← Акыда

Акыда · id 9277

الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي

ابن تيمية

Полный текст (408 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا]. [إن ما ثبت عن المصطفى ﷺ ] ليس عن هوى النفس كما أنه ليس من الظن كحال الذين هم له مخالفون، بل هو ﴿وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى﴾ [سورة النجم: (٤ - ١٢)] أيها الجاهلون. والذين أوتوا العلم يرون أن ما أنزل إليه من ربه ﴿هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾ [سورة سبأ: (٦)] فهم له يتبعون. فلهذا كان أفضل الخلق وأقربهم إلى الله من كان أتبع لرسول الله ﷺ . وأضلهم وأشقاهم من كان أبعد عن ذلك وهم الأخسرون. وقد يتفق من يكون فيه معرفة لبعض ما جاء به، لكن لم يتبعه فيكون مشابهًا لليهود، ومن كان يخالف ما جاء به جهلاً وضلالاً [كان] كالنصارى الذين هم في دينهم يغلون. والله

стр. 2

هو المسئول أن يجعلنا وإخواننا من عباده الذين هم بكتاب الله يهتدون، لله يؤمنون وبحبل الله يعتصمون ولأولياء الله يوالون ولأعدائه يعادون، وفي سبيله يجاهدون / ولطريقي المغضوب عليهم والضالين يجتنبون / وللسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان يتبعون. أما بعد فإن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وفرق به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الغي والرشاد، وبين طريق الجنة وطريق النار، وبين أوليائه وأعدائه، وبين المعروف والمنكر، والخبيث والطيب، والحلال والحرام، ودين الحق والباطل. فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وليس لأحد من الثقلين -الإنس والجن- سبيل إلى رضى الله وكرامته ورحمته إلا بالإيمان بمحمد واتباعه، فإن الله أرسله برسالة عامة إلى جميع الثقلين الجن والإنس، في جميع أمور الدين الباطنة والظاهرة، بشرائع الإسلام / وحقائق الإيمان، إلى علمائهم وعبادهم وملوكهم وسوقتهم، فليس لأحد -وإن

стр. 3

عظم علمه وعبادته وملكه وسلطانه- أن يعدل عما جاء به الرسول ﷺ إلى ما يخالفه في شيء من الأمور الدينية: باطنها وظاهرها، وشرائعها وحقائقها، بل على جميع الخلق أن يتبعوه ويسلموا لحكمه. قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ [سورة النساء: (٦٥)] وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ الآية [سورة النساء: (٥٩)] وقال تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ [سورة يونس: (١٩)]، كما قال في سورة [البقرة: (٢١٣)] ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الآية. وفي صحيح مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا قام [يصلي من الليل] يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وقد علق سبحانه الاهتداء بطاعته، فقال في ذم المنافقين: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين *

стр. 4

وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم -إلى قوله- فأولئك هم الفائزون -إلى قوله- وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [سورة النور: (٤٧ - ٥٤)]. وهذا الأصل متفق عليه بين كل من آمن به الإيمان الواجب الذي فرضه الله على الخلق، وكل أحد عليه أن يتقي الله قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن: (١٦)]، وهذا تبيين لقوله تعالى: ﴿اتقو الله حق تقاته﴾ [سورة آل عمران: (١٠٢)] قال ابن مسعود: حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. لكن الأمر مشروط بالاستطاعة كما بينه [في قوله تعالى] ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. فقد يخفى على الإنسان بعض سنة الرسول ﷺ وأمره مع اجتهاده في طاعته، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد

стр. 5

فأخطأ فله أجر) أخرجاه في الصحيحين، وقد يقول الرجل ويحكم بغير علم فيأثم على ذلك، كما يأثم إذا قال بخلاف ما يعلمه من الحق، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس / على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى بخلافه فهو في النار). وقد ذم الله القول بغير علم ونهى عنه في غير موضع من كتابه، قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [سورة الإسراء: (٣٦)]، وقال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ الآية [سورة الأعراف: (٣٣)] وقال تعالى عن الشيطان: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [سورة البقرة: (١٦٩)] وقال فيما يخاطب به أهل الكتاب: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ الآية [سورة آل عمران: (٦٦)]، وقال: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه﴾ [سورة الأعراف: (١٦٩)] وقال: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [سورة النساء: (١٧١)]، وجعل القائل بغير علم كاذبًا، والصادق هو الذي يتكلم بعلم فقال

