← Акыда

Акыда · id 9277

الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي

ابن تيمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأيضًا فاستحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة وهو الذي يسمى طواف القدوم وطواف التحية وطواف الورود، وعند الصدور وهو الذي يسمى طواف الوداع. وهذا تشبيه لبيت المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع بل ولا الصلاة إليها، لما ثبت عنه في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها). وأيضًا فالطواف بالبيت يشرع لأهل مكة وغيرهم كلما دخلوا المسجد، والوقوف / عند القبر كلما دخل المدني لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة ولا نظير في الشريعة ولا هو مما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة، ولا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته، وإذا فعله من الصحابة الواحد والإثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعًا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذك فهذا لا يجوز. ونظير هذا مسحه للقبر.

стр. 212

قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- قبر النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر، قال فيروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة. قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد يعني الأنصاري شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا، فرأيته استحسن ذلك. ثم قال: لعله عند الضرورة والشي (*).

стр. 213

قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ . وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضًا في منسك المروذي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله إنما يدل على التسويغ وأن هذا مما فعله بعض الصحابة. فلا يقال انعقد إجماعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيئًا عنده. وإما / أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي، لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف. ولا يجوز أن يقال: إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، أو نهى عن ذلك وكرهه ونحو ذلك، إلا بدليل يدل على ذلك، لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير. ونظائر هذا متعددة والله أعلم.

стр. 214

والمؤمن قد يتحرى الصلاة أو الدعاء في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى أن الشارع فضل ذلك المكان كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك. فمثل هذا إذا لم يكن منهيًّا عنه لا بأس به، ويكون ذلك مستحبًّا في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون. وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه، وهو أحب إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه أو لم يتيسر له، فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص، وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع، كما ثبت أن الصلاة أفضل ثم القراءة ثم الذكر بالأدلة الشرعية، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه، كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وكفضيلة الدعاء في آخر الصلاة على القراءة هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائره متعددة، وبسط هذا له موضع آخر. ولكن المقصود هنا أن يعلم أن ما قيل إنه مستحب للأمة قد ندبهم إليه الرسول ورغبهم فيه فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف / إلى الرسول إلا ما صدر عنه، والرسول هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته

стр. 215

واتباعه وايجاب ما أوجبه وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه، وبه فرق الله بين الهدى والضلال والرشاد والغي والحق والباطل والمعروف والمنكر. وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم [وأنه على صراط مستقيم]، وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [سورة النساء: (٨٠)]، وقوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ [سورة النساء: (٦٤)]، وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ [سورة الأعراف: (٦)]، وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه، وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار؛ فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار، قال تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله﴾ الآية [سورة النساء: (١٣ - ١٤)]. والوعد سعادة الدنيا والآخرة والوعيد شقاء الدنيا والآخرة معلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم، وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى،

стр. 216

وأصحابها هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون، والمخالفون له هم أعداء الله حزب إبليس اللعين، قال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً -إلى قوله- خذولاً﴾ [سورة الفرقان: (٢٧ - ٢٩)]، وقال تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا -إلى قوله- لعنًا كبيرًا) [سورة الأحزاب: (٦٦ - ٦٨)]، وقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [سورة آل عمران: (٣٢)]، وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [سورة النساء: (٦٥)]، وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [سورة النور: (٦٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [سورة النساء: (٦٩)]. وجميع الرسل أخبروا أن الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ [سورة النساء: (٦٤)]، يأمرون بعبادة الله [وحده، وتقواه وحده، وخشيته وحده]، ويأمرون بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزن﴾ [سورة النور: (٥٢)]، وقال نوح: ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ وقال في السورة: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ [سورة الشعراء: (١٠٨ و١٢٦ و١٤٤ و١٦٣ و١٧٩)]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط.

