← Акыда

Акыда · id 9277

الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي

ابن تيمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وفي حديث آخر (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) لكن حبه وطاعته وتعزيره وتوقيره وسائر ما أمر الله به من حقوقه مأمور به في كل مكان، لا يختص بمكان دون مكان، وليس من كان في المسجد عند القبر بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر. ومعلوم أن زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة. ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده. والذي يشرع في مسجده يشرع في سائر المساجد، لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على نزاع في ذلك، وما يجده المسلم في قلبه من محبته والشوق إليه والأنس بذكره وذكر أحواله فهو مشروع له في كل مكان، وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتخذ ذلك المكان عيدًا، وأن يصلى عليه حيث كان العبد ويسلم عليه، فلا يخص بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا بسلام عليه، فكيف بما ليس كذلك. / وإذا

стр. 282

خص قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره، وينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند قبر غيره كما يفعل عند قبره، كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظمونه، يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون بخلاف ذلك. والرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان، فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة، مع أن ذلك لو شرع لهم لاشتغلوا بحقوقهم عن حقه، واشتغلوا بطلب الحوائح منه كما هو الواقع، فيدخلون في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق، فينقص تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان، وأن لا يتخذوا بيته عيدًا ولا مسجدًا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور، فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب، وكمال إيمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه حيث كانوا، واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإن طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه وأهل الجنة وأهل النار، فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك. والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادًا هم من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه، وإن ظنوا إن هذا من موالاته ومحبته كما يظن النصارى

стр. 283

أن ما هم عليه من الغلو في المسيح والشرك به من جنس محبته وموالاته. وكذلك دعاؤهم للأنبياء / والموتى، كإبراهيم وموسى وغيرهما، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم. ولهذا يتبرأون منهم يوم القيامة، وكذلك الرسول يتبرأ (*) ممن عصاه وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه. قال تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين -إلى قوله- تعلمون﴾ [سورة الشعراء: (٢١٤ - ٢١٦)]، فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرأوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [سورة الممتحنة: (٤)]، وكذك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة [إلا لمن عرف] أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله وما من الله به عليه ومن به على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له، لا بنفس رؤية القبر، ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم، وإنما قصد جمهورهم التأكل والترؤس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رياسة أو مأكلة لا [ليزدادوا لهم] حبًّا وخيرًا. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد).

стр. 284

وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه ﷺ ، والأمر فوق ما ذكره أضعافًا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له واتباع سنته والتأسي به والاقتداء ومحبتنا له وتعظيمنا له وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه ومتابعة سنته، فإن هذا هو طريق النجاة والسعادة وهو سبيل الخلق ووسيلتهم إلى لله تعالى. / ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره والشرك بالله واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان. وهو قد قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وقال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا) وقال (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) وقال: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم. وقال: (إنه من يعش منكم

стр. 285

بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي

стр. 286

تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) رواه أهل السنن. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، إلى غير ذلك من الأدلة التي بين أن الحجاج إلى [القبور هم] من المخالفين للرسول ﷺ الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له كما بسط في غير هذا الموضع.

стр. 287

فصل ثم قال المعترض: ـ[وقد ذكر هذا القائل أن السفر إلى زيارة النبي [المصطفى ﷺ ] معصية يحرم فيه القصر، فارتكب بذلك أمرًا عظيمًا، وخالف فيه السادة العلماء وأئمة العصر، فمقتضى ذلك أن يسوى بينه وبين السفر لقتل النفوس، والحامل له على ذلك سوء معتقده وذهنه المعكوس. فهو كمن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فقلبه لا يقبل الحق لما نازله من الظلمة والغشاوة.]ـ والجواب أن يقال: ما في هذا الكلام من السب والشتم ليس هو علمًا يستحق الجواب عليه، ويمكن الإنسان أن يقابله بأضعاف ذلك ويكون صادقًا لا يكون كاذبًا / مثله، ويتبين أنه من أجهل الناس وأسوئهم فهمًا وأقلهم علمًا، وأنه إلى التفهيم والتعليم أحوج منه إلى خروجه عن الصراط المستقيم، وهو إلى التعزير والتأديب والتقويم أحوج منه إلى أن يقفو ما ليس له به علم، ويقول على الله ما لا يعلم، وقد قال تعالى ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ الآية [سورة الأعراف: (٣٣)]، وهؤلاء الذين يستحبون الحج إلى القبور ودعاء أهلها من دون الله يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانًا ويقولون على الله ما لا يعلمون، ويجعلون ذلك من جنس حج بيت الله ويقرنونه به، وهو لما ذكر الحج قال ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي للطائفين والقائمين -إلى

стр. 288

قوله- عميق﴾ [سورة الحج: (٢٦ - ٢٧)]، ولما ذكر تعظيم حرماته وشعائره في الحج قال ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه -إلى قوله- ومما رزقناهم ينفقون﴾ [سورة الحج: (٣٠ - ٣٥)]، فهو قد ذكر التوحيد ها هنا وأمر باجتناب الشرك واجتناب قول الزور فقرن بينهما، ولهذا قال النبي ﷺ : (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله).

