فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها. فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا. وهذا هو القول الذي حكاه المعترض عن المجيب -من أنه حرم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور مطلقًا- والمجيب لم يذكره ولم يحكه، ولكن حكاه وقاله غيره ممن هم من أكابر علماء المسلمين، فهل يقول عاقل إن هؤلاء كانوا مجاهرين للأنبياء بالعداوة ومعاندين لهم؟.
стр. 142
فصل
/ وأما ما احتج به من الأحاديث الواردة في زيارة القبور فعنها أجوبة.
أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرته ما يدل على استحباب زيارة قبر نبينا ﷺ ولا غيره من القبور وأما قوله: (فزوروا القبور) فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو إباحتها لا يستلزم السفر إلى ذلك ولا استحبابه ولا إباحته، كما أن ذلك لا يتناول زيارتها لمن ينوح عندها ويقول الهجر، ولا زيارتها لمن يشرك عندها ويدعوها ويفعل عندها من البدع ما نهي عنه، كما أن قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ [سورة البقرة: (١٩٦)]، لا يتناول أيام الحيض ولا يومي العيدين.
وقوله ﷺ : (صلاة الرجل في مسجده تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة) لا يقتضي أن يسافر إلى المسجد ليصلي، بل يقتضي إتيانه من بيته ومكان قريب بلا سفر، وقوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقوله (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد [فلا يمنعها]) لا يقتضي أنها
стр. 143
تسافر مع غير زوج ولا ذي محرم، ولا على أن على زوجها أن يأذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد ولو كان مع زوج أو ذي محرم. إنما عليه الإذن في الفرض وهو الحج، مع قوله ﷺ (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد) فلا يقال إنه عام في السفر وغيره.
فإن قيل: هذه المواضع قد عرف أنه أراد الإتيان إلى المسجد من البيت لم يرد السفر لأن هذا هو المعروف بينهم. قيل: وكذلك زيارة القبور لم يكونوا يعرفونها إلا من المدينة إلى مقابرها، وإذا جازوا بها، لم يعرف قط أن أحدًا من الصحابة والتابعين وتابعيهم سافروا لزيارة قبر.
الجواب الثاني: وهو أنه خاطبهم بما كانوا يعرفونه من الزيارة، وهم لم يكونوا يعرفون زيارة القبور إلا كما يعرفون اتباع الجنائز، يتبعون الجنازة من البيت إلى المقبرة، وكذلك يخرج أحدهم لزيارة القبور من البيت إلى المقبرة، أو يمر بالقبر مرورًا. فهذا هو الذي كانوا يعرفونه ويفهمونه من قوله.
قال أحمد بن القاسم: سئل أحمد بن حنبل / عن الرجل يزور قبر أخيه الصالح ويتعمد إتيانه، قال: وما بأس بذلك؟ قد زار الناس القبور. قال: وقد ذهبنا نحن إلى قبر عبد الله بن المبارك. وقال حنبل سئل أبو عبد الله عن زيارة القبور فقال: قد رخص فيها رسول الله ﷺ وأذن فيها بعد، فلا بأس أن يأتي الرجل قبر أبيه وأمه أو ذي قرابته فيدعو له ويستغفر له وينصرف.
стр. 144
قال علي بن سعيد: سألت أحمد قلت: زيارة القبور تركها أفضل عندك أم زيارتها؟ قال زيارتها. ولهذا إنما زار النبي ﷺ قبر أمه لما سافر لفتح مكة فزارها في الطريق، لم يسافر لذلك، ولا كان أحد على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ولا عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم يسافر لزيارة قبر، لا قبر نبي ولا صالح ولا غيرهما، لا قبر نبينا ﷺ ولا إبراهيم ولا غيره، بل هذا إنما حدث بعد ذلك، ولا كان في الإسلام مشهد على قبر أو أثر نبي أو رجل صالح يسافر إليه، بل ولا يزار للصلاة والدعاء عنده، بل هذا كله محدث. بل ولا كانوا يزورون القبور للتبرك بالميت ودعائه والدعاء به، وإنما كانوا يزورونه إن كان مؤمنًا للدعاء له والاستغفار كما يصلون على جنازته، وإن كان غير مسلم زاره رقة عليه كما زار النبي ﷺ قبر أمة فبكى وأبكى من حوله، وقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة (استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي).