стр. 217

والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان وزمان، ليلاً ونهارًا، سفرًا وحضرًا وعلانية وسرًّا، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك، فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى﴾ [سورة الليل: (١٤ - ١٦)]، أي كذب به وتولى عن طاعته كما قال في موضع آخر: ﴿فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى﴾ [سورة القيامة: (٣١ - ٣٢)]، قال تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذًا وبيلاً﴾ [سورة المزمل: (١٥ - ١٦)]، وقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ [سورة النساء: (٤١)]، وقال: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾ [سورة النساء: (٤٢)]. والله تعالى قد سماه سراجًا منيرًا وسمى الشمس سراجًا وهاجًا، والناس إلى هذا السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم محتاجون إليه سرًّا وعلانية ليلاً ونهارًا بخلاف الوهاج، وهو أنفع لهم فإنه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى.

стр. 218

ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول والإيمان به وطاعته / ومحبته وموالاته وتعظيمه [وتوقيره وتعزيره] عامة في كل مكان وزمان كان ما يؤمر به من حقوقه عامًّا لا يختص بغيره، فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلاً بقدر الرسول ﷺ وقدر ما أمر الله به من حقوقه. وكل من اشتغل بما أمر الله به من طاعته شغله ذلك عما نهى عنه من البدع المتعلقة بقبره وقبر غيره، ومن اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به الرسول من حقه، فطاعته هي مناط السعادة والنجاة. والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول وأشركوا بالرب ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد والإيمان بالرسول، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذه الأصلين (ماذا كنتم تعبدون، وبما أجبتم المرسلين؟) كما بسط هذا في موضعه. والمقصود أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين يدخلون المسجد ويصلون فيه الصلوات الخمس ويصلون على النبي ﷺ ويسلمون عليه عند دخول المسجد، ولم يكونوا يذهبون يقفون إلى جانب الحجرة ويسلمون هناك. وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار.

стр. 219

ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله وهو توفي في خلافة عبد الملك قبل خلافة الوليد فإنه توفي سنة بضع وسبعين والوليد تولى سنة بضع وثمانين وتوفي سنة بضع وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك. وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب أخبار المدينة، مدينة الرسول ﷺ ، عن أشياخه وعمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز / لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة، وقصه وعمله بالفسيفساء وبالمرمر، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد

стр. 220

(*) وأدخل القبر فيه ونقل لبن المسجد ولبن الحجرات فبنى به داره بالحرة، فهو فيها اليوم بياض على اللبن. وقال: حدثنا محمد بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن هارون بن كثير قال: بنى عمر من حجارة مسجد النبي ﷺ مدماكين في أعلى مسجد بني حرام الذي في الشعب، والمدماك الساف. وقال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران عن جعفر بن وردان عن أبيه قال: لما استعمل الوليد عمر بن عبد العزيز أمره بالزيادة

стр. 221

في المسجد وبنيانه، فاشترى ما حواليه من الشرق والغرب والشام، فلما خلص إلى القبلة قال له [عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب]: لسنا نبيعه، هو من حق حفصة، وقد كان النبي ﷺ يسكنها، فقال عمر بن عبد العزيز: ما أنا بتارككم أو أدخلها في المسجد. فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر: أجعل لكم في المسجد بابًا تدخلون منه وأعطيكم دار الرقيق مكان هذه الطريق وما بقي من الدار فهو لكم، فقبلوا، فأخرج بابهم من المسجد، وهي الخوخة التي في المسجد تخرج من دار حفصة بنت عمر، وأعطاهم دار الرقيق، وقدم الجدار في موضعه اليوم وزاد من الشرق ما بين الأسطوانة المربعة إلى جدار المسجد اليوم، وهو عشرة أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام، ومده من الغرب أسطوانتين، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي ﷺ ، وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي يقال لهن القرائن، قال: فلما قدم الوليد حاجًّا جعل يطوف في المسجد وينظر إليه ويقول: هاهنا، ومعه أبان بن عثمان فلما استنفد / الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان بن عثمان فقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ فقال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس. قال: ومكث عمر في بنائه ثلاث سنين.