стр. 289

وهؤلاء الضلال لهم نصيب من الشرك بالله ونصيب من قول الزور ﴿ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير﴾ [سورة الحج: (٧١)]. وهذا المعترض لم يفهم ما قاله المجيب، بل كذب عليه كذبًا يعلم جميع الناس أنه كذب، ولم يعرف ما قاله العلماء لا مالك ولا غيره، ونفس الذي أنكره على المجيب صرح به مالك تصريحًا لم يصرح مثله المجيب، فإن المجيب لم يذكر أن السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع معصية، ولا ذكر أن ما يريده العلماء بالسفر إلى قبره -وهو السفر إلى مسجده- معصية. بل قد صرح بأنه سفر طاعة مستحب، وكذلك ذكر ما ذكره العلماء من استحباب زيارته والدعاء وما يتعلق بذلك. وذكر لفظًا / عامًّا فيمن سافر لمجرد قبور الأنبياء والصالحين، وحكى قولين معروفين عند أهل العلم وهما قولان معروفان عند أصحاب الشافعي وأحمد. ومالك وأصحابه أظهر قولاً بتحريم السفر إلى زيارة القبور، وقد صرح مالك بأن قبر النبي ﷺ هو مما نهي عن شد الرحال إليه، وأن من نذر ذلك لا يجوز أن يوفي بنذره، بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه أولهم وآخرهم، في الكتب الصغار والكبار، أن السفر إلى مدينة الرسول ﷺ وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهي عنه، وإن نذره ناذر لم يكن له أن يفعله

стр. 290

لأنه منهي عنه، فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين إلا لأجل الصلاة في المسجدين، لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر ولا أثر من الآثار ولا غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين. وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ذلك فليس هذا من هذا الباب فإن هذا ليس قصده متعلقًا بعين المكان. وأما السفر إلى سائر الأمصار لأجل مساجدها أو قبر فيها فلا يجوز عنده بحال. ثم إن مذهبه أن السفر المحرم لا تقصر فيه الصلاة. وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا تقصر فيه كما ذكره هذا المفتري، بل ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء، ولم يرجح قول من منع القصر، ولكن ذكر حجة من نهى عن السفر إلى غير الثلاثة، ولما ذكرها تبين أنها الراجحة وأنه ليس مع أولئك ما يعارضها. وأما قوله: ـ[إنه خالف في ذلك السادة العلماء وأئمة العصر.]ـ فيقال: هذا باطل، فإنه لم يخالف في ذلك أحدًا من علماء المسلمين وأئمة الدين المعروفين عند المسلمين بأنهم أئمة الدين. وأما من تكلم بلا علم أو تكلم بالهوى والجهل فهذا ليس من أئمة الدين، ولا يذكر المسلمون قول مثل هذا في كتبهم على أن يتبع / ويقتدى به، بل قال تعالى للخليل لما قال: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ [سورة البقرة: (١٢٤)]، فبين أن عهده بالإمامة لا ينال ظالمًا، فلا يكون الظالم إمامًا للمتقين، بل قال تعالى ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ [سورة السجدة: (٢٤)]، فالأئمة الذين يهدون بأمر الله هم أهل الصبر واليقين، والله تعالى أخبر أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يهدون بأمره، وإبراهيم إمام الحنفاء