ومن هنا يظهر الجواب الثالث وهو: أن الزيارة التي أذن فيها الرسول ﷺ أو ندب إليها أو فعلها مقصودها نفع الميت والإحسان إليه بالدعاء له والاستغفار، ومقصودها تذكر الموت أو الرقة على الميت، لم يكن مقصودها أن تعود بركة الميت المزور على الحي الزائر، ولا أن يدعوه ويسأله ويستشفع به، فإن النبي ﷺ لما زار قبور أهل البقيع وقبور الشهداء لم يكن هذا مقصوده. ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على الرسول ﷺ ، وجعله مستشفعًا بأصحابه الموتى داعيًا مستغيثًا مستجيرًا
стр. 145
بهم، وهذا لا يقوله مسلم، بل جعله مستغيثًا مستجيرًا بأمه التي منع / من الاستغفار لها بخلاف المؤمن، فلم يكن في زيارة النبي ﷺ التي شرعها لأمته بقوله وفعله طلب حاجة من الميت ولا القصد بها تعظيمه وعبادته أو التوسل به أو دعاؤه، بل المقصود بها نفعه كالصلاة على جنازته والصلاة على قبره حيث شرع ذلك.
وكذلك ما علمه لأصحابه أن يقولوه إذا زاروا القبور إنما فيه السلام عليهم والدعاء لهم والاستغفار، كما في الصلاة على جنائزهم. ففي صحيح مسلم وغيره عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: (السلام على أهل الديار ([وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار]) من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية).
وفيه أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).
وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ في حديث طويل قال: (إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) قالت: قلت يا
стр. 146
رسول الله كيف أقول؟ قال: قولي (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).
وفي سنن ابن ماجة في هذا الحديث عن عائشة ﵂ قالت: فقدته ﷺ ، فإذا هو بالبقيع، فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفرلنا ولهم).
وفي المسند والترمذي عن ابن عباس [﵄] قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: (السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم [سلف لنا] ونحن بالأثر) قال الترمذي: حديث حسن غريب.
стр. 147
فزيارة القبور المشروعة من جنس الصلاة على الميت، إما الصلاة عليه إذا كان ظاهرًا أو على قبره، لكن الصلاة عليه هي صلاة ذات تحليل وتحريم واصطفاف وتكبيرات، والزيارة المطلقة دعاء لهم.
وفي الصحيحين أنه ﷺ صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين كصلاته / على الميت.
قال أبو بكر بن المنذر: ولا بأس بزيارة القبور ويستغفر للميت ويرق قلب الزائر ويذكر الآخرة، فهذا الذي سنه الرسول ﷺ لأمته بقوله وفعله في موتى السملمين، وأما هو نفسه فلقبره حكم آخر، فإن قبور المؤمنين ظاهرة بارزة، وهو دفن في حجرته ومنع الناس من الوصول إلى قبره، وقال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) وكذلك قال في السلام، وقال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، وقال: (اللهم لا تجعل
стр. 148
قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، ولهذا لم يصل أحد على قبره ولا شرع الصلاة على قبره عند أحد من العلماء، بل أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلى على قبور المؤمنين دائمًا، وأما هو فلا يصلى على قبره بالإجماع، لأن المقصود بالصلاة على القبور وزيارتها هو الدعاء، والرسول قد أمرنا بالصلاة والسلام عليه وطلب الوسيلة له وغير ذلك في جميع المواضع، وهذا أعظم مما يفعل عند قبر غيره.