стр. 222

قال أبو زيد قال أبو غسان وسمعنا ما يحدث أن الوليد قال لعمر: ما منعك أن تجعل جدار المسجد على بناء جدار القبلة وأن تجعل سقفه على عمد السقيفة التي على المنبر؟ فقال: وهل تدري كم أنفقت على جدار القبلة وهاتين السقيفتين؟ قال: كم أنفقت؟ قال: خمسة وأربعين ألف درهم -وقال بعضهم: أربعة ألاف دينار- فقال: والله لكأنك أنفقتها من مالك. قال أبو غسان: وقد جاءنا أن القبلة على بناء عثمان، لم يزد فيها أحد. وجاء هذا الحديث، فالله أعلم أي ذلك الحق، غير أن الأقوى عندنا أنها على بناء عثمان. قال: وقد سمعنا أن الذي كلم به عمر بن عبد العزيز آل عمر منزل حفصة من الحجرات وإنما أعطاهم عمر الخوخة لما أعطوه من ذلك المنزل. وسمعنا من يقول: إنما أعطوه مربدًا لحفصة فأدخله في المسجد، وأن ذلك المربد كان وراء منزلها من الحجرات في الزاوية التي عند القبر من ناحية المنارة، فأعطوه ذلك المربد وفتح لهم الخوخة. قلت: قول من قال إن القبلة على بناء عثمان لم يزد فيها أحد صحيح، وما ذكره من فعل عمر بن عبد العزيز صحيح أيضًا، فإن عمر إنما بنى جدار القبلة على موضع جدار عثمان، لكنه زاد من [المشرق الزيادة التي قدام حجرة عائشة

стр. 223

وهو منزل حفصة، فكانت زيادته لما زاد من] الشرق زاد أيضًا في الجدار القبلي بقدر تلك الزيادة، والجدار القبلي بالغ في تزويقه أكثر من الجدر الثلاثة. فقال له الوليد: ألا جعلت الجدر كلها مثله، وجعلت سقفه مثل السقيفة التي على القبر؟ فذكر عمر أن ذلك كان يذهب فيه مال كثير. قال أبو زيد / حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن عمار عن جده قال: لما صار عمر إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال: تعالوا احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا عمر غير قبلتنا، فجعل لا ينزع حجرًا إلا وضع مكانه حجرًا، فكانت زيادة الوليد من المشرق إلى المغرب ست أساطين، وزاد إلى الشام من الأسطوانة المربعة التي في القبر [أربع عشرة] أسطوانة: منها عشر في الرحبة، وأربع في السقائف الأول التي كانت قبل، وزاد من الأسطوانة التي دون المربعة إلى الشرق أربع أساطين، فدخل بيت النبي ﷺ في المسجد.

стр. 224

فهذا قد بين أن الجدار الذي بناه [عمر هو موضع الجدار الذي بناه] عثمان وهو الجدار اليوم، وأن الزيادة من الشرق أربع أساطين، فدخلت حجرة عائشة وما قدامها وهو حجرة حفصة، وهناك زاد الجدار القبلي أيضًا. قال أبو زيد قال أبو غسان: وحدثني عدة من مشايخ البلد أن عمر لما جاءه كتاب الوليد بهدم المسجد أرسل إلى عدة من آل عمر فقال: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي أن أبتاع بيت حفصة -وكان عن يمين الخوخة قريبًا من منزل عائشة الذي فيه القبر، وكانتا تتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما- فلما دعاهم إلى ذلك قالوا: ما نبيعه شيئًا، قال: إذن أدخله في المسجد، قالوا: أنت وذاك، فأما طريقها فلا تقطعها. فهدم البيت وأعطاهم الطريق ووسعها لهم حتى انتهى بها إلى الأسطوانة، وكانت ذلك ضيقة بقدر ما يمر الرجل منحرفًا. قال أبو غسان: ثم سام عمر بني عبد الرحمن بن عوف بدارهم فأبوا، فهدمها عليهم وأدخلها في المسجد. وقال عبد الرحمن بن حميد: فذهب لنا متاع كثير من هدمهم. قال: وأدخل حجرات النبي ﷺ / مما يلي الشرق ومن الشام. وقال أبو غسان: أخبرني عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن شيخ من مواليهم أدرك عثمان بن حنيف قال: لما انصرف النبي