стр. 291

والداعي إلى توحيد الله وعبادته وحده، والتبرؤ من عبادة ما سوى الله، ومن العابدين لغيره. وقد أخبر الله أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان سفيهًا جاهلاً، وقال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين﴾ [سورة النحل: (١٢٠)] والأمة هو القدوة الذي يؤتم به، وكان ابن مسعود يقول: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا. فيقولون: إن إبراهيم. فيقول: إن معاذًا. فيعلمون أنه لم يرد التلاوة، وإنما أراد أن يعرفهم أن معاذًا كان إمامًا، وكل من جعله الله إمامًا فإنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن دعاء ما سواه، لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة، ينهون عن دعاء الملائكة والأنبياء فضلاً عمن سواهم. وبهذا بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، قال تعالى ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [سورة الزخرف: (٤٥)]، وقال تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [سورة الأنبياء: (٢٥)]، وقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [سورة النحل: (٣٦)]، وقال: ﴿ماكان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله -إلى قوله- مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)]، والحج إلى قبورهم ودعاؤهم من دون الله من الشرك بهم واتخاذهم أربابًا. / قال الله تعالى: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا -إلى قوله- وأنا أول المسلمين﴾ [سورة الأنعام: (١٦١ - ١٦٣)]، فمن أمر الناس أن يحجوا إلى قبر مخلوق أو يدعوه فقد أمرهم أن يجعلوا صلاتهم

стр. 292

ونسكهم لغير الله، وهذا من الأئمة الذين يدعون إلى النار لا من أئمة الهدى والتقى. فالقولان اللذان ذكرهما هما القولان المعروفان عن علماء المسلمين وأئمة الدين وما عرف لهم قول ثالث. فمن قال قولاً ثالثًا فحسبه أن يحكى قوله ويبين خطؤه لا يجعل قوله مقدمًا على أقوال السلف الماضين وأئمة الدين وعلماء المسلمين. ولم يخالفهم أحد بحجة في الدين ولا نقل قوله عن أحد من أئمة المسلمين، ولكن حججهم من جنس هذا وأمثاله. وقد صنف من هو أفضل منه مصنفًا أكبر من مصنفه، وحججهم كلها يشبه بعضها بعضًا، ليست من حجج علماء المسلمين ولا ينقلونها ولا موجبها عن أحد من أئمة الدين، بل هي من جنس حجج النصارى والمشركين. إما نقل عن الأنبياء هو كذب عليهم، كالأحاديث التي يحتجون بها في أنه رغب في زيارة قبره وكلها كذب، كما يحتج النصارى وأهل البدع بما يفعلونه من الكذب على الأنبياء. وإما ألفاظ متشابهة يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويضعونها على غير مواضعها ويدعون المحكم المنصوص، كما تفعل النصارى وأهل البدع: يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ويدعون المحكم المبين الذي هو أم الكتاب.

стр. 293

وإما احتجاجهم بقول من ليس قوله حجة ولا يجب اتباعه. وإما أحوال شيطانية. وهذه حجج النصارى وأمثالهم وأهل الضلال المخالفين للأنبياء وائمة الهدى كما قال تعالى ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا / من قبل واضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل﴾ [سورة المائدة: (٧٧)]، فلا نقل مصدق ولا بحث محقق، بل هذيان مزوق يروج على هذا وأمثاله من الجهال الذين لا يعرفون دين المسلمين في هذه المسألة وأمثالها، ولا يفرقون بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان، ولا بين الأنبياء والمرسلين أهل التوحيد والإيمان، ودين أهل البدع المضاهين لعباد الصلبان. وأما قوله: ـ[فمقتضى ذلك أن يسوى بينه وبين السفر لقتل النفوس.]ـ فعنه أجوبة. أحدها: أن هذا يلزم مثله فيمن سافر إلى المساجد للصلاة كمن سافر من مصر إلى الشام ليصلي في جامع [دمشق، أو سافر من الشام ليصلي في جامع] مصر، فهذا السفر منهي عنه أو غير مستحب عند الأئمة، وهو سفر معصية عند مالك وجمهور أصحابه والأكثرين، لا تقصر فيه الصلاة بمقتضى هذا الحديث، فقد سوى بينه وبين السفر لقتل النفوس.

стр. 294

الثاني: أن المحرمات أذا اشتركت في جنس التحريم كان الشرك محرمًا والنظرة محرمة ولم يلزم من ذلك أن يسوى بين الكفر بالمعاصي، ولا الكبائر بالصغائر. الثالث: أن يقال: بل قد يكون الحج إلى القبور أعظم من قتل النفوس، وقد يكون شركًا ينقل عن الملة، فإن كثيرًا من هؤلاء يعتقد أن السفر إلى قبر الشيخ أو الإمام أو النبي أفضل من الحج، ويسمونه الحج الأكبر، وينادي مناديهم: من أراد الحج الأكبر، أي السفر لزيارة بعض القبور المنسوبة إلى بعض أهل البيت. ومنهم من يقول له صاحبه: تبيعني زيارتك للشيخ بكذا وكذا حجة، فلا يفعل. ويصنف علماؤهم كتبًا في مناسك حج المشاهد كما صنف المفيد بن النعمان. ومن الناس / من يحج إلى قبر النبي ﷺ ثم يرجع من هناك لا يحج إلى البيت العتيق ويقول: هذا هو المقصود. ومنهم من يحلف فيقول: وحق النبي الذي تحج المطايا إليه. ومنهم من يصلى إلى قبر شيخه ويستقبله في الصلاة ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وأنا أعرف من فعل هذا وهذا وهذا، وهم قوم لهم عبادة وزهد ودين، لكن فيهم جهل وضلال، كما أن رهبان النصارى وغيرهم