стр. 6

تعالى: ﴿آالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ [سورة الأنعام: (١٤٣)] وقال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [سورة البقرة: (١١١)]، لا سيما أهل الشرك فإنه وصفهم بالإفك مع الشرك وقرن الكذب بالشرك كما قرن الصدق بالإخلاص، ولهذا يقرن بين المنافقين أهل الكذب وبين المشركين في مثل قوله ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين -إلى قوله- وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا﴾ [سورة الفتح: (٤ - ٦)]، وقال تعالى ﴿واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ [سورة الحج: (٣٠ - ٣١)]. وقال عن أهل الكهف: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين﴾ الآية [سورة الكهف: (١٥)] وقال عن الخليل: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وتخلقون إفكًا﴾ [سورة العنكبوت: (١٧)]، وقال لأبيه وقومه: ﴿ماذا تعبدون * أإفكًا آلهة دون الله تريدون﴾ [سورة الصافات: (٨٥ - ٨٦)] ومثل هذا مذكور في غير موضع من القرآن، وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك جهلاً وضلالاً من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع. والله قد أرسل جميع رسله وأنزل جميع كتبه بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك ولا نبي ولا صالح ولا تماثيل ولا قبور ولا شمس ولا قمر ولا كوكب ولا ما صنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيء من الأشياء. وبين أن كل ما يعبد من دونه فإنه لا يضر ولا ينفع وإن كان ملكًا أو نبيًّا، وأن عبادته كفر، فقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا

стр. 7

يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)]، بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس لا يملكون / كشف الضر ولا تحويله، وأن هؤلاء المدعوون من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه. وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالاً من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم كما ذكر ذلك ابن مسعود، وقال تعالى: ﴿قل ادعو الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة -إلى قوله- ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)] بين سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والأرض ولا لهم نصيب فيهما، وليس لله ظهير يعاونه من خلقه، وهذه الأقسام الثلاثة هي التي تحصل مع المخلوقين: إما أن يكون لغيره ملك دونه، أو يكون شريكًا له، أو يكون معينًا وظهيرًا له. والرب تعالى ليس له من خلقه مالك ولا شريك ولا ظهير. لم يبق إلا الشفاعة وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له، فقال تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿ما

стр. 8

كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة -إلى قوله- بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٧٩ - ٨٠)] بين أن اتخاذهم أربابًا كفر، وقال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح -إلى قوله- والله هو السميع العليم﴾ [سورة المائدة: (٧٢ - ٧٦)]، فقد بين أن من دعا المسيح وغيره فقد دعا ما لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وقال لخاتم الرسل: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك﴾ [سورة الأنعام: (٥٠)] وقال: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [سورة الأعراف: (١٨٨)] وقال: ﴿قل إني لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله﴾ [سورة يونس: (٤٩)] وقال: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدًا﴾ [سورة الجن: (٢١)] وقال: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [سورة آل عمران: (١٢٧ - ١٢٨)] وقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [سورة القصص: (٥٦)] وقال: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ [سورة النحل: (٣٧)].

стр. 9

فصل قد أرسل إلي بعض أصحابنا جزءًا أخبر أنه صنفه بعض القضاة، قد تكلم في المسألة التي انتشر الكلام فيها، وهي السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كالسفر إلى زيارة القبور، هل هو محرم أو مباح أو مستحب؟ وهي المسألة التي أجبت فيها من مدة / [بضع عشرة] سنة بالقاهرة، فأظهر بعض الناس في هذا الوقت ظنًّا أن الذي فيها خلاف الإجماع وأن السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين هو السفر المستحب بلا نزاع وهو السفر إلى مسجد نبينا محمد ﷺ المتضمن لما شرعه الله من السفر إلى مسجده والصلاة فيه والسلام عليه ومحبته وتعظيمه وغير ذلك من حقوقه ﷺ في مسجده المؤسس على التقوى المجاور لقبره ﷺ ، وظنوا أن السفر إلى زيارة [قبور جميع] الأنبياء والصالحين مستحب مجمع على استحبابه مثل السفر المشروع بالنص وإجماع المسلمين إلى مدينة الرسول ﷺ ، سواء سافر مع حج البيت أو بدون حج البيت، فإن هذا السفر المشروع إلى مدينته بالنص والإجماع لا يختص بوقت الحج، فإن المسلمين على عهد خلفائه الراشدين كانوا يحجون ويرجعون إلى أوطانهم، ثم ينشىء السفر إلى مسجد النبي ﷺ من ينشئه، لأنه عبادة