стр. 225

صلى الله عليه وسلم من خيبر وزاد في مسجده البنية الثانية، ضرب الحجرات ما بين القبلة إلى الشام ولم يضربها غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من الغرب، وكانت لها أبواب في المسجد. قال أبو زيد: حدثنا القعنبي وأبو غسان عن مالك قال: كان الناس يدخلون حجر أزواج النبي ﷺ يصلون فيها يوم الجمعة بعد وفاة النبي ﷺ ، وكان المسجد يضيق بأهله، ولم تكن في المسجد، وكانت أبوابها في المسجد. قال أبو غسان: أخبرني مخبر من آل عمر أن حجرة حفصة كانت ما بين الخوخة التي قال لها اليوم خوخة آل عمر إلى بيت عائشة وهو القبر، وأن موضع سرير النبي ﷺ الذي كان يضطجع عليه في بيت حفصة ما بين الأسطوانة الثانية من الأسطوانات التي تلي الخوخة الشرقية إلى الأسطوانة التي تليها، وأن سائر الحجرات كانت تواليه بعد بيت عائشة، فأتموا بها إلى القبلة وآخرها قباله، وكانت من جريد عليها شعر، وكانت البوت من مدر.

стр. 226

قال أبو غسان: وأخبرني ابن أبي فديك سألت محمد بن هلال عن باب بيت عائشة أين كان؟ قال: مما يلي الشام، قلت: أكان مصراعين أم فردًا؟ قال: كان فردًا، قلت: مم كان؟ قال: كان من عرعر أو ساج. قلت: سائر الروايات فيها أن أبوابها مستورة بالمسوح. قال أبو زيد: حدثني هارون بن معروف حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: وددت لو تركوا لنا مسجد نبينا على حاله وبيوت أزواجه [﵅] ومنبره ليقدم القادم فيعتبر.

стр. 227

قال ابن عطاء / عن أبيه: وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ يقوم الرجل فيمس سقف البيت، والحجرات سقف عليها المسوح. قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد الله بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت باللبن ولها حجر من جريد مطرود بالطين، عددت تسعة أبيات بحجراتها، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ إلى منزل أسماء بنت الحسن اليوم. ورأيت بيت أم سلمة زوج النبي ﷺ وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة دومة الجندل بنت حجرتها بلبن، فلما نظر إلى اللبن فدخل عليها أول نسائه فقال (ما هذا البناء)؟ فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال (يا أم سلمة، إن شر ما ذهبت فيه أموال الناس البنيان). قال الواقدي: فحدثت بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو بين القبر

стр. 228

والمنبر: أدركت حجرات أزواج النبي ﷺ من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد يقرأ، فأمر بإدخالها في المسجد، فما رأيت يومًا كان أكثر من ذلك اليوم باكيًا. فسمعت سعيد بن المسيب يقول: (والله لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناس من المدينة ويقدم قادم من الأفق، فيرى ما اكتن به النبي ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر). قال: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: / كان فيها أربعة أبيات بلبن له حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع وعظم الذراع. فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني وأنا في المسجد فيه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسم وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو أمامة ابن

стр. 229

سهل بن حنيف وخارجة بن زيد وإنهم يبكون حتى أخضل الدمع لحاهم، وقال يومئذ أبو أمامة: (ليتها تركت حتى يقصر الناس عن البناء، ويرى الناس ما رضي الله لنبيه وخزائن الدنيا بيده). قلت: قوله في هذه الرواية: إن فيهم نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ إن كان هذا محفوظًا فمراده من كان صغيرًا في عهد النبي ﷺ مثل أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ومثل محمود بن الربيع، ومثل السائب بن يزيد، وعبد الله بن أبي طلحة، فأما من كان مميزًا على عهد النبي ﷺ فلم يكن بقي منهم أحد، لكن في سهل بن سعد خلاف: قيل توفي سنة ثمان وثمانين فيكون قد مات قبل ذلك أو