стр. 295

هم من أزهد الناس وأعظمهم اجتهادًا في العبادة، لكن بجهل وضلال. والله تعالى قد أمرنا أن نقول في صلاتنا ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [سورة الفاتحة: (٦ - ٧)]، وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون) قال الترمذي: حديث حسن. وهكذا قال السلف. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: لا أعلم خلافًا في هذا الحرف بين المفسرين. ومعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج فهو كافر، ولو قتل نفسًا مع اعتقاده أن ذلك محرم وأنه مذنب لكان ذنبه أخف من ذنب من جعل الحج إلى الأوثان أفضل من الحج إلى بيت الرحمن. وقول النبي ﷺ (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) دليل على أن القبور قد تجعل أوثانًا، وهو ﷺ خاف من ذلك فدعا الله أن لا يفعله بقبره، واستجاب الله دعاءه رغم أنف المشركين الضالين الذين يشبهون قبر غيره بقبره، ويريدون أن يجعلوه وثنًا يحج إليه ويدعى من دون الله، / والله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين

стр. 296

كله وكفى بالله شهيدًا. فلا يقدر أحد من البشر أن يصل إلا إلى مسجده الذي هو بيت الله تعالى الذي بني لعبادة الله وحده، لا يصل إلى بيت النبي ﷺ البتة، ولو كان قصده بيت المخلوق دون بيت الخالق فالله تعالى لا يوصله إلا إلى بيت الخالق رحمة من الله بهذه الأمة وإجابة لدعاء نبيه ﷺ . فإذا فعل في بيت الله من الشرك والبدع ما لا يجوز فهذا يختص به كما كان المشركون يشركون عند البيت، ليس هذا الضلال متعلقًا بقبره، ولا يمكن أن يفعل في نفس قبر الرسول وبيته ما يمكن أهل الشرك والضلال أن يفعلوه عند القبور والحمد لله رب العالمين، ولكن عند قبر غيره قد يفعلون ما هو من جنس فعل النصارى، بل حتى قد يفضل هذا الشرك على التوحيد فما كفاهم جعل الشرك كالتوحيد بل جعلوا الشرك أفضل من التوحيد، وقد قال سفيان الثوري (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية قد يتاب منها والبدعة لا يتاب منها). وقد كان على عهد النبي ﷺ رجل يشرب الخمر يقال له عبد الله بن حمار، فلعنه رجل، فقال رسول الله ﷺ (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) رواه

стр. 297

البخاري، ولما أتى ذو الخويصرة -وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية- وقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، فأراد بعض أصحابه قتله، فقال النبي ﷺ (دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون (*) القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام / كما يمرق السهم من الرمية). وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما، فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما خالفوا سنة رسول الله ﷺ واستحلوا دماء من لم يوافقهم على بدعتهم، أمر النبي ﷺ بقتالهم، وذاك الشارب الخمر لما كان محبًّا للرسول ﷺ ولسنته نهى النبي ﷺ عن لعنته وقال (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله).

стр. 298

فصل قال: ـ[واعلم أن الزيارة لا يتصور أن تكون منفكة عن الحركة من مكان إلى مكان، ولو حصل ذلك بطي الأرض أو الطيران. فإن حصولها بغير ذلك أمر لا تقبله الأذهان، واعتقاده ضرب من الهذيان لأن الزائر لا يطلق عليه زائر إلا بعد حركته وانتقاله، وخروجه عن محله وارتحاله. وكيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة، والقصد المطلوب طاعة معظمة؟ فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات، كنقل الخطا إلى المساجد والجماعات. فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل عليه قوله من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره.]ـ يقال: كلام هذا المعترض كثير الألفاظ والأسجاع، قليل الفائدة التي يحصل بها الانتفاع. فأسجاع كأسجاع الكهان، ليس فيها برهان ولا بيان. لا استدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نقل لقول أئمة الدين أهل الإجماع والنزاع. بل يطول الكلام فيما يفهمه الأغنام، ويجعل عدته انتهاك أعراض أئمة الإسلام، والطعن على شريعة خير الأنام، بقلة علم، وسوء فهم، وإعراض عن التفقه والتعلم