стр. 10

مستقلة بنفسها كالسفر إلى بيت المقدس، والسفر إلى مسجد النبي ﷺ أفضل من السفر إلى المسجد الأقصى بالنص والإجماع. فظن من ظن أن السفر المشروع هو لمجرد القبر لا لأجل المسجد، وأن المسجد يدخل ضمنًا وتبعًا في السفر، وأن سائر الأنبياء كذلك، أو أن المسافرين لمجرد القبور سفرهم مشروع كالسفر إلى المساجد الثلاثة، ومن الناس من ظن أنه أفضل من السفر إلى المساجد الثلاثة حتى صرحوا بأنه أفضل من الحج، وأن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المسجد الحرام ومسجد الرسول وعرفة ومزدلفة ومنى وغير ذلك من المساجد والمشاعر التي أمر الله ورسوله بالعبادة فيها والدعاء والذكر فيها، وظن [من ظن] أن هذا مجمع عليه وأن من قال: السفر لغير المساجد الثلاثة -سواء كان لقبر نبي أو غير نبي- منهي عنه، أو أنه مباح ليس بمستحب، فقد خالف الإجماع. وليس معهم بما ظنوه نقل عن أحد من أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا حجة من كتاب الله ولا سنة رسوله، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة المشهورون وغيرهم على خلاف ما ظنوه، فإجماع أهل العلم الذين تحكى أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع هو على خلاف ما ظنه الغالطون / إجماعًا، وجرت في ذلك فصول.

стр. 11

[لكن المقصود] هنا أنه أرسل إلي ما كتبه هذا القاضي وأقسم بالله علي أن أكتب عليه شيئًا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم، وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والضلال ما لا يظن أن يقع فيه آحاد العلماء الذين يعرفون ما يقولون، فكيف بمن سمي قاضي القضاة! ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعًا من الدين [كما عند] كثير من الناس نوع من الدين، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم، حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو مؤمن به، ويكفر من قال بقول الرسول؛ وصدق خبره وأطاع أمره. وقد يجهل أحدهم مذهبه الذي انتسب إليه كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، فإن هذه المسألة التي فيها النزاع -وهي التي أجبت فيها- وإن كانت في كتب أصحاب الشافعي وأحمد

стр. 12

وغيرهما وقد ذكروا القولين [في كلام مالك وأصحابه]. وأبو حنيفة مذهبه في ذلك أبلغ من مذهب الشافعي وأحمد، فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر، وهي موجودة في كتبهم الصغار والكبار، ومالك نفسه نص على قبر نبينا محمد ﷺ بخصوصه أنه داخل في هذا الحديث، بخلاف كثير من الفقهاء فإن كلامهم عام، لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنهم قصدوا العموم، وكذلك بيانهم لمأخذ المسألة يقتضي العموم. فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب أئمتهم، ولا ما قاله بقية علماء المسلمين، ولا عرفوا سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم بإحسان. ونقل هذا المعارض عن الجواب ما ليس فيه، بل المعروف المتواتر عن المجيب في جميع كتبه وكلامه بخلافه، وليس في الجواب ما يدل عليه بل على نقيض ما قاله.

стр. 13

وهذا إما أن يكون عن تعمد للكذب، أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن وما تهوى الأنفس، وهذا أشبه الأمرين به، فإن من الناس / من يكون عنده نوع من الدين لكن مع جهل عظيم، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم فيخطىء، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه خبرا غير مطابق. ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي في السنن عن بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة). فهذا الذي يجهل وإن يتعمد خلاف الحق فهو في النار، بخلاف المجتهد الذي قال فيه النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر). فهذا جعل له أجرًا مع خطئه لأنه اجتهد فاتقى الله ما استطاع، بخلاف من قضى بما ليس له به علم، وتكلم بدون الاجتهاد المسوغ له الكلام

стр. 14

/ فإن هذا كما في الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار). وفي رواية (بغير علم). وفي حديث جندب عن النبي ﷺ (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار).

стр. 15

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، وفي رواية للبخاري (فأفتوا برأيهم) وهذا بخلاف المجتهد الذي اتقى الله ما استطاع، وابتغى طلب العلم بحسب الإمكان، وتكلم ابتغاء وجه الله، وعلم رجحان دليل على دليل، فقال بموجب الراجح، فهذا مطيع لله مأجور أجرين إن أصاب، وإن أخطأ أجرًا واحدًا. ومن قال كل مجتهد مصيب بمعنى أنه مطيع لله فقد صدق، ومن قال المصيب لا يكون إلا واحدًا، وإن الحق لا يكون إلا واحدًا، ومن لم يعلمه فقد أخطأ بمعنى أنه لم يعلم الحق / في نفس الأمر فقد صدق، كما بسط هذا في مواضع. والمقصود أن من تكلم بلا علم يسوغ وقال غير الحق يسمى كاذبًا، فكيف بمن نقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كل من تدبر الكلام أن هذا نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأولى على صاحبه إثم الكذب،