стр. 230

سنة إحدى وتسعين، ولفظ الحجرة في هذه الآثار لا يراد به جملة البيت كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ [سورة الحجرات: (٤)]، بل يراد ما يتخذ حجرة للبيت عند بابه مثل الحريم للبيت، وكانت هذه من جريد النخل، بخلاف الحجر التي هي المساكن فإنها كانت من اللبن، وأم سلمة جعلت حجرتها من لبن كما يروى أن بعضها كانت له حجرة وبعضهن لم يكن له حجرة، والأبواب مستورة بستور الشعر، وكان بيت علي الذي يسكن فيه هو وفاطمة خلف حجرة عائشة، لم يزل حتى أدخله الوليد في المسجد. / ومما يوضح مسمى الحجرة التي قدام البيت ما في سنن أبي داود وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) فبين أنه كلما

стр. 231

كان المكان أستر لها فصلاتها فيه أفضل، فالمخدع أستر من البيت الذي يقعد فيه، والبيت أستر من الحجرة التي هي أقرب إلى الباب والطريق. قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى حدثني عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن أبي عائشة عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: زاد عثمان بن عفان في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين فزاد فيه من ناحية القبلة فوضع جداره على جدار المقصورة اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطوانة بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعًا، لم يزد فيه من الشرق شيئًا. قال أبو غسان: وأخبرني غير واحد من ثقات أهل البلد أن عثمان زاد في القبلة إلى موضع القبلة اليوم ثم لم يغير ذلك إلى اليوم. قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى عن عبد الرحمن بن سعد عن أشياخه أن عثمان أدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب مما يلي القبلة والشام والغرب،

стр. 232

وأدخل بعض بيوت حفصة بنت عمر مما يلي القبلة، فأقام المسجد على تلك الحال حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك. وحدثنا محمد بن يحيى عن رجل عن ابن أبي الزناد عن خارجة بن زيد قال: قدم عثمان المسجد وزاد في قبليه، ولم يزد في شرقيه، زاد في غربيه قدر أسطوانة، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وبيضه بالقصة، وقدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل، وجعل فيه طيقانًا مما يلي الشرق والغرب، وذلك قبل أن يقتل عثمان بأربع سنين، فزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعًا. قلت: حجر أزواج النبي / ﷺ لم يبنهن كلهن مع بناء المسجد أولاً، فإنه لم يكن حينئذ مزوجًا بتسع، بل بنى بعائشة وكان قد تزوجها بمكة، وكذلك سودة، ثم بحفصة، فلهذا كانت حجرهن لاصقة بالمسجد، وآخر من تزوجها صفية بنت حيي لما فتح خيبر سنة سبع من الهجرة وحينئذ اتخذ لها

стр. 233

بيتًا، وكان بيتها أبعد عن المسجد من غيره كما في الصحيحين عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي أم المؤمنين قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني. وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي) فقالا: سبحان الله يا رسول الله. فقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال شيئًا) ففي الحديث أن مسكنها كان في دار أسامة بن زيد، وأن النبي ﷺ قام معها ليقلبها إلى مسكنها، وأنه مر به رجلان من الأنصار، ولو كان مسكنها متصلاً بالمسجد لم يحتج إلى شيء من ذلك، فإن