стр. 299

والتفهم والإعلام. وهذه / المسألة المتنازع فيها وفيما يناسبها عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة محكمة، وفيها لأئمة الدين أقوال صريحة مفهمة. لم يذكر شيئًا من ذلك، بل عمدته اتباع ما تشابه من القول يبتغي الفتنة ويبتغي تأويله، وليس من الراسخين في العلم الذي يعرفون تأويله الذي هو تفسيره ومعناه، وإن كان له تأويل آخر استأثر به الله، وكلا القولين في الوقف والابتداء منقولان عن السلف الأتقياء، وكل من القولين قاله طائفة من السلف العلماء. وأهل الضلال كالنصارى، وأهل البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية، يتبعون ما تشابه عليهم معناه، ويدعون المحكم المنصوص الذي بينه الله، ويقولون لمن اتبع المسيح وآمن بما قاله من أنه عبد الله ورسوله -كما صرح به في غير موضع من إنجيله- إنه قد شتم المسيح وتنقصه وعابه وعاداه، وهم قد شتموا الله وأشركوا به وكذبوا المسيح وعصوه، فكفروا بالله ورسوله. وهكذا الغلاة في علي يقولون لمن اتبع عليًّا فيما أخبر به عن نفسه واتبع الرسول فيما قاله عن علي وغيره: إنه شتم عليًّا وآذاه. وهم الذين كذبوا عليًّا وخالفوه، بل خالفوا الرسول الذي به آمن علي، وعمدتهم التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب، وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب، كالنصارى: تارة ينقلون عن المسيح وغيره من الأنبياء أقوالا باطلة، وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة لا تدل على ما ابتدعوه. وهكذا أهل البدع الذين يدعون أهل القبور ويحجون إليها ويجعلون أصحابها أندادًا لله حتى يقول بعضهم: إن الحج إليها أفضل من الحج إلى بيت الله. وأهل البدع في القبور أنواع متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع. لكن عمدتهم إما

стр. 300

أحاديث مكذوبة وإما ألفاظ مجملة متشابهة كلفظ زيارة / القبور ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور، وحصل فيها اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهور، ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه التي ليس في سندها ولا فيما يستدل به من معناها نزاع بين العلماء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم وغيره (لا تشدوا الرحال) بصيغة النهي، وهو أيضًا مروي عنه من وجوه أخر كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة عن النبي ﷺ ، ولفظه أنه قال (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده، واتفقوا على وجوب العمل بمعناه، واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور. ثم تنازعوا هل مراده النهي، أو مراده نفي الاستحباب والفضيلة؟ وما اتفقوا عليه كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع. وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلا يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة. والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح فقال (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وأبو سعيد سمعه من النبي ﷺ ، هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره، بخلاف رواية أبي هريرة

стр. 301

فإنها مطلقة، وأبو هريرة كان يروي الحديث، ثم يقول: حدثني فلان كما في حديث صوم الجنب، فقال: حدثنيه الفضل بن عباس، ومثل ما في الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه (لعن الله / اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، وغير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وفي الصحيحين أيضًا عن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها [عن وجهه] فقال وهو كذلك (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ذلك، مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله، لكن إذا اتخذت القبور مساجد للعبادة صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنًا، فإذا كان قد لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح! وإذا كان هذا حال من دعا أهل القبور من غير حج إليهم، فكيف بمن حج إليهم أو جعل الحج

стр. 302

إليهم أفضل من الحج إلى بيت الله، بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به ويلبي ويحرم إذا حج إلى آثارهم كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف وكما حج مرة إلى قبر الرسول ﷺ ثم رجع ولم يحج إلى مكة وقال: حصل المقصود بهذا. وهو ﷺ في مرضه يكرر تحذير أمته فينهاهم علانية في المسجد، ثم لعن من يفعل ذلك -وهو منزول به في السياق- حرصًا على هذه الأمة وتحذير الأمة من مظان الشرك وأسبابه، إذ كان جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك. والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه، وبيان شقاوة أهله. ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله / قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إلا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس، ولعنه في مرضه من يفعل ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، [وفي لفظ لمسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].

