← Акыда

Акыда · id 9277

الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي

ابن تيمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة إليها، فدخلها بعض العرب وأحدث فيها، فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل الله به ما فعل. وكذلك كان بالطائف اللات وكانون يحجون إليها. وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد أظل زمان نبي يبعث من العرب وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه، وقال له ذلك العالم: إنه من أهل بيت يحجه العرب، فقال: إنا معشر ثقيف فينا بيت يحجه العرب، قال: إنه ليس منكم، إنه من إخوانكم من قريش، وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [سورة النجم: (١٩ - ٢٠)]، والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما: ﴿لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾

стр. 107

[سورة الزخرف: (٣١)]، وآخر غزوات النبي ﷺ من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها، ثم إن أهلها أسلموا وطلبوا من النبي ﷺ أن يمتعهم باللات حولاً، فامتنع من ذلك وهدمها وأمر ببناء المسجد موضعها، واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذا معروف عند أهل العلم. والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجًّا ويقولون إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة، وكانوا يحجون إلى العزى وكانت عند عرفات، ويحجون إلى مناة الثالثة الأخرى وهي حذو قديد، فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه، / فاللات بالطائف، والعزى عند مكة، ومناة لأهل المدينة كانوا يهلون لها. وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله. منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله، يقول: هؤلاء أقرب إلى الله مني، فأنا أتوسل بهم، فهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص

стр. 108

الملك لمن يكون بعيدًا عنه. وقد ينذر لهم أو يأتي بقربان بلا نذر، ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا، وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي. ومنهم يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله، أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتم. ومنهم من يسيب لهم السوائب فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم، فهذا صنف. وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه أو التعظيم والخضوع له، فيجعلون السفر إلى قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حيًّا، ويجدون بذلك أنسًا في قلوبهم وطمأنينة وراحة، كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه، وكما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه، لكن ذاك حب وتعظيم ديني فهو أعظم تأثيرًا في النفوس، ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل. وكثير من أتباع المشايخ والأئمة يجد عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء، لا نبينا ولا غيره. وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور، بل سببه ما قام بنفوسهم من حبه وتعظيمه، وإن كان هو لا يستحق

стр. 109

ذلك، بل قد يكون المزور كافرًا مشركًا أو كتابيًّا، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك. / وهذا كما أن عباد الأوثان الذين جعلوهم أندادًا لله يحبونهم كحب الله يجدون عند الأوثان مثل ذلك. وكذلك عباد العجل، قال الله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [سورة البقرة: (٩٣)]، أي حب العجل، هذا قول الأكثرين، وموسى حرقه ثم نسفه فإنه كان قدر صار فحمًا. وقيل: بل أشربوا برادته التي كانت في الماء، وأن موسى برده لكونه كان ذهبًا، والأول عليه الجمهور وهو أصح. وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن ما عندهم حبًّا لذلك؟ فأجاب السائل: بأن ذلك كقوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)] وقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [سورة البقرة: (٩٣)]. والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم في كتابه وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه، أي يجعل ما يألهه ويعبده هو ما يهواه، فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده، ولهذا ينتقل من إله

стр. 110

إلى إله كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب، إذ كان لم يحب بعلم وهدى ما يستحق أن يحب، ولا عبد من يستحق أن يعبد، بل عبد وأحب ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا كتاب منزل، قال تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً -إلى قوله- سبيلاً﴾ [سورة الفرقان: (٤٣ - ٤٤)] وقال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ [سورة الجاثية: (٢٣)]. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان. وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رماه وعبد الآخر. وقال الحسن البصري: ذاك المنافق نصب هواه، فما هوى من شيء ركبه. وقال قتادة: أي والله كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى، رواهن ابن أبي حاتم وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ الآية

стр. 111

[سورة الأنعام: (١١٩)]، وقال تعالى: ﴿فائتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين -إلى قوله- بغير هدى من الله﴾ [سورة القصص: (٤٩ - ٥٠)]، وقال تعالى عن المشركين: ﴿أفلم يدبروا القول أم جاءهم / ما لم يأت آباءهم الأولين -إلى قوله- فهم عن ذكرهم معرضون﴾ [سورة المؤمنون: (٦٨ - ٧١)]، وقال تعالى: ﴿قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا -إلى قوله تعالى- يسألون﴾ [سورة الأنبياء: (٢٢ - ٢٣)]، فالذين يحجون إلى القبور هم من جنس الذين يحجون إلى الأوثان. والمشركون يدعون مع الله إلهًا آخر يدعونه كما يدعون الله، وأهل التوحيد لا يدعون إلا الله لا يدعون مع الله إلهًا آخر، لا دعاء سؤال وطلب، ولا دعاء عبادة وتألّه. والمشركون يقصدون هذا وهذا، [وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا وهذا] ومنهم من يصور مثال الميت ويجعل دعاءه ومحبته والأنس به قائمًا مقام صاحب الصورة، سواء كان نبيًّا أو رجلاً صالحًا أو غير صالح، وقد يصور المثال له أيضًا كما يفعل النصارى، وكثيرًا ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح، ولا يكون ذلك قبره بل قبر غيره، أو لا يكون قبرًا وربما كان قبر كافر، وقد يحسنون الظن بمن يظنونه رجلاً صالحًا وليًّا لله ويكون كافرًا أو فاجرًا كما يوجد عند المشركين وأهل الكتاب وبعض الضلال من أهل القبلة. وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول ﷺ لا إباحة ولا ندبًا ولا استحبه أحد من أئمة الدين، بل هم متفقون على النهي عن هذا الجنس كله. وقد