وأمر الناس أن تكون محبته وتعظيمه وما يقوم بقلوبهم معهم أينما كانوا، فلا ينقص ما يستحقه من المحبة والتعظيم والصلاة والتسليم إذا كانوا في سائر المواضع عما يفعل في بيته وعند قبره من ذلك ولهذا نهى عن اتخاذ بيته عيدًا وفي لفظ قبره، فلا يخص بيته وقبره بشيء من ذلك، فيكون في سائر البقاع ناقصًا عما يكون عند القبر فإن ذلك يتضمن نقص حقه وبخسه إياه، وهذا من تنقيص حقه المنهي عنه، والجهال يظنون أن النهي عنه تنقيص لحقه ولا يعلمون أن هذا أعظم لقدره ولحقه من وجوه متعددة.
وأيضًا فهذا فيه مفسدة اتخاذ قبره عيدًا ووثنًا ومسجدًا فنهى ﷺ عنه لما فيه من المفسدة وعدم المصلحة، فهو ﷺ له خاصة في علو قدره وحقه لا يشركه فيها غيره: الزيارة التي شرعها لعموم المؤمنين.
стр. 149
وهو إنما خاف أن يتخذ قبره وثنًا وعيدًا بخلاف قبور عموم المؤمنين، لكن / ما عظم من القبور حتى صار وثنًا وعيدًا فإنه ينهى عن ذلك ويزال ما حصل به حتى أنه يحرم أن يبنى عليه مسجد.
والمقصود أن ما سنه لأمته نوع غير النوع الذي يقصده أهل البدع من السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهم لا يسافرون لأجل ما شرع من الدعاء لهم والاستغفار بل لأجل دعائهم والدعاء بهم والاستشفاع بهم، فيتخذون قبورهم مساجد وأوثانًا وعيدًا يجتمعون فيه.
وهذا كله مما نهى عنه رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، فكيف يشبه ما نهى عنه وحرمه بما سنّه وفعله؟ وهذا الموضع يغلط فيه هذا المعترض وأمثاله ليس الغلط فيه من خصائصه، ونحن نعدل فيه ونقصد قول الحق والعدل فيه كما أمر الله تعالى، فإنه أمر بالقسط على أعدائنا الكفار فقال: ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [سورة المائدة: (٨)]، فكيف بإخواننا المسلمين والمسلمون إخوة، والله يغفر له ويسدده ويوفقه وسائر إخواننا المسلمين.
الجواب الرابع: أنه لو قدر أن هذا اللفظ عام فأحاديث النهي عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة تخص هذا كما تخص إتيان المساجد، ومعلوم أن إتيان المساجد أفضل من إتيان المقابر ونحوها، والسفر إليها أفضل. فإذا كان قد نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة فالنهي عما يكون إتيانه والسفر إليه دون إتيان المساجد أولى بالنهي، ولهذا لم يقل أحد من المسلمين إنه يسافر إلى القبور دون المساجد، بخلاف العكس فإنه يحكى عن الليث بن سعد.
стр. 150
الجواب الخامس: أن يقال: ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن السفر إليها مستحب بل ولا زيارتها من قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) وفي لفظ (ولا تقولوا هجرًا). (وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا، ولا تشربوا مسكرًا، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادّخروا ما بدا لكم) رواه مسلم في صحيحه عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فأمسكوا ما بدا لكم، / ونهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فاشربوا في الأوعية كلها ولا تشربوا مسكرًا) وقد اتفق المسلمون على أن الانتباذ في الأوعية والادخار أراد به إباحة ذلك بعد حظره، لم يرد به الندب إلى ذلك، فكذلك قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) قد يقال أراد به الإباحة بعد الحظر لم يرد به الندب، ولا يلزم من إباحتها ولا من الندب إليها إباحة السفر كإتيان المساجد.
وقوله أعني المعترض:
ـ[المشهور أن الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب.]ـ
يقال له: الجواب من وجهين:
стр. 151
أحدهما: أن المعروف عن السلف والأئمة أن صيغة أفعل بعد الحظر ترفع الحظر المتقدم وتعيد الفعل إلى ما كان عليه، بهذا جاء الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [سورة المائدة: (٢)]، وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [سورة البقرة: (٢٢٢)]، وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [سورة الجمعة: (١٠)]، وقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم -إلى قوله- من الفجر﴾ [سورة البقرة: (١٨٧)]، فإن هذا لما جاء بعد حظر الجماع والأكل بعد النوم ليلة الصيام أفاد الإباحة، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث﴾ [سورة الأحزاب: (٥٣)]، فإن الانتشار هنا قبل ذلك لم يكن واجبًا، فإنه أذن لهم في الدخول، ولم يوجبه عليهم، وأما قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة: (٥)]، فإنه أيضًا لرفع الحظر وإعادة الأمر إلى ما كان قبل الأشهر وهو أنه كان مأمورًا به.