стр. 303

وفي الصحيحين عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة ذكرتا من حسنها وتصارير فيها لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ([إن هؤلاء] كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) ذمهم على هذا وهذا، ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا. وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أمرني أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته)، فأمره بطمس التماثيل وتسوية القبور العالية المشرفة، إذ كان الضالون أهل الكتاب أشركوا بهذا وبهذا: بتماثيل الأنبياء والصالحين، وبقبورهم. وفي المسند وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد). وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : (لا

стр. 304

تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) وبسط هذا له موضع آخر، ولكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ولا دليل، بل حجته من جنس ما ذكره هنا أن الزيارة لا بد فيها من الحركة والانتقال، وهذا معلوم لكل أحد. فقوله: والزيارة نفسها قربة والوسيلة إلى القربة قربة، هذا مضمون كلامه. ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة ومنع من الوسيلة إليها وهو السفر، ولهذا قال: ـ[فلو علم هذا القائل ما في كلامه من [الخطأ والزلل]، وما اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره.]ـ وجواب هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: أنت المتناقض فيما حكيته عنه، فإنك في أول كلامك قلت إنه ظهر لك من صريح كلامه وفحواه مقصده السيء ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعوى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها. وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقًا، ولا حكى ذلك عن أحد فضلاً عن أن يحكيه إجماعًا، لكن هذا قول طائفة من السلف حرموا زيارة القبور مطلقًا كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن سيرين، لكن المجيب لم

стр. 305

يذكر هذا القول فإنه قول مرجوح، ولو قدر أنه حكاه لم يحك الإجماع على التحريم، فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، إذ كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال أواستحباب ذلك. ثم هنا جعلت المجيب يجوز الزيارة وينهى عن الوسيلة إليها وهو السفر، فجعلته متناقضًا. وكذلك قلت بعدها: ـ[لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، / الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم. ونقل عدم الجواز إن صح نقله عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه.]ـ فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء وهو جواز السفر للزيارة فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ هذا هوالتناقض. ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض فقلت: ـ[ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادعاه مجمع على أنه حرام، وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام. فليت شعري حين قال هذا أكان به جنة، أم أدركته من الله محنة؟]ـ فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن سواء المنهج، وتناقض فيما يقول وجعل غيره هو المتناقض، كما قيل في المثل السائر (رمتني بدائها وانسلت).

стр. 306

ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون، قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ [سورة الذاريات: (٥٢)]، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿وقالوا مجنون وازدجر﴾ [سورة القمر: (٩)]، وقال فرعون ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [سورة الشعراء: (٢٧)]، [وقال تعالى: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾] [سورة الحجر: (٦)]. فيقال: لفظ الجواب أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين. وقوله: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء احترازًا عن السفر المشروع، كالسفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ إذا سافر السفر المشروع، فسافر إلى مسجده وصلى فيه وصلى عليه وسلم عليه ودعا وأثنى كما يحبه / الله ورسوله، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع، فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور بل للصلاة في المسجد، فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلي فيه لقوله ﷺ (صلاة في مسجدي هذا

стр. 307

خير من ألف صلاة فيما سواه) ولقوله (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا). والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة النبي ﷺ ، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين، ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة قبره محرم مطلقًا، بل من سافر إلى مسجده وصلى فيه وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول ﷺ كان هذا مستحبًّا مشروعًا باتفاق المسلمين، لم يكن هذا مكروهًا عند أحد منهم، لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره، وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ وآخرون يسمون هذا زيارة لقبره ﷺ ، لكنهم يعلمون ويقولون إنه إنما يصل إلى مسجده، وعلى اصطلاح هؤلاء من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار قبره ﷺ الزيارة الشرعية لم يكن هذا محرمًا عند أحد من المسلمين، بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه. فالسؤال والجواب كان عن جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين كما يفعل أهل البدع، ويجعلون ذلك حجًّا، أو أفضل من الحج، أو قريبًا من الحج، حتى يروي بعضهم حديثًا ذكره بعض المصنفين في زماننا في فضل من زار الخليل قال فيه: وقال وهب بن منبه / (إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين

стр. 308

الحج، فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم فإن زيارته تعدل حجة)! وهذا كذب على وهب بن منبه، كما أن قوله (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) كذب على رسول الله ﷺ . وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس واستنقذ من أيدي النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة، فإن النصارى نقبوا قبر الخليل وصار الناس يتمكنون من الدخول إلى الحظرة. وأما على عهد الصحابة والتابعين -وهب بن منبه وغيره- فلم يكن هذا ممكنًا، ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابيعن أنه سافر إلى قبر الخليل ﵇، بل ولا قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ ولا غيرهم. ووهب بن منبه كان باليمن لم يكن بالشام، ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء والمتقدمين. مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما. وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل، وليس فيه شيء من هذا ولكن أهل الضلال افتروا آثارًا مكذوبة على الرسول ﷺ وعلى أصحابه والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين، أو إلى قبور الأئمة