стр. 112

لعن رسول الله ﷺ في الأحاديث [الصحيحة المستفيضة] ما هو أقرب من هؤلاء وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذ ما فعلوا، وأخبر أن من كان قبلنا كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وقال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). فإذا كان قد نهى ولعن من يتخذها مسجدًا يعبد الله فيه ويدعى لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق صاحب القبر وعبادته، فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته ونهى عن اتخاذها مساجد لئلا يفضي ذلك إليه؟ فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي، وهذا كما أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقال: / (فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار). ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة، وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس، لكن نهى عن المشابهة في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد. فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها كان أحق [بالنهي والذم] والعقاب، ولهذا يكون هذا كافرًا.

стр. 113

كذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله هو أيضًا مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالمًا بأن هذا شرك محرم. كما أن كثيرًا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره وهم يتقربون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم [في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضًا ولا يعلمون أن ذلك محرم]، فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك، فهذا ضال وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة، قال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ [سورة البقرة: (٢٢)]، وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل) فقال أبو بكر [﵁]: يا رسول الله كيف ننجو منه؟ قال: (قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم).

стр. 114

وكذلك كثير من الداخلين في الإسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض الأئمة والشيوخ أفضل من الحج أو مثله، ولا يعلمون أن ذلك محرم ولا بلغهم أحد أن هذا شرك محرم لا يجوز. وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع. والمقصود هنا أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور وسائط يشركون [بهم كما يشرك أصحاب الأوثان بأوثانهم يدعونهم ويستشفعون بهم ويرجونهم ويخافونهم وقد جعلوهم أندادًا يحبونهم كحب الله، هم الذين يقولون لمن نهى عن هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده إنه تنقصهم وعاداهم وعاندهم، كما يزعم النصارى أن من جعل المسيح عبدًا لله لا يملك ضرًّا ولا نفعًا إنه قد تنقص المسيح وعاداه وسبه وعانده. وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن الشرك فأطاعهم واتبع سبيلهم] وعبد الله / وحده فهذا يمتنع أن يقول هذا تنقص ومعاداة. فهذا الفرقان هو الذي يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان، والأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين). وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم) الحديث.

стр. 115

وفي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ -وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ : (لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ : (الآن يا عمر). وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). وفي بعض طرق البخاري (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله) وذكر الحديث. وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله تعالى قال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم﴾ الآية [سورة التوبة: (٢٤)]. ومحبة الرسول هي من محبة الله فهي حب لله تعالى وفي الله، ليس محبة محبوب مع الله كالذين قال الله

стр. 116

فيهم: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله. والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، كما جاء في الحديث. وحب ند مع الله شرك لا يغفره الله، فأين هذا من هذا؟ والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا تختص ببقعة ولا تختص بقبورهم ولا غيرها، وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك فإن ذلك واجب في كل موضع، وكذلك الصلاة / والسلام على الرسول وغير ذلك. فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيمًا ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليمًا مما يجده في سائر المواضع كان ذلك دليلاً على أنه ناقص الحظ مبخوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم، وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت، بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم، فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه، وقد نهى أن يتخذ عيدًا، ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنًا، فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل لكان ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين، فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج؟ فهذا هذا، والله أعلم. الوجه الرابع: أن يقال: عداوة الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا بموافقتهم، كمن نهى عما أمروا به من عبادة الله وحده، وأمر بما نهوا عنه من الشرك

стр. 117

بالمخلوقات كلها: بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل المصورة لهؤلاء وغير ذلك. ومن كذبهم فيما أخبروا به من إرسال الله لهم [وما أخبروا به عن الله من أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه] وما أخبروا به من الجنة والنار والوعد والوعيد، فلا ريب أن من كذب ما أخبروا به ونهى عما أمروا به وأمر بما نهوا عنه فقد عاداهم وعاندهم. وأما من صدقهم فيما أخبروا به وأطاعهم فيما أمروا به فهذا هو المؤمن ولي الله الذي والاهم واتبعهم. وإذا كان كذلك فننظر فيما جاء عن نبينا محمد ﷺ وغيره من الأنبياء، إن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون لزيارتها يدعونها ويستغيثون بها ويطلبون منها الحوائج ويتضرعون لها -أي لأصحابها- ويرون السفر إليها من جنس الحج أو فوقه أو قريبًا منه، فمن نهى عما أمر به الرسول ورغب فيه يكون مخالفًا له، وقد يكون بعد ظهور قوله له وإصراره على مخالفته معاديًا ومعاندًا كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ الآية [سورة النساء: (١١٥)]. وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك، ولكن شرع السفر إلى المساجد / الثلاثة وقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك، وهو أهون من الحج إليها ومن دعاء أصحابها من دون الله، فإن هذا