وقد ورد الأمر المطلق لكن في زيارة قبر أمه كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة [﵁] قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)، ومعلوم أن استئذانه ربه طلب إباحة الزيارة لا طلب استحبابها، فلما أذن له كانت زيارته لأمه مباحة، فقوله (فزوروها) ورد على هذا السبب، فلا بد أن يتناوله، فيدخل في ذلك زيارة القريب الكافر من غير دعاء له ولا استغفار، ومعلوم أن هذه الزيارة ليست مثل ما
стр. 152
كان يفعله بأهل البقيع وشهداء أحد ونحو ذلك من زيارة قبور المؤمنين التي تتضمن الدعاء لهم، / ولا يلزم إذا كانت تلك مستحبة -لما فيها من نفع المؤمنين كالصلاة على جنائزهم- أن تكون هذه مستحبة، وقوله ﷺ : (فإنها تذكر الموت) هو بيان لجهة المصلحة المعارضة للمفسدة التي أوجبت النهي فإنها تذكر الموت، وإن كانت قد تورث جزعًا ففيها من المصلحة ما عارض المفسدة، وحينئذٍ فإن كانت مباحة حصل المقصود، واستحباب مثل هذه الزيارة يفتقر إلى دليل آخر، فالفرق بين زيارة المؤمنين والكفار فرق معلوم، فإن الدعاء للمؤمنين حق لهم كعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم، ونحن وإن جوزنا أن يعاد المريض الذمي فليس ذلك حقًّا له كالمسلم، وأما جنازته فإن السنة أن يركب ويمشي أمامها فإنه لا يكون تابعًا له كما نقل مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ودل عليه حديث المغيرة بن شعبة (الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها ووراءها وعن يمينها ويسارها وقريبًا منها) رواه الترمذي، وفي الحديث الآخر الذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 153
(ليس معها من تقدمها) فإذا ركب وتقدمها لم يكن تابعًا لها، ولو قدر أن الأمر بعد الحظر يقتضي عند الإطلاق الوجوب ففي هذا الحديث قد اتفق المسلمون على أنه ليس للوجوب، لا سيما وسببه زيارة قبر أمه، ولا يجب على المسلمين زيارة أقاربهم الكفار باتفاق المسلمين.
وإنما النزاع بين المسلمين: هل زيارة القبور مستحبة، أو مباحة، أو منهي عنها؟ لم يقل أحد بوجوبها.
فتبين أن ما ذكره ليس فيه ما يدل على محل النزاع وهو استحباب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين لدعائهم والرغبة إليهم، إذ هذا مقصود المسافرين ليس مقصودهم الدعاء لهم والاستغفار لهم، بل قد ينهون عن ذلك ويستعظمون أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى دعاء الأحياء، ومنهم من إذا قيل سلم على فلان ينهى عن ذلك ويقول السلام علينا من فلان فيتخذونهم أربابًا. فإنه لا يجيب الدعوات ويفرج الكربات وينزل الرزق ويهدي القلوب ويغفر الذنوب إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [سورة آل عمران: (١٣٥)]، وقال: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار -إلى قوله- فأنى تصرفون﴾ [سورة يونس: (٣١ - ٣٢)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا
стр. 154
الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)]، وهذه تتناول كل من يدعى من دون الله ممن هو مؤمن من الملائكة والإنس والجن، وقد فسرها السلف بهذا كله.
وقال ابن مسعود: (كان ناس من الإنس يعبدون قومًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك الآخرون بعبادتهم، فنزلت هذه الآية).