стр. 16

ويطلق عليه، كما قال النبي ﷺ (كذب أبو السنابل). وكما قال لما قيل له: إنهم يقولون إن عامرًا بطل عمله، قتل نفسه. فقال: (كذب من قال ذلك). وكما قال عبادة: (كذب أبو محمد) لما قال: الوتر واجب. وقال ابن عباس: (كذب نوف) لما قال: إن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر. ومثل هذا كثير، فإذا كان هذا الخبر الذي ليس بمطابق يسمى كذبًا فما هو كذب ظاهر أولى. ومثل هذا إذا حكم بين الناس بالجهل فهو أحد القضاة الثلاثة الذين قال فيهم النبي ﷺ (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في

стр. 17

النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار). وإن قيل فيه قد يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له فحكمه الذي أخطأ فيه وخالف فيه النص والإجماع باطل باتفاق العلماء، وكذلك حكم من شاركه في ذلك. وكلام هذا وأمثاله يدل على أنهم بعيدون عن معرفة الصواب في هذا الباب؟ كأنهم غرباء عن دين الإسلام في مثل هذه المسائل، لم يتدبروا القرآن ولا عرفوا السنن [ولا آثار الصحابة ولا التابعين] ولا كلام أئمة المسلمين، وفي مثل هذا وهؤلاء قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ). فشريعة الإسلام في هذا الباب غريبة عند هؤلاء لا يعرفونها، فإن هذا وأمثاله لو كان عندهم علم بنوع من أنواع الأدلة الشرعية في هذا الباب لوزعهم ذلك عما وقعوا فيه من الضلال والابتداع ومخالفة دين المسلمين والخروج عما عليه جميع أئمة الدين، مع ما فيه من الافتراء / على الله ورسوله ﷺ وعلماء المسلمين وعلى المجيب.

стр. 18

والاستدلال على ما ذكروه بما لا يصلح أن يكون دليلاً إما حديث صحيح لا يدل على المطلوب وإما خبر معتل مكذوب، والمستدل بالحديث عليه أن يبين صحته، ويبين دلالته على مطلوبه. وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا، بل إن ذكر صحيحًا لم يكن دالاًّ على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل لم يكن ثابتا عند أهل العلم بالحديث الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع. فأما ما فيه من الافتراء والكذب على المجيب فليس المقصود الجواب عنه وله أسوة أمثاله من أهل الإفك والزور، وقد قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم) [سورة النور: (١١)] بل المقصود الانتصار لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، وبيان جهل الجاهل الذي يتكلم في الدين بالباطل وبغير علم، فأذكر ما يتعلق بالمسألة وبالجواب. وليس المقصود أيضًا العدوان على أحد -لا المعترض ولا غيره- ولا بخس حقه ولا تخصيصه بما لا يختص به مما يشركه فيه غيره - بل المقصود الكلام بموجب العلم والعدل والدين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [سورة المائدة: (٨)].

стр. 19

وليس أيضًا المقصود ذم شخص معين بل المقصود بيان ما يذم وينهى عنه ويحذر عنه من الخطأ والضلال في هذا الباب، كما كان النبي ﷺ يقول: (ما بال رجال يقولون أو يفعلون كذا) فيذم ذلك الفعل ويحذر عن ذلك النوع وليس مقصوده إيذاء شخص معين. ولكن لما كان هذا صنف مصنفًا وأظهره وشهره لم يكن بد من حكاية ألفاظه والرد عليه وعلى من هو مثله ممن ينتسب إلى علم ودين ويتكلم في هذه المسألة بما يناقض دين المسلمين حيث يجعل ما بعث الله به رسوله كفرًا، وهذا رأس هؤلاء المبدلين، فالرد عليه رد عليهم.

стр. 20

فصل قال المعترض: ـ[أما بعد فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عنه من نسخة فتياه، ظهر لي -من صريح ذلك القول وفحواه- مقصده / السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها.]ـ فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. [وذلك أن] الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قولي العلماء في ذلك. والمجيب قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد،

стр. 21

ويذكر زيارة قبر النبي ﷺ إذا دخل مسجده والأدب في ذلك وما قاله العلماء، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك، ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية ولا حكاه عن أحد، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعًا وهو نزاع مرجوح، والصحيح أنها مستحبة، وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول إنه معصية، وقول من يقول إنه ليس بمحرم بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بالإجماع. فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته؟ على قولين. وعامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر / إلى

стр. 22

القبور. فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سماه الوادي المقدس وسماه البقعة المباركة ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبي ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهي عنه، وأن قوله (لا تشد الرحال) نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى). فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه ﷺ صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد، سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى، أو كان بطريق شمول اللفظ، فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بينوا عمومه لغير المساجد كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة: من أين

стр. 23

أقبلت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيليا) أو قال (بيت المقدس). وقال أبو زيد عمر بن شبة النميري، في كتاب أخبار المدينة النبوية: حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا عبد الحميد بن بهرام حدثنا شهر بن

стр. 24

حوشب سمعت أبا سعيد الخدري وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ (لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا). فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد، بين أن النهي متناول للطور وإن لم يكن مسجدًا بطريق الأولى، فإن الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد بل ولم يكن هناك / قرية يتخذ المسلمون فيها مسجدًا، وبناء المسجد حيث لا يصلى فيه بدعة، وإنما يقصدونه لشرف البقعة، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب البقاع إلى الله المساجد). فإذا كان قد حرم السفر إلى أحب البقاع إلى الله غير الثلاثة، فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه، كما قال الصحابة، ومنهم أيضًا ابن عمر.