стр. 118

هو الذي جاءت به الأنبياء دون ذاك. فالمخالف للرسول، الآمر بما نهى عنه من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، الآمر بالسفر إلى زيارة القبور - قبور الأنبياء والصالحين، وهذا السفر قد علم أنه من جنس الحج، وعلم أن أصحابه يقصدون به الشرك أعظم مما يقصده الذين يتخذون القبور مساجد الذي لا ينهى عما نهى عنه الرسول من اتخاذ القبور مساجد واتخاذها عيدًا وأوثانًا، المعادي لمن وافق الرسول فأمر بما أمر ونهى عما نهى، المكفر لمن وافق الرسول، المستحل دمه، هو أحق بأن يكون معاديًا للرسول معاندًا له مجاهرًا بعداوة أولياء الرسول وحزبه، ومن كان كذلك كان هو المستحق لجهاده وعقوبته بعد إقامة الحجة عليه وبيان ما جاء به الرسول، دون الموافق للرسول الناصر لسنته وشريعته وما بعثه الله به من الإسلام والقرآن. ولكن هذا من جنس أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويعادون من خالفها وينسبونها إلى الرسول افتراء وجهلاً، كالرافضة الذين يقولون إن المهاجرين والأنصار عادوا الرسول وارتدوا عن دين، وأنهم هم أولياء الله. والخوارج المارقين الذين يدعون أن عثمان وعليًّا ومن والاهما كفار بالقرآن الذي جاء به الرسول، ويستحلون دماء المسلمين بهذا الضلال.

стр. 119

ولهذا أمر النبي ﷺ بقتالهم وأخبر بما سيكون منهم وقال فيهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله [لمن قتلهم]). وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد). والأحاديث فيهم كثيرة، وعظم ذنبهم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، وإلا فلو لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة أمثالهم من أهل الخطأ والضلال. ومعلوم أن الشرك / بالله وعبادة ما سواه أعظم الذنوب، والدعاء إليه والأمر به من أعظم الخطايا، ومعاداة من ينهى عنه ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من معاداة من هو دونه. ولولا بعد عهد الناس بأول الإسلام وحال المهاجرين والأنصار ونقص العلم وظهور الجهل واشتباه الأمر على كثير من الناس لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة أعظم مما يظهر ضلال الخوارج والرافضة، فإن أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة وخفي عليهم بعض السنة، اللهم إلا من كان منافقًا زنديقًا في الباطن مثل

стр. 120

بعض الرافضة، ويقال إن أول من ابتدعه كان منافقًا زنديقًا، فإن هؤلاء من جنس أمثالهم من الزنادقة والمنافقين، بخلاف الخوارج فإنهم لم يكونوا زنادقة منافقين بل كان قصدهم اتباع القرآن، لكن لم يكونوا يفهمونه كما قال فيهم النبي ﷺ : (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه. وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجد وأعيادًا فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف، ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه، بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة. والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولاًً ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج، ومع هذا فقد جاءت الأحاديث الصحيحة فيها بذمهم وعقابهم، وأجمع الصحابة على ذلك. قال الإمام أحمد: صح فيهم الحديث من عشرة أوجه. وقد رواها صاحبه مسلم كلها في صحيحه، وروى البخاري قطعة منها. وأما بدع أهل الشرك وعباد القبور والحجاج إليهم فهذا ما كان يظهر في القرون الثلاثة لكل أحد مخالفته للرسول، فلم يتجرأ أحد أن يظهر ذلك في القرون

стр. 121

الثلاثة. وبسط هذا له موضع آخر، ولكن نبهنا على ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا المعترض وأمثاله من أهل الضلال والجهل ومعاداة سنة الرسول ومتبعيها وموالاة أعداء الرسول وغير ذلك مما يبعدهم عن الله ورسوله. ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة، وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، / وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة. فإن هذا حكم أهل الضلال، وهو البعد عن الصراط المستقيم وما يستحقه أهله من الكرامة. ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته وما يلحقه في الدنيا والآخرة من انخفاض منزلته وسقوط حرمته وانحطاط درجته هو جزاؤه، والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة، وهو عليم حكيم لطيف لما يشاء، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون. الوجه الخامس: أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجبًا أو مستحبًّا أو محرمًا أو مباحًا لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول ﷺ ، فالمتكلمون فيها -سواء اتفقوا أو اختلفوا- كلهم متفقون على الإيمان بالرسول

стр. 122

وبما جاء به ووجوب اتباعه، وأن الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم ووجوب تصديقهم واتباعهم فيما أوجبوه وحرموه، والقائل منهم عن فعل إنه حرام أو مباح أو واجب إنما يقول إن الرسول حرمه أو أباحه أو أوجبه، ولو أضاف الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول ﷺ لم يلتفت إليه ولم يكن من علماء المسلمين. وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل [سنيهم وبدعيهم]، كلهم متفقون على وجوب اتباع ما بلغه الرسول عن الله، وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة المفسرة لمجمل القرآن. وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها وهو فاسد من وجوه كثيرة. ومن رد نصًّا إنما يرده إما لكونه لم يثبت عنده عن الرسول، أو لكونه غير دال عنده على محل النزاع، أو لا اعتقاده أنه منسوخ ونحو ذلك، كما قد بسطت الكلام فيه على ما كتبته في رفع الملام عن الأئمة الأعلام وبينت أعذارهم في هذا الباب، وإن كان الواجب هو اتباع ما علم من الصواب مطلقًا. والكلام في ذلك -سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك- لا يدخل شيء من ذلك في مسائل سب الأنبياء وتنقصهم / ومعاداتهم. وإن كان المتكلم من هؤلاء مخطئًا، فإن مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول وتحريم ما حرمه وإيجاب ما أوجبه وتحليل ماحلله، وهذا مستلزم لإيمانه بالرسول وموالاته وتعظيمه، فكيف يتصور مع ذلك أن يكون قاصدًا لمعاداته أو سبه أوالتنقص به أو غير ذلك؟ هذا ممتنع. ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل

стр. 123

غير ذلك؟ هذا ممتنع. ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحدًا من هؤلاء سبابًا للأنبياء معاديًا لهم وإن قدر أنهم أخطئوا، وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة. فإذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي ﷺ هل هي واجبة في الصلاة أو غير واجبة في الصلاة -كقول الجمهور- لم يقل أحد: إن من لم يوجبها فقد تنقص الرسول أو سبه أوعاداه. والذين لم يوجبوها في الصلاة منهم من أوجبها خارج الصلاة ومنهم من لم يوجبها بحال، وجعل الأمر في الآية أمر ندب وحكى الإجماع على ذلك. وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها في الصلاة وقال: حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد غير واجبة. قال: وشذ الشافعي في ذلك فقال: من لم يصل على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجزه. قال: ولا سلف له في هذا القول ولا سنة يتبعها، قال: وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه بمخالفته فيها من تقدمه جماعة وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد. قال وقال أبو بكر بن المنذر: يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على النبي ﷺ فإن ترك تارك ذلك فصلاته مجزية في مذهب مالك وأهل المدينة

стр. 124

والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم وهو قول جملة أهل العلم، وحكي عن مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة، وأن تاركها في التشهد مسيء. قال: وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة، وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان. قلت: وأحمد عنه في المسألة ثلاث روايات كالأقوال / الثلاثة اختار كل رواية طائفة من أصحابه. وذكر محمد بن المواز قولاً له كقول الشافعي، قال: وقال الخطابي: ليست بواجبة في الصلاة وهو قو جماعة الفقهاء إلا الشافعي. قال: ولا أعلم له فيها قدوة. وحكى الوجوب عن أبي جعفر الباقر وأنه قال: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي ﷺ وأهل بيته لرأيت أنها لم تتم. وقال القاضي عياض: اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على الجملة مرغب فيه غير محدود بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه. قال: وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادعى فيه الإجماع.

стр. 125

فهذا بعص كلام العلماء في مثل هذه [وحكايات إجماعات] متناقضة، ومع هذا فلم يقل أحد إن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه أو نحو ذلك، فإنهم كلهم قصدهم متابعته، كل بحسب اجتهاده ﵃ أجمعين. وكذلك تنازعوا: هل تكره الصلاة عليه عند الذبح؟ فكره ذلك مالك وأحمد وغيرهما. قال القاضي عياض: وكره ابن حبيب ذكر النبي ﷺ عند الذبح، وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب. قال: ولا يصلى عليه إلا على طريق الاستحباب وطلب الثواب. وقال أصبغ عن ابن القاسم: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله: الذبح، والعطاس. فلا يقال فيها بعد ذكر الله: محمد رسول الله، ولو قال بعد ذكر الله: محمد رسول الله لم يكره تسميته له مع الله.

стр. 126

وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي ﷺ استنانًا. قلت: والشافعي لم يكره ذلك بل قال هو من الإيمان، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا، وكذلك تكلموا في الحلف بالملائكة والأنبياء، أما الملائكة فاتفق المسلمون على أنه لا يحلف بأحد منهم ولا تنعقد اليمين إذا حلف به، وهذا أيضًا قول الجمهور في الأنبياء كلهم: نبينا وغيره، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وعنه أنها تنعقد بالنبي ﷺ خاصة، اختارها طائفة من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وغيره / وخصوا ذلك بالنبي ﷺ وابن عقيل عدى ذلك إلى سائر الأنبياء. والصواب قول الجمهور، وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره، بل ينهى عن الحلف به، فإذا قيل لا يحلف به أو لا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة لم يكن هذا معاداة لهم ولا سبًّا ولا تنقصًا بهم عند أحد من المسلمين، وكذلك سائر خصائص الرب إذا نفيت عنهم فقيل لا تعبد الملائكة ولا الأنبياء ولا يسجد لهم ولا يصلى لهم [ولا يصام لهم] ولا يدعون من دون الله ونحو ذلك كان هذا توحيدًا وإيمانًا، لم يكن هذا تنقصًا بهم ولا سبًّا لهم ولا معاداة كما قال تعالى: ﴿ماكان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة -إلى قوله- بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)].

стр. 127

فإذا قيل: لا يجوز لأحد أن يتخذ الملائكة والنبيين أربابًا كما ذكر الله ذلك في القرآن، ولم يقل مسلم هذا معاداة لهم ولا منقصة ولا سبًّا. وكذلك إذا قيل إنهم عباد الله وإن المسيح وغيره عباد لله كان هذا توحيدًا وإيمانًا لم يكن ذلك تنقصًا ولا سبًّا ولا معاداة قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق -إلى قوله- ولا يجدون لهم من دون لله وليًّا ولا نصيرًا﴾ [سورة النساء: (١٧١ - ١٧٣)]، وقد ذكر أهل التفسير أن أهل نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله، فقال النبي ﷺ : (إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدًا لله) فنزل ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله﴾ [سورة النساء: (١٧٢)]، أي لن يأنف ويتعظم عن ذلك. فمن جعل تحقيق التوحيد تنقصًا بالأنبياء أو سبًّا أو معاداة فهو من جنس هؤلاء النصارى. والنهي عن اتخاذ قبورهم مساجد والسفر إليها واتخاذها أوثانًا وعيدًا فهو من هذا الباب من باب تحقيق التوحيد. وفي مثل هذا المقام يقال: إن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم ﴿لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض -إلى قوله- ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)]، فلا تنفع شفاعة ملك ولا نبي إلا بإذن الله كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [سورة البقرة: (٢٥٥)]، وقال: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله / لمن يشاء ويرضى﴾ [سورة النجم: (٢٦)]، ولم يكن هذا القول ونحوه تنقصًا بالملائكة ولا سبًّا لهم ولا معاداة لهم بل الملائكة والأنبياء يعادون من أشرك بهم ويوالون أهل التوحيد الذين ينزلونهم منازلهم، وهم برآء ممن يغلون فيهم