وقال السدي أيضًا عن أبي صالح عن ابن عباس: هو عيسى وأمه وعزير، وقال السدي أيضًا: ذكروا أنهم اتخذوا الآلهة وهو حين عبدوا الملائكة والمسيح ﵇ وعزير فقال الله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ [سورة الإسراء: (٥٧)]، وقد قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) [سورة آل عمران: (٨٠)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذي زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)]، فتبين أن من دعي في زعمهم من دون الله فإنه لا يملك شيئًا ولا له شرك مع الله ولا هو معين ولا ظهير، ولم يبق إلا الشفاعة فقال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن
стр. 155
له﴾ كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [سورة البقرة: (٢٥٥)]، ولهذا كان أوجه الشفعاء وأول شافع وأول مشفع ﷺ إذا جاء الخلق يوم القيامة إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم إلى موسى ثم عيسى ليشفعوا لهم فكل منهم يرده إلى الآخر ويعتذرون، فإذا أتوا المسيح قال: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له [من ذنبه ما تقدم] وما تأخر، قال ﷺ : (فأذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت له ساجدًا فأحمده بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال: أي محمد، ارفع رأسك، قل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال: فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة) والحديث في الصحيحين، بين أنه إذا رأى ربه لم يبتدئ بالشفاعة، بل يسجد ويحمد حتى يؤذن له. ثم يؤذن له في حد محدود طبقة بعد طبقة كما في الحديث. وذلك مبسوط في مواضع.
стр. 156
فصل
ثم قال المعترض:
ـ[وصح عنه ﷺ أنه خرج إلى زيارة قتلى أحد وإلى بقيع الغرقد. وهذا الأمر لا ينكره من أئمة النقل أحد. وفي الصحيح أنه ﷺ استأذن / ربه في زيارة قبر أمه فأذن له، وأجيب في ذلك لما سأله. فعلام يحمل هذا القائل زيارته لقبر أمه ومشيه الذي منه صدر؟ فإن حمله على التحريم فقد ضل وكفر، وإن حمله على الجواز والندب فقد لزمته الحجة والتقم الحجر.]ـ
يقال: هذا الكلام مبني على الافتراء المتقدم، وهو أن المجيب يحرم زيارة القبور مطلقًا. وقد تقدم أن هذا افتراء عليه، بل هو يجوز زيارة قبور المؤمنين للدعاء لهم والاستغفار، ويجوز زيارة قبر الكافر للرقة والاعتبار، كزيارة النبي ﷺ قبر أمه.
ثم يقال له: أولاً النبي صلى الله علي وسلم لم يسافر لزيارتها، بل ذلك في طريقه لما فتح مكة.
ويقال له: من أين لك أنه مشى إلى قبر أمه؟ وإن كان المشي جائزًا فإنه إنما زارها في طريقه في السفر وكان راكبًا، وقبرها كان بارزًا فعله لما نزل عنده، وقبرها كان بالأبواء، بل نزل عنده لم يحتج إلى المشي إليه، ولكن هذا لا خبرة له بالنصوص كيف قيلت، ولا بتفصيل أفعال النبي ﷺ .
стр. 157
ويقال له: هذه الزيارة ليست من جنس زيارة قبور الأنبياء والصالحين التي يقصد بها التبرك بهم ودعاؤهم والاستشفاع بهم، فإن هذا لا يجوز أن يقصده النبي ﷺ بزيارة أهل البقيع و [قتلى] أحد، فكيف بقبر أمه؟ بل هذه الزيارة للرقة والاعتبار، وهذه جائزة ما زال المجيب يجيز هذه وأمثالها؛ وهذا مذكور في عامة كتبه وفتاويه، معرف عنه عند كل من يعرف ما يقول في هذا الباب. وليس في جواب الفتيا المتنازع فيها نهي عن هذا ولا حكاية النهي فيها عن أحد.
والحديث قد رواه مسلم في صحيحه من وجهين عن أبي هريرة: قال في أحدهما: (استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي)، وقال في الآخر: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ﷺ : (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت). وهذه الزيارة كانت عام الفتح في سفره.