стр. 25

قال أبو زيد: حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق عن قزعة قال: (أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى. فدع عنك الطور فلا تأته). لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهيًا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة، ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة، وهؤلاء يقولون: إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك.

стр. 26

وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحب. وهذا لأنه ظاهري لا يقول بفحوى الخطاب، وهي إحدى الروايتين عن داود الظاهري فلا يقول إن قوله: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [سورة الإسراء: (٢٣)]، يدل على النهي عن الضرب والشتم، ولا إن قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أودلاكم خشية إملاق﴾ [سورة الإسراء: (٣١)]، يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار، وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين ويقطعون بخطأ من قال مثل ذلك فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء لا في القبور. وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدًا من علماء المسلمين قال إنه مستحب، وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟ وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم يستحب زيارة قبر النبي ﷺ ، ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون يستحب / للحاج أن يزور قبر النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا

стр. 27

إنما يمكن مع السفر، لم يريدوا بذلك زيارة القريب بل أرادوا زيارة البعيد، فعلم أنهم قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبره لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده، إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده لا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته -. ولكن قد يقال هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره ولهذا كره من كره من العلماء أن يقال زرت قبره، ومنهم من لم يكرهه. والطائفتان متفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور، بل إنما يدخل إلى مسجده. وأيضًا فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة: فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع، وإن كان لم يقصد إلا القبر لم يقصد المسجد فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرمونه لا يجوزون قصر الصلاة فيه. والآخرون يجعلونه سفرًا جائزًا وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر. وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معًا فهذا قد قصد مستحبًّا مشروعًا بالإجماع، ولهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا، والجواب في السؤال كان عمن سافر لا يقصد إلا زيارة القبور لا يقصد سفرًا شرعيًّا كالسفر إلى مكة وإلى مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى، ولم يكن السؤال ولا الجواب عمن سافر إلى مسجد النبي ﷺ ، وإن قصد مع ذلك السفر إلى قبره فإن هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب، بل أصحاب أحمد لهم في المسافر إلى القبور -هل يقصر الصلاة- أربعة أوجه: قيل: يقصر مطلقًا.

стр. 28

وقيل: لا يقصر مطلقًا. وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا ﷺ . وقيل: إلى قبور الأنبياء مطلقًا. فهذان الوجهان من لم يعرفهما تخبط في هذه المسائل، فيعرف العمل الممكن المشروع والقصد في ذلك ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل والقصد، فإن السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده. وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده والصلاة / فيه. وعلى هذا فقد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لا يتناول شدها إلى قبره فإن ذلك غير ممكن، لم يبق إلا شدها إلى مسجده وذلك مشروع، بخلاف غيره فإنه يمكن زيارته فيمكن شد الرحال إليه. لكن يبقى قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته هل قصده مجرد القبر أو المسجد أو كلاهما، كما قال مالك لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد). فهذا السائل من عُرْفه أن لفظ زيارة قبر النبي ﷺ تتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر، ومن أتاه وقصده المسجد، وهذا عُرف عامة الناس المتأخرين

стр. 29

يسمون هذا كله زيارة لقبره، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به، وهو ﷺ لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشد الرحل، بخلاف غيره فلا يقال إن زيارته بلا شد رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها، كما يقال في سائر المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين، إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون، بل جميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا، بل قد قيل إن الأمر بالعكس، وإنه يستحب للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد، وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شد الرحل ومن لم يشده، تبقى النية كما ذكر مالك، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدًا وفعلاً فيكره لهم كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر. وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغه عن أحد من السلف، ونهى عنها وقال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها). فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث / والإجماع، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب، وأن الصلاة فيه بألف صلاة. واتفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، وقال بعضهم إنه أفضل من المسجد الحرام، ومسجده يستحب السفر إليه، والصلاة فيه مفضلة لخصوص كونه مسجد الرسول ﷺ الذي بناه هو وأصحابه، وكان يصلي فيه هو وأصحابه. فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة

стр. 30

الرسول ﷺ قبل أن يدفن في حجرة عائشة، وكذلك هي ثابتة بعد موته، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر، كما أن المسجد الحرام مفضل لا لأجل قبر، وكذلك المسجد الأقصى مفضل لا لأجل قبر، فكيف لا يكون مسجد الرسول ﷺ مفضلاً لا لأجل قبر، فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين ﷺ ، وهذا تنقص بالرسول وبقوله ودينه مكذب له فيما قال، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه، كما أن النصارى يكذبون كثيرًا مما أخبر به المسيح عن ربه ودينه، [ويظنون ذلك تعظيمًا له ولدينه]، وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله وطاعتهم فيما أمروا به ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم لا التكذيب بما أرسلوا به والإشراك بهم والغلو فيهم، بل هذا كفر بهم وطعن فيهم ومعاداة لهم. والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه، كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر واعتقد أن السفر إليه تبعًا للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلى في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول ﷺ قبره كالسفر إلى قبور هؤلاء والمساجد التي عندهم فقد خالف إجماع المسلمين وخرج عن شريعة سيد المرسلين، وما سنه لأمته الغر الميامين، بخلاف الذي قصد المسجد، وإلا فمن جهة

стр. 31

العمل لا يمكن أحدًا أن يفعل عند قبره لا سنة ولا بدعة، إنما يفعل ذلك / في المسجد، فمن فعل فيه سنة [حُمد عليها وأجر عليها]، ومن فعل فيه بدعة ذم ونهي عنها. ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً). والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله وقبر غيره، فإنهم دفنوه في الحجرة لم يبرزوا قبره كما كانوا يبرزون قبورهم خوفًا أن يتخذ مسجدًا، ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى قبره لزيارته، ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطًا آخر فلم يبق أحد متمكنًا من زيارته كما تزار القبور.

стр. 32

ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه فقال: تستحب زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك، ولا علق [بمسمى هذا الإسم] حكمًا شرعيًا. وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له، وإنما تكلم به من تكلم من المتأخرين، ومع هذا فلم يريدوا به ما هو المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده، ليس هناك زيارة تفعل في غير مسجده، ولو قدر أنه وقف في الطريق من جهة المشرق وفعل ما فعل لم يكن هناك سنة عند أحد من العلماء، وإذا كان لا بد للزائر من المسجد فالمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن، [وكل ما يشرع فيه من العبادات فإنه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم يكن] سواء تعلق بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال الله له الوسيلة والثناء عليه والمحبة والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه ﷺ أو لم يتعلق بالرسول كالصلاة والاعتكاف، مع أنه لا بد في ذلك من ذكر الرسول بالشهادة له والسلام عليه وكذلك الصلاة عليه، وهذه العبادات وغيرها وحقوقه وغير حقوقه هي مشروعة في جميع المساجد وإن لم يكن هناك قبره بل في جميع البقاع إلا ما استثناه الشرع.

стр. 33

وإذا كان السفر الذي / يسمى زيارة لقبره إنما هو سفر إلى مسجده لا إلى غيره وكان ما شرع فيه مشروعًا في ذلك المسجد وفي غيره وإن لم يكن القبر هناك لم يكن شيء من ذلك مشروعًا لأجل القبر ولا مختصًّا به. وأما ما يفعله بعض الناس من البدع المختصة بالقبر فذلك ليس بمشروع، بل هو منهي عنه. فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى زيارة لقبره، وأن هذا الاسم لا مسمى له، والذين أطلقوا هذا الإسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح لكن عبروا عنه بلفظ لا يدل عليه، ولهذا كره من كره أن يقال لمن سلم عليه هناك: زرت قبر النبي ﷺ وإن أرادوا ما لا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم، ومع هذا فليس هو زيارة، فلو قدر أن بعض الناس أشرك في مسجده به واتخذه إلهًا وسجد للقبر وطاف به سبعًا واستلمه وقبله لم يكن شيء من ذلك زيارة لقبره وإن كان محرمًا، فهذا لفظ لا حقيقة له. بل يقال لمن أطلقه: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [سورة النجم: (٢٣)]، وهذا بخلاف قبر غيره فإنه ليس على الناس من حقوقه في سائر البقاع ما عليهم من حق النبي ﷺ ، ولا أمروا أن يصلوا عليهم ويسلموا عليهم حيث كانوا كما أمروا بذلك في حق الرسول ﷺ مع أنهم حيث صلوا وسلموا عليه بلغه صلاتهم وسلامهم، لا يختص بيته بذلك كما جاءت [بذلك] الأحاديث. وغيره يستحب أن يزار فيوصل إلى قبره فيدعى له.