стр. 128

ويشرك بهم، قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك﴾ الآية [سورة سبأ: (٤٠ - ٤١)]، وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء -إلى قوله- نذقه عذابًا كبيرًا﴾ [سورة الفرقان: (١٧ - ١٩)]، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم -إلى قوله- والله هو السميع العليم﴾ [سورة المائدة: (٧٢ - ٧٦)]، وهذا بيان أن المسيح وغيره من المخلوقين لا يملكون للناس ضرًّا ولا نفعًا. ولا يجوز أن يقال أن هذا معاداة له أو سب أو تنقص. وقد أمر الله سبحانه خاتم الرسل بأن يقول ما ذكره عنه من قوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) الآية [سورة الأعراف: (١٨٨)]، وقال تعالى: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا﴾ [سورة الجن: (٢١)]، وقال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [سورة الأنعام: (٥٠)]، ومثل هذا [في القرآن] كثير يعم ويخص، فالأول كقول صاحب يس ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة﴾ الآية [سورة يس: (٢٢ - ٢٣)]، وقوله: ﴿أليس الله بكاف عبده -إلى قوله- قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ [سورة الزمر: (٣٦ - ٣٨)]. وقال تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا

стр. 129

يضرك -إلى قوله- فلا كاشف له إلا هو﴾ [سورة يونس: (١٠٦ - ١٠٧)]، وهذا باب واسع. والمقصود أن أدنى من يعد من طلبة العلم يعلم أن أفعال العباد إذا تكلم فيها بالأمر والنهي والإيجاب والتحريم وهل هذا السفر جائز أو مستحب أو محرم أو مكروه -سواء كان إلى مسجد أو إلى قبر نبي أو غير ذلك- لم يدخل شيء من هذا في مسائل تنقيص الأنبياء وسبهم، بل أبلغ من هذا أنه إذا تكلم في مسائل العصمة، وهل يجوز على الأنبياء الذنوب أو لا يجوز، واختار مختار أحد القولين لم يقل أحد من المسلمين إن هذا تنقص وسب ومعاداة، وكذلك السؤال بالأنبياء في الدعاء مثل أن يقول الداعي: أسألك بحق الأنبياء / عليك، نهى أبو حنيفة عنه، وطائفة ترخص في هذا، ولم يقل أحد إن كل من نهى عن ذلك قد تنقص الأنبياء وعاداهم أو سبهم. والقاضي عياض ﵀ مع أنه أبلغ الناس في مسائل العصمة وفي مسائل السب قد ذكر هذا لئلا يقع فيه هؤلاء الجهال الذين يجعلون الكلام العلمي والاستدلال بالأدلة الشرعية والاجتهاد في متابعة الرسول والأنبياء من باب المعاداة والسب والتنقص؛ ولا ريب أن هذا الباب إن كان فيه معاداة وتنقص لهم فمن خالفهم وأمر بما نهوا عنه ونهى عما أمروا به وقال عنهم الكذب ونسب إليهم ما نزههم الله منه، مثل هؤلاء الجهال المفترين كان هو أولى بالمعاداة والسب والتنقص، كما قد بسط في مواضع أخر.

стр. 130

إذ المقصود هنا ما ذكره القاضي عياض ﵀، قال لما ذكر قسم الكلام في مسائل السب وما يشتبه به مما ليس بسب قال: (الوجه السابع: أن يذكر ما يجوز على النبي ﷺ أو يختلف في جوازه عليه، وما يطرأ من الأمور البشرية ويمكن إضافتها إليه، أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس زمنه، ومر عليه من معاناة عيشته، كل هذا على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما [تجب فيه] العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم، فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة، إذ ليس فيه غض ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف، لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ. قال: لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم ولا سيما ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده، ويجنّب ذلك من عساه لا يفقه، أويخشى به فتنة. فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن. فقد قال ﷺ مخبرًا عن

стр. 131

نفسه باستئجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله، فقال ﷺ : (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم) وأخبرنا الله بذلك عن موسى. وهذا / لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه، بخلاف من قصد به الغضاضة والتحقير، بل كانت عادة جميع العرب. نَعَمْ في ذلك للأنبياء حكمة بالغة، وتدريج من الله تعالى لهم إلى كرامته، وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خلقه بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ويتقدم العلم بذلك. وقد ذكر الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له، فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله والخبر عن مبتدئه والتعجب من منح الله قبله وعظيم منن الله عنده ليس فيه غضاضة، بل فيه دلالة على نبوته ﷺ وصحة دعوته، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئًا فشيئًا، فنمى أمره ﷺ حتى قهرهم وتمكن من ملك مقاليدهم واستباحة [كثير من مماليك الأمم] غيرهم بإظهار الله وتأييده بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، وإمداده بالملائكة المسومين، ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى علوه، ولهذا قال

стр. 132

هرقل -حين سأل أبا سفيان بن حرب عنه ﷺ : هل من آبائه من ملك؟ فقال: لا. ثم قال- ولو قلت كان من آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. فإذا اليتم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم السالفة. وكذا وقع ذكره في كتاب إرميا، وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب، وبحيرا لأبي طالب. وكذلك إذا وصف ﷺ بأنه أمي كما وصفه الله بذلك فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظيمة في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما منح ﷺ وفضل [به من ذلك] كما قدمناه في

стр. 133

القسم الأول. ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ [ولم يكتب] ولم يدارس ولا لُقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر. وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من [القراءة والكتابة] المعرفة، وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن / الواسطة والسبب؛ والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة. فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه، وحياته فيما فيه هلاك من عداه. هذا شق قلبه وإخراج حشوته كان تمام حياته وغاية قوة نفسه وثبات روعه، وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه وهلمّ جرّا إلى سائر ما روي في أخباره ﷺ وسيره. وتقلله من الدنيا ومن الملبس والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أموره وخدمة بيته زهدًا ورغبة عن الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها، كل هذا من فضائله ﷺ ومآثره وشرفه كما ذكرناه.

стр. 134

فمن أورد شيئًا من ذلك موارده وقصد به مقصده كان حسنًا، ومن أورد ذلك على غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق بالفصول التي [قدمناها]. هذا كلام القاضي عياض ﵀، يفرق فيما يظن أن فيه غضاضة ونقصًا وعيبًا وليس هو في نفس الأمر كذلك، وبين من يذكره على وجهه لبيان العلم والدين ومعرفة حقائق الأمور، وبين من يقصد به العيب والإزراء وإن كان لا عيب في ذلك بل هو من الفضائل والمناقب، وهكذا سائر ما فيه هذا. وحينئذ فأعظم أحوال الناس مع الأنبياء وأفضلها وأكملها هو حال الصحابة مع الرسول ﷺ لا سيما أبو بكر وعمر، وهو تصديقه في كل ما يخبر به من الغيب، وطاعته وامتثال أمره في كل ما يوجبه ويأمر به، وأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وأهله وماله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما، وأن يتحرى متابعة الرسول ﷺ فيعبد الله بما شرعه وسنه من واجب ومستحب، لا يعبده بعبادة نهى عنها وببدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وإن ظن أن في ذلك تعظيمًا للرسول ﷺ وتعظيمًا لقدره كما ظنه النصارى في المسيح، وكما ظنوه في اتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وكما ظن الذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، فإن الأمر بالعكس بل كل عبد صالح من الملائكة والأنبياء فإنما يحب ما أحبه الله من عبادته وحده وإخلاص / الدين له ويوالي من كان كذلك ويعادي من أشرك، ولو كان المشرك معظمًا له غاليًا فيه فإن هذا يضره ولا ينفعه لا عند الله

стр. 135

ولا عند الذي غلا فيه وأشرك به واتخذه ندًّا لله يحبه كحب الله واتخذه شفيعًا يظن أنه إذا استشفع به يشفع له بغير إذن أو اتخذه قربانًا يظن أنه إذا عبده قربه إلى الله، فهذه كلها ظنون المشركين. قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتبنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض﴾؟ [سورة يونس: (١٨)]، وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [سورة الزمر: (٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، وقال تعالى: ﴿ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى -إلى قوله- يفترون﴾ [سورة الأحقاف: (٢٧ - ٢٨)]. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل الله عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [سورة الشعراء: (٢١٤)]، قال: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا، سليني [ما شئت من مالي]).

стр. 136

وفي الصحيحين أنه قال: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، أو رقاع تخفق يقول: يا رسول الله أغثني أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك). وهذا باب واسع. الوجه السادس: أن هذا المعترض سوى بين السفر إلى زيارة قبره ﷺ وسائر القبور، وذكر أن المجيب حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور. وهذا يقتضي أن المجيب حرم السفر إلى مسجده، وهذا كذب على المجيب، فإن الذين قالوا من علماء المسلمين إنه يستحب زيارة قبره أو حكوا على ذلك الإجماع لو قدر أنهم صرحوا باستحباب السفر إليه فمرادهم السفر إلى مسجده، فإن هذا هو المقدور وهو المشروع، فإن كل مسافر وزائر يذهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، وكل من ذكر زيارة قبر النبي ﷺ ذكروا أنه يبدأ بالصلاة في مسجده، ثم بعد ذلك يسلم عليه، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما. ففي العتبية عن مالك قال: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ ، قال: وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي ﷺ حيث العمود المخلق، قال: وأما الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. والتنفل فيه للغرباء أحب [إلي من التنفل في البيوت. وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحد للتنفل] موضعًا من

стр. 137

(*) المسجد بل سوى بين الجميع، وكذلك قال أحمد وابن حبيب وسائر العلماء: إنه يبدأ بالركوع في المسجد، وهذا مذهب السلف والخلف -أهل المذاهب الأربعة وغيرهم- لكن منهم من يختار الصلاة في الروضة كما ذكر ذلك أحمد وابن حبيب وغيرهما، وما علمت نزاعًا في أنه يصلي في المسجد أولاًً إلا ما رأيته في مناسك لأبي القاسم ابن حباب السعدي في آداب الإحرام والمجاورة والزيارة قال فيه: فإذا دخل الداخل المسجد فهل يبدأ بحقوق المسجد أو بحقوق المصطفى وهو التأدب بآداب الزيارة؟ اختلف العلماء في ذلك فمن قائل يقول: يبدا بحقوق المسجد أولاًً لأنه أول البقعة يلاقيها قبل لقاء المصطفى، فيقيم آداب المسجد بصلاة ركعتين قبل الزيارة، قالوا: ولا يزيد بزيارته ميتًا على زيارته حيًّا. وقد كانت صحابته إذا دخلوا للقائه في المسجد يبدؤون بتحية المسجد قبل لقائه بأمر منه واقتداء منهم. وقال آخرون: دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى ﷺ ، فالقصد الأول زيارته والثاني حقوق المسجد، فيبدأ [بقضاء] حقوقه قبل حقوق المسجد. والصحيح الأول. قلت: هذا القول لم يقله عالم معروف يحكى قوله، إنما قاله بعض من لا يعرف شريعة الإسلام، ولهذا علله بقوله دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى،

стр. 138

فإن هذا التعليل يدل على جهله بسنته ﷺ المتواترة التي أجمع المسلمون عليها وهو أن المسجد شرع دخوله للصلاة فيه وإن لم يكن هناك قبره كما كان على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه الراشدين، والرحال تشد إليه كما قال: / (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)، وهذا متفق عليه بين المسلمين، والسفر لقبره لو كان مشروعًا لكان يسافر لهذا ولهذا ولهذا. فالذي يقول إن السفر للقبر دون المسجد هو المشروع، فمن قال هذا فإنه لا يعرف دين الإسلام، فإن أصر على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تعيّن قتله، فكيف إذا كان المشروع هو السفر إلى مسجده وقد نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كما قد ذكره السلف والأئمة. وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا أن الزائر إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق، والصلاة والسلام عليه والثناء وتعزيره وتوقيره وذكر ما منّ الله عليه به ومنّ على الناس به. فأما الوصول إلى قبره أو الدخول إلى حجرته فهذا غير ممكن ولا مقدور، ولا هو من المشروع المأمور، بخلاف سائر القبور. وإذا كان المراد بزيارة قبره والسفر إليه هو السفر إلى مسجده وفعل ما يشرع هناك، فالمجيب قد ذكر أن هذا مستحب بالنص والإجماع. وما حكاه عن المجيب يقتضي أنه حرم مثل هذا السفر، ويقتضي أن السفر إليه والسفر إلى قبر غيره سواء، وهذا غلط عظيم على شرع الرسول، وعلى المجيب وغيره.

стр. 139

الوجه السابع: أنه إذا كان المراد بالسفر إليه وزيارته هو السفر إلى مسجده وهذا سفر مستحب بالنص والإجماع، [والسفر لزيارة سائر القبور ليس مستحبًّا بالنص والإجماع]، وهذا المعترض قد سوى بينهما، فقد خالف النص والإجماع. الوجه الثامن: أن يقال: المراد بزيارته المستحبة وبالسفر إليها هو السفر إلى مسجده باتفاق المسلمين، ثم جميع ما يشرع هناك من الصلاة والسلام عليه والدعاء له والثناء عليه هو مشروع في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع باتفاق المسلمين، فلم يبق لنفس القبر اختصاص بعبادة من العبادات، بخلاف قبر غيره فإنه اذا استحب زيارة قبور المؤمنين للدعاء لهم والاستغفار استحب أن يصل إلى قبره ويدعو له هناك / كما يصلى على قبره فإن قبره بارز يمكن الوصول إليه. والرسول حجب قبره ولم يبرزوه، فلا يشرع ولا يقدر أحد على زيارته كما يشرع ويقدر على زيارة قبر غيره، بل زيارته التي يشرع لها السفر إنما هي السفر إلى مسجده، ولهذا كان أهل مدينته يكره لهم كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه أن يأتوا إلى قبره، بخلاف مسجده فإنه مشروع لهم إتيانه والصلاة فيه كما يشرع في سائر المساجد، والصلاة فيه أفضل، والغرباء يستحب لهم صلاة التطوع في مسجده بخلاف أهل البلد، فإنه قد ثبت عنه أن قال لأهل المدينة (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فعلم أن الذي ذكروه من استحباب

стр. 140

زيارة قبره إنما هو السفر إلى مسجده ليس هو زيارة قبره كما تزار القبور، فإن ذلك غير مشروع ولا مقدور والمجيب قد ذكر هذا الفرق، وذكر استحباب السفر إلى مسجده بالنص والإجماع وما استحبه العلماء من زيارة قبره، وهذا المعترض سوى بينهما، وذكر عن المجيب أنه حرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور ولم يذكر عنه أنه استحب السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية، فتبين بطلان ما نقله عنه. مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها قال ابن بطال في شرح البخاري: كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها. وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله. قال وفي المجموعة: قال علي بن زياد سئل مالك عن زيارة القبور فقال كان قد نهى عنه ﵇ ثم أذن فيه، فلو فعل إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أر بذلك بأسًا، وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها.

стр. 141

فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها. فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا. وهذا هو القول الذي حكاه المعترض عن المجيب -من أنه حرم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور مطلقًا- والمجيب لم يذكره ولم يحكه، ولكن حكاه وقاله غيره ممن هم من أكابر علماء المسلمين، فهل يقول عاقل إن هؤلاء كانوا مجاهرين للأنبياء بالعداوة ومعاندين لهم؟.

стр. 142

فصل / وأما ما احتج به من الأحاديث الواردة في زيارة القبور فعنها أجوبة. أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرته ما يدل على استحباب زيارة قبر نبينا ﷺ ولا غيره من القبور وأما قوله: (فزوروا القبور) فالأمر بمطلق الزيارة أو استحبابها أو إباحتها لا يستلزم السفر إلى ذلك ولا استحبابه ولا إباحته، كما أن ذلك لا يتناول زيارتها لمن ينوح عندها ويقول الهجر، ولا زيارتها لمن يشرك عندها ويدعوها ويفعل عندها من البدع ما نهي عنه، كما أن قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ [سورة البقرة: (١٩٦)]، لا يتناول أيام الحيض ولا يومي العيدين. وقوله ﷺ : (صلاة الرجل في مسجده تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة) لا يقتضي أن يسافر إلى المسجد ليصلي، بل يقتضي إتيانه من بيته ومكان قريب بلا سفر، وقوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقوله (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد [فلا يمنعها]) لا يقتضي أنها

стр. 143

تسافر مع غير زوج ولا ذي محرم، ولا على أن على زوجها أن يأذن لها إذا أرادت السفر إلى أحد المساجد ولو كان مع زوج أو ذي محرم. إنما عليه الإذن في الفرض وهو الحج، مع قوله ﷺ (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد) فلا يقال إنه عام في السفر وغيره. فإن قيل: هذه المواضع قد عرف أنه أراد الإتيان إلى المسجد من البيت لم يرد السفر لأن هذا هو المعروف بينهم. قيل: وكذلك زيارة القبور لم يكونوا يعرفونها إلا من المدينة إلى مقابرها، وإذا جازوا بها، لم يعرف قط أن أحدًا من الصحابة والتابعين وتابعيهم سافروا لزيارة قبر. الجواب الثاني: وهو أنه خاطبهم بما كانوا يعرفونه من الزيارة، وهم لم يكونوا يعرفون زيارة القبور إلا كما يعرفون اتباع الجنائز، يتبعون الجنازة من البيت إلى المقبرة، وكذلك يخرج أحدهم لزيارة القبور من البيت إلى المقبرة، أو يمر بالقبر مرورًا. فهذا هو الذي كانوا يعرفونه ويفهمونه من قوله. قال أحمد بن القاسم: سئل أحمد بن حنبل / عن الرجل يزور قبر أخيه الصالح ويتعمد إتيانه، قال: وما بأس بذلك؟ قد زار الناس القبور. قال: وقد ذهبنا نحن إلى قبر عبد الله بن المبارك. وقال حنبل سئل أبو عبد الله عن زيارة القبور فقال: قد رخص فيها رسول الله ﷺ وأذن فيها بعد، فلا بأس أن يأتي الرجل قبر أبيه وأمه أو ذي قرابته فيدعو له ويستغفر له وينصرف.

стр. 144

قال علي بن سعيد: سألت أحمد قلت: زيارة القبور تركها أفضل عندك أم زيارتها؟ قال زيارتها. ولهذا إنما زار النبي ﷺ قبر أمه لما سافر لفتح مكة فزارها في الطريق، لم يسافر لذلك، ولا كان أحد على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ولا عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم يسافر لزيارة قبر، لا قبر نبي ولا صالح ولا غيرهما، لا قبر نبينا ﷺ ولا إبراهيم ولا غيره، بل هذا إنما حدث بعد ذلك، ولا كان في الإسلام مشهد على قبر أو أثر نبي أو رجل صالح يسافر إليه، بل ولا يزار للصلاة والدعاء عنده، بل هذا كله محدث. بل ولا كانوا يزورون القبور للتبرك بالميت ودعائه والدعاء به، وإنما كانوا يزورونه إن كان مؤمنًا للدعاء له والاستغفار كما يصلون على جنازته، وإن كان غير مسلم زاره رقة عليه كما زار النبي ﷺ قبر أمة فبكى وأبكى من حوله، وقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة (استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي). ومن هنا يظهر الجواب الثالث وهو: أن الزيارة التي أذن فيها الرسول ﷺ أو ندب إليها أو فعلها مقصودها نفع الميت والإحسان إليه بالدعاء له والاستغفار، ومقصودها تذكر الموت أو الرقة على الميت، لم يكن مقصودها أن تعود بركة الميت المزور على الحي الزائر، ولا أن يدعوه ويسأله ويستشفع به، فإن النبي ﷺ لما زار قبور أهل البقيع وقبور الشهداء لم يكن هذا مقصوده. ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على الرسول ﷺ ، وجعله مستشفعًا بأصحابه الموتى داعيًا مستغيثًا مستجيرًا

стр. 145

بهم، وهذا لا يقوله مسلم، بل جعله مستغيثًا مستجيرًا بأمه التي منع / من الاستغفار لها بخلاف المؤمن، فلم يكن في زيارة النبي ﷺ التي شرعها لأمته بقوله وفعله طلب حاجة من الميت ولا القصد بها تعظيمه وعبادته أو التوسل به أو دعاؤه، بل المقصود بها نفعه كالصلاة على جنازته والصلاة على قبره حيث شرع ذلك. وكذلك ما علمه لأصحابه أن يقولوه إذا زاروا القبور إنما فيه السلام عليهم والدعاء لهم والاستغفار، كما في الصلاة على جنائزهم. ففي صحيح مسلم وغيره عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: (السلام على أهل الديار ([وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار]) من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية). وفيه أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ في حديث طويل قال: (إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) قالت: قلت يا
следующие страницы →