стр. 309

كموسى والجواد وموسى بن جعفر وغيرهم من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر، ليس له غرض في الحج إلى قبر الخليل. وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا / دينهم وكانوا شيعًا. فلكل قوم هدي يخالف هدي الآخرين، قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها -إلى قوله-[من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم] فرحون﴾ [سورة الروم: (٣٠ - ٣٢)]. وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلاً عن الحج. فالجواب كان عن مثل هؤلاء، ولكن ذكر قبر نبينا ﷺ لشمول الأدلة الشرعية. فإنه اذا احتج بقوله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد لا إلى مجرد القبر، كما قال مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)، وهذا كما لو نهى الناس أن يحلفوا بالمخلوقات

стр. 310

وذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسم (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، وقوله ﷺ (لا تحلفوا إلا بالله) ونحو ذلك، وقي إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم. فإذا قيل: ولا بالنبي ﷺ ؟ لزم طرد الدليل، فقيل: ولا يحلف بالنبي ﷺ . كما قال جمهور العلماء - وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومن الناس من يستنثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف، فجوزوا الحلف به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه وخصوه بذلك. وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات. لكن قول الجمهور أصح، لأن النهي هو عن الحلف بالمخلوقات كائنًا من كان، كما وقع النهي عن عبادة المخلوق وعن تقواه وخشيته والتوكل عليه وجعله ندًّا لله. وهذا متناول لكل مخلوق: نبينا، وسائر الأنبياء، والملائكة وغيرهم، فكذلك الحلف بهم، والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم. وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه. ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال. قيل: يقصر الصلاة مطلقًا في كل سفر لزيارة القبور.

стр. 311

وقيل: لا يقصر مطلقًا في شيء من ذلك. وقيل: يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة. وقيل: بل لزيارة قبره ﷺ وقبور سائر الأنبياء. فالذين استثنوا نبينا قد يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق فتقصر فيه الصلاة، بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه سفر لمجرد القبر، وقد يستثنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في الحلف. ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء. والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده ثم إن الناس أقسام: منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه. ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر، ولا يقصد الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع. ومنهم من يقصد هذا وهذا. فهذا لم يذكر في الجواب إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ومن الناس من لا يقصد إلا القبر، لكن إذا أتى المسجد صلى فيه، فهذا أيضًا يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد، والصلاة على النبي ﷺ ، والسلام عليه، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه، ومحبته، وموالاته، والشهادة له

стр. 312

بالرسالة والبلاغ، وسؤال الله الوسيلة له ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده -بأبي هو وأمي ﷺ . ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة، بل يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة / القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه وفعل مايشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر بخلاف قبر غيره، فإذا عرف معنى أول الجواب فالمجيب لما ذكر القولين وحجة كل منهما وذكر أن يحمل قوله ﷺ (لا تشد الرحال) على نفي الاستحباب وأن أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين: أحدهما: أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات، فإذًا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدّر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من ذاك. الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم. فهذا الإجماع المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة، وسافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، فإن الذين قالوا بالجواز قالوا إن قوله ﷺ : (لا تشد الرحال الخ) يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب وليس هو واجبًا بالاتفاق فلا يكون قربة وطاعة، فإن

стр. 313

القربة والطاعة إما واجب [وإما مستحب]، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس قربة ولا طاعة بالإجماع. / فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة أو قال إنه قربة وطاعة أو فعله لأنه قربة وطاعة، فقد خالف هذا الإجماع. ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين، وامتنع من أن يفعله لذلك. وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة ويكون مخطئًا في هذا الاعتقاد، وإن كان خطؤه مغفورًا له؛ وهذا لا يعاقب على هذا الفعل لأنه لم يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما نهى عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلى في أوقات النهي ولم يعلم بالنهي، فإن الله يقول: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [سورة الإسراء: (١٥)]، لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها، فهؤلاء لا يثابون ولا يعاقبون. وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا ﷺ على الوجه المشروع. فإن هذا السفر مستحب بإجماع المسلمين، فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحب سفر أحد إلى مدينة الرسول ﷺ ولا مسجده ولا قبره فقد غلط، فإن هذا لم يقله أحد، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان

стр. 314

معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة -قبور الأنبياء وغيرها- محرم حتى قبر نبينا كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزًا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، واستدلوا بإتيان مسجد قباء، وكذلك طائفة من أصحاب أحمد كأبي محمد المقدسي، / وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة، وكذلك أبو حامد الإسفرائيني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما. قال أبو المعالي: كان شيخي -يعني والده أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وربما كان يقول: يحرم. قال: والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي. ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة. وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي: إنه لا يجب بالنذر، قال: يحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبًا، ويحتمل أن يريد به لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبًّا، فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر أو نفي الاستحباب. وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد، وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه، والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم

стр. 315

فقال: واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد، كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره قال: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره. قلت: والقاضي عياض مع مالك، وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة / مرغب فيها، أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلى عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم. وقد قال القاضي عياض في هذا الفصل -فصل الزيارة- قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف. قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف بوجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده. وقال في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي. فهذا مالك لم يستحب إلا السلام خاصة كما كان ابن عمر يفعل، قال نافع: رأيت ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول:

стр. 316

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف. قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال القاضي عياض: وعن ابن قسيط والقعنبي كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر لا من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر. وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي مذهب أحمد نزاع، والمشهور عند أصحابه كما قال مالك. وفي منسك المروذي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي ﷺ : ولا تستقبل الحائط، وخذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر. وقال: فإذا أردت الخروج فأت المسجد وصل ركعتين وودع رسول الله ﷺ بمثل سلامك الأول، وسلم على أبي بكر وعمر ﵄، وحول

стр. 317

وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه ﷺ تقض من الله . فقد نهاه عن استقبال حائط القبر. وأمره إذا سلم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد، وهذا يقتضي أن يسلم عليهم مستقبل الحجرة بحيث يكون مستقبلاً للمغرب مستدبرًا للمشرق والقبلة عن يمينه ويسلم عليه عند رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر، فإنه كان يسلم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد ولم يكن حينئذ (*) يمكن أحدًا أن يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد ولا كان منفصلاً طريقًا، بل كان متصلاً بحجرة حفصة وغيرها. فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلاً للقبلة والحجرة النبوية عن يساره، كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد. وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلمون عند وجهه.

стр. 318

وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يدل على هذا القول، بل يدل على قول أبي حنيفة، فإنه ذكر عن بعضهم قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع (*) يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على / النبي ﷺ ثم انصرف. فقول الراوي إنه رفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة دليل على أنه كان مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها، ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي فإن أحدًا لا يصلي إلى الشمال ولا المشرق. لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في فضل الصلاة على النبي ﷺ قال: حدثني إسحاق بن محمد الفروي حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا نافع أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى السجدتين في المسجد ثم أتى النبي ﷺ فيضع يده اليمنى على قبر النبي ﷺ ويستدبر القبلة ثم يسلم على النبي ﷺ ثم يسلم على أبي بكر وعمر. فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه.

стр. 319

وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر، وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر وكذلك كان سائر علماء المدينة، وكذلك قال أحمد إن ابن عمر فعل ذلك. قال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل: قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا، قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه -قال أبو عبد الله- شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر. وقال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، قلت: ويروونه عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا. فرأيته استحسنه. ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: أرأيت أهل العلم من أهل / المدينة لا يرونه ويقومون ناحية فيسلمون عليه، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل ثم قال أبو

стр. 320

عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وقد يقال: هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا يمكنه أن يستقبل الوجه فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى الاستقبال، ويضع يده على الحائط ليعتمد عيها ويكون أبلغ في القرب إلى القبر، لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية، إلا أن يقال: كان يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار، وبسط هذا له موضع آخر. والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي عن عبيد الله عن عبد الله بن عمر، غلط فيها وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر، فإن أيوبًا رواه عن عبيد الله عن عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق، مع أن رواية أيوب عن نافع رواها حماد بن زيد ومعمر وغيرهما، ورواية مالك عن نافع مشهورة، وكذلك روايته عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن محمد الفروي، ولا يقال إنه ثقة انفرد بزيادة لوجهين: أحدهما: أنه خالف من هو أوثق منه، كما رواه يحيى بن معين قال: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي ﷺ ، وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد شيخ العراق في زمنه عند العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه قال: قرأت على عبيد الله
следующие страницы →