стр. 34

والصلاة على القبر مشروعة لمن لم يصل على الميت عند أكثر العلماء كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهم متنازعون: إلى كم يصلى على القبر؟ وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد أنه يصلى عليه أبدًا. واتفقوا على أن قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه كما لم يصل عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن. فهذا لعلو قدره لا لخفضه عن غيره. فإنه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر، والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتخذ قبره / وثنًا وعيدًا. والرسول ﷺ ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه له وصلاته وسلامه عليه وسائر حقوقه موجودًا معه في جميع البقاع لا يختص القبر بشيء من حقوقه، فمن خص القبر بشيء من حقوقه قصر فيه عند غير القبر فهو مقصر في حق الرسول ﷺ مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره عيدًا، وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع، وكذلك ما يفعل عند قبر غيره من الزيارة هو عند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلو قدره واختصاصه بما ميزه الله على غيره ﷺ كما خص بأن دفن في الحجرة ولم يبرزوا قبره. فتبين أن ما في الجواب من قول المجيب: السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء، هل هو محرم أو مباح؟ ونحو ذلك لا يتناول قبر النبي ﷺ إلا بالنية فقط كما قال مالك، وإلا فذلك أمر ليس بمقدور. وما ليس بمقدور فهو بالضرورة ليس بمشروع ولا مأمور به.

стр. 35

وأما السفر المشروع إلى هناك فهذا لا يدخل في هذا اللفظ قطعًا، فإنه ليس سفرًا لمجرد زيارة قبره لا من جهة الفعل ولا من جهة القصد. ومما يبين هذا أن جميع من يسافر لزيارة قبره إنما يصل إلى مسجده ويصلي فيه، لكن من الذين يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول هو إلى المسجد، وأن القبر محجوب. ومنهم من قد عرف ذلك لكن قد يظن أن المسجد بني لأجل القبر كما يبنى على بعض القبور مساجد لأجلها، فيأتي الزائر فيصلي فيها أولاًً تحية المسجد أو غيرها والمقصود هو القبر. وهؤلاء منهم من لا يعرف أن مسجده محترم معظم يقصد لنفسه لا لأجل القبر. ومنهم من لا يعرف أن الصلاة فيه بألف صلاة، ولا أن السفر مشروع إليه كما يشرع إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، بل يظن كثير منهم أن السفر إنما هو لأجل القبر، ولا يعلم أن السفر إلى مسجده مشروع مستحب مرغب فيه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقًا، وأن الصلاة فيه بألف صلاة سواء كان عنده القبر أو لم يكن، كما كانت هذه الفضيلة / ثابتة له في حياة الرسول ﷺ ، بل كان الذين يصلون فيه إذ ذاك أفضل من غيرهم، وكانت الهجرة واجبة له في حياة الرسول قبل فتح مكة، على المسلمين أن يهاجروا إلى المدينة دار الهجرة ودار السنة ودار النصرة. ومن كان بها كان عليه أن يصلي في المسجد النبوي ولو لم يكن إلا الجمعة فإن الجمعة فرض على الأعيان باتفاق الأمة، ولم يكن على عهده بالمدينة مسجد

стр. 36

يصلى فيه الجمعة إلا مسجده، وهو أول مسجد أسس على التقوى، وأول مسجد أذن فيه وأقيمت فيه الصلاة. فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه وفضيلة السفر إليه وهو يريد السفر إلى القبر ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده فهذا لا بد -إن كان مؤمنًا بما جاء به الرسول ﷺ أن يقصد السفر إلى مسجده وإن قصد مع ذلك القبر. لا يتصور من المؤمن به العالم بشريعته العالم أن المسافر إلى هناك يصل إلى مسجده لا يتصور -مع هذا العلم والمعرفة والإيمان- أن لا يقصد السفر إلى مسجده، بل لا يقصد إلا مجرد القبر. بل الذي يسافر ولا يقصد إلا مجرد القبر إما أن يكون جاهلاً بشريعته [وفضيلة مسجده] وفضيلة السفر إليه. أو جاهلاً بالحال لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده، أو لا يعلم أن مسجده مؤسس على التقوى مقصود معظم قبل حصول القبر، وأنه لم يبن لأجل القبر، ولا حرمته وفضيلته وعظمته لأجله، فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر إلا من يكون جاهلاً بهذا أو بهذا أو بهذا. وإن كان عالمًا بذلك كله، ومع هذا ليس قصده إلا السفر إلى القبر كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم، والسفر إلى المسجد ليس له عنده حرمة ولا يعتقد فضيلته ولا يقصد السفر إليه مع علمه أن الرسول ﷺ رغب في ذلك وبين فضل مسجده، فهذا لا يكون إلا كافرًا بالرسول. ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظمة أولى من قصد المساجد، والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة، ودعاء الخلق أفضل من دعاء الخالق، والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر.

стр. 37

ومنهم من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة / والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول ومن الشرك برب العالمين، لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه. بل إنما يفعل هذا من كان جاهلاً بسنة الرسول أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول ونحو ذلك. وهؤلاء كلهم كفار، وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم. ومنهم من يجعل قبر شيخه أعظم من قبر الرسول. ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم ولكن يعظم أصحاب القبور من جهة أنه يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفى، لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول الله الذي أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته وسلوك سبيله واتباع ما جاء به، وكما هذا نعت المؤمن به، والمؤمنون به لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده مع علمهم أنهم يصلون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته. فإذا عرفوها دعاهم الإيمان به إلى متابعته ﷺ تسليمًا. والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر لمجرد زيارة القبور، فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وهو المراد بالسفر لزيارة قبره، فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو أنه يستحب السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده أو بدون دخوله، هل قال هذا أحد؟ أو أنه يستحب السفر إلى القبر دون قصد المسجد؟

стр. 38

مع أنه إنما يصل إلى المسجد، والسفر إليه مستحب بالنص والإجماع، والصلاة فيه مفضلة، فهل قال مسلم إن هذا المستحب بالنص والإجماع مع فعل الإنسان له إذا لم يقصده البتة، وإنما قصد مجرد القبر يكون هذا السفر مستحبًّا بنص أو إجماع أو هل قال ذلك إمام من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين، وإن لم يكن هنا نص ولا إجماع؟ وهل يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه -مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده- إلا من هو جاهل بدينه أو كافر بما جاء به؟ / فإن هذا ليس عليه في النية كلفة أصلاً، فإنه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن الصلاة فيه لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر. فإذا لم يقصده فإنه يكون جاهلاً بأن ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهال يظنون أن المشروع إنما هو السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر، فإذا عرف الجاهل بسنته المعلومة عند جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين فإن الله يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا. فإذا لم يعرف أن إمامًا من أهل الاجتهاد قال إنه يستحب السفر إلى مجرد القبر دون المسجد وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد وأن سفره مشروع ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعًا مستحبًّا، هذا مما يقطع بأنه لا يقوله عالم. فإذا لم يثبت ذلك سلم الإجماع المذكور. وإن قدر أن هذا قول ثالث كان ذلك قولاً خفيًّا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب، والمجيب ذكر إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة، وهذا مبسوط في مكان آخر.

стр. 39

والمقصود هنا [أن ما] حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة القبور كذب بين على المجيب ليس في الجواب، وإنما فيه السفر خاصة، وكلام المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل، وأنه يستحب زيارة قبور المؤمنين عمومًا فضلاً عن الصالحين والأنبياء، بل نفس السفر الذي ذكر فيه القولين لم يذكر أنه يختار أحد القولين، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء، فكيف يجوز أن يحكى عنه أنه حرم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور، وإنه ادعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها؟ ثم من المعلوم لكل من قرأ شيئًا من العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك، وذكر النزاع في زيارتها للنساء. هذا موجود في الكتب الصغار والكبار، وقد قرأه المجيب وقرئ عليه مرات لا يحصيها إلا الله، وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده. فكيف يحكى إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية محرمة؟ و / لو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكى له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال: هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول إن زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور مطلقًا؟ فإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى. فكان الواجب عليه أن يكذب ناقل ذلك فضلاً عن أن يكون هو الناقل عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ذلك، وإنما فيه ذكر الخلاف في السفر إليها، والسفر إليها مسألة، وزيارتها [بلا سفر مسألة].

стр. 40

وأما قبر النبي ﷺ فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، والسفر إلى مسجده مستحب بالإجماع ليس من مسائل النزاع. وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده، وعلم أنه مسجده الذي كان يصلي فيه هو وأصحابه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقًا، وأنه ﷺ جعل الصلاة فيه بألف صلاة، وأنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ونحو ذلك وهو مؤمن بالرسول ﷺ ، فلا بد أن يقصد -إذا سافر إلى هناك- السفر إلى مسجده لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول ﷺ أن لا يقصد السفر إلى مسجده، فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو كافر، لكن كثير من الناس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ويقصدون السفر إلى القبر أيضًا، ثم منهم من يستوي عنده القصدان، ومنهم من يكون قصد المسجد أقوى عنده، ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده. وهؤلاء يظنون أن قصد السفر إلى قبره من المحبة له والتعظيم، وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى مسجده، وهم غالطون في ذلك، فإن السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم والتأسي بإبراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم بالكتاب والسنة والإجماع، بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده، والسفر إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه. وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو أفضل من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم، وكذلك السفر إلى مسجد / نبينا ﷺ والتأسي به فيما كان يفعله فيه من العبادات وفعل ما رغب في
следующие страницы →