стр. 158
فصل
قال المعترض:
ـ[وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح.]ـ
والجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيارة، وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة، ولا حكى نزاع في ذلك الجواب، وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع.
الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء إنه يستحب زيارة قبره، ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده وفي مسجده يسلم عليه ويصلى عليه ويدعى له ويثنى عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويصل إليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري. وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع، لا من موارد النزاع.
стр. 159
الثالث: أن نقول: قول القائل إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة قول لم يذكر عليه دليلاً، فإذا قيل له لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب، وهو لم يذكر شيئًا من تلك الأحاديث كما ذكر قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد، فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئًا من الحديث الصحيح، فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع.
الوجه الرابع: أن نقول: هذا قول باطل، لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي وريت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئًا من ذلك، ولا / أرباب السنن المعتمدة كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم، ولا أهل المسانيد التي من هذا الجنس كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك شيء من ذلك، ولا احتج إمام من أئمة المسلمين -كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم- بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف تكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء أهل الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن.
الوجه الخامس: قوله: وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح.
فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده أن الحديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. والضعيف قد يكون موضوعًا يعلم أنه كذب، وقد لا
стр. 160
يكون كذلك، فما ليس بصحيح وكان حسنًا على هذا الاصطلاح احتج به. وهو لم يذكر حديثًا وبين أنه حسن يجوز الاستدلال به. فنقول له: لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة فيقابل بالمنع.
الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، بل موضوعة كما قد بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث وذكرت كلام الأئمة عليها حديثًا حديثًا، بل ولا عرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ألبتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفًا عندهم. ولهذا كره مالك التكلم به، بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقًا فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه وفي القرآن ﴿ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر﴾ [سورة التكاثر: (١ - ٢)]، لكن معناه عند الأكثرين الموت، وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر.
стр. 161
أما لفظ قبر النبي ﷺ على الخصوص فلا يعرف لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وكل ما روي فيه فهو ضعيف، بل هو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث، كما قد بسط هذا في مواضع.
الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة -كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل / وأبي داود- احتجوا إما بفعل ابن عمر كما احتج به مالك وأحمد وغيرهما، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇، فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند قبري) لكن عرفوا أن هذا هو المراد، وأنه لم يردّ على كل مسلّم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، وإن كان المراد هوالسلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة؟ فهذا مما تنازع فيه الناس.
وقد نوزعوا في دلالته، فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلّم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء
стр. 162
عمومًا في حق المؤمنين: (ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇.
قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ [سورة الأحزاب: (٥٦)]، وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرًا، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا.
فأما أثر (من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا) فهذا ثابت من وجوه بعضها في الصحيح كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله [عليه بها] عشرًا. ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي)، / وهذا مروي عن النبي ﷺ من غير هذا
стр. 163
الوجه، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا).
وأما السلام فقد جاء أيضًا في أحاديث من أشهرها حديث عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن سليمان مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه جاء ذات يوم
стр. 164
والبشرى ترى في وجهه فقال: (إنه جاءني جبرائيل فقال: أما يرضيك يا محمد أنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا؟ ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا؟). وقد روي في عدة أحاديث: أن الله يصلي على كل من صلى عليه، ويسلم على من يسلم عليه. ولم يذكر عددًا، لكن الحسنة بعشر أمثالها، فالمقيد يفسر المطلق.
قال القاضي عياض من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه ﵇ قال: (لقيت جبريل فقال لي: أبشرك، أن الله يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه)، قال: ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن
стр. 165
أوس بن الحدثان وعبيد الله بن أبي طلحة، قلت: وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر.
والمقصود هنا أن ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به ﷺ من الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر اختص هو به، فإن الله أمر بذلك في حقه بعينه مخصوصًا بذلك وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعًا على وجه العموم، وقد قيل إن الصلاة تكره على غير الأنبياء، وغلا بعضهم فقال: تكره على غيره، وكذلك قال بعض المتأخرين في السلام.
ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء أنه يسلم على غيره، وأما الصلاة فقد جوزها أحمد وغيره، والنزاع فيها معروف.
وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ (إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين)، وقد قال الله في كتابه: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ [سورة النمل: (٥٩)]، وقال: (وسلام على المرسلين *
стр. 166
(*) والحمد لله رب العالمين﴾ [سورة الصافات: (١٨١ - ١٨٢)].
وقال لما ذكر نوحًا وإبراهيم وموسى وهارون وإلياسين ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين﴾ [سورة الصافات: (٧٨ - ٧٩)]، ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم﴾ [سورة الصافات: (١٠٨ - ١٠٩)]، ﴿وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون﴾ [سورة الصافات: (١١٩ - ١٢٠)]، ﴿وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إلياسين﴾ [سورة الصافات: (١٢٩ - ١٣٠)].
والمقصود هنا أن هذا السلام المأمور به خصوصًا هو المشروع في الصلاة وغيرها عمومًا على كل عبد صالح، كقول المصلي (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فإن هذا ثابت في التشهدات المروية عن النبي ﷺ كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وحديث أبي موسى وابن عباس اللذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر وعائشة وجابر وغيرهم التي في المسانيد والسنن،
стр. 167
وهذا السلام لا يقتضي ردًّا من المسلّم عليه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم، فيه الأجر والثواب من الله، وليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء، بخلاف سلام التحية فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم.
وعلى المسلم عليه أن يرد السلام ولو كان المسلم عليه كافرًا، فإن هذا من العدل الواجب، ولهذا كان النبي ﷺ يرد على اليهود إذا سلموا عليه بقوله (وعليكم)، وإذا سلم على معين تعين الرد، وإذا سلم على جماعة فهل ردهم فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ على قولين مشهورين لأهل العلم. والابتداء به عند اللقاء سنة مؤكدة، وهل هي واجبة؟ على قولين معروفين، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره، وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب، ولهذا روي أن الميت يرد السلام مطلقًا.
فالصلاة والسلام عليه ﷺ في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعًا لما كان ممكنًا بدخول من يدخل على عائشة، وأما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع.
وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: / منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضًا أن يأتي
стр. 168
إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط. وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط.
فأما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد.
وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردًا عنه كما ذكر ابن حبيب وغيره إذا دخل مسجد الرسول ﷺ قال: بسم الله وسلام على رسول الله ﷺ السلام علينا من ربنا، وصلى الله وملائكته على محمد. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، وجنبني من الشيطان الرجيم. ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين -قبل وقوفك بالقبر- تحمد الله فيهما وتسأل تمام ما خرجت إليه، وتسأل العون عليه. وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك. وفي الروضة أفضل، وقد قال ﷺ (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. ومنبري على ترعة من ترع الجنة). ثم تقف بالقبر متواضعًا وتصلي عليه وتثني
стр. 169
بما يحضر، وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة، وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي.
وأما مالك فنقل عنه أنه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ ، وقيل لا يتعين لذلك موضع من المسجد.
وأما الفرض فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب.
والذي ثبت في الصحيح عن سلمة بن الأكوع عن النبي ﷺ أنه (كان يتحرى / الصلاة عند الأسطوانة).
وأما قصد تخصيصه بالصلاة فيه فالصلاة أفضل، وأما مقامه فإنما كان يقوم فيه إذا كان إمامًا يصلي بهم الفرض، والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أمام القوم، فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة.
стр. 170
والمقصود معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد وعند القبر.
ففي مسند أبي يعلى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا زيد بن الحباب أخبرنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت
стр. 171
عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم).
وهذا الحديث مما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره.
стр. 172
فهذا علي بن الحسين زين العابدين وهو من أجل التابعين علمًا ودينًا، حتى قال الزهري: ما رأيت هاشميًّا مثله، وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه: (لا تتخذوا بيتي عيدًا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)، وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته بل قد نهى عن تخصيص بيته بهذا وهذا.
وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما / كنتم).
стр. 173
وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به.
قال يحيى بن معين: هو ثقة، وحسبك بابن معين موثقًا.
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال أبو حام الرازي: ليس بالحافظ، هو لين، تعرف وتنكر.
قلت: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ.
وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع كما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد
стр. 174
مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني).
وقال سعيد أيضًا: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلمّ إلى العشاء. فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي إن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
ورواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: (ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء)، لأن
стр. 175
مذهبه أن القادم من سفر والمريد للسفر سلامه هناك أفضل، وأن الغرباء يسلمون إذا دخلوا وخرجوا، ولهذه مزية على من بالأندلس. والحسن بن الحسن وغيره لا يفرقون بين أهل المدينة والغرباء ولا بين المسافر وغيره، فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على النبي ﷺ ، وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند بيت النبي ﷺ ، / فدعاني فجئته فقال: ادن فتعش، قال: قلت: لا أريده. قال لي: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم على النبي ﷺ . قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم) ولم يذكر قول الحسن.
فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي ﷺ وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد، وهذا مشروع في كل مسجد - وهذا الحسن بن الحسن هو الحسن المثنى وهو من التابعين وهو نظير علي بن الحسين: هذا ابن الحسين وهذا ابن الحسن.
وقد ذكر القاضي عياض ﵀ هذا عن الحسن بن علي نفسه ﵃ أجمعين فقال: وعن الحسن بن علي عن النبي ﷺ قال: (حيثما كنتم فصلوا
стр. 176
علي فان صلاتكم تبلغني) قال: وعن الحسن بن علي قال: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ ، فان رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
قلت: والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين، مثل الحديث الذي في المسند والترمذي وابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: (رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك) هذا لفظ الترمذي. وفي غيره أنه ﷺ أمر بذلك.
стр. 177
وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد -أو أبي حميد- قال: قال رسول الله ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم وليصل على النبي ﷺ ثم ليقل) وذكر الحديث.
قال القاضي عياض: ومن مواطن الصلاة والسلام عليه دخول المسجد.
قال أبو إسحاق بن شعبان: / وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله ويترحم عليه ﷺ وعلى آله ويبارك عليه ﷺ وعلى آله ويسلم عليه تسليمًا ويقول: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك) قال: وقال عمرو بن دينار في قوله: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ [سورة النور: (٦١)]، فقال: إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته) قال: وقال ابن عباس: المراد بالبيوت هنا المساجد.
стр. 178
وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله ﷺ وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
قال: وعن علقمة قال: إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد ﷺ .
قال: ونحوه عن كعب إذا دخل وإذا خرج، ولم يذكر الصلاة.
قال: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ كان يفعله إذا دخل المسجد.
قال: ومثله عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وذكر السلام والرحمة.
قال: وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال (إذا دخلت المسجد فصل على النبي ﷺ وقل: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك -وفي رواية أخرى- فليسلم وليصل ويقول إذا خرج: اللهم إني أسألك من فضلك -وفي رواية أخرى- الله احفظني من الشيطان).
стр. 179
وعن محمد بن سيرين (كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله دخلنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا) وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك.
قلت: هذا فيه حديث مرفوع في سنن أبي داود وغيره أنه يقال عند دخول المسجد: (اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا).
قال القاضي عياض: وعن أبي هريرة: (إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي).
قلت: وروى ابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن صفوان بن مرة عن مجاهد في هذه الآية ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ / [سورة النور: (٦١)]، قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل:
стр. 180
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وإذا دخلت المسجد فقل السلام على رسول الله ﷺ . وإذا دخلت على أهلك فقل السلام عليكم. قلت: والآثار مبسوطة في مواضع.
والمقصود هنا أن يعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي وميت ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلم أو ذكر لله ودعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك، ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضًا لزيارة قبره، فلم تكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره ﷺ لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضًا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره ﷺ ، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه، وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك -أي يقفون على قبر الرسول ﷺ فيصلون عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر- يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين