوزها البرهان، ومستغربة أشد الاستغراب، ولا أدري كيف يكون حديث أم عطية نصاً في المصافحة ولا ذكر للمصافحة فيه بحال من الأحوال. وكيف يكون نصاً في المصافحة في البيعة كما زعمتم، وعائشة وعبد الله بن عمرو وأميمة بنت رقيقة - التي حضرت البيعة - يقولون إن النبي ﷺ بايع النساء دون مصافحة؟ وكيف يكون نصاً في المصافحة في البيعة وأنتم تقولون إن امتناع الرسول ﵊ عن المصافحة امتناع منه عن مباح، فأنتم قد أثبتم أنه ﵊ لم يصافح النساء في البيعة وتقولون هنا أن حديث أم عطية نص في المصافحة فما هذا التناقض؟ الشبهة الثانية: قال النبهاني عن حديث أم عطية: [فهذا حديث يدل على أن الرسول بايع النساء بالمصافحة بدليل قوله: (فقبضت امرأة منا يدها) فإن معناها أن النساء الأخريات اللواتي معها لم يقبضن أيديهن، يعني أنهن بايعن بأيديهن، أي بالمصافحة، وحديث أميمة يقول: (إني لا أصافح النساء) وعائشة تقول: (ما مست يده يد امرأة) وفي هذا تعارض فيكون حديث البيعة بالمصافحة يتعارض مع حديث أنه لم يصافح النساء]. (١)

стр. 36

والجواب: إن دعوى التعارض التي رسمها النبهاني غير صحيحة، فإن التعارض لا يكون بين قول الرسول ﷺ وبين فهم خاطئ فهمه أحد الناس من نص شرعي، وإنما التعارض المعتبر عند الأصوليين هو الذي يقع بين دليلين شرعيين متساويين على سبيل التمانع (١)، فهل هذا متحقق في دعواكم التعارض المزعوم، وإذا أعدنا النظر في هذه الدعوى فماذا نجد؟ نجد قول الرسول ﵊: (لا أصافح النساء) وقول عائشة: (ما مست يده يد امرأة) ثم نجد تأويل النبهاني لحديث أم عطية يعارض قول الرسول ﵊؟ وهل تأويل النبهاني دليل شرعي حتى يعارض قول الرسول ﷺ . والغريب العجيب أن النبهاني يجزم بوقوع مصافحة النساء في البيعة لمجرد تأويله الباطل لقبضت امرأة يدها وكأنه كان حاضراً للبيعة، ويرّد حديث عائشة ﵂ ثم يقولون إن ذلك مبلغ علماها، ولا يأخذون بقول الرسول ﷺ : (إني لا أصافح النساء) مع أنه قاله في البيعة كما في حديث أميمة. فدعوى التعارض ساقطة، ولا تعارض بين النصوص في هذه المسألة إلا في خيالكم، فحديث أم عطية لا مصافحة فيه أبداً وهو منسجم مع بقية الأحاديث في هذه المسألة، وتأويلكم الباطل وتحميلكم للنص ما لا يحتمل جعله في زعمكم متعارضاً مع حديثي عائشة وأميمة وفي الحقيقة والواقع لا تعارض.

стр. 37

الشبهة الثالثة: قال النبهاني: (إن يد المرأة ليست بعورة ولا يحرم النظر إليها بغير شهوة فلا تحرم مصافحتها). (١) والجواب: إن كون يد المرأة ليست عورة كما تقول طائفة من أهل العلم لا يعني جواز لمسها ومصافحتها بل إن العلماء أجمعوا على تحريم مس وجه المرأة وكفيها من غير ضرورة ولو كانا غير عورة عند من يقول بذلك. قال المرغيناني الحنفي: [ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن كان يأمن الشهوة]. (٢) وقال الحصفكي الحنفي صاحب الدر المختار: [فلا يحل مس وجهها وكفيها وإن أمن الشهوة]. (٣) وقال النووي الشافعي: [وقد قال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك]. (٤) وقال الحافظ العراقي: [قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنه يحرم مس الأجنبية ولو في غير عورتها، كالوجه وإن اختلفوا في جواز النظر حيث لا شهوة ولا خوف ولا فتنة، فتحريم المس آكد من تحريم النظر]. (٥) فالذي يظهر لنا من خلال أقوال العلماء السابقة أن لا تلازم بين كون كفي المرأة ليسا بعورة وبين مصافحتها، فإذا جاز النظر إليهما فلا يجوز مسهما ولا تجوز المصافحة.