стр. 234

المسجد لم يكن فيه ما يخافه، ولكن خرج معها من المسجد ليوصلها إلى مسكنها، والرجلان مرا به في الطريق لم يكن مرورهما في المسجد، فإن المسجد لم يكن طريقًا بالليل، ولو رأياه في المسجد لم يحتج أن يقول ما قال، بل رأياه ومعه امرأة خارجًا من المسجد فقال ما قال لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئًا من الظن السيء فيهلكا بذلك. وأما ما ذكروه من أن عثمان زاد في المسجد من جهة الشام -مع أنه لم يأخذ شيئًا من جهة الحجر- فعلم أن من الحجر ما لم يكن ملتصقًا بالمسجد، فإن الناس بنوا دورهم متصلة بالمسجد قبل أن يتزوج جويرية وصفية وغيرهما، / ولم يكن النبي ﷺ ليزاحم أحدًا في داره، فكان يتخذ الحجرة شامي المسجد وإن لم تكن متصلة به، ولهذا ذكروا أن عثمان زاد من جهة الشام خمسين ذراعًا ولم يأخذ شيئًا من الحجر، بل الوليد زاد على ذلك بأخذ الحجر فكانت الحجر كما ذكروا من ناحية الشرق مع الاتصال، وحجرة حفصة شرقية وقبلية، فإن حجرة عائشة هي التي كانت مسامتة لم تتقدم المسجد، وأما حجرة حفصة فكانت فاضلة عن المسجد من مقدمه، ولهذا زادوها مع الزيادة في المسجد، وكذلك الحجر التي كانت في الشام كانت شرقية وشامية لكن الشامي لم يكن ملتصقًا بالمسجد، فلهذا قال من قال: كانت الحجر من قبليه وشرقيه ولم يذكر الشام. وذكر آخرون أن منها ما كان من الشام، ولا منافة بين القولين، فإن صاحب القول الأول أراد ما يتصل بالمسجد، وما كان شام المسجد بقليل كان

стр. 235

شرقية أيضًا فكانت هذه شرقية شامية، ومن قال شامية فمعناه أنها من جهة شام الشرق وإن لم تكن متصلة بالمسجد، فكثير من الروايات من هذا الباب قد يظن بها تناقض فإن كانت متناقضة فما ناقض الصحيح فهو باطل، وإن كان المعنى متفقًا فلا تناقض. وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. / قال أبو زيد: حدثني محمد بن يحيى حدثني من أثق به أن عمر زاد في المسجد من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم، قال: فأما الذي لا يشك فيه أهل بلدنا أن عثمان هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم، ثم لم تغير بعد ذلك. قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن عثمان عن مصعب بن ثابت عن خباب أن النبي ﷺ قال يومًا وهو في مصلاه: (لو زدنا في

стр. 236

مسجدنا) وأشار بيده نحو القبلة، فلما ولي عمر قال: إن النبي ﷺ قال: (لو زدنا [في مسجدنا]) وأشار بيده نحو القبلة، فأدخلوا رجلاً مصلى النبي ﷺ وأجلسوه، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى إذا رأوا ذلك نحو ما رأوا أن النبي ﷺ رفع يده، ثم مدوا مقاطًا فوضعوا طرفه بيد الرجل، ثم مدوا فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا ذك شبيهًا بما أشار رسول الله ﷺ من الزيادة فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة. وقال: حدثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر لو مد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه. حدثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي)، فكان أبو هريرة يقول: (والله لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما غدوت أن أصلي فيه).

стр. 237

حدثنا محمد حدثني عبد العزيز بن عمران عن فليح بن سليمان عن ابن أبي عمرة قال: زاد عمر في المسجد في شاميه، ثم قال (لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ وجاءه الله بعامر). وهذا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل. وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك / كان الأمر على عهد عمر وعثمان، فإن كليهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا. لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء. وقد ذكروا أن النبي ﷺ زاد فيه لما قدم من خيبر. قال أبو غسان: حدثني غير واحد ولا اثنين ممن يوثق به من أهل العلم من أهل البلد أن الرسول ﷺ ترك المسجد من القبلة في تلك البنية على حده الأول،