стр. 38

الشبهة الرابعة: زعموا أن النبي ﷺ صافح النساء بحائل وذكروا بعض الروايات في ذلك منها: ١. عن عامر الشعبي أن النبي ﷺ حين بايع النساء أتي ببرد قطري فوضعه على يده وقال: (لا أصافح النساء) رواه أبو داود في المراسيل وابن كثير في التفسير. (١) والجواب عن هذه الرواية: إن هذا الخبر مرسل لا يصح الاحتجاج به. قال الحافظ أبو بكر الحازمي: [وحديث الشعبي ... منقطع فلا يقاوم هذه الأحاديث الصحاح]. (٢) ٢. ما جاء في إحدى الروايات عن أسماء بنت يزيد: (فقالت له أسماء ألا تحسر لنا عن يدك يا رسول الله فقال: إني لست أصافح النساء) رواه أحمد. (٣) وهذه الرواية: تشعر بأنه ﵊ كان يصافح النساء وعلى يده ثوب، ولكن هذه الرواية ضعيفة لا تقوم بها حجة، وذلك لأن شهر بن حوشب - أحد الرواة - ضعيف. قال الحافظ ابن حجر فيه: [صدوق كثير الإرسال والأوهام] (٤)، وقال الشيخ الألباني: ... [وشهر ضعيف من قبل حفظه] (٥)، وقال أيضاً: [وشهر بن حوشب ضعيف لا يحتج به لكثرة خطئه]. (٦)

стр. 39

وبناء على ما تقدم لا تصح هذه الروايات، والمعول على ما جاء في الصحيح من أنه ﵊ لم يصافح النساء بحائل ولا بدون حائل. وقال الحافظ العراقي: [وقال بعضهم: صافحن بحائل وكان على يده ثوب قطري، وقيل كان عمر يصافحهن عنه. ولا يصح شيء من ذلك لا سيما الأخير، وكيف يفعل عمر ﵁ أمراً لا يفعله صاحب العصمة الواجبة]. (١) وقال الشيخ الألباني بعد أن ساق الروايات المذكورة أعلاه: وكلها مراسيل لا تقوم بها الحجة. (٢) الشبهة الخامسة: زعموا أنه ليس على المسلمين التأسي بالرسول ﷺ في تركه للمصافحة لأن قول الرسول ﷺ : (إني لا أصافح النساء) ليس فيه إلا الامتناع عن الفعل، والتأسي لا يكون إلا بأفعاله وهو لم يفعل شيئاً في هذه الحادثة سوى الامتناع عن الفعل. (٣) والجواب: أن هذا خطأ فاحش فإنه ينبغي أن يعلم أن الترك وهو المعروف عند الأصوليين بالكف يعد فعلاً لقوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) فقد ذمهم الله ﵎ على ترك النهي عن المنكر، وسمي تركهم لذلك فعلاً: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

стр. 40

قال حجة الإسلام الغزالي: [والكف فعل يثاب عليه]. (١) وقال الشوكاني: [ ... لأن الكف فعل]. (٢) فإذا ثبت أن الترك فعل فعلينا التأسي برسول الله ﷺ في ذلك، فهو قدوتنا: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ). (٣) قال الآمدي: [أما التأسي بالغير فقد يكون بالفعل والترك]. (٤) وقال أيضاً: [أما التأسي في الترك فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر في الأفعال على وجهه، وصفته من أجل أنه ترك]. (٥) فعلينا أن نترك مثلما ترك رسول الله ﷺ ، فقد قال الشوكاني: [تركه ﷺ للشي كفعله له في التأسي به] وقال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول ﷺ شيئاً وجب علينا متابعته فيه، ألا ترى أنه ﵊ لما قدم الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله]. (٦) وقال العلامة ابن القيم تحت عنوان: [فصل: نقل الصحابة ما تركه ﷺ : وأما نقلهم لتركه ﷺ فهو نوعان وكلاهما سنة] (٧)، ثم قال: [ ... فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة]. (٨)
следующие страницы →