стр. 238

فأخذت الأساطين من الشرق إلى الأسطوانة التي دون المربعة التي عند القبر التي لها نجاف طالع، وأثبت من الشام لم يزد فيه شيء، ومن الغرب إلى الأسطوانة التي دون المربعة الغربية، ومن بيان ذلك أن النبي ﷺ كان يعتكف في موضع مجلس آل عبد الرحمن بن هشام، وأن عائشة كانت ترجل رأسه وهي في بيتها وهو معتكف في المسجد. وهذه الأمور نبهنا عليها ها هنا فإنه يحتاج إلى معرفتها، وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان، ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك، وكان من المقصود أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة ولم يبق إلا من أدرك النبي ﷺ ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة، وقال النبي ﷺ (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع). ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان بعد بضع وثمانين. وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين، وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين، وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير

стр. 239

من التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة، ويقال لها سنة الفقهاء. وجابر بن عبد الله كان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة وتحت الشجرة، ولم يكن بقي من هؤلاء غيره لما مات وذلك قبل تغيير المسجد بسنتين، ولم يبق بعده ممن كان بالغًا حين موت النبي ﷺ إلا سهل بن سعد الساعدي فإنه توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل سنة إحدى وتسعين، ولهذا قيل فيه إنه آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ كما قاله أبو حاتم البستي وغيره. وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارًا، مثل السائب بن يزيد الكندي ابن أخت نمر فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل إنه مات بعده عبد الله بن أبي طلحة الذي حنكه النبي ﷺ ، وكذلك محمود بن الربيع الذي عقل مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه من بئر كانت في دارهم وله خمس سنين، مات سنة تسع وتسعين، وسنه [ثلاث وتسعين]. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سماه النبي ﷺ أسعد باسم أسعد بن زرارة مات سنة مائة.

стр. 240

لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته ﷺ من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة، مثل ما ينقله جابر وسهل بن سعد وغيرهما. وأما ابن عمر فكان قد مات قبل ذلك عام قتل ابن الزبير بمكة سنة ثنتين وسبعين، وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة بضع وستين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد وإدخال الحجر فيه، وأنس بن مالك كان بالبصرة لم يكن بالمدينة، وقد قيل إنه آخر من مات بها من الصحابة. وكانت حجر أزواج النبي ﷺ / شرقي المسجد وقبليه، وقيل وشاميه، فاشتريت من ملاكها ورثة أزاجه ﷺ وزيدت في المسجد فدخلت حجرة عائشة. وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة، فسد باب الحجرة وبنوا حائطًا آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلم عليه لما كان جدارًا واحدًا. قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعًا في المسجد كان له حد ذراع أو ذراعين أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب فيه هذا السلام، والمكان الذي لا يستحب.

стр. 241

فإن قيل: من سلم عليه عند الحائط الغربي رد عليه. قيل: وكذلك من كان خارج المسجد وإلا فما الفرق، وحينئذ فيلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصل في كل صلاة كما ظنه بعض الغالطين، ومعلوم بطلان ذلك. وإن قيل: يختص بقدر بين المُسلِّم وبين الحجرة، قيل: فما حد ذلك؟ وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة، كما استحب ذلك مالك وغيره، ولكن يقال فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟ وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع، فإنهم قالوا يكون حين يسلم عليه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ولا يدنو أكثر من ذلك. وهذا والله أعلم قاله المتقدمون، لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جواب المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد ولا يستقبل به القبلة ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد.

стр. 242

وبالجملة فمن قال إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به / الرد فلا بد له من أن يحد مكان ذلك، يقال إلى أين يسمع ويرد السلام؟ فإن حد في ذلك ذراعًا أو ذراعين أو عشرة أذرع أو قال إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد فلا بد له من دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها (إن الملائكة يبلغونه صلاة من يصلي عليه، وسلام من يسلم عليه) ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه ﷺ ذلك، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حد. ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي، ولا أحد يحد في ذلك حدًّا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق. وأيضا فذلك يختلف بارتفاع الأصوات وانخفاضها، والسنة في السلام عليه خفض الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك، بخلاف المسلم من الحجرة فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلم عليه من المسجد. ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فإن المسلم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله الذي يسلم الله على

стр. 243

صاحبه كما يصلي على من صلى عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر. وبالجملة فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء , وعلى كل تقدير فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجون به، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم. ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذاب وإما ضعيف سيء الحفظ ونحو ذلك كما قد بين في غير هذا الموضع، وهذا الحديث الذي فيه (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ / قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، وقيل: هو على شرط مسلم ليس على شرط البخاري، وهو معروف من حديث حيوة بن شريح المصري الرجل الصالح الثقة عن أبي صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة.

стр. 244

وقد أخرج مسلم حديثًا بهذا الإسناد، وأبو صخر هذا متوسط. ولهذا اختلف فيه عن يحيى بن معين، فمرة قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي، ومرة قال: لا بأس به، ووافقه أحمد. فلو قدر أن هذا الحديث مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه، ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث. ولو أريد إثبات سنة لرسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفًا فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه. ومسلم روى بهذا الإسناد قوله ﷺ (من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)، وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة من غير هذا الطريق، ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال يفرق بين من يروي عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كان كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك هو على شرط مسلم أو البخاري كما بسط هذا في موضعه.

стр. 245

الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يخف على الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروفًا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة -مالك وغيره- أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ فلما كرهوا هذا القول دل على أنه ليس عندهم فيه أثر، لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة. الوجه التاسع: أن الذين كرهوا / هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره ﷺ إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم. وأما زيارة قبره كما هو معروف في زيارة القبور فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع، وبهذا يظهر أن قول الذين كرهوا أن يسمى هذا زيارة لقبره ﷺ وهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره، ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل فإنما هو عبادة تفعل في المساجد كلها وفي غير المساجد أيضًا، ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر كان قول من كره أن يسمى هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص والإجماع، والذين قالوا تستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا. فليس بين العلماء خلاف في المعنى بل في التسمية والإطلاق.

стр. 246

والمجيب لم يحك نزاعًا في استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده، وبعضهم يسميها زيارة لقبره وبعضهم يكره أن تسمى زيارة لقبره، وإذا كان المجيب يستحب ما يستحب بالنص والإجماع وقد ذكر ما فيه النزاع، كان الحاكي عنه خلاف ذلك كاذبًا مفتريًا يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين.

стр. 247

فصل قال المعترض: ـ[وتضافرت النقول عن الصحابة والتابعين وعن السادة العلماء المجتهدين بالحض على ذلك والندب إليه، والغبطة لمن سارع لذلك وداوم عليه، حتى نحا بعضهم في ذلك إلى الوجوب، ورفعه عن درجة المباح والمندوب، ولم يزل الناس مطبقين على ذلك قولاً وعملاً (*)، لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه / حولاً، وفي مسند ابن أبي شيبة (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا سمعته).]ـ هكذا في النسخة التي أحضرت إلي مكتوبة عن المعترض، وقد صحح على قوله (سمعته) وهو غلط، فإن لفظ الحديث (من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيًا بلغته) هكذا ذكره الناس، وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا الكتاب القاضي عياض.

стр. 248

وهذا الحديث قد رواه البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا بلغته) قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر، وقد مضى ما يؤكده. قلت: هو تبليغ صلاة أمته وسلامهم عيه كما في الأحاديث المعروفة مثل الحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن حسين الجعفي. حدثنا عبد الرحمن بن

стр. 249

يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس الثقفي قال: قال رسول الله ﷺ (أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي) قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت، يقولون بليت، فقال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه أبو حاتم، قال البيهقي وله شواهد، وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة، وله شواهد

стр. 250

أجود مما ذكره البيهقي. منها ما رواه ابن ماجة: حدثنا عمرو بن سواد البصري حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لم يصل علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها). قال قلت: وبعد الموت؟ قال: (وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
следующие